×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

النظرية السبئية في منظار ابن تيمية / الصفحات: ٢١ - ٤٠

٢١

الفصل الأوّل ابن تيميّة ودعوى السبئيّة

­ ابن تيميّة وأصل الشيعة

­ ابن تيميّة والسبئيّة

­ ابن تيميّة والتشيع لعلي عليه السلام

­ خلاصة رأي ابن تيميّة

­ الوهابية والسبئيّة

­ خاتمة الفصل الأول

٢٢

٢٣

لا يخفى على القارئ الكريم ما لابن تيميّة من موقع علمي كبير في عيون أتباعه، فهو أساسهم والمنظّر الأول لهم، بل يعدُّ المؤسس الأول لما يسمى بالسلفية قديماً وحديثاً، وإليه تعود العديد من التيارات الفكرية، وإن اختلفت فيما بينها في بعض الرؤى والمواقف.

ومن أبرز أتباعه في العصور المتأخرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي، رائد الحركة الوهابية في الجزيرة العربية.

ولابن تيميّة العديد من المؤلفات والكتب في شتى المجالات، لا سيما العقائد والتفسير والفقه، وقد تميز كثيراً بالرد على الفرق الإسلامية وغير الإسلامية، بأسلوبه الحادّ وعباراته القاسية، وممن رد عليهم الجهمية والشيعة والقدرية والمعتزلة وأهل الكلام والفلاسفة وغيرهم.

وقد أسس نظريته العقدية حول الشيعة على محور أساسي، هو نسبتهم إلى رجل يهودي يدعى (عبد الله بن سبأ)، وجعل ذلك منطلقاً لتفسير عقائدهم، وأجهد نفسه كثيراً في إيجاد الشَّبَه بينهم وبين اليهود في الكثير من الجزئيات، حتى في المأكل والمشرب.

٢٤
ابن تيميّة وأصل الشيعة:

قبل البدء في استخلاص نظرية ابن تيميّة في هذا الشأن، لا بد من ذكر نماذج من أقواله:

١ـ قال في مجموع الفتاوى:

ولهذا ذكر العلماء(١) أن الرفض أساس الزندقة، وأن أول من ابتدع الرفض إنما كان منافقاً زنديقاً، وهو عبد الله بن سبأ(٢).

٢ـ وقال في موضع آخر:

وكل شيعة علي الذين صحبوه، لا يُعرف عن أحد منهم أنه قدّمه على أبي بكر وعمر، لا في فقه ولا علم ولا غيرهما، بل كل شيعته الذين قاتلوا معه عدوه، كانوا مع سائر المسلمين، يقدمون أبا بكر وعمر، إلا من كان علي ينكر عليه ويذمه، مع قلّتهم في عهد علي وخمولهم، كانوا ثلاث طوائف:

طائفة غلت فيه، كالتي ادعت فيه الإلهية، وهؤلاء حرقهم علي بالنار.

وطائفة كانت تسب أبا بكر، وكان رأسهم عبد الله بن سبأ، فلما بلغ علياً

١- تتكرر هذه العبارة كثيراً في مؤلفات ابن تيمية، بصيغ مختلفة ومضمون واحد، هو النسبة لأهل العلم، ليوحي للقارئ مسبقاً أن المسألة متفق عليها، أو أنها ضمن حدود الإجماع أو المشهور، وقد استُدرك عليه كثيراً، وظهر في الكثير من كلامه أنه عندما يذكر (أهل العلم) فلا يعني إلا نفسه، أو بعض الكذابين، كسيف بن عمر وأمثاله.

٢- مجموع فتاوى ابن تيمية٤: ١٠٢، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مطبوع بأمر الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود، مطبعة الحكومة في مكة المكرمة، ١٣٨٩ﻫ .

٢٥
ذلك طلب قتله فهرب منه.

وطائفة كانت تفضله على أبي بكر وعمر، قال: لا يبلغني عن أحد منكم أنه فضلني على أبي بكر وعمر، إلا جلدته حد المفتري(١).

٣ ـ وقال في المصدر ذاته:

وأصل الرفض من المنافقين الزنادقة، فإنه ابتدعه ابن سبأ الزنديق، وأظهر الغلو في علي، بدعوى الإمامة والنص عليه، وادعى العصمة له(٢).

