×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

القيم الاجتماعية / الصفحات: ١٢١ - ١٤٠

لعملية التوريث، أو المصالح العامة، أو تعارض ذلك مع مبادئ الشرع و العرف.

المهم أن يصبح يزيد و مَن بعده على قمّة هرم السلطة: فـ [يزيد أخوكم، و ابن عمكم، وأردت أن تقدّموا يزيد باسم الخلافة، وتكونوا انتم تعزلون، وتجبون المال، وتقسّمونه](١).

وقد قوبل هذا العرض بالرفض التام من قبل الإمام الحسين عليه السلام ، وذلك بسبب أنّ موافقة الإمام الحسين عليه السلام على العرض سوف تدعم شرعية التوريث، وهو ما يتعارض مع قيم و مبادئ الإمام الحسين عليه السلام .

وعملت السلطة على رشوة زعماء القبائل، فاغدقت عليهم الأموال الطائلة، ووعدتهم بالمزيد من العطايا والإقطاعيات، والنفوذ، لمحاصرة الثورة الحسينية والحدّ من زيادة أنصارها، وقد نجحت السلطة الأموية في ذلك حيث استقطبت العديد من زعماء القبائل والعشائر من خلال سلاح الرشوة حيث أخذت تغريهم بالإقطاعيات والأموال، وفي الوقت نفسه تهدّدهم بقطع العطايا إن لم يضعوا حدّاً لنفوذ مسلم بن عقيل، وأنصاره الذي بدأ يعلو ويتسع في العراق, وطلبوا منهم ضرورة القبض على مسلم بن عقيل، فكان لزعماء العشائر والقبائل دوراً سياسياً بارزاً في تخذيل الناس عن مسلم بن عقيل وتفريقهم عنه ؛ حيث أشاعوا بين الناس الخوف و الرهبة من الجيش الأموي القادم من الشام, وكانوا يرسلون الزوجة وراء زوجها, والأخ وراء أخيه, ليطلب منه ترك مسلم بن عقيل، والانضمام إلى جيش عبيد الله بن زياد، فكانت الأم تأتي ابنها قائلة: <ارجع إلى البيت > الناس يكفونك. فأشاع ذلك

١- عباس محمود العقّاد، الحسين أبو الشهداء (مرجع سبق ذكره): ص٢٠.

١٢١
القيم الاجتماعي » محمد احمد محمود ابراهيم » (ص ١٢١ - ص ١٥٠) السلبية, وثبّط من حماس أنصار الثورة، وبدأ الناس يتخاذلون عن مسلم بن عقيل، ويتسلّلون من الصفوف حتّى أصبح مسلم وحيداً في سكك الكوفة ليس معه من يدلّه على الطريق(١).

فأسلوب الرشوة السياسية، وشراء الضمائر بالمناصب والأموال التي مارسته السلطة الأموية قد تكون إنعكاساً لحالة الأنومى < فقدان المعايير واضطراب نسق القيم> داخل السلطة الأموية، فلجأت إلى استخدام أساليب غير مشروعة تمثّلت في سلوك الرشوة, وغيرها من الأساليب الغير مشروعة لتحقيق أهدافها السياسية التي تمثّلت في إقصاء آل البيت عليهم السلام عن الخلافة، و حصرها داخل البيت الأموي.

قيم العنف واللإنسانية:

يعتبر ممارسة العنف وأدوات القمع الأخرى المادية منها والمعنوية مبدأ عاماً للطغاة, والدول الاستبدادية.والتي تستعين بآليات ,وسياسات,وإستراتيجيات ربمّا قد تكون متماثلة، وكذلك الأهداف, وإن تباينت الأماكن والأزمنة، فالطغاة دائماً يسعون إلى إجبار وإكراه الشعوب على الركوع والانحناء, والاستسلام لأطماعهم, والرضا بالأوضاع القائمة، من خلال فرض نظام اجتماعي ظالم, يجبر أفراده على الخضوع له وطاعته, حتّى ولو كان غير عادل, أو متعارضاً مع مصالح أو قيم أغلبية أفراد المجتمع، وبذلك يتحقّق نوع من الضبط الاجتماعي خاضع لسياسات وأولويات الطغاة, والذي يضمن عدم خروج الأفراد أو الجماعات عليه، وإلّا تعرضت للعقاب, من خلال آليات العنف وأدوات القوة

١- ابن كثير، البداية والنهاية (مرجع سبق ذكره): ص١٩٢ـ ١٩٣

١٢٢
التي يمتلكها الطغاة أو الدول الاستبدادية.

وقد مارست السلطة الأموية العنف ضدّ الإمام الحسين عليه السلام وأتباعه، بكل أنماطه الماديّة والمعنوية, من إرهاب, قتل وجرح, وتعذيب وحرق وحصار, وإكراه.

وسخّرت كل أشكال القوة, من أجل تحقيق مصالحها وأهدافها المتمثّلة في انتزاع الاعتراف بشرعية خلافة يزيد بن معاوية, لضمان توريث الحكم في البيت الأموي, من خلال إجبار الإمام الحسين عليه السلام ورموز الثورة الحسينية على الاعتراف ووأد شعار الثورة الحسينية, المتمثّل في <الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر> والذي بات يمثّل تهديداً حقيقياً على مستقبل البيت الأموي.

فعملت السلطة الأموية على تسويغ مبدأ العنف, وتطرفت فيه باتّباع سياسة نبذ الآخر, وسياسة التصفية الجسدية! لتحقيق أهدافها، فقد عملت السلطة الأموية على إجبار الإمام الحسين عليه السلام على المبايعة ليزيد بن معاوية بالإكراه وهدّدته بالقتل، فها هو أحد البيت الأموي والمحسوب على السلطة الأموية (مروان بن الحكم) يطلب جهراً وبدون مواربة أن يقتل الإمام الحسين عليه السلام إذا رفض البيعة ليزيد بن معاوية في اللحظة التي تمّ استدعائه فيها للحصول منه على البيعة(١).

