×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

القيم الاجتماعية / الصفحات: ١٠١ - ١٢٠

قائلاً له: <لا ترمه فأنّي أكرة أن أبدأهم> وهو لم يستخدم آليات السلطة الأموية في الوصول إلى أهدافها من إشاعة الإرهاب والخوف والخديعة والمكر وقتل الناس, ولو أراد أن ينتصر من السلطة الأموية بالجور لفعل ذلك، ولكن قيمه ومبادئه كانت سداً منيعاً يحول بين ذلك,فهو في طريقه إلى العراق لم يهاجم القبائل ولا القوافل ولم يروع الأطفال والنساء. ولم يقتل إنساناً واحداً، ولم يقطع شجرة أو أحرق زرعاً, ولم يأمر باستخدام العنف والإكراه ضدّ الناس , كما فعل جيش السلطة، إنّما كانت أوامره ووصيته إلى سفيره (مسلم بن عقيل) لمّا بعثة إلى الكوفة أن أمرة <بتقوى الله واللطف بين الناس> وقد نفذ مسلم بن عقيل وصية الإمام كما هي ولو أنّ الإمام الحسين أوصاه بغير ذلك لكان في إمكانه أن يقتل عبيد الله بن زياد غيلة عندما سنحت له الفرصة، ولو فعل ذلك لاستولى على قصر الإمارة في الكوفة ولتغيّرت الأحداث برمّتها، ولكنّه الإيمان والقيم التي حالت دون ذلك على اعتبار أنّ الفتك ضدّ الدين.

وكان متسامحاً مع أعدائه حيث قام بتقديم الماء لأحد قادة الجيش الأموي (الحرّ بن يزيد الرياحي) وجنوده (١٠٠٠ مقاتل) الذي جاءوا لمجابهة الإمام الحسين عليه السلام وإغلاق الطرق المؤدّية للكوفة عليه, ومنعه من الولوج إليها, بعد أن لاحظ عليهم الإعياء من شدّة العطش, ولم يقتصر بتقديم الماء لهم فقط، وإنّما أمر أيضاً أن تسقى خيولهم من الماء، وهو بذلك قد أرسى مبدأ هام هو أنّ السلام والتسامح ليس حقّ للبشر فقط، وإنّما يجب أن يكونا أيضاً حقّاً للحيوان, وقد أكّد ذلك الإمام الحسين عليه السلام عندما أصدر تعليماته أن: <أسقوا القوم وأروهم من الماء, ورشّفوا الخيل ترشيفاً>(١).

١- ابن كثير، البداية والنهاية ( مرجع سبق ذكره): ص٢١٣.

١٠١
فإنسانية الإمام الحسين عليه السلام منحت أعدائه الحقّ في إلّا يمنعوا من شرب الماء، ولم يستخدمه كسلاح ضدّ جيش السلطة, على الرغم من أنّ هذا السلاح قد استخدم ضدّه هو وآل بيته عليهم السلام وأتباعه بعد ذلك، ومنعوه من شرب ماء الفرات في الوقت الذي كانوا يسمحون فيه للخنازير والكلاب وسائر الملل الأخرى بالشرب منة. لقد كان بإمكانه عدم تقديم الماء وتخزينه لاستخدامه إذا اقتضت الحاجة، ولكنّه لم يفعل رحمة منه وتسامحاً مع أعدائه.

وكان متسامحاً أيضاً مع الحرّ الرياحي بعد أن قرّر انضمامه للحقّ, والانقلاب على جيش عمر بن سعد, تاركاً لوم اللائمين من جيش السلطة، ومؤكّداً لهم: <والله إنّي أخيّر نفسي بين الجنة والنار, والله لا اختار على الجنة غيرها، ولو قطّعت وحرقت>(١).

فقد وقف الحرّ أمام الحسين عليه السلام معلناً توبته واعتذاره واستعداده بالتضحية بنفسه، ومتسائلاً هل لي من توبة؟ فأجابه الإمام الحسين عليه السلام : نعم، وبشّره بأنّه الحرّ في الدنيا والآخرة.

فتح له باب التوبة، ولم يغلقها في وجهه وقبل اعتذاره. فهو تعامل مع أعدائه بكلّ حبّ وإنسانية ولم يحمل لأيّ من السلطة الأموية أو جيشها أي ضغينة أو حقد أو كره أعمى, ولم تكن قضيته بأيّ حال من الأحوال ذات أبعاد شخصية أو تصفية لحسابات قديمة، فقضيته هو أن يتّبع أولئك الحقّ، فإن أبوا فإنّما هو متّبِع الحقّ، يقاتل من أجل العدالة والخير ونصرة الحقّ, وليس انتقاماً لذاته.

١- ابن كثير (المرجع السابق): ص٢٢٢.

١٠٢

قيم الشجاعة والحرية:

نجح الإمام الحسين عليه السلام في اختبارات الشجاعة المتعدّدة التي صادفته منذ خروجه من المدينة حتّى وصوله إلى كربلاء, حيث قدّم أكبر التضحيات الإنسانية في الوجود, حيث ضحّى بروحه, وأرواح آل بيته عليهم السلام في سبيل إعلاء قيمه ومبادئه وأفكاره, وفي سبيل تحقيق التغيير الاجتماعي المنشود حتّى ينتقل بالمجتمع من حالة الخوف والظلم والفساد السياسي الذي فرضته الدولة الأموية على المجتمع جبراً وقهراً إلى حالة المساواة والعدالة والحرّية.