٤ ـ وقال في النبوات: وروي أنه بلغه أن ابن السوداء يسب أبا بكر وعمر فطلب قتله فهرب منه فأما قتله على السب، أو لأنه كان متهماً بالزندقة. (وقيل) إنه هو الذي ابتدع بدعة الرافضة وأنه كان قصده إفساد دين الإسلام(٣).

٥ ـ وفي مجموع الفتاوى أيضاً:

وأول من ابتدع القول بالعصمة لعلي، وبالنص عليه في الخلافة، هو رأس هؤلاء المنافقين، عبد الله بن سبأ، الذي كان يهودياً فأظهر الإسلام، وأراد فساد دين الإسلام، كما أفسد بولص دين النصارى(٤).

٦ ـ وقال فيه:

وهاتان الطائفتان (الخوارج والشيعة) حدثوا بعد مقتل عثمان...

١- مجموع الفتاوى٤: ٤٠٧.

٢- مجموع الفتاوى٤: ٤٣٥.

٣- النبوات، ابن تيمية: ١٩٦، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ١٩٨٥ م .

٤- مجموع الفتاوى٤: ٥١٨.

٢٦
وحدث في أيامه(١) الشيعة، لكن كانوا مختفين بقولهم، لا يُظهرونه لعلي وشيعته(٢)! بل كانوا ثلاث طوائف: طائفة تقول إنه إله، وهؤلاء لما ظهر عليهم أحرقهم بالنار، وخدَّ لهم أخاديد عند باب مسجد بني كندة، وقيل إنه أنشد:


لما رأيتُ الأمر أمراً منكراًأجَّجْتُ ناري ودعوت قنبراً(٣)

والثانية السابّة، وكان قد بلغه عن أبي السوداء(٤) أنه كان يسب أبا بكر وعمر، فطلبه. قيل: إنه طلبه ليقتله، فهرب منه.

والثالثة المفضلة الذين يفضلونه على أبي بكر وعمر(٥).

وقال أيضاً: وكانت (الشيعة الأولى) لا يتنازعون في تفضيل أبي بكر وعمر، وإنما كان النزاع في علي وعثمان(٦).

٧ ـ وقال في المصدر ذاته:

والسبئيّة: نسبة إلى عبدالله بن سبأ، رأس الرافضة(٧).

١- يعني علياً عليه السلام .

٢- لا أدري ماذا يعني بالشيعة وشيعة علي؟ وكيف يمكن أن نحرر المصطلح استناداً لكلامه هذا؟ وسوف ترى الكثير من الخلط والتهافت عنده، بحيث لا يدري ما يقول.

٣- سوف يأتي أن هذا الشعر قاله أمير المؤمنين عليه السلام في صفين، وليس في حرق أحد من الناس. بل إن حادثة الإحراق أُلصقت بأمير المؤمنين عليه السلام ظلماً كما سيأتي.

٤- كذا في النسخة المطبوعة، وإن كان الأمر كذلك فهو أحد الكُنى الجديدة لابن سبأ.

٥- مجموع الفتاوى١٣: ٣٢ ـ ٣٣.

٦- مجموع الفتاوى١٣: ٣٤.

٧- مجموع الفتاوى ١٧: ٤٤٩.

٢٧
٨ـ وقال كذلك:

فالرافضة تنتحل النقل عن أهل البيت لما لا وجود له. وأصل من وضع ذلك لهم زنادقة، مثل رئيسهم الأول عبد الله بن سبأ الذي ابتدع لهم الرفض، ووضع لهم أنّ النبي نص على علي بالخلافة، وأنه ظُلم ومنع حقه، وقال: إنه كان معصوماً(١).

٩ـ وقال أيضاً:

ومن هنا أدخل أهل النفاق في الإسلام ما أدخلوه، فإن الذي ابتدع دين الرافضة كان زنديقاً يهودياً، أظهر الإسلام وأبطن الكفر، ليحتال في إفساد دين المسلمين، كما احتال بولص في إفساد دين النصارى، سعى في الفتنة بين المسلمين حتى قتل عثمان... ثم إنه لما تفرقت الأمة ابتدع ما ادعاه في الإمامة من النص والعصمة، وأظهر التكلم في أبي بكر وعمر (٢).