وأرسل يزيد بن معاوية المتربّع على قمة السلطة في البيت الأموي إلى عبيد الله بن زياد (والى الكوفة والبصرة) يطلب منه قتل سفير الإمام الحسين عليه السلام في العراق ـ مسلم ابن عقيل ـ في حالة القبض عليه أو نفيه(٢).

وتطبيقاً لتعليمات يزيد بن معاوية وقف عبيد الله بن زياد متفاخراً بقوّته

١- ابن العديم، الحسين بن علي سيّد شباب أهل الجنة (مرجع سبق ذكره): ص٦٧.

٢- ابن كثير، البداية والنهاية (مرجع سبق ذكره): ص١٩٠.

١٢٣
وجبروته , ومؤكّداً لمسلم بن عقيل بعد القبض عليه , بأنّه سوف يقتله قتلة لم يقتلها أحد من الناس, وبالفعل نفّذ والي العراق تهديده, فضربت عنق مسلم بن عقيل, وألقيت رأسه وجسده من أعلى القصر في مشهد مأساوي وعلى مرأى ومسمع من الناس وبدون أن يعلن أحد منهم أيّ معارضة أو استنكار خشية من انتقام الجيش الأموي، لقد كان يمكن لابن زياد أن يرسل مسلم بن عقيل إلى يزيد أو يسجنه لو لم يكن هناك اتفاق مسبق بينهما على ضرورة تصفية رموز الثورة الحسينية ,بما فيهم الإمام الحسين عليه السلام نفسه, على الرغم من أنّ مسلم قد أتته الفرصة لاغتياله ولكنّه رفض أن يقتله غيلة ؛ لأنّه كان مؤمناً إن الإيمان وقيم الدين ضدّ الفتك(١).

وتعمّد جنود السلطة الأموية ذبح ممثّل الإمام الحسين عليه السلام بالكوفة (قيس ابن مسهر الصيداوي)(٢).

وذلك بعد رفضه طلب السلطة له بسبّ الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام والإمام الحسين عليه السلام ووصفهما بالكذّابين, فألقوه من أعلى القصر, فلم يمت وتكسّرت عظامه , فتقدّم إليه أحد جنود السلطة الأموية فقام بذبحه، مبرّراً فعله الإرهابي بكلّ فخر, بأنّه أراد أن يريحه من الألم!(٣).

وقامت السلطة الأموية على إرهاب الناس في العراق وإكراههم على الخروج لمحاربة الإمام الحسين عليه السلام وأنصاره. لمّا رأوا منهم أنّهم يراوغون, ويتخلّفون

١- ابن كثير، البداية والنهاية (المرجع السابق): ص١٩١.

٢- في بعض النسخ عبد الله بن بقطر.

٣- ابن كثر، البداية والنهاية (مرجع سبق ذكره): ص٢٠٨.

١٢٤
كراهية قتال الإمام الحسين عليه السلام ، حيث قبضت على أحد المواطنين الأبرياء من أهل الشام الذي حضر إلى الكوفة لقضاء بعض الأعمال, وقامت بخداع الناس وأوهمتهم أنّه ممن يرفض قتال الإمام الحسين عليه السلام ، وقرّرت ضرب عنقه بلا ذنب , على مسمع ومرأى من الناس لإرهابهم وحثّهم على ضرورة طاعة السلطان، والخروج لمحاربة الإمام الحسين عليه السلام ، وإلّا فسيكون مصيرهم القتل، فانخدع الناس وانطليت اللعبة عليهم، فخرجوا لمقاتلة الإمام الحسين عليه السلام (١).

وأثناء حصار الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء, أشاع الجيش الأموي الإرهاب والفزع بين المدنيين (الصغار والنساء والشيوخ) وعاملتهم بقسوة ووحشية وبدون أيّ تفرقة بينهم وبين المحاربين من أنصار الإمام الحسين عليه السلام .

حينما حاول أحد الخبثاء الاقتراب من الإمام الحسين عليه السلام وقتله فصاح فيه غلام (عبد الله بن الحسن) من آل الحسين عليه السلام منتهره, ببراءه الأطفال ومحاولاً الدفاع عن عمّه: <أتقتل عمي يا ابن الخبيثة >. فتعمّد جيش السلطة قتله، فأرسل أحد جنوده (أبجر بن كعب) فكرّ على الغلام، وضربه بالسيف، فصدّ الغلام الضربة بيده فانقطعت، وتعلقت بجلدهاً، فاستشهد الغلام متأثّراً بجراحه(٢).

وارتكبت السلطة الأموية جرماً كبيراً حينما استخدمت سلاح العطش ضدّ الإمام الحسين عليه السلام وأتباعه, ومنعتهم من شرب الماء, بل امتدّ هذا السلاح ليشمل حرمان الصغار أيضاً , متجرّدة من الإنسانية والمرؤة كاشفة عن العنف والشراسة في تعاملها مع الإمام الحسين عليه السلام وأتباعه المحاصرين, للتأثير في معنوياتهم, وإجبارهم على الرضوخ لمطالب السلطة، والاعتراف بشرعية خلافة

١- ابن العديم، الحسين بن علي سيّد شباب أهل الجنة (مرجع سبق ذكره): ص٨٦ .

٢- أبى الفرج الأصفهاني، مقاتل الطالبيين (مرجع سبق ذكره): ص١١٦ ـ ١١٧.

١٢٥
يزيد بن معاوية، والنزول على حكم عبيد الله بن زياد في العراق, وذلك يستلزم تسليم أنفسهم كأسرى حرب، وإن فشلت السلطة في نزع هذا الاعتراف بكون الرهان على إمكانية تسليم الإمام الحسين عليه السلام إلى السلطة منفرداً حيث يقوم أتباعه بتسليمه تحت وطأة العطش, وحرمانهم من شرب الماء.

هكذا كان الرهان، واستصدار القرار في المطبخ السياسي الأموي حيث أصدر عبيد الله بن زياد (والي الكوفة والبصرة) قراراً إلى عمر بن سعد بن أبي وقّاص يقضى بضرورة: <أن حلّ بينهم وبين الماء كما فعل بعثمان بن عفّان>(١).

فالنية كانت مبيتة لحرمان الإمام الحسين عليه السلام وأنصاره من الماء أولاً ثمّ قتل الإمام الحسين عليه السلام مع سبق الإصرار والترصّد كخطوة ثانية بعد أن يكون قد قتله العطش فعلاً. فلم تألوا السلطة الأموية جهداً (الجيش) من أجل تحقيق ما خطّطت له, فبعد أن فشلت في نزع الاعتراف بشرعية يزيد من الإمام الحسين عليه السلام تحت وطأة العطش, حاولت استمالة بعض أتباع الإمام الحسين عليه السلام إلى جانبها، واشترطت عليهم فكّ الحصار، والسماح لهم بالشرب من ماء الفرات, في مقابل التخلّي عن نصرة الإمام الحسين عليه السلام ودعوته, ولكنّها فشلت فشلاً ذريعاً فأحكمت الحصار حول الإمام الحسين عليه السلام وأتباعه, ومنعوا الأطفال, والنساء , والشيوخ من شرب المياه، ولم يهتموا بصرخاتهم وتوسّلاتهم، فقد كانت بطونهم تتلوّى ألماً من شدة العطش، وكان جيش السلطة ينظر إليهم بلا مبالاة، وكأنّهم صمّ بكمّ عميّ فهم لا يبصرون، بل إنّها رفضت نداءات الإمام الحسين عليه السلام لهم بالسماح لابنه (عبد الله بن الحسين) بالشرب من الماء، وهو طفل كان يتلوى ألماً من شدّة العطش, و كاد أن يقتله, فلم يلق منهم آذاناً صاغية أو

١- ابن كثير، البداية والنهاية (مرجع سبق ذكره): ص٢١٦.

١٢٦
عيوناً ناظرة، فحمله الإمام عليه السلام ممدّداً على يديه بعد أن أوهنه العطش، وكأنّه يقدّمه قرباناً صارخاً فيهم: <اتقوا الله في الطفل, إن لم تتقوا الله فينا>(١).

وكان بالأحرى من جيش السلطة أن يراعى حقوق الطفل التي كفّلها له الشرع والعرف، وهي حقوق متعدّدة... فهو أوّلاً وأخيراً طفل, لا شأن له بالسياسة, ولا يعي ما يحدث, بالإضافة أنّه لم يكن ممسكاً بسيف أو رمحاً, ولم يشكّل خطراً عليها, حتّى تعاقبه السلطة بمنع المياه عنه.

إلّا أنّ عنف السلطة وسطوتها وجبروتها وتلذّذها برؤية وسماع صرخات وأنين المعذّبين من شدّة العطش جعلها لا تستجيب لدعوة الحقّ, بل تجرّدت من الإنسانية، وأقدمت على فعل سوف يظلّ عاراً على الأمويين وأنصارهم في كلّ زمان، وعاراً لأيّ نظام سياسي مستبدّ يقدم على مثل هذا الفعل المشين, فقد رفضت بكلّ خسّة السماح بتقديم الماء للطفل المسكين، وقدّمت له سهماً أطلقه أحد جنود السلطة قائلاً للإمام الحسين عليه السلام بكلّ سخرية واستهزاء <خذ أسقه هذا> فأستقرّ السهم في حلق الطفل فمزّقه, فلقي الطفل حتفه شهيداً بدون أيّ ذنب ارتكبه, وهكذا أصبحت السلطة الأموية تستحقّ لقب (قاتلة الأطفال) جرّاء عنفها وجبروتها وتعنّتها ضدّ الصغار.

ومارست السلطة الأموية العنف ضدّ النساء حيث حاولت إرهابهم، وأصدرت تعليماتها بإشعال النيران في بعض الجهات التي كان بمثابة مانع يحول بينهم وبين الإمام الحسين عليه السلام وأنصاره، فتصاعدت النيران والدخان التي أخذت تتطاير هنا وهناك.

١- أبى الفرج الأصفهاني، مقاتل الطالبيين (مرجع سبق ذكره): ص١١٦.

١٢٧
وحاول الجيش الأموي بثّ الإرهاب أكثر في النساء حينما حاول شمر بن ذي الجوشن إشعال النيران في خيمة الإمام الحسين عليه السلام على من فيها، فتصايحت النساء مذعورات أمام هذا الفعل الإجرامي الذي لاقى استهجان البعض من داخل الجيش الأموي ذاته.

وصورة أخرى للعنف الذي مارسه جيش السلطة الأموية ضدّ النساء, نجدها عندما أصدر أحد أركان السلطة (شمر بن ذى الجوشن) أوامره لأحد جنوده بضرب امرأة مسكينة لا حول لها ولا قوة, فضربها بقوّة على رأسها بعمود فشدخ رأسها نصفين، فالمرأة لم تشارك في قتال أو أعانت أنصار الإمام الحسين عليه السلام على جيش السلطة, فجل ذنبها أنّها جلست عند رأس زوجها الذي قتله جيش السلطة, تبكي وتمسح التراب عن رأسه(١).

لقد أصرت السلطة الأموية على ممارسة العنف ضدّ الإمام الحسين عليه السلام ، وكانت على علم بالنتائج المترتّبة عليه، وخططت لذلك بدءاً من زرع عملائها بين صفوف الذين طالبوا الإمام الحسين عليه السلام ، وناشدوه المجيء لقيادة الثورة المرتقّبة على النظام الأموي حتّى تكون على مقربة من الأحداث حيث ينقل إليها عملائها كلّ كبيرة وصغيرة وبالتالي يمكن اتخاذ القرارات المناسبة وفقاً لسير الأحداث إلى حصار الإمام عليه السلام وعزله عن أنصاره في العراق، والحيلولة دون خروج أنصاره إليه ثمّ المواجهة , وارتكاب الجرم الأعظم في استحلال دم الإمام الحسين عليه السلام وإبادة آل بيته وأنصاره في مذبحة كبرى راح ضحيّتها الإمام الحسين عليه السلام وأنصاره، وكلّ آل بيته من الذكور باستثناء ابنه المريض آنذاك (على

١- محمّد مهدي شمس الدين، ثورة الحسين (مرجع سبق ذكره): ص٢٥٣.

١٢٨
ابن الحسين عليه السلام ) حيث ظنّت السلطة الأموية بأنّ المرض كفيل بأن يقتله، وطفل هو عمر ابن الإمام الحسن بن على بن أبي طالب عليه السلام وأخوته زيد والحسن(١).

فقد كانت السلطة حريصة على قتل الإمام الحسين عليه السلام وأنصاره,حرصاً منهم على مناصبهم وثرواتهم التي تبوءوها بالسيف والقهر, وهذا الحرص جعلها تصدر أوامرها أوّلاً بالهجوم على معسكر الإمام الحسين عليه السلام وانصاره ؛ حيث وقف قائد جيش السلطة ليعطى الإشارة بالهجوم فصوّب سهامه نحو معسكر الإمام الحسين عليه السلام وأنصاره متفاخراً ومطالباً جنوده أن يشهدوا له عند والي العراق (عبيد الله بن زياد) بأنّه أوّل من رمى(٢).

وبدأت المذبحة التي قتل فيها أنصار الثورة الحسينية، ولم يبق إلّا الإمام الحسين عليه السلام وحيداً هو ونفر من آل بيته. لم يجرؤ أحد للتقدّم إليه لقتله، واتّكلت كلّ قبيلة على الأخرى(٣). وكأنّهم استعظموا قتله حتّى نادى فيهم الأبرص, قائد ميسرة الجيش الأموي شمر بن ذي الجوشن: ويحكم! ماذا تنتظرون بالرجل؟ فاقتلوه ثكلتكم أمهاتكم.

فتكاثروا عليه يرشقونه بالسهام ويطعنونه بالسيوف، فسقط الإمام الحسين عليه السلام فتقدّم إليه أحد الجند (شبل بن يزيد الأصبحي) فحزّ رأسه بكلّ وحشية، فقد كان يكفي هؤلاء الإرهابيين طعنة سيف أو رمح ليتخلّصوا من الإمام الحسين عليه السلام ، ولكن إرهابهم وحقدهم الأسود أصابهم بهستيريا القتل حتّى أنّهم أخذوا يمعنون في قتله تقتيلاً، ولم يدروا أنّه فارق الحياة إلا بعد أن

١- أبو الفرج الأصفهاني، مقاتل الطالبيين (مرجع سبق ذكره): ص١١٩.

٢- ابن كثير، البداية والنهاية (مرجع سبق ذكره): ص٢٢٣ .

٣- ابن العديم، الحسين بن علي سيّد شباب أهل الجنة (مرجع سبق ذكره): ص٨٨ .

١٢٩
قاموا بحزّ رأسه, وتجريده من ملابسه والتمثيل بجثّته, حيث وطأت الخيل جسد الإمام عليه السلام ذهاباً وإيّاباً، تنفيذاً لتعليمات عمر بن سعد وبتوجيهات من والي العراق عبيد الله بن زياد.

وتركوا الإمام الحسين عليه السلام بالعراء, مرمّل بالدماء, مقطّع الأعضاء(١). ولم يكتفوا بذلك وإنّما قاموا برفع رأسه ورؤوس الشهداء من أصحابه وآل بيته عليهم السلام فوق أسنّة الرماح، وتركوا أجساد الشهداء مجرّدة, وثيابهم مرمّلة, وخدودهم معفّرة, تصهرهم الشمس, تسفي عليهم الرياح, زوّارهم العقبان, ووفودهم الرخم(٢). وأخذوا يطوفون بها في أزقة الكوفة وشوارعها شامتين وفرحين بنشوة الانتصار ـ تأسّياً وقدوة بمعاوية بن أبي سفيان(٣). الذي أرسى دعائم هذا الفعل الذي لم يألفه عرب الجاهلية ولا الإسلام(٤).

وشرعوا يسوقون نساء آل بيت الحسين عليه السلام سبايا، وقد هتكت ستورهنّ, ومزّقت ثيابهنّ, ونهب مصاغهُنّ ومعهم على بن الحسين عليه السلام مقهوراً مكبّلاً بالسلاسل الحديدية في يديه وعنقه، سائرين بهم من بلد إلى بلد حتّى وصلوا بهم إلى يزيد بن معاوية، وكما مارست السلطة الأموية العنف ضدّ الإمام

١- ابن كثير، البداية والنهاية (مرجع سبق ذكره): ص٢٣١، ٢٣٢، ٢٣٧.

٢- ابن العديم، الحسين بن سيّد شباب أهل الجنة (مرجع سبق ذكره): ص٩٠.

٣- يعتبر معاوية هو أوّل من قام بتطبيق هذا النهج في قتل المعارضين له ووضع رؤوسهم على أسنة الرماح والطواف بهم فقد فعل ذلك مع عمرو من الحمق الخزاعى.

٤- أحمد راسم النفيس, على خطى الحسينC, مركز الإمام الحسينC للأعلام والنشر, المنصورة: د ت ص١٢٩.

١٣٠
الحسين عليه السلام في حياته مارسته أيضاً بعد أن ذبحوه، فها هو يزيد يقوم بضرب رأس الإمام الحسين عليه السلام ، وهي بين يديه بقضيب من حديد دون مراعاة حرمتها ومتمثّلاً بقول عبد الله بن الزبعرى(١).

وكان من قبلة قد قام والي الكوفة بوضع رأس الإمام الحسين عليه السلام بين يديه ساخراً منه محدّثاً نفسه: أرى أبا عبد الله قد شمط (أدركته الشيخوخة)(٢)، دون حرمة الرأس الشريف. وواصلت السلطة الأموية بعد استشهاد الإمام الحسين عليه السلام ممارسة العنف اللفظي ضدّه في محاولة للنيل من شخصيته ومبادئه ومن دلالات هذا العنف أنّها وصفت الإمام الحسين عليه السلام بأنّه: كذّاب ابن كذّاب, خارج من الجماعة، ومفارق لها, عاقّ وظلوم, مارق من الدين, يضرب الناس بعضهم ببعض، مفرّق كلمة المسلمين, خارج عن إمام زمانه, مثير للفتنه,شاق,أنّه قتل نفسه, قليل الفقه.

١- أبو فرج الأصفهاني، مقاتل الطالبيين (مرجع سبق ذكره): ص١١٩ نقلا عن سيرة ابن هشام٣/١٤٤ وكتاب الحيوان للجاحظ ٥/٥٦٤ وانظر أيضاً:

ــ ابن الأثير, الكامل في التاريخ – أحداث سنة ٦٠ – ذكر مقتل الحسينC شبكه الانترنت, عمل مشترك بين موقعي أم الكتاب ونداء الإيمان.

ــ ابن كثير (مرجع سبق ذكره): ص١١٩.

ـ حسان عبد الله أبو صالح ـ حسن عبد الله أبو صالح, مقتل الإمام الحسينC وواقعة كربلاء في تاريخ الطبري, دار الهداية للطباعة والنشر, بيروت: ص٦٦.

ومن هذه الأبيات:


ليت أشياخي ببدر شهدواليت أشياخي ببدر شهدوا
فأهلّوا واستهلّوا فرحاًثمّ قالوا يا يزيد لا تشل

٢- ابن العديم، الحسين بن علي سيّد شباب أهل الجنة (مرجع سبق ذكره): ص٩٧.

١٣١

قيم الكراهية واللاحوار:

أكّدت السلطة الأموية على كراهية الآخر (المعارضين للحكم الأموي) وخاصّة آل بيت الرسول’ ولاسيّما أنّ العداوة بينهما متأصّلة، ولها جذورها قبل الإسلام، وأثناء وبعد الإسلام حتّى قال البعض:

إنّ عبد شمس قد أضرمت حرباً لبني هاشم... يشيب منها الوليد...

فابن حرب للمصطفى... وابن هند لعلي.

وللحسين يزيد (المقريزي)(١).

فكراهية السلطة الأموية لآل بيت النبي’ عامة وللإمام الحسين عليه السلام خاصّة جعلت يزيد بن معاوية يستعين بسرجون الرومي(٢)، مستشاراً خاصة له ويستجيب لنصائحه بضرورة تعيين السفاح عبيد الله بن زياد على ولاية الكوفة إضافة لولاية البصرة إذا ما أراد أن يقضي على ثورة الإمام الحسين عليه السلام وشيعته في العراق ويحتفظ بكرسي الخلافة، وبالفعل لم يضيّع يزيد الوقت، وقام بتعيين عبيد الله بن زياد، وطلب منه اليقظة والحذر في تتبّع الإمام الحسين عليه السلام وشيعته, وسفيره في العراق مسلم ابن عقيل، وأن يتخذ كافّة الإجراءات والاحتياطات والوسائل الممكنة من القضاء عليهم، بل وأكّد عليه بأنّه ينبغي القضاء على نسل الإمام علي بن أبي طالب كلياً، واجتثاثهم من الوجود، وحذّره من التهاون وعدم تنفيذ التعليمات والأوامر المرسلة له، وإلّا كان مصيره أن يعود عبداً كما كان: <إنّه بلغني أنّ حسيناً قد سار إلى الكوفة، وقد ابتلى

١- عباس محمود العقّاد, الحسين أبو الشهداء, دار الهلال, القاهرة: د.ت ص٢٧

٢- سرجون الرومي كان أيضاً مستشاراً لمعاوية بن أبى سفيان، وهو مسيحي استعان به يزيد كمستشار سياسي له.

١٣٢
زمانك من بين الأزمان, وبلدك من بين البلدان, وابتليت به أنت من بين العمّال, وعندها تعتق أو تعود عبداً كما ترقّ العبيد وتعبد>(١).

<أن اجتهد، ولا تبق من نسل على بن أبي طالب أحداً, واطلب مسلم بن عقيل فاقتله وابعث لي برأسه>(٢).

ويكشف والي السلطة في العراق (عبيد الله بن زياد) عن مكنونه الداخلي الذي ينفث كرهاً ضدّ الإمام الحسين وآل البيت عليهم السلام عندما قام بذبح نسل الإمام علي عليه السلام في كربلاء وعندما أظهر الفرح والشماتة والتشفّي بمقتل الإمام الحسين وآل بيته عليهم السلام ، فوصفهم بأنّهم طغاة, عصاة, مردة, كاذبون يختلقون الأحاديث, وصوّر له خياله المريض أنّ الله قتلهم، وأظهر أكاذيبهم، وهذا الخيال المريض, إن دلّ على شيء فهو بلا شكّ يدلّ على عبودية والي العراق لخياله, والي العقد النفسية التي كان مصاب بها فقد تكوّنت لديه ( فوبيا العبودية ) حيث خشى أن ينفّذ يزيد تهديده برجوعه إلى طبقة العبيد إذا لم ينفّذ تعليماته باستئصال شأفة آل البيت عليهم السلام من الوجود فخيّل له خياله المريض أنّ عدوه الأوّل هو الإمام الحسين وآل بيته عليهم السلام . سيكونون السبب في عودته إلى حياة العبيد والذلّ والعار مرة أخرى، فأمعن في كرههم وحقدهم، كما أنّه عانى من عقد نفسية فجدّته (سميّة) عاهرة، وطالما عُيّر وأبوه بها، فهي رمز للمدنس الذي عاش فيه، بينما يمثّل الإمام الحسين عليه السلام رمز المقدّس، حيث الطهارة والنبل والنسب، فاستيقن عبيد الله بن زياد أنّه لا خروج من هذا المدنس وحياة العبودية المهدّد بها إلّا