وتتجلّى شجاعة الإمام الحسين عليه السلام في الصمود والتصدّي والتصميم على رفض التوريث السياسي، وعدم الاعتراف بشرعية يزيد بن معاوية في الخلافة، وفي التصميم على الزحف بآل بيته إلى الكوفة استجابة لطلب أهلها, وفي التصدّي بكلّ شجاعة للقدر الأبدي التي حاولت السلطة الأموية أن تفرضه على المجتمع لتبرير شرعيتها السياسية وطغيانها، واستبدادها، من خلال الترويج للقيم الجبرية، والقدرية وإيهام العامة بأنّها مفوّضة من قبل الله، وأنّ الله قد اختارها على العالمين لتقود الأمّة، ولذلك يجب على الناس أن يطيعوا وأن يرضوا بما كتبة الله عليهم.

وهذا ما رفضه الإمام الحسين عليه السلام وتصدّى له فكشف زيف دعواهم. وأظهر حقيقة ممثلي السلطة الأموية، في أنّهم لا يحكمون بالشرع، وأنّهم طغاة يسومون الناس العذاب، ولن يتورّعوا على أن يقتلوه ويستحلّوا دمه بدون رادع لهم من دين أو عرف بالرغم من الرمز الديني والاجتماعي الذي كان يمثّله في المجتمع آنذاك.

ويمكن أن نرى قيم الشجاعة في الاتزان النفسي الذي ظلّ ملازماً

١٠٣
الإمام عليه السلام بعد أن جاءته الأخبار بالأوضاع الجديدة بالكوفة على إثر مقتل طلائع الثورة في الكوفة (مسلم بن عقيل، وهاني بن عروة) وخذلان الذين طلبوا قدومه له، فلم تنهار معنوياته النفسية، أو يجبن، أو يتراجع عن موقفه، بل زاده ذلك إصراراً وصموداً وأكّد على استمرار زحفه بآل بيته إلى الكوفة مؤكّداً للجميع على أنّه: <لا خير في العيش بعدهما>(١).

ولو كان أحد غيرة لتراجع عن موقفه، وتصدّى الإمام الحسين عليه السلام بشجاعة وإباء لتهديدات السلطة بقتله، وإجباره على المبايعة ليزيد بن معاوية وانتزاع شرعيته قسراً. فتحدّى الموت في أن يكون عائقاً يحول دون تحقيق مبادئه الثورية في رفض توريث السلطة، ورفض الاعتراف بشرعية يزيد بن معاوية، والتصدّي للطغاة من ولّاة الدولة الأموية، ومحاربة النزعة الاستبدادية المطلقة للسلطة الأموية التي أجبرت الأغلبية من الجماهير على الانحناء والطاعة لمطالب السلطة المستبدّة. ومؤكّداً في ذات الوقت على الحريّة والمساواة والعدالة في المجتمع، والحقّ في مقاومة الاستبداد السياسي لدى ولاة السلطة الأموية المستبدّين.

فنجده قد رفض تهديدات الحر بن يزيد الرياحي له عند حصاره ومنعه من الدخول إلى الكوفة، وتخويفه بالموت, فأكّد له, على أنّه يفضّل الموت على أن يعيش مرغماً ولم يهابه أن أصبح بين رحى المطرقة والسندان، فهو من ناحية قد اكتشف خيانة أهل الكوفة وخذلانهم له، ومن جهة أخرى فإنّه سيواجه جيش السلطة الأموية بكلّ جبروته وتفوقه في العدّة والعتاد، ورغم هذه الحقائق الواقعية لم يخش جيش السلطة، ولا الحصار الذي فرضوه عليه، ولا

١- ابن كثير، البداية والنهاية ( المرجع السابق): ص٢٠٩.

١٠٤
سلاح العطش الذي استخدمته السلطة الأموية للنيل من معنوياته، وانتزاع اعترافه بشرعية يزيد بن معاوية، فتصدّى لهم بكلّ شجاعة وإباء، فحين حاصرته جنود السلطة في كربلاء، طلبت منه الاعتراف بشرعية السلطة الأموية فرفض مؤكّداً أنّه: < لا أجيب ابن زياد إلى ذلك أبداً، فهل هو إلّا الموت، فمرحباً به>(١).

وقد كان بإمكانه إجابتهم إلى ما أرادوه منه لينجو بنفسه وآل بيته إن أراد ذلك، ولكن شجاعته وإبائه أبت إلّا أن يختار الموت، ولا يعترف بشرعية سلطة باطلة، فالذين يقدمون على مثل هذا الاعتراف إنّما هم العبيد الأذلّاء, الذين ليس لهم من الإرادة من شيء، حيث وقعت نفوسهم الضعيفة تحت سلطان القهر والإجبار، وأدوات القمع التي تجبرهم على انحناء الرؤوس والاستسلام لأمور هو رافضها في الأساس، وهو ما يرفضه الأحرار والثوّار، وذلك ما رفضه الإمام الحسين عليه السلام بالفعل، حيث فضّل أن تصرع روحه وروح أعزّ الناس لدية في سبيل إعلاء الحقّ والعدالة على أن يرضخ لتعليمات وأوامر الطغاة، حيث أقسم: <لا والله، لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقرّ إقرار العبيد>, ومؤكّداً لطغاة السلطة وعملائها أن لا تغترّ بجبروتها وقوّتها وأدوات قهرها، ولا تعتقد أنّها ممكن أن تحول بين مبادئه وقيمه وأفعاله التي يؤمن بها رغم خذلان الذين طلبوا قدومه، وقلة أتباعه. و<إنّ الدعي بن الدعي قد ركّز بين اثنتين، بين السلّة والذلّة، وهيهات منا الذلّة... ألا وإنّي زاحف بهذه الأسرة على قلة العدد، وكثرة العدو، وخذلان الناصر>(٢).