١٠ـ وقال أيضاً:

وثبت عنه (علي عليه السلام ) أنه حرق غالية الرافضة الذين اعتقدوا فيه الإلهية... وعنه أنه طلب عبد الله بن سبأ، لما بلغه أنه سب أبا بكر وعمر، ليقتله فهرب منه(٣).

وقال عن المفضلة: فهذه سنة أمير المؤمنين علي وغيره، قد أمر بعقوبة الشيعة، الأصناف الثلاثة، وأخفهم المفضلة، فأمر هو وعمر بجلدهم.

١- مجموع الفتاوى٢٢: ٣٦٧.

٢- مجموع الفتاوى٢٧: ١٦١.

٣- مجموع الفتاوى٢٨: ٤٧٤.

٢٨
والغالية يُقتلون باتفاق المسلمين(١).

١١ـ وقال في المصدر ذاته:

وقد ذكر أهل العلم(٢)، أن مبدأ الرفض إنما كان من الزنديق عبد الله بن سبأ، فإنه أظهر الإسلام وأبطن اليهودية، وطلب أن يفسد الإسلام، كما فعل بولص النصراني، الذي كان يهودياً، في إفساد دين النصارى(٣).

وبعد أن قرَّر أن خروج الرافضة ومروقهم عن الدين أعظم وأكبر من خروج الخوارج، أفتى بقتلهم، فقال:

فأما قتل الواحد المقدور عليه من الخوارج، كالحرورية والرافضة ونحوهم، فهذا فيه قولان للفقهاء، هما روايتان عن الإمام أحمد، والصحيح أنه يجوز قتل الواحد منهم(٤).

١٢ـ وذُكر أيضاً أن علي بن أبي طالب طلب أن يقتل عبد الله بن سبأ، أول الرافضة حتى هرب منه(٥). وجعل ذلك دليلاً على جواز قتل الرافضة.

١٣ـ وقال أيضاً:

فأوّل من ابتدع الرّفض كان منافقًا زنديقًا، يقال له: عبد اللّه بن سبأ، فأراد

١- مجموع الفتاوى٢٨: ٤٧٤.

٢- هذا هو ديدنه في النسبة إلى المجاهيل، ممن لا عين لهم ولا أثر.

٣- مجموع الفتاوى٢٨: ٤٨٣.

٤- مجموع الفتاوى٢٨: ٤٩٩.

٥- مجموع الفتاوى٢٨: ٥٠٠.

٢٩
بذلك إفساد دين المسلمين، كما فعل بولص صاحب الرسائل التي بأيدي النصارى، حيث ابتدع لهم بدعاً أفسد بها دينهم، وكان يهودياً فأظهر النّصرانيّة نفاقًا، فقصد إفسادها. وكذلك كان ابن سبأ يهودياً فقصد ذلك، وسعى في الفتنة لقصد إفساد الملّة، فلم يتمكّن من ذلك(١).

١٤ـ وقال في مجموع الفتاوى أيضاً: ولما أحدثت البدع الشيعية في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ردها، وكانت ثلاثة طوائف: غالية وسبابة ومفضلة، فأما الغالية فإنه حرقهم بالنار... وأما السبابة فإنه لما بلغه من سب أبا بكر وعمر طلب قتله فهرب منه إلى قرقيسيا، وكلّمه فيه(٢)، وكان عليٌّ يداري أمراءه، لأنه لم يكن متمكناً، ولم يكونوا يطيعونه في كل ما يأمرهم به(٣).

١٥ـ قال في منهاج السنة:

وأما السبابة الذين يسبون أبا بكر وعمر، فإن علياً لما بلغه ذلك طلب ابن السوداء الذي بلغه ذلك عنه، وقيل إنه أراد قتله فهرب منه إلى أرض قرقيسيا(٤).

١- مجموع الفتاوى ٣٥: ١٨٤.

٢- في بعض النصوص أن الذي كلمه هو ابن عباس، وفي العبارة حذف واضح، لتجنب الإحراج، لأن ابن عباس كان من خيار شيعة أمير المؤمنين عليه السلام .