١- ابن كثير، البداية والنهاية (مرجع سبق ذكره): ص٢٠٥

٢- حسن عباس نصر الله, الإمام الحسين قبس من نبوة, مركز الغدير للدراسات الإسلامية بيروت: ١٩٧٧ ص٣٩.

١٣٣
بتحطيم وكراهية المقدّس، فنفّذ تعليمات يزيد بن معاوية, وكراهية عبيد الله بن زياد لآل البيت عليهم السلام تعدّ إنعكاساً شديداً لكفره بالحقّ, والعدالة, والقيم الإنسانية التي مثّلها الإمام الحسين وال بيته عليهم السلام ، وذلك مصداقاً لما قاله عبيد الله ابن زياد للسيدة زينب بنت على بن أبي أيطالب عليهم السلام :

<الحمد لله الذي فضحكم، وقتلكم , وأكذب أحدوثتكم>

<قد شفي الله نفسي من طاغيتك, والعصاة من أهل بيتك>(١).

<الحمد لله الذي أظهر الحق وأهله، ونصر أمير المؤمنين يزيد بن معاوية

وحزبه, وقتل الكذّاب بن الكذّاب الحسين بن على وشيعته>(٢).

وكراهية السلطة الأموية للإمام الحسين وآل بيته عليهم السلام هي التي جعلت والي المدينة الأموي (عمرو بن سعيد بن العاص) يظهر الفرح والشماتة بمقتل الإمام الحسين عليه السلام ، ويضحك عند سماعه نساء بني هاشم تصرخن بعد أن فجعهنّ خبر مقتل الإمام الحسين عليه السلام .

قائلاً: هذه واعية بواعية عثمان بن عفّان(٣). وكأنّه قد أدرك ثأر عثمان بن عفّان بمقتل الإمام الحسين بن علي عليه السلام ، وهو كدأب الأمويين وأتباعهم كان يرى أنّ الإمام علي عليه السلام له دور في مقتل الخليفة الثالث بالرغم من براءة الإمام وآل بيته عليهم السلام من هذا الاتّهام المشبوه. ومن الطبيعي أن تؤول الكراهية إلى النبذ والإقصاء واللاحوار مع الآخر (المعارضة السياسية) فالسلطة الأموية وأتباعها لم يقتنعوا بالحوار مع

١- ابن كثير، البداية والنهاية (مرجع سبق ذكره): ص٢٣٧.

٢- حسان عبد الله أبو صالح، حسن عبد الله أبو صل، مقتل الإمام الحسين(ع)وواقعه كربلاء في تاريخ الطبري، دار الهداية للطبع والنشر، بيروت: دت ص٦٤.

٣- حسان عبد الله صالح,حسن عبد الله صالح(لمرجع السابق ): ص٧٢.

١٣٤
المعارضة السياسية وإنّما كانت لغتهم الوحيدة ودستورهم الأوحد هو العنف والدم، فلم يقتنعوا بنتيجة الحوار الذي أجراه معهم الإمام الحسين عليه السلام ، والذي أوضح فيه فضله وعظمة نسبه, وعلو قدره, وحرمة قتله, فهو لم يقتل أحداً أو يستول على أموال أحد ظلماً ولا يوجد لأحد دية أو قصاص منه(١).

وبالتالي لا يحلّ قتله, ويستوجب تركة إمّا دخوله إلى شيعته أو الرجوع من حيث أتى، ولكنّهم رفضوا وصمّموا على قتله، ولم يستطع عبيد الله بن زياد الصبر على عبد الله بن عفيف الأزدي حينما حاوره، فقد خطب ابن زياد على المنبر في جموع المصلين وذكّرهم بقتل الإمام الحسين عليه السلام الذي أراد أن يفرّق الكلمة بين المسلمين ويسلب بني أميّة الملك, فحاوره عبد الله بن عفيف مبيناً كذبه وتدليسه على الناس، وجريمته النكراء بإصدار الأوامر إلى عمر بن سعد بقتل الحسين عليه السلام وسأله كيف تقتلون أولاد النبيين, وتتكلّمون بكلام الصديقين؟ فلمّا لم يجد كلاماً وعجز عن الرد، أمر ابن زياد جنوده فقتلوه ثمّ صلبوه.

وفي مجلس يضمّ يزيد ووفداً من الشام, ونساء آل البيت لديه أسارى مقهورين, وبينما كان يزيد ووفده في نشوة الفرح والانتصار وقف رجل شامي يطلب من يزيد أن يهبه فاطمة بنت الحسين عليه السلام , فحاورته السيّدة زينب بنت على بن أبي طالب عليه السلام موضّحة أنّ ذلك لا يجوز له وليس من حقّه, ولا حتّى يجوز ليزيد نفسه ؛ لأنهّم حرائر، ولا تمتهن الحرّة أو تستخدم, فردّ عليها يزيد ابن معاوية وقد أخذته العزّة وبالاثم والجبروت مؤكّداً لها أنّه لو أراد ذلك لفعل, ولكنّ السيّدة زينب÷ أفحمته بعد أن أيقنت أنّه يستند إلى قوته وجبروته

١- ابن كثير، البداية والنهاية(مرجع سبق ذكره): ص٢٢١.

١٣٥
وسلطانه, وأكّدت له : إن الله لم يجعل ذلك لك إلّا إذا خرجت من ملتنا وتحدّته أن يجاهر بالخروج من الملة، والمروق من الدين، فلم يستطع يزيد الإجابة، وضعفت حيلته, فاستشاط غضباً وكأنّة قد صفع على وجهه.

وتكلّم بما كان يخبئه في نفسه متهما الإمام علي، والحسين بن علي عليه السلام بالكفر والمروق من الدين، في خلط واضح للأوراق، فقد ابتعد يزيد عن صلب القضية المطروحة، ولو كان له حجّة لفند أقواله وأدلته ولكنّه اتّهم السيّدة زينب عليها السلام بالكذب، ورمى أباها وأخاها بالكفر، فهو مسلّط يشتم ظالماً، ويقهر بسلطانه: <إياي تستقبلين بهذا؟! إنّما خرج من الدين أبوكِ وأخوكِ>(١).

قيم الجبرية:

عملت السلطة الأموية على شيوع القيم الجبرية في المجتمع , فأشاعوا أنّ الأفراد في المجتمع ليس لهم الحرّية والإرادة في أفعالهم ؛ لأنّ الفاعل الحقيقي هو الله, وكلّ الأفعال التي يقوم بها البشر إنّما هم مجبورون عليها، وليس لهم الحرّية في الاختيار, وإن كل شيء قدراً مقدوراً على العباد، وبالتالي فإنّ حكمهم جبراً على الناس، ولذا فعلى الأفراد أن يكونوا قانعين بما لديهم ومستريحي البال, وأن يرضوا بالواقع, ولا يعملوا على تغير نظام الحكم أو الثورة عليه ؛ لأنّ الله قد اختار يزيد، وبني أميّة للحكم, وفضّلهم على آل بيت النبي’ وعلى بطون قريش كلّها.

من هنا عملت السلطة الأموية على إيهام المجتمع بأنّ وجودها في السلطة، وكلّ ما اقترفته من أفعال إنّما هم مجبورون عليها, ولا يسألون عنها حتّى يتمكنوا من تبرير نظام الحكم الوراثي الذي ابتدعوه, وتبرير جرائمهم في حقّ

١- ابن كثير، البداية والنهاية (مرجع سبق ذكره): ص٢٣٩.

١٣٦
المجتمع الإسلامي عامة وآل بيت الرسول’خاصّة.

ولذلك ادعى يزيد كذباً وبهتاناً بأنّ الجيش الأموي لم يقتل الإمام الحسين عليه السلام ورفاقه، وإنّما الذي قتله هو الله عقاباً له على الثورة والخروج على إمام زمانه الذي اختاره الله لهذه المسؤولية, فكان على الحسين عليه السلام أن يقبل بالأمر الواقع كما رضا غيره واستكان، ولكنّه لم يعترف بشرعية الحكم و أراد حقّاً ليس له. فالله يؤتي ملكه من يشاء فلماذا الثورة على الأوضاع إذن!؟ وهذا الإدعاء الكاذب إنّما أراد به رئيس السلطة الأموية أن يخلّي مسؤوليته التاريخية والدينية عن مقتل الإمام الحسين عليه السلام بزعمه أنّ الله قد قتل الإمام الحسين عليه السلام ، وبالتالي تمرّ جريمتهم النكراء في حقّ الإمام الحسين عليه السلام بسلام وكأنّها لم تكن. وهي أيضاً رسالة إلى الأمّة والثائرين الذين استشعروا فداحة مذبحة كربلاء وخطأ قتل الإمام الحسين عليه السلام ورفعوا شعار <يالثارات الحسين> ألا تثوروا ولا تغضبوا ولا تستعظموا قتل الإمام الحسين عليه السلام ولا تجرّموا قاتليه، ولا تلوموا الجيش الذي ارتكب المذبحة وقتل المدنيين أطفالاً و نساءً ؛ لأنّهم كانوا مجبورين على هذا الفعل فالله هو الذي قتله.

وهذا الذي أكّده رئيس السلطة الأموية في بعض الحوارات التي تمّت بعد مقتل الإمام الحسين عليه السلام ، ووصول الناجين من آل بيت الحسين عليه السلام سبايا في قصره فهو القائل: <يا علي، أبوك قطع رحمي, وجهل حقي, ونازعني سلطاني, فصنع الله به ما قد رأيت>(١).

وقال يزيد لعنه الله أيضاً: <أتدرون من أين أتى ابن فاطمة؟ وما الحامل له

١- أبو الفرج لأصفهاني، مقاتل الطالبين (مرجع سبق ذكره): ص١٢٠. وانظر أيضا: ابن كثير، البداية والنهاية (مرجع سبق ذكره): ص٢٣٨.

١٣٧
على ما فعل؟ وما الذي أوقعه فيما وقع فيه... إنّما من قلة فقه, لم يقرأ... ﴿وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء﴾(١)>(٢).

وهذا الاتجاه الفكري المزّيف, يؤكّد عليه أيضاً الرجل الثاني في السلطة (عبيد الله بن زياد) ففي خطابة إلى المجتمع العراقي أكد على ضرورة الطاعة، وعدم الثورة والقبول بالأمر الواقع، والتسليم بشرعية حكم يزيد, وحكمه الذي أصبح واقعاً لا مفرّ منه ؛ لأنّ حكم يزيد إنّما هو تفويض إلهي له ولبني أميّة وهي سلطة مطلقة ؛ لأنّها سلطة الله في الأرض, كما أنّه أخذ يردّد مقولات يزيد، ويدّعي أيضاً أنّ الله قتل الإمام الحسين بن علي عليه السلام وأنّ ما حدث من قتل وإرهاب للحسين وآل بيته عليهم السلام إنّما حدث بتخطيط إلهي.<كيف رأيتي صنع الله بأهل بيتكم>؟.

<الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم, وأكذب أحدوثتكم>(٣).

فلقد عملت السلطة الأموية على انتشار مثل هذا الفكر السلبي لتبرير جرائمها وبقاءها في الحكم, والسيطرة على المجتمع, من خلال أدوات القمع الماديّة الممثّلة في العنف والإرهاب وأسلوب الرشوة بالمال أو المناصب, ومن خلال أدوات القمع الفكرية التي تمثلت في شيوع مثل هذا الفكر الجبري, ولم يكن للسلطة الأموية أن تنجح لوحدها في نشر مثل هذه الأفكار السلبية وإنّما استعانت ببعض فقهاء الظلام من رجال الدين الذين باعوا ضمائرهم وتمّت رشوتهم وتلاقت أهدافهم مع أهداف السلطة الأموية. أو رجال الدين الذين

١- سورة البقرة: ٢٤٧.

٢- ابن كثير، البداية والنهاية (مرجع سبق ذكره): ص٢٤٠.

٣- ابن كثير، البداية والنهاية (المرجع السابق): ص٢٣٧

١٣٨
تلاقت أيديولوجياتهم السياسية مع أهداف السلطة الحاكمة.

وكلاهما (السلطة الحاكمة, رجال الدين المتعاونين معها) قد عملا على نشر الفكر الجبري بطريقته الخاصة. وبذلك تمّ توظيف الدين في خدمة السياسة, بمعنى أنّه أصبح هناك استخدام سياسي للدين يتولّد عنه فكر مناقض للواقع وللحقيقة, بل ومناقضاً أيضاً لتعاليم الدين ذاته. يهدف إلى تزييف وعي الجماهير, وخداعهم, إزاء الواقع الاجتماعي المعاش, ومشاكلهم الاجتماعية(١). حيث يتمّ تزيين هذا الواقع (الاجتماعي والسياسي) على أساس أنّه واقع، مرغوب فيه, ويتمّ إضفاء نوع من الرضا النفسي لأفراد المجتمع على هذا الواقع, ومن هنا يتم غرس اللبنة الأساسية لعملية التسليم والرضا بالأمر الواقع, والصبر والاستكانة, والقبول بالقسمة والنصيب, وقبول كلّ الشرور الاجتماعية على أنّها جبرية إلهية وقضاء وقدراً وبالتالي تنتزع السلطة (الأموية) صكّ الشرعية الدينية والاجتماعية لوجودها:

ومن هنا تضمن عدم الثورة عليها، وذلك ثمرة تعاون رجال الدين مع السلطة حيث قاموا بتدعيم الاتجاه الجبري بإطلاق الفتاوى المناقضة للدين، والتي تحثّ على عدم الثورة والخروج على الحاكم, والصبر والطاعة له حتّى ولو كان ظالماً أو فاسقاً.

* واخترعوا بعض الأحاديث التي ترفع من قدر السلطة الأموية, وتثبت شرعية حكمهم، وبالتالي ضعفت روح المقاومة والجهاد وتمّ تفريغ دعوة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من مضمونها الاجتماعي والديني حتّى أصبح

١- اشرف منصور, توبيني، سوسيولوجي التاريخ الإسلامي, مجلة تحديات ثقافية,القاهرة: ع٢٤ ٢٠٠١ ص٧٣.

١٣٩
المجتمع رخواً اتّجاه القضايا الأساسية التي تستلزم الإصلاح, وأبرزها قضايا الحكم, والعدل الاجتماعي, والحرية. كما أنّ بعضهم خدم أهداف السلطة الأموية, عندما قاموا بتصوير الإمام الحسين عليه السلام وثورته, للمجتمع بصورة مزيفة وغير مطابقة للواقع، فقد صوّرت ثورته على أنّها:

ـ خروج على الإمام الشرعي يزيد بن معاوية(١).

ـ مثيرة للفتن، وهدفها ضرب الناس بعضهم ببعض(٢).

ـ شذوذ عن الجماعة، وتؤدّي إلى الفرقة والانقسام(٣).

* لمّا ثار الناس في المدينة ضدّ يزيد بن معاوية وأرادوا أن يخلعوه، وقف عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله’ يقول: <إنّ الغادر ينصب له لواء يوم القيامة، يقال هذه غدرة فلان, وإنّ من أعظم الغدر ـ إلّا يكون الإشراك بالله ـ أن يبايع رجل رجلاً على بيع الله ورسوله، ثمّ ينكث بيعته> ـ ثمّ قال ابن عمر: فلا يخلعنّ أحد منكم يزيد، ولا يسرفنّ أحد في هذا الأمر، فيكون الفيصل بينه وبيني(٤). وهذا الحديث باطل ومزوّر وغير صحيح فإنّ ابن عمر قد وظّف هذا الحديث من أجل تأكيد شرعية يزيد بن معاوية، وهى شرعية باطلة ألم يسمع قول وفد المدينة عند عودته من عند يزيد ماذا قالوا..؟ قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر, وتعزف عنده القينات وإنا نشهدكم أنّا قد

١- اتق الله في نفسك وألزم بيتك فلا تخرج على إمامك (أبو سعيد الخدري).

٢- اتق الله ولا تضرب الناس بعضهم ببعض (جابر بن عبد الله).

٣- ما كان ينبغي له ان يتحرّك ما عاش,وان يدخل في صالح ما دخل فيه الناس فإن الجماعة خير (عبد الله بن عمر بن الخطّاب).

٤- ابن كثير، البداية والنهاية (لمرجع السابق): ص٢٨٥.

١٤٠