فشجاعة الإمام الحسين عليه السلام ضدّ السلطة الأموية تجلّت في عدم انكساره

١- ابن العديم، الحسين بن علي سيّد شباب أهل الجنة (مرجع سبق ذكره): ص٨٥ .

٢- ابن العديم (المرجع السابق): ص٤٧.

١٠٥
واستسلامه لشروط السلطة، وهو يرى أولاده وأعزّ ما لديه يتحرّقون ألماً، وقد قتلهم العطش، بعد أن منعت جنود السلطة الماء عنهم، ولم ينهار عندما رآهم وهم يقتلون، ويذبحون بين يديه الواحد تلو الآخر، ولا هابه مشهد طفله الرضيع الذي قتل بين يديه عطشاناً، بل كان رابط الجأش، ملك زمام نفسه جريئاً مقداماً، لم يستسلم أو يتنازل عن المبادئ والقيم التي آمن بها طلباً للسلامة والنجاة، وإنّما تصدّى لهم و قاتلهم بعد أن رأى منهم حرصاً على اغتياله فبارزهم بشجاعة أذهلت أعدائه، حيث كان سيفه سبّاقاً بتّاراً لكلّ من يبارزه، وكان يهجم على جنود السلطة فيفرّون منه مذعورين كأنّهم حمر مستنفرة فرّت من قسورة.

وظلّ يقاتل جنود السلطة بمفرده حتّى آخر قطرة من دمه، وصبر بكلّ شجاعة على ضرب السيوف، ورمي السهام، وطعن الرماح(١).

وهو الذي زرع الرعب والخوف في نفوس قاتليه فعندما حاول أحد جنود السلطة الأموية (خولي بن يزيد) أن يحزّ رأسه، أصابه الهلع والفزع وارتعدت يداه ولم يستطع أن يحزّ الرأس(٢). فهل كان مبعث الهلع والفزع أن يكون ذلك الجندي قد عاين الحقيقة بعد أن تجسّدت له في هذه اللحظة وأيقن بعد فوات الأوان ببطلان أفعاله، وأنّه قد تمّ خداعه من قبل السلطة الأموية وأعوانها؟! أم أنّه شاهد شيئاً آخر لم يبح لنا به ولم نتوصّل إليه؟

لقد كانت مواقف الإمام الحسين عليه السلام الشجاعة في كربلاء رمزاً إنسانياً في مواجهة الموت والقدر الأبدي التي حاولت السلطة الأموية أن تفرضه عليه، فتحدّاه

١- ابن كثير، البداية والنهاية (مرجع سبق ذكره): ص٢٣٢.

٢- ابن العديم، الحسين بن علي سيّد شباب أهل الجنة (مرجع سبق ذكره): ص٨٨ .

١٠٦
وانتصر على الموت والقدر الأموي في سبيل إحياء العدالة والمساواة والحرّية.

فدعوته وأفكاره لم تمت، ولم تتمكّن السلطة الأموية بكلّ جبروتها وعنفها أن تنتزع منه اعتراف بشرعيتها، وذلك جعلها حيّة في نفوس الأحرار، وأحدثت تغييراً جذرياً في المجتمع بعد استشهاده حيث أصبحت مبادئ ثورته وشعاراته علماً لكلّ انتفاضة أو حركة تغيير ضدّ استبداد السلطة الأموية، بل و أصبحت أفكاره ومبادئه نبراساً للثوّار والأحرار في كلّ مكان وزمان يقتدي بها الأوّلون والآخرون.

قيم الحوار والإقناع:

أكّد الإمام الحسين عليه السلام على قيم الحوار والإقناع في العديد من المواقف الاجتماعية التي صادفها، فقد تحاور مع بعض رجال السلطة الأموية وجنودها، وتحاور مع أصحابه وآل بيته عليهم السلام ، ومع الذين عارضوا خروجه إلى العراق، ومع الذين أعطوه المواثيق والعهود ثمّ نكثوا وانقلبوا ضدّه. فقد تحاور الإمام مع العديد من الشخصيات الذين نصحوه بعدم التسرّع في الخروج إلى العراق، مشفقين عليه من المصير المجهول الذي ينتظره هناك، فلم يتجاهلهم أو نبذ نصائحهم وراء ظهره، وإنّما شكر لهم نصائحهم وأكّد لهم أنّ كافة الاعتبارات والحجج التي استندوا إليها في معارضتهم لخروجه، ليس بخافية عليه، وعمل على إقناعهم على أنّ هناك من الأسباب المنطقية التي تحتّم عليه أن يتعجّل للخروج إلى العراق، بصرف النظر عن النتائج الملازمة لخروجه، فهناك العديد من الأسباب الاجتماعية والسياسية والدينية تملي عليه الخروج اليوم قبل الغد، فخبرته السياسية، وعلمه اللدني وحسن درايته بأسلوب السلطة الأموية في تعاملها مع المعارضين لها، وموقفها من آل بيت الرسول’، تجعله على يقين

١٠٧
من أنّ السلطة سوف تقوم باغتياله عاجلاً أم آجلاً، ومؤكّداً لهم: <والله لا يدعوني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا ذلك سلط الله عليهم من يذلّهم، حتّى يكونوا أذلّ من قرم الأمّة>(١).

وطالما أنّ القتل هو المصير المحتوم، فإنّه يفضّل إلّا يقتل في الحرم(٢).

وعلى ذلك فإنّه من المنطق أن يعجّل بالخروج إلى العراق ولا يتأنّي في الرحيل ؛ لأنّّه لو لم يعجّل لقتل في التو واللحظة. وشرح لهم أنّ من أهمّ الأسباب التي جعلته يعجّل بالخروج بجانب الأسباب السابقة هو أنّه قابل رسول الله’ في منامه وأنّه أبلغه رسالة إلهَية وبعض الأوامر التي يتسنّى له تنفيذها، فرؤية الرسول’ حقّ، ولذا يجدر به أن ينفّذ رسالة الله التي أبلغها له جدّه في المنام: <إنّي رأيت رسول الله’ في المنام، وقد أمرني فيها بأمر، وأنا ماضٍ له>. ولما طلبوا منه أن يحدّثهم بأمر الرسالة الإلهية أعتذر إليهم بلطف قائلاً لهم: <لا أحدث بها أحداً، حتّى ألقى ربّي عزّ وجلّ>(٣).

وتحاور الإمام الحسين عليه السلام مع نائب السلطة الأموية في مكّة (عمرو بن سعيد) من خلال المراسلات التي تمّت بينهما، فحينما أرسل إليه نائب مكة برسالة يقول فيها:

<إنّي أسأل الله أن يلهمك رشدك، وأن يصرفك عمّا يرديك، بلغني أنّك قد عزمت على الشخوص إلى العراق، وإنّي أعيذك من الشقاق ؛ فإنّ كنت خائفاً

١- ابن كثير، البداية والنهاية (مرجع سبق ذكره): ص٢٠٩.

٢- ابن كثير، البداية والنهاية (المرجع السابق): ص٢٠٤.

٣- ابن كثير، البداية والنهاية (المرجع السابق): ص٢٠٧ – ٢٠٨.

١٠٨
فأقبل إليّ، فلك عندي الأمان والبرّ والصلة>.

فأرسل له الإمام الحسين عليه السلام برسالة لتوضيح الحقائق، وإقناعه بسلامة موقفه الذي لا ريب فيه، فأبلغه شكره وامتنانه لرسالته، إن كان الهدف منها النصح والإرشاد والتوجيه، وتقوية أواصر القربى وتحقيق الخير للمسلمين، وإن كانت الرسالة على سبيل التخويف والتشكيك، التخويف من عاقبة الأمر بالخروج إلى العراق، والتشكيك بأنّه سوف يفرّق الكلمة والجمع، فإنّ الأمر ليس كذلك ؛ لأنّ من يدعوا إلى الله ويعمل صالحاً، ويريد أن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، لا يمكن أن يكون هدفه تقطيع أواصر الأمّة أو الشذوذ عن الجماعة.

بل على العكس من ذلك، إنّما يريد وحدة الأمّة، وتحقيق مصالح الجماعة. وإن كان نائب مكّة قد عرض عليه أن يمنحه أمان الخائف، فإنّ الإمام الحسين عليه السلام يردّ عليه بثقة مقنعة، بأنّه لا أمان لسلطان، وخاصّة إن كان لا يحكم بشرع الله, فهل يعقل أن يمنح السلطان الجائر الأمان لمن يعارضون حكمه الغير الشرعي؟! إنّما الأمان الحقّ هو أمان الله، الذي يبعث على الطمأنينة والثقة، وأنّه لا إيمان لمن يخشى السلطان، وإنّما الإيمان لمن يخشى الله في السرّ والعلن.

<إن كنت أردت بكتابك برّي وصلتي، فجزيت خيراً في الدنيا والآخرة، وأنّه لم يشاقق من دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنّني من المسلمين، وخير الأمان أمان الله، ولم يؤمن بالله من لم يخفه في الدنيا، فنسأل الله مخافة في الدنيا

١٠٩
توجب لنا أماناً يوم القيامة عنده> (١).

وتحاور مع أحد عملاء السلطة الأموية (عبد الرحمن بن الأشعث) عندما طلب منه أن يعترف بشرعية يزيد في مقابل ضمان سلامته الشخصية, والحصول على ترضية مناسبة، فأوضح له أنّه ليس الرجل الذي يمكن خداعه, وأفهمه إن كان أخوه قد نجح في خداع مسلم بن عقيل وجعله يقوم بتسليم نفسه للسلطة الأموية في الكوفة، فلا يعني ذلك أنّك ستنجح مثله، وإن كنت أخو أخيك، ولذا فمن الأفضل لك إلّا تقوم بمثل هذا الدور، وعمل على إقناعه وتوضيح الأسباب التي جعلته يرفض الاعتراف بشرعية يزيد هو أنّ فرعون بني أمية المتكبّر له من السلوكيات والصفات التي لا يقرها الشرع والعرف، وهى بالطبع لا تؤهّل صاحبها لخلافة الأمّة، وعلى هذا الأساس لا يمكن الاعتراف بشرعية يزيد بأي حال من الأحوال: ﴿إنّي عذت بربّي وربّكم من كلّ متكبّر لا يؤمن بيوم الحساب﴾(٢)(٣).

وحاور أمير الجيش الأموي (عمر بن سعد بن أبي وقّاص) محاولاً إقناعه بترك تحالفه مع السلطة الأموية، والانضمام إليه وعدم قتاله، وكان الحوار مع عمر بن سعد ذات أبعاد متعدّدة فهو أوّلاً أوضح له نسبه الشريف الذي لا يجهله أحد، وعدالة قضيّته التي يدافع عنها، والتي لا يجهلها ابن سعد ذاته ثانياً، عندما رفض ابن سعد عرض الإمام الحسين عليه السلام مبرّراً موقفه من أنّه يخاف من

١- ابن كثير، البداية والنهاية (المرجع السابق): ص ٢٠٣.

٢- سورة غافر:٢٧.

٣- ابن كثير، البداية والنهاية (المرجع السابق): ص٢٢١.

١١٠
بطش السلطة الأموية به حيث يمكنها أن تصادر أمواله وضياعه، وتهدم داره، لم ينه الإمام الحسين عليه السلام الحوار معه، ولكنّه وضع حلولاً بديلة ليختبر بها مدى صدق عمر بن سعد في أفعاله، فقد عرض عليه، أنّه سوف يقوم بإمداده بالأموال اللازمة إن كان ذلك هو السبب الحقيقي، وسيبني له دياره إذا ما قدمت السلطة الأموية على هدمها. ولكن عندما أفهمه الإمام الحسين عليه السلام فأتمّ الحجة عليه أنّه (عمر بن سعد) قد غلبته شهوة السلطة، وأنّه حريص على إمارة الري وجرجان، وأنّه آثر الانحياز ضدّ الحقّ، وبدأ يطرح أسباباً واهية لتبرير انحيازه للسلطة الأموية كخوفه من أن يقتل أطفاله، توقف الحوار بين الإمام الحسين عليه السلام . وبين عمر بن سعد، إذ لم يعد للحوار أيّ معنى، ووصل لطريق مسدود في ضوء اختلاق عمر بن سعد للحجج والذرائع الغير المنطقية، والتي تبرّر نكوصه عن الحقّ، وانحيازه للسلطة الأموية من أجل إشباع شهوته في الجلوس على كرسي الحكم لولاية الريّ وجرجان التي وعدتهما به السلطة الأموية.

وبعد أن اشتدّ حصار الجيش الأموي على الإمام الحسين عليه السلام ، وأيقن أنّ جيش السلطة سوف يغتاله، حاول إقناع أصحابة وبني عمومته (بني عقيل)، أن يتركوه وينصرفوا إلى بلادهم إن أرادوا ذلك، مؤكّداً لهم إنّ الفرصة الآن أصبحت سانحة لهم، لأنّ الجيش الأموي إنّما يريد رأسه فقط، وإن تمكّنت منه فإنّها ستكتفي بذلك، ولن تطاردهم، ولذا يجب عليهم أن يتسلّلوا تحت جنح الظلام والتفرّق في الأرض إذا أرادوا أن ينجوا بأنفسهم، فهو أكّد على أنّ: <من

١١١
أحب أن ينصرف إلى أهله في ليلته هذه فقد أذنت له، فإنما القوم يريدوني، فلوا أصابوني لهوا عن طلب غيري>(١).

ولمّا أيقنت أخته السيّدة زينب بنت علي أنّ الإمام عليه السلام قد أصرّ على مواجهه جيش السلطة الأموي، وهي تعلم أنّها مواجهة غير متكافئة، لطمت وجهها وشقّت جيبها من هول نتيجة المواجهة، فعمد الإمام الحسين عليه السلام على إقناعها بضرورة الصبر في حالة استشهاده.(٢).

وتحاور الإمام الحسين مع الناكثين له مؤكّداً لهم بأنّه لم يقصّر في حقّهم، ولم يتواني عن تلبية رغباتهم وتوسّلاتهم بالحضور لكي ينقذهم من ظلم واستبداد السلطة الأموية إلّا أنّهم بدلاً من أن يكونوا عوناً له ويداً وسيفاً له على أعدائه وأعدائهم، نكثوا العهود والمواثيق التي قطعوها على أنفسهم، فخذلوه ونصروا السلطة الأموية، وأصبحوا سيفاً عليه لا على أعدائه، وحذّرهم من نتائج هذه الأفعال التي ستجعلهم أذلّة لطواغيت الأمّة من أمويين وغيرهم من الحكّام المستبدين، وحاول تجريب الصدمات النفسية لعلّهم يفيقون من مغبّة فعلهم، فكشف عن حقيقتهم وعرى نفوسهم أمام أعينهم عندما كشف لهم أنّ أصولهم وفروعهم مشهورين بالخذل والنكث، ولذلك أصبحوا من أخبث الناس، وهم بذلك يستحقّون اللعنات.وكان من المفترض أن يراجع هؤلاء الناكثين أنفسهم ويرغموها على الانحياز لصوت الحقّ بصرف النظر عن النتائج، ولكنّهم لم يستجيبوا له.

١- ابن كثير، البداية والنهاية ( المرجع السابق): ص٢١٨.

٢- ابن كثير، البداية والنهاية ( المرجع السابق): ص٢١٩.

١١٢
<تبّاً لكم أيتها الجماعة وبرحاً أحين استصرختمونا ولهين، فأصرخناكم موجفين، شحذتم علينا سيفاً كان في أيماننا، وحششتم علينا ناراً أقتدحناها على عدوّكم وعدّونا، فأصبحتم ألباً على أوليائكم، ويداً عليهم لأعدائكم بغير عدل رأيتموه وترة، ولا أصل أصبح لكم فيهم، ومن غير حدث كان منّا... وتداعيتم إلينا كتداعي الفراش قيحاً، وحكّة وهلوعاً وذلّة لطواغيت الأمّة، وشذاذ الأحزاب... أجل، والله الخذل فيكم معروف ...ألا فلعنة الله على الناكثين>(١).

١- ابن العديم، الحسين بن علي سيّد شباب أهل الجنة ( مرجع سبق ذكره): ص ٤٦ – ٤٧.

١١٣

ثانياً: قيم السلطة الأموية

قيم السلطة:

عملت السلطة الأموية على ترسيخ سياسة الأمر الواقع و استلاب السلطة و فرض حكمه على المجتمع الإسلامي في ظلّ معارضة أغلبية المجتمع للحكم الأموي. ورفضوا الإذعان للأصوات العاقلة التي طالبتهم بنبذ فكرة (توريث الحكم ) التي لم يألفها المجتمع وقتها فلم يكن الإمام الحسين عليه السلام وحده الذي رفض فكرة توريث السلطة، وإنّما الأغلبية . فلم يكن يزيد أهلاً لها، ولم تنطبق عليه شروط الإمامة (الخلافة) بإجماع الغالبية العظمى من المسلمين، هذا فضلاً عن أنّ هناك تياراً كبيراً مقتنع تماماً بعدم شرعية خلافة معاوية بن أبي سفيان ومن قبله خلافة أبي بكر وعمر وعثمان.

ولكي يتمّ تمرير مبدأ (توريث السلطة) وفرضه على المجتمع، اتخذت السلطة الأموية كافّة الوسائل الغير المشروعة كالاغتيالات، والمساومات والرشاوي السياسية لرؤساء القبائل، وإستمالة أبناء الصحابة، وإنفاق الأموال ببذخ، وإتّباع سياسة الترهيب والترغيب، والوعد والوعيد، وذلك من أجل تحقيق هدفين أساسين:

الأوّل: يتمثّل في التمسّك بالسلطة والحكم وتحديد مبدأ التوريث ونزع اعتراف الناس بشرعية حكم يزيد بن معاوية بكافّة الأساليب الغير مشروعة.

الثاني: يتمثّل في التخلّص من الإمام الحسين عليه السلام وإقصاء الجماهير عن تأييده أو الانضمام إليه. والذي أصبح يمثّل خطراً أو تهديداً لا يستهان به على

١١٤
وجود السلطة الأموية ذاتها، وعلى مكاسبها و مكانتها الاجتماعية، خاصّة وأنّ الإمام الحسين عليه السلام رفع شعار: <الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر> وأراد أن يطبّق النموذج (المحمّدي العلوي) في المجتمع، والذي يقوم على العدالة، المساواة، التسامح، والحوار.

وهناك نماذج عديدة في السلطة الأموية ترسّخت في وجدانها وأفعالها الأنانية وحبّ السلطة ومن هذه النماذج:

١ـ نموذج معاوية بن أبي سفيان:

فقد لعب معاوية دوراً بارزاً في تثبيت حكم يزيد، فهو أوّل من أسّس نظاماً جديداً في الحكم جعله وراثياً ـ ملكياً تأسّياً بنظم الحكم السائدة عند أكبر دولتين كانا يسودان العالم قبل انتشار الإسلام (الفرس والروم) في سابقة فريدة من نوعها.

لم يعتاد عليها المجتمع العربي في الجاهلية أو في الإسلام، وقد عمل معاوية على تأكيد عملية التوريث من خلال إصراره على رفض كلّ النداءات والنصائح التي طالبته بالعدول عن موقفه، و ترك الأمر شورى بين المسلمين حسب زعمهم وإن كانت الشورى عندنا باطلة أيضاً, خاصّة وإنّ يزيد يفتقد الشرعية فسيرته الشخصية لا تؤهّله أن يكون حاكماً، وهي النداءات التي أطلقتها الأصوات العاقلة سواء أكانوا من المؤيّدين أو المعارضين لحكم معاوية أو من بعض حلفائه. لقد كانت فكرة جعل الحكم وراثياً داخل البيت الأموي, تتماشى مع طبيعة نفسية معاوية، فهو نفسه قد حاز الخلافة بالقهر وقوة السيف وبدون سند شرعي كما اغتصبها الآخرون من قبله.

كما أنّ معاوية قدّم رشوة سياسية إلى المغيرة بن شعبة حيث أبقاه في منصبه والياً على الكوفة و لم يعزله لمّا رأى المغيرة هوى و موافقة على عملية

١١٥
(توريث الحكم).

ومارس معاوية العنف ضدّ المعارضين لحكم يزيد، و خاصّة الإمام الحسين، عبد الله بن الزبير، وطلب من جنوده أن يبقى كلّ واحد منهم ملازماً لهم وأن يبقى السيف على رؤوسهم، ودخلوا معهم المسجد، وهناك أوهم معاوية العامة من الناس أنّ الإمام الحسين عليه السلام , وعبد الله بن الزبير قد بايعوا ليزيد ليضمن مبايعة العامة ليزيد (١).

٢ـ نموذج يزيد بن معاوية:

الذي لم يكن يختلف عن سياسة أبيه في شيء حيث عمل على إضفاء الشرعية على حكمه، والتمسك بالسلطة بأي ثمن حتّى لو كان الثمن هو اغتيال الإمام الحسين وآل بيته عليهم السلام ، فقد قُتِل الإمام الحسين عليه السلام بموافقة يزيد بن معاوية ورغبته ؛ حيث أعطى الضوء الأخضر لوالي الكوفة السفّاح عبيد الله بن زياد للقيام بهذه العملية القذرة، فهو مسئوول مسؤولية تامّة عن قتل الإمام الحسين وآل بيته عليهم السلام ، ولا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن يكون بريئاً من دم الإمام الحسين عليه السلام بدليل أنّه لم يعاقب قتلة الإمام الحسين أو عاقب من أعطى الأمر مباشرة بقتله سواء بالعزل أو الاقتصاص منه.

بل كان رده العملي بعد مقتل الإمام هو استباحه جيشه للمدينة (واقعة الحرّة) ثلاثة أيّام يقتلون، و يذبحون الرجال و الشيوخ، و يغتصبون النساء بكلّ قسوة وعنف، وذلك لكي يتمكّن من تثبيت أركان عرشه التي اهتزّت بفاجعة مقتل الإمام الحسين عليه السلام فلم يكن يزيد بن معاوية وبطانته بالذي تردعهم أيّ

١- محمّد بن طولون، قيد الشريد من أخبار يزيد، تحقيق محمّد زينهم، دار الصحوة للنشر، القاهرة: ١٩٨٦ ص٧.

١١٦
مبادئ دينية أو إنسانية.

وأرسل يزيد جيش آخر إلى مكّة لقمع ثورة عبد الله بن الزبير المجتمعة بالبيت الحرام، فهاجمت جيوشه مكّة، فضربت الكعبة بالمنجنيق، وأحرق البيت الحرام في مشهد مأساوي بأن تنتهك الحرمات المقدّسة، وتضرب الكعبة رمز الإسلام(١) بأيدي جيش يزيد بن معاوية، وعلى مسمع و مرأى منه، فهي مفارقة غريبة الشكل فكيف يقوم من كان يفترض فيه أن يكون حامياً الدين والمدافع عنه بانتهاك حرماته و قدسيته بإصدار مثل هذا الأمر؟! فهل كان في نية يزيد هدم الكعبة الشريفة بعد أن فشل أبرهة في ذلك؟!

١- نموذج أمير الجيش الأموي عمر بن سعد بن أبي وقّاص:

كان دائم الولع بالسلطة، ذلك الولع الذي منعه من أن يقف مع الثورة الحسينية ومبادئها أو على الحياد، وعدم محاربتها والانسحاب بجيشه، فهو لم يكن بالجاهل بمكانة الإمام الحسين عليه السلام وفضله، ولا جاهلاً بطبيعة الدولة الأموية، واستبدادها. فالرجل في البداية أراد أن يفوز بالمنصب الذي وعدته إيّاه السلطة الأموية، وهو ولاية الري كثمن لتثبيت شرعية يزيد، وفي الوقت نفسه أراد عدم الصدام مع الإمام الحسين و آل بيته عليهم السلام حتّى لا يبوء بإثمه، ظنّ أنّه سوف ينجح في إرضاء السلطة الأموية وفي نفس الوقت يتجنب الصدام مع الإمام الحسين عليه السلام ، ولكن السلطة الأموية ـ مثلها كأي سلطة أخرى استبدادية لا تدع أيّ فرصة لعملائها بأن يكونوا في موقف محايد أو مستقل، أيقنت أنّ عمر بن سعد يماطل في مواجهة الإمام الحسين عليه السلام وأنّه يريد حلاً سلمياً

١- ابن كثير، البداية والنهاية (مرجع سبق ذكره): ص٢٧٦

١١٧
للمشكلة، فهددته بضرورة تنفيذ ما طلب منه بشأن الإمام الحسين عليه السلام وهو المواجهة العسكرية والقضاء عليه وإلّا فقد ولاية الري.

وكان يمكن لعمر بن سعد رفض الوصاية الأموية والانضمام إلى الإمام الحسين عليه السلام أو عدم محاربته وأن يعمل بوازع من ضميره، ولكن تمثيل السلطة الأموية يكشف عن مكنونه الداخلي، ومدى تمسّكه بمصالحه الشخصية، ومنصبه السياسي، ويختار المواجهة العسكرية ضدّ الإمام الحسين عليه السلام على أن يفقد ولاية الري. ولما حاوره الإمام الحسين عليه السلام وطلب منه الرجوع إلى الحقّ، وعدم مواجهته أجابه خائفاً ومتعلّلا بأنّه يخشى انتقام السلطة الأموية وإرهابها بهدم داره، أو قتل عياله وأخذ ممتلكاته(١). و على الرغم من عرض الإمام الحسين عليه السلام بتعويض ذلك إلا أن شهوته للسلطة و القوة جعلته يختار أن يحارب الإمام الحسين عليه السلام و يفتخر في ميدان القتال بأنّه أوّل من رمى الإمام الحسين عليه السلام وأنصاره بأسهم(٢).

قيم التقليد و رفض التغير:

عملت السلطة الأموية على محاربة قيم التغير و المبادئ الثورية التي كان من أهمّ شعاراتها في المجتمع الإسلامي عدم شرعية خلافة معاوية بن أبي سفيان:

١ـ رفض التوريث

٢ـ الإصلاح

٣ـ الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر

١- ابن كثير، البداية والنهاية (المرجع السابق): ص٢١٦

٢- ابن كثير، البداية والنهاية (المرجع السابق): ص٢٢٣

١١٨
وكانت هذه المبادئ الثورية من شأنها أن تحدث تغيرات في البناء الاجتماعي للمجتمع الإسلامي، وبالتالي إمكانية أن تفقد السلطة الأموية و حلفائها مواقعها الاجتماعية و السياسية، فهي المتربعة على قمة الهرم الاجتماعي والسياسي وأي تغييرات قد تقلب هذا الهرم رأساً على عقب، ولذا رفضت السلطة الأموية هذه المبادئ، وعملت على محاربتها، من أجل إبقاء الوضع القائم على ما هو عليه، و أكّدت السلطة الأموية و بعض فقهاء المسلمين، وهم بطبيعة الحال من حلفاء وأنصار السلطة الأموية، والتي كانت من مصلحتهم بقاء الأمويين في السلطة، وعدم إحداث أيّ تغييرات اجتماعية، سياسية ـ أكّدوا على أنّ ما أحدثه معاوية من توريث للسلطة إنّما هو تقليد للسلف السابق و اقتداء به.

فمن حقّ معاوية تولية ابنه الخلافة، كما فعل أبو بكر حيث أدلى بها إلى عمر الخطّاب، و حينها أوصى عمر بمن يخلفه في ستة من المسلمين الأوائل، فهو يسير على سنّة ونهج هؤلاء الخلفاء من أجل مصلحة الأمّة ووحدتها، وادّعى فقهاء السلطة الأموية أنّ في (الجماعة خير) (إن الله مع الجماعة ) وإنّ رفض خلافة يزيد بن معاوية من شأنه شقّ عصا الجماعة و وحدة الأمّة, وهى كلمة حقّ, أريد بها باطل حيث حملوا الإمام الحسين عليه السلام حالة الانقسام الناشئة عن عدم الاعتراف بشرعية يزيد بن معاوية كخليفة للمسلمين، و طالبوه بأن يدخل في الجماعة و الإقرار بشرعية يزيد ؛ لأنّ الخروج عليه هو خروج على نهج السلف.

فالسلطة الأموية وعملائها أعادت إنتاج الماضي مرة أخرى بصورة ممسوخة (مشوّهة)، ورفضوا مبادئ التغير الذي نادي بها الإمام الحسين عليه السلام ، وركنوا إلى تقليد مزيّف ممسوخ بمحاكاة السلف متجاهلين بقصد أو بدون قصد

١١٩
بعض القصور و النقد في أفعال السلف فالسلف ليسوا آلهة حتّى يكونوا بمنأى عن النقد أو الأخطاء إذا ثبت ذلك عليهم، متجاهلة شخصية الحاكم و الشروط التي يجب أن تنطبق عليه، فالركون إلى الماضي والتقليد الأعمى ترفضه الشريعة(١) و العقل إذا لم يتوافق ذلك مع أوضاع المجتمع.

الرشوة السياسية:

مارست السلطة الأموية الرشوة السياسية، وأكّدت على هذه القيمة من خلال تقديمها الوعود، المناصب السياسية والأموال من أجل تدعيم الحكم الأموي، والحصول على صكّ شرعية يزيد للخلافة، فقدّم معاوية بن أبي سفيان رشوة عاجلة إلى المغيرة بن شعبة، الذي كان ينوي أن يعزله من منصبه من ولاية الكوفة فأبقاه في منصبه مقابل حصول معاوية على تأييد و مساندة المغيرة بن شعبة لتولية يزيد الخلافة، بل إنّ معاوية حاول رشوة الإمام الحسين عليه السلام ، وعبد الله بن الزبير حيث طلب منهما الموافقة على مبايعة يزيد خليفة للمسلمين على أن يكونا هما المتصرّفان الحقيقيان في إدارة شؤون الدولة والحكم من جباية الأموال، وتوزيعها، وتعيين وعزل الولاة والأمراء فالحكم الفعلي سوف يكون للإمام الحسين عليه السلام وعبد الله بن الزبير، أمّا يزيد فسوف يصبح مجرّد صورة أو واجهة! لا تملك من الأمر شيئاً فمعاوية من أجل أن يضمن توريث السلطة في البيت الأموي أراد أن تصبح هناك دولة داخل دولة طبقاً للعرض المقدّم، فلا يهم شرعية الحاكم ( الخليفة ) أو إرادة المجتمع الرافضة

١- أنظر:سورة الزخرف (الآية٢٢ـ ٢٤)، سورة يونس (الآية٧٨ )، سورة الشورى (الآية٧٤)، سورة لقمان (الآية٢١)، سورة الأنبياء (الآية٥٢ ـ ٥٤).

١٢٠