×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

النظرية السبئية في منظار ابن تيمية / الصفحات: ١ - ٢٠



١

٢

٣

٤

٥

٦

٧

مقدمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين، محمد وآله الطيبين الطاهرين، وبعد.

فإن من أبرز أسباب الإخفاق الفكري والمعرفي في تاريخ الإسلام، عدم انضباط الكثير من القراءات بالضوابط السليمة التي تجعل الأحكام والنتائج النهائية بمنأىً عن آفات التعصب والهوى، وهذا ما يجعل البحث العلمي الموضوعي نادراً جداً، لا تكاد تجده إلا بشق الأنفس.

وأبرز ما يجده المتصفح للتاريخ ـ بمعناه العام ـ أن الأحكام المسبقة هي الحاكمة والطاغية في ساحة التفاعل الفكري والثقافي. وتبعاً لذلك دفعت الأمة الإسلامية ـ ولا زالت ـ ثمناً باهضاً من كرامتها وعزتها ودماء أبنائها، وباتت اليوم في وضع لا تُحسد عليه، حيث تداعت عليها سائر الأمم، كتداعي الذئاب على الفريسة.

فبينا نجد القارة الأوربية تُوحِّد عملتها، وتعتصم بحبل (اليورو)، والدول

٨
الكبرى التي كانت تتقاتل يوماً ما، تجتمع لتقتسم المصالح فيما بينها، نرى بالمقابل أن المسلمين يأبون أن يعتصموا بحبل الله تعالى كما أراد، ولا زالوا سائرين في منحدر وعر، وهاوية سحيقة، لا يعلم إلا الله مدى ما تؤول إليه أمورهم فيها.

فها أنت ترى المسلم يقدّم قتال أخيه على قتال عدوه، ويتشفّى بتقطيع أوصاله متقرِّباً بذلك إلى الله، ويعيث في بلاده فساداً لا يقاس به إفساد الآخرين من الأجانب، وما لم يستطع العدو أن يحققه في بلاد المسلمين في قرون متمادية، تمكن المسلم (بجدارة) من تحقيقه في سنوات.

وما ذلك آتٍ من فراغ، إنما هناك إرث تاريخي ثقيل، شابه الكثير من الألغام والمطبّات والعُقَد التي لها أول وليس لها آخر.

من هنا فإن سبيل الإصلاح لا بد أن يتم أولاً بتصحيح القراءة، وإيجاد الموازين والضوابط الموضوعية الكفيلة بتهذيب النتائج، وإعادة النظر فيها من جديد هـ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ هـ .

ونحن اليوم أمام قراءتين بارزتين، هما الأساس والعمدة في رسم المسار الفكري والثقافي منذ زمن بعيد وحتى يومنا هذا:

١ـ القراءة الموجَّهة: وهي (المحسومة) النتائج مسبقاً، أو التي تضع أمام الباحث ضوابط صارمة وقوالب جاهزة، ليخرج بنتيجة هي أقرب لأن تكون حكماً مسبقاً منها إلى الاستنتاج الموضوعي.

وهذه القراءة كانت ولا زالت هي الطاغية في المشهد الفكري الإسلامي منذ فجر الإسلام وحتى يومنا هذا، فإذا ما وجدت ما يخالف ذلك تجد أنه ولد بعسر، أو عملية (قيصرية).

٩
٢ـ القراءة الموضوعية: وهي (المحسوبة) النتائج بدقة، حيث يبدأ الباحث من نقطة الاستفهام، أو ما يسمى بالمشكلة، أو محل النزاع، وهي المنطلق الأول للبحث، فيُحكّم الموازين العلمية، ويجتهد أن يكون بمنأىً عن التعصب والهوى وتأثير المسلّمات الذهنية، ويسعى أن يصل إلى النتيجة، فهي ضالته التي ينشد، وبغيته التي يريد.

والفرق بين القراءتين، أن الأولى لا تقبل المناقشة، وتخشى كل جديد، لأن من شأن ذلك أن ينسف المسلّمات الذهنية المتوارثة المأخوذة بالتقليد ومتابعة (السلف) وبالتالي تنكشف العورات ويفتضح الكذابون، وهذا ما يصرحون به بشكل واضح، وسوف نورد له بعض الأمثلة إن شاء الله تعالى.

كما أنها تسارع في التشكيك والاتهام والتشويه والافتراء كوسيلة دفاعية تستبق بها المناقشة والبحث، وتنقل المواجهة من ساحتها الحوارية الفعلية إلى ساحات أخرى بعيدة عن محور النزاع وجوهره، بل كثيراً ما تحولها إلى نزاعات شخصية.

وهذا أشبه بما يجري في زماننا هذا، حيث الأنظمة الشمولية التي لا تؤمن بالرأي المعارض، ولا تفكر يوماً بفتح القنوات الحوارية مع شعوبها، فهي غالباً ما تنقل المواجهة مع الصوت المعارض إلى ساحة التهمة والتشكيك، فتركّز في وسائل إعلامها على (العمالة للأجنبي) و (الغوغائية) لأنها من الأساس لا تريد التوقف في دائرة المطالب الشعبية والنظر إليها بموضوعية، خوفاً أن يكون ذلك بداية النهاية للنظام الحاكم.

وهو عين ما تجده في التيارات الفكرية الإسلامية من هذا النمط، إذ تهرب من ساحة الحوار ومواضع النزاع، إلى ساحات التشكيك والاتهام والدعاية

١٠
المضادة والتحذير من الآخر، وهو ما عانى منه شيعة أهل البيت عليهم السلام بشكل خاص على مدى التاريخ.

ومما يميز هذه القراءة أيضاً، الشدّة والغلظة واللجوء للألفاظ النابية، فهي تدرك أن المنطق والحوار والحجّة والبرهان غير كافية للتحصين والدفاع، وتشعر في قرارة نفسها أن الآخر أنصع بيانا،ً وأمضى جناناً، وأقوى حجة، وهو ما تراه بوضوح في الحوارات الشهيرة بين العلامة الحلي والشيخ ابن تيميّة، فبينا تجد العلامة يستخدم الألفاظ المهذبة في مخاطبة الخصم، ترى أن المقابل لا يستمرئ ذلك، ويشعر أن هناك نقصاً كبيراً في حجته لا يمكن تعويضه إلا بالسباب وألفاظ الاستهجان والتقريع.

ومن معالم القراءة المذكورة، انتهاجها الانتقائية في التعاطي مع القضية الواحدة، ففي الوقت الذي تؤسس بوضوح لنظرية عدالة الصحابة مثلاً، وعدم جواز المساس بهم أجمعين، لا تتورع عن (لعن) الكثير منهم والانتقاص منهم تصريحاً أو تلميحاً. وسوف تجد في هذا البحث العديد من الشواهد لذلك، أبرزها اتهام أبي ذر، وعمار بن ياسر، وعبد الرحمن بن عديس البلوي وعمرو بن الحمق الخزاعي وغيرهم من الصحابة (بالتهوّد) أي التأثر برجل يهودي مزعوم، واتهام الخارجين على عثمان جميعاً بأنهم (ملعونون) على لسان النبي صلى الله عليه و سلم مع أن فيهم العديد من الصحابة ممن بايع تحت الشجرة، أو ممن شهد بدراً.

وبالمحصلة النهائية تجعلك هذه القراءة مرتبكاً في تقويم سيرة الصحابة، إذ لا تتفق عدالتهم جميعاً من جهة، مع لعن النبي صلى الله عليه و سلم لبعضهم ـ كما تقول القراءة ذاتها ـ من جهة أخرى.

١١
ومن أمثلة الانتقائية المذكورة، أن من سب أحد الصحابة فهو كافر أو زنديق أو مبتدع، على اختلاف في التقويم، وقد سَبَّ الكثيرُ من الصحابة والتابعين وسائر الخلق عليَّ بن أبي طالب عليه السلام ، ومنهم معاوية ودولة بني أمية، فلا بد أن يسري عليهم هذا الميزان أيضاً، إلا أن هذه القراءة تتملص من ميزانها عندما يصل إلى علي عليه السلام وأهل بيته.

وهكذا حكموا بالردة على الخارجين على أبي بكر، ونعتوا الخارجين على عثمان بشتى النعوت، بل لعنوهم وتبرأوا منهم، لكنهم توقفوا في الخارجين على علي عليه السلام وجعلوهم مجتهدين، لهم أجرٌ في اجتهادهم، مع قتلهم عشرات الآلاف من المسلمين، وخروجهم على الخليفة الشرعي.

ومن أمثلة ذلك أيضاً أن هذه القراءة ترفض التعامل مع بعض المؤرخين، كالواقدي، وأبي مخنف، والكلبي، وغيرهم، استناداً لإفادات أهل الجرح والتعديل، فهؤلاء في نظرهم متهمون بالكذب، ولا يمكن قبول روايتهم. لكنها في الوقت نفسه تتشبث بهوس شديد، بروايات الكذاب سيف بن عمر، مع أن أهل الجرح والتعديل نصوا على نعته بالكذب والوضع والزندقة، وأنه يروي الموضوعات عن الأثبات، بل إن عبارات الجرح في سيف بمجموعها أبلغ بكثير مما هي عليه في الآخرين. واحتجوا لقبوله أنه (إخباري) وليس (محدثاً) والإخباري لا يخضع لموازين الجرح والتعديل.

فكيف استُخدم ميزان الجرح والتعديل مع سائر المؤرخين، فلما وصل إلى سيف (الكذاب) صار في دائرة الاستثناء؟ والحال أن من يجرؤ على سيد الخلق صلى الله عليه و سلم بالكذب لا يمكن أن يُطمأنَّ إليه بالمطلق، فكيف يعقل أن يكذب على النبي صلى الله عليه و سلم ولا يكذب على علي عليه السلام وشيعته؟

١٢
وهناك العشرات من الأمثلة التي تعسر على الحد والعد، بل إنك تجد في منهاج السنة نصاً صريحاً لابن تيميّة على كذب بعض الروايات وعدم صحتها، وفي الوقت نفسه تسليمه بها وقبولها، وهو ما يأتي في هذا البحث إن شاء الله تعالى.

لذا من الطبيعي أن تكتشف في نتائج هذه القراءة العديد من نقاط الوهن والضعف والتناقض وإخفاء الحقائق وإعادة (المَنتجة) للصورة، وهكذا.

أما القراءة الموضوعية، فهي وإن لم تكن مضمونة النتائج مئة في المئة، ولا عصمة لها في البحث، إلا أن نسبة الخطأ فيها لا تقاس بسابقتها، من جهة، كما أنها تتوخى الحقيقة دائماً، وتسعى للعثور عليها من جهة أخرى، فإن أخطأتها فلا لوم عليها، فليس من طلب الحق فأخطأه، كمن طلب الباطل فأدركه.

ومن مميزاتها أيضاً مرونتها الدائمة في تغيير النتائج لصالح الحقيقة إذا ما اكتشفت جديداً أو أدركت خللاً، وترى في ذلك عاملاً من عوامل قوة النتيجة وثباتها ودوامها، على العكس من القراءة الموجَّهة التي ترى ذلك تهديداً للنتيجة. فالقراءة الموضوعية لا تخشى جديداً، ولا ترفض إعادة النظر في النتائج.

من هنا نرى أن أصحاب القراءة الموضوعية يختلفون فيما بينهم في التقويم، بل إن المفكر الواحد قد يغير بعض آرائه أثناء مسيرته العلمية، إذ لا إصرار لديه إلا على الثوابت، وما أفرزته الموازين الموضوعية من نتائج. أما صاحب القراءة الموجَّهة (التقليدية) فيجترُّ يومياً ما ورثه عن (السلف) قبل مئات السنين، ويرى أن ذلك هو السنة التي لا يحيد عنها، ويجب أن

١٣
يعض عليها بالنواجذ، وقد يخالف النبي صلى الله عليه و سلم ولا يخالف قول فلان وفلان.

الجديد القديم في المواجهة:

بين يديك ـ عزيزي القارئ ـ هذا البحث التاريخي ذو البعد العقَدي، الذي يتناول موضوعاً مهماً، اتخذ منحىً جدلياً، لا سيما في العقود الأخيرة بعد ظهور الشيعة للعلن كطائفة قوية فاعلة في الساحة العالمية، لها حضورها المتميز فكرياً وسياسياً واجتماعياً وإعلامياً، وتأثُّر الكثيرين بها، وإعجابهم بإنجازاتها، مما أدى إلى إثارة الحفائظ لدى الاتجاهات المختلفة، عقَدية كانت أم سياسية، وتَرتَّبَ على ذلك إنشاءُ المؤسسات التخصصية، وإقامة الفعاليات في مواجهتها، والحد من خطورتها وانتشارها.

ومما يميز تلك المؤسسات والفعاليات أنها (دعائية) بالدرجة الأولى وليست (فكرية) محضة، ومعنى ذلك أن هدفها الأول هو التشويه وإثارة العواطف والتهييج، أكثر من البحث العلمي وتوخي الحقيقة، ولا شك أن وراءها الكثير من الأصابع السياسية والمخابراتية الوافدة إلى بلاد المسلمين من خارج حدودها.

فليس من باب المصادفة أن تشترك الدعاية الأجنبية وبعض التيارات الإسلامية في منهج واحد لمواجهة التشيع، ولا يمكن أن نتصور التقاء (السياسي) مع (الديني) في مواجهة التشيع على أنه توافق غير مقصود، أو حدث صدفة، صحيح أن الدوافع والنوايا متعددة، والأدوات المنفذة كذلك، وكل منها يسعى لهدفٍ، سياسي، أو اقتصادي، أو عقدي، لكنها تلتقي جميعاً في نهاية المطاف عند نقطة (المواجهة) مع الشيعة.

١٤
إلا أن الملفت للنظر أن خصوم الشيعة (التقليديين) من التيارات المتشددة، قد يقعون ضحية غيرهم، ويُستخدمون مراكب وجسوراً له، ينفّذون أهدافه دون أن يشعروا بذلك، فهم في نظرهم يدافعون عن (السنة) وينصرونها، ويسعون لتحصين المجتمع السني من الخطر الشيعي، إلا أن الحصيلة النهائية أنهم يفتحون لخدمة الآخر السياسي والثقافي والفكري الأجنبي، صفحة مهمة يعجز هو عن فتحها، فيقدمون له خدمة مجانية من حيث لا يشعرون. ولك أن تتصور برنامجاً تلفزيونياً يتعرّض لعقائد الشيعة يُبث من دولة اليهود المغتصبة، وآخر يبث من شاشة محسوبة على (أهل السنة والجماعة)، وأي منهما يكون تأثيره أكبر.

من هنا نعتقد أن الكثير من مواقع الانترنت والفضائيات التي تتسمى باسم (السنة) أو (الوهابية) أو غيرهم، إنما هي مواقع وفضائيات لا صلة لها بالإسلام، إلا أنها لا يمكنها إلا أن ترفع شعار الإسلام، وتدير الأمور بأصابعها الخفية، وتخرج بالنتائج والثمار، فيما يحترق المسلمون في بيوتهم ومساجدهم وحسينياتهم.

لذا كان لزاماً علينا أن نتعامل مع هذا الواقع، لا لدفع الخطر الدعائي عن التشيع فحسب، إنما لحفظ الدين الإسلامي عموماً، وفضح الأساليب الموروثة أو المبتكرة في مواجهته، وبيان ما فيها من خطر على الأمة، والحد من الخطر الأجنبي المركَّب الذي يظهر بلباس الدين ومسوح الإسلام.

ومن المفردات المهمة التي عنيت بها مؤسسات الدعاية، الأساس العقدي والفكري والمنهجي الذي انطلق منه التشيع، وظهور الشيعة تاريخياً، وأصلهم ومنشؤهم وتطورهم، وما إلى ذلك مما يتعلق بنقطة البدء

١٥
والانطلاق، وهو ما دعانا لكتابة هذا البحث، أملاً في كشف الحقيقة ودفع الشبهة وتضييق شقة الخلاف، وتقريب وجهات النظر.

الهدف العام للبحث:

قد يبدو للوهلة الأولى أن مثل هذه الموضوعات عفا عليها الزمن، وأصبحت من تراث الماضي، وأن الخوض فيها يعد من الترف الفكري، أو أنه يؤدي إلى إثارة النعرات وإيقاظها، ويزيد من الفرقة والتشتت. وهذه الرؤية ليست بعيدة عن الصواب إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الدافع السلبي للخوض في مثل تلك الأمور، أما إذا كان غير ذلك فالأمر مختلف تماماً.

وبيان ذلك أن البحث التاريخي ـ العقدي، إما أن يراد به إبعاد الآخر وتهميشه وتكفيره وإخراجه من دائرة الدين، فهذا مرفوض بلا شك، وممقوت شرعاً. أما إذا أريد به كشف الحقيقة وتصحيح الخطأ وإزالة اللبس من ذهن المسلم، خصوصاً فيما يتعلق بتصوره للمسلم الآخر، وبالتالي تضييق شقة الخلاف بين المسلمين، والتخلص من الآثار السلبية للماضي، والتحرر من قيود النظريات والتصورات الخاطئة التي تناقلها المسلمون عبر العصور، فهذا مما حثت عليه الشريعة، وتلقاه العقلاء بالقبول والرضا.

فالموضوع الذي بين يديك ـ عزيزي القارئ ـ لا يتعلق بقضية تاريخية منقطعة عن واقعنا اليوم، إنما يعد من الأمور الفاعلة سلبياً في تاريخنا قديماً وحديثاً، وقد كلف الأمة الإسلامية ـ ولا زال ـ الكثير من الضرائب، في دمائها وأعراضها ومصيرها وموقعها بين الأمم.

فقد أسس ابن تيميّة وأتباعه من السلفية، ومنهم محمد بن عبد

١٦
الوهاب، حركتهم الفكرية على أساس هذه الفكرة، حيث جعلوا المزعوم (عبد الله بن سبأ) أصل الشيعة ومبدأهم، ثم نسبوا جميع عقائدهم إلى هذا اليهودي المزعوم، وتشبثوا به تشبثاً عجيباً، لا سيما في العقود الأخيرة، بل إنهم اعتبروا القول بخلاف ذلك خروجاً عن السنة، وطعناً بابن تيميّة، وتسفيهاً له، ونسبة الجهل إليه، وهو ما صرح به بعض الباحثين المعاصرين منهم، كما سيأتي.

وبناء على ذلك فإننا أمام أساس ومحور كبير من محاور الفكر التكفيري، يتمثل في نسبة ابن تيميّة شيعة أهل البيت عليهم السلام ليهودي يدعى عبد الله بن سبأ. بل إن هذه النظرية تفسر مقطعاً تاريخياً مهماً من تاريخ الأمة الإسلامية جمعاء، هو الثورة على عثمان، واستخلاف علي عليه السلام .

ولا يخفى على اللبيب ما يترتب على تكفير هذه الطائفة الكبيرة من المسلمين وإخراجها من الدين، من الآثار السلبية التي نشهدها بأم أعيننا كل يوم في شتى بقاع العالم.

لذا فإن البحث في الأساس الذي اعتمده ابن تيميّة في تكفير الشيعة، ومناقشته، يقودنا بالنتيجة إلى الحقيقة التي نتوخاها، أياً كانت، فإما أن يكون الرجل صادقاً في دعواه، فيلزم أن نعيد النظر في عقائد الشيعة وأصولهم الفكرية وتصحيحها طبقاً لما يراه، لأن من يهدي إلى الحق أحقُّ أن يُتّبع، وإما أن يكون مخطئاً في ذلك ـ وهو ليس بمعصوم ـ فيلزم أن يعيد أتباعه النظر فيما قاله شيخهم، وأن يعملوا من جديد على تقريب شقة الخلاف بين المسلمين، أو أن يؤدوا الأمانة ويصرحوا بالحقيقة على الأقل.

فليس الهدف من ذلك إثارة الفتنة، إنما هو سعي لإطفائها، والحد من

١٧
مخاطرها، وليكن ذلك على حساب ابن تيميّة أو غيره.

كما أنه يحفظ للأمة الإسلامية كرامتها وعزتها وسمعتها، وقدسية رموزها، لا سيما النبي الأعظم صلى الله عليه و سلم وأمير المؤمنين عليه السلام وأجلاء الصحابة.

تقسيم البحث:

قسمنا هذا البحث إلى ستة فصول، وخاتمة:

ففي الفصل الأول: استعرضنا آراء ابن تيميّة في تأسيس الشيعة ونسبتهم إلى المدعو (ابن سبأ)، وبيّنا ما فيها من إرباك واضح وصورة ضبابية ينقض بعضها بعضاً، ويتهاوى بعضها إثر بعض.

أما الفصل الثاني: فخصصناه لاستعراض دعوى (عبد الله بن سبأ، أو ابن السوداء) تاريخياً، والمنشأ الأول لهذه الفكرة، وواضعها الأول، وهو سيف بن عمر التميمي، المتوفى في النصف الثاني من القرن الثاني. وتناولنا ذلك باستعراض مفصل مع التعليق والتحليل الضروريين.

فقد قسمنا روايات سيف الواردة في الطبري والذهبي والبلاذري، إلى أربعة أقسام رئيسة، وعلقنا عليها تعليقات هامشية ضرورية، أشرنا فيها لتراجم الكثير من الشخصيات، وبيان الكثير من الملاحظات الضرورية، وهي كما يلي:

القسم الأول: يختص بدعوى ظهور المدعو (ابن سبأ) وهجرته وتنقله بين الأقطار.

القسم الثاني: يختص بدعوى اشتراكه في الثورة على عثمان، وتأليبه

١٨
الأمصار عليه، وحثهم على الخروج عليه.

القسم الثالث: يتناول دوره المزعوم في استخلاف علي عليه السلام ، وعمدة تلك الروايات ومحورها النيل من شخصية علي عليه السلام بالدرجة الأولى، ثم من شيعته لاحقاً، وهم آنذاك من كبار الصحابة والتابعين، كعمار بن ياسر، وابن التيِّهان، وعلباء بن الهيثم، وعدي بن حاتم، ومالك الأشتر وغيرهم.

القسم الرابع: يتعلق بدوره المزعوم في إشعال معركة الجمل، وهي كسابقتها في المضمون، وهو النيل من علي عليه السلام وشيعته.

وأما الفصل الثالث: فخصصناه لدراسة مرويات سيف من جهة الأسناد والمتون، وبيَّنا ما فيها من ضعف وتهافت وتناقض، يجعل من وجود تلك الشخصية (مستحيلاً) وغير ممكن من الناحية الواقعية.

أما الفصل الرابع: فقد حاولنا فيه استنطاق التاريخ بشكل عام، في غير مرويات سيف بن عمر، علّنا نعثر على حقيقة هذه الشخصية المزعومة المثيرة للجدل، فلم نجد سوى ادعاءات لا تغني ولا تسمن من جوع.

وأما الفصل الخامس: فخصصناه للآثار السلبية المترتبة على تبنّي هذه النظرية، من حيث الترويج لليهود وقابلياتهم الخارقة المزعومة، وتعظيم شأنهم، والحط من قيمة الأمة الإسلامية، لا سيما في الصدر الأول للإسلام، وتكذيب نبيها الأعظم محمد صلى الله عليه و سلم والطعن في رموز الأمة وصحابة النبي صلى الله عليه و سلم وعلى رأسهم علي بن أبي طالب عليه السلام .

وأما الفصل السادس: فخصصناه للسبئيّة في عيون بعض الباحثين

١٩
المعاصرين، الذين تناولوا شخصية ابن سبأ سلباً أو إيجاباً، واستعرضنا نماذج من الدراسات الموجهة والموضوعية التي تناولت هذا الموضوع بالبحث، وبيّنا ما فيها من مواطن الخلل أو القوة، في دراسة نقدية تحليلية جديدة.

أما الخاتمة فبيّنا فيها أبرز ما خلص إليه البحث، وهو أن (ابن سبأ) أقرب إلى (علم الجنس) منه إلى (علم الشخص)، وأنه لم يكن شخصاً بعينه، إنما هو اسم أطلقه المناوئون للشيعة على مجموعة كبيرة من شيعة علي عليه السلام أو الخارجين عنه، من أمثال عمار بن ياسر، أو عبد الله بن وهب الراسبي، أو عبد الله بن عمرو بن حرب، أو غيرهم، ثم تطور الأمر مع الزمن، حتى صاغ منه المخالفون لعلي عليه السلام علماً شخصياً، فأصبحت الصورة رهاناً بين علمين، دون تمييز بين (العلم الشخصي) و (العلم الجنسي).

وهذه النتيجة التي توصلنا إليها من خلال البحث، تجيب عن الكثير من التساؤلات حول وجوده أو عدمه، لأن البحث في الوجود أو العدم مرحلة لاحقة لتحديد الهوية، فإذا ثبت أنه يصدق على متعدد، فلا معنى للسؤال عن وجوده وعدمه، أو أنه مختلق أو حقيقي، لأنه ليس شخصاً واحداً من الأساس، إنما هو اسم أطلق على مجموعة كبيرة من المسميات.

وسوف تجد في هذا البحث تفصيلاً دقيقاً، ودراسة شاملة، تميط اللثام عن تلك الحقيقة، وتكشف الستار عما كتبته الكثير من الأقلام دون وازع من ضمير، ولا رعاية لأمانة، ولا خوفاً من حساب.

والحمد لله أولاً وآخراً.

حسين المياحي / شعبان١٤٣٤ هـ / حزيران ٢٠١٣ م .

٢٠