٣- مجموع الفتاوى٣٥: ١٨٤.

٤- منهاج السنة١: ٣٠٧. تحقيق محمد رشاد سالم، مؤسسة قرطبة، الطبعة الأولى ١٩٨٦م. وقرقيسيا: بلدة على الفرات والخابور، بالقرب من الرقة، ولم أجد أحداً ذكر نفيه إليها إلا ابن تيمية.

٣٠
١٦ـ وصرح في منهاجه أن الذي ابتدع مذهب (الرافضة) كان زنديقاً ملحداً عدواً لدين الإسلام وأهله، ولم يكن من أهل البدع المتأولين كالخوارج والقدرية(١).

١٧ـ وقال في منهاجه أيضاً:

والعلماء(٢) دائماً يذكرون أن الذي ابتدع الرفض كان زنديقاً ملحداً مقصوده إفساد دين الإسلام ... وهذا معروف عن ابن سبأ وأتباعه، وهو الذي ابتدع النص في علي وابتدع أنه معصوم(٣).

١٨ ـ وقال في منهاجه، في معرض الرد على العلامة الحلي:

الوجه الثامن أن يقال: قد علم (أهل العلم) أن أول ما ظهرت الشيعة الإمامية المدعية للنص في أواخر أيام الخلفاء الراشدين، وافترى ذلك عبدالله بن سبأ وطائفته الكذابون، فلم يكونوا موجودين قبل ذلك(٤).

١٩ ـ وقال في منهاجه أيضاً:

وكان عبد الله بن سبأ ـ شيخ الرافضة ـ لما أظهر الإسلام، أراد أن يفسد الإسلام بمكره وخبثه، كما فعل بولص بدين النصارى، فأظهر النسك، ثم أظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى سعى في فتنة عثمان وقتله،

١- منهاج السنة٤: ٣٦٣.

٢- لاحظ هذه العبارة التي تتكرر كثيراً في كلامه، وهي من باب الإحالة على المجهول.

٣- منهاج السنة٧: ٢١٩ ـ ٢٢٠.

٤- منهاج السنة٨: ٢٥١.

٣١
النظرية السبئية في منظار ابن تيمية » الشيخ حسين المياحي » (ص ٣١ - ص ٦٠)ثم لما قدم على الكوفة أظهر الغلو في علي، والنص عليه، ليتمكن بذلك من أغراضه، وبلغ ذلك علياً فطلب قتله، فهرب منه إلى قرقيسيا، وخبره معروف وقد ذكره (غير واحد من العلماء)(١).

هذه أبرز النماذج التي اخترناها من مؤلفاته الشهيرة المتداولة، وهناك الكثير من أمثالها، مما لا يتعدى في لفظه ودلالته ما ذُكر.

ومن هذه النماذج يتضح أن ابن تيميّة كوّنَ صورة مشوّشة عن تاريخ الشيعة في مخيلته، وأثبتها في تراثه، وأسس عليها لاحقاً الكثير من اللوازم في عقائد الشيعة.

لكن المحور الأساس، والمنطلق الذي تحرك على أساسه في تصويرهم وتقديمهم للقارئ، هو ما ادعاه من وجود رجل يهودي يدعى عبد الله بن سبأ، أو ابن السوداء.

ولكي تتضح الصورة أكثر في فكر ابن تيميّة، نأخذ بعض النماذج من عقائد الشيعة التي نسبها إليهم، مدعياً أن أصلها من اليهود.

على أنه كثيراً ما يخلط في استخدام الاصطلاحات والتعريفات، فتارة يعبر عن الشيعة بالرافضة، وتارة يعدُّ الرافضة طائفة من الشيعة، وأخرى يعبر عمن أسماهم (المفضلة) بأنهم رافضة، وهكذا، وتارة يجعل الشيعة غير شيعة علي، وتارة عينهم، وسوف ترى الكثير من التخبط والارتباك في هذا الشأن.

١- منهاج السنة٨: ٤٧٩.

٣٢
ابن تيميّة وعقائد الشيعة:

يرى ابن تيميّة أن معتقدات الشيعة تعود في أصلها لليهود، بناءً على أن مؤسس هذه الطائفة من اليهود أولاً، ولوجود شبيه لها في عقائد اليهود ثانياً. وقد ذكر في الشواهد الماضية جملة منها نسبها إليهم، وبعضها يُعدّ الأصل والأساس في عقائدهم، ومن ذلك:

١ ـ القول بإمامة علي عليه السلام وأنه منصوص عليه.

٢ ـ القول بعصمته.

٣ ـ إظهار الغلو وادعاء الإلهية والنبوة له.

ثم أوغل في ذلك حتى جعل مشابهتهم لليهود تصل إلى أدق التفاصيل والجزئيات، حيث روى في منهاج السنة، عن عبد الرحمن بن مالك بن مِغْوَل(١) عن أبيه، عن الشعبي أنه قال:

أحذركم هذه الأهواء المضلة، وشرها الرافضة، لم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا رهبة، ولكن مقتاً لأهل الإسلام وبغياً عليهم، قد حرَّقهم علي رضي الله عنه بالنار، ونفاهم إلى البلدان، منهم عبد الله بن سبأ، يهوديّ من يهود صنعاء، نفاه إلى ساباط، وعبد الله بن يسار نفاه إلى خازر.

١- وهو كذاب وضَّاع. روي عن مطين أنه قال: كان عبد الرحمن بن مالك بن مِغْوَل يكذب، وابنه أبو بهز السفر أكذب منه. قال أحمد والدارقطني: متروك، وقال أبو داود: كذّاب. وقال مرة: يضع الحديث. وقال النسائي وغيره: ليس بثقة. وقال ابن معين: قد رأيته وليس بثقة. وقال الإمام أحمد: مزقنا حديثه... إلخ. فهو من أقطاب الكذابين.

٣٣
وآية ذلك أن محنة الرافضة محنة اليهود:

قالت اليهود: لا يصلح الملك إلا في آل داود، وقالت الرافضة: لا تصلح الإمامة إلا في ولد علي.

وقالت اليهود: لا جهاد في سبيل الله، حتى يخرج المسيح الدجال، وينزل سيف من السماء، وقالت الرافضة: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المهدي، وينادي مناد من السماء.

واليهود يؤخرون الصلاة إلى اشتباك النجوم، وكذلك الرافضة يؤخرون المغرب إلى اشتباك النجوم ...

واليهود تزول عن القبلة شيئاً، وكذلك الرافضة.

واليهود تنود في الصلاة، وكذلك الرافضة.

واليهود تسدل أثوابها في الصلاة، وكذلك الرافضة.

واليهود لا يرون على النساء عدة، وكذلك الرافضة.

واليهود حرَّفوا التوراة، وكذلك الرافضة حرَّفوا القرآن.

واليهود قالوا: افترض الله علينا خمسين صلاة، وكذلك الرافضة.

واليهود لا يخلصون السلام على المؤمنين، إنما يقولون: السّام عليكم، والسام الموت، وكذلك الرافضة.

واليهود لا يأكلون الجرّي والمَرماهي والذناب(١) وكذلك الرافضة.

واليهود لا يرون المسح على الخفين، وكذلك الرافضة.

١- معناها غير واضح، واحتمل محقق الكتاب أنها: الذباب! أو الضِّباب (جمع ضَبّ) أو الزّمار.

٣٤
واليهود يستحلون أموال الناس كلهم، وكذلك الرافضة ...

واليهود تسجد على قرونها في الصلاة، وكذلك الرافضة.

واليهود لا تسجد حتى تخفق برؤوسها مراراً شبه الركوع، وكذلك الرافضة.

واليهود تبغض جبريل، ويقولون: هو عدونا من الملائكة، وكذلك الرافضة يقولون: غلط جبريل بالوحي على محمد صلى الله عليه و سلم(١).

وهكذا استرسل في موارد أخرى أشبهوا فيها النصارى، ثم فضل اليهود والنصارى على الرافضة بخصلتين.

كما روى من طرق أخرى عن عبد الرحمن بن مالك بن مغول الكذاب، روايات مشابهة، فيها الكثير من أوجه الشبه بين (الرافضة) واليهود كما ادعى.

ومع أن الرواية الأولى تشهد على نفسها بالوضع، من جهة عبد الرحمن بن مالك بن مِغْوَل الكذاب الوضاع بشهادة علماء الرجال، ومن جهة لفظ (الرافضة) الذي يرى ابن تيميّة نفسه أنه ظهر أيام زيد بن علي (سنة ١٢٢هـ) وكانت وفاة الشعبي سنة ١٠٤هـ، أي أن اصطلاح الرافضة لم يكن معروفاً أيام الشعبي، إلا أنه اعتمدها دليلاً على ما أورده، وعلق عليها قائلاً:

فهذا الأثر قد روي عن عبد الرحمن بن مالك بن مغول من وجوه متعددة يصدّق بعضها بعضاً! وبعضها يزيد على بعض، لكن عبد الرحمن بن مالك بن

١- منهاج السنة١: ٢٣ ـ ٢٧.

٣٥
مغول ضعيف(١) وذم الشعبي لهم ثابت من طرق أخرى(٢).

ثم وقف ابن تيميّة حائراً أمام انعدام الأدلة فقال: لكن لفظ الرافضة إنما ظهر لما رفضوا زيد بن علي بن الحسين في خلافة هشام(٣).

ثم خرج من دائرة البحث هذه ليقول:

ومع أن الظاهر أن هذا الكلام إنما هو (نظم) عبد الرحمن بن مالك بن مغول و(تأليفه)! وقد سمع طرفاً منه عن الشعبي، وسواء كان هو (ألّفه)، أو (نظمه) لما رآه من أمور الشيعة في زمانه، ولما سمعه عنهم، أو لما سمع من أقوال أهل العلم فيهم، أو بعضه، أو مجموع الأمرين، أو بعضه لهذا، وبعضه لهذا، فهذا الكلام (معروف بالدليل) لا يحتاج إلى نقل وإسناد(٤).

وهكذا يضع ابن تيميّة نفسه وشهادته فوق مستوى الدليل، فيكاد يصرح أن هذه المرويات عن ابن مغول لا تصلح في مقام الاستدلال، لأنها (تأليف ونظم) من الراوي المذكور، وأن لفظ الرافضة ظهر بعد الشعبي بسنوات عديدة، إلا أنه مع ذلك يلتمس الأعذار لقبول الراوي الكذاب، ويسمي الوضع والكذب تأليفاً ونظماً، كل ذلك ليمرر ما يعتقده ويراه في الشيعة.

أقول: هذا كلام ابن تيميّة، ولنا أن نضعه في ميزان عبد الله بن المبارك الذي نُقل عنه، حيث قال: الإسناد عندي من الدِّين، ولولا الإسناد لقال

١- بل كذاب وضاع متروك الحديث،كما رأيت من أقوال علماء الرجال.

٢- ليته ذكر تلك الطرق المزعومة، بدل استشهاده بروايات الكذاب ابن مغول.

٣- منهاج السنة١: ٣٤.

٤- منهاج السنة١: ٣٦.

٣٦
من شـاء ما شـاء(١).

ثم ذكر روايات أخرى بيّن فيها مشابهتهم اليهود حتى في الحركات والسكنات واللباس، وتحريم الأرنب والطحال واستحباب (السعفة الرطبة) مع الميت! وغير ذلك.

وخلاصة الأمر أن ابن تيميّة ارتكز في نقد عقائد الشيعة وأصولهم على نقطة مركزية واحدة هي (عبد الله بن سبأ اليهودي المزعوم).

ومن هنا يتبين لنا أهمية البحث في هذا الموضوع الشائك، إذ لو ثبت فعلاً أن هذا الرجل المزعوم كان (مؤسساً) لمذهب الشيعة، فلا بد من إعادة النظر في عقائد الشيعة كلها، وإعادتها إلى الإسلام. ولو ثبت خلاف ذلك وجب عودة الوهابيين وأتباع ابن تيميّة إلى رشدهم، والاعتراف بالخطأ الفادح الذي ارتكبه شيخهم بحق المسلمين جميعاً، وإعادة النظر في اتباعهم الكذابين.

وقبل أن ندخل في تفاصيل البحث، لا بد أن نقف قليلاً مع ابن تيميّة فيما أورده هو نفسه عن (عبد الله بن سبأ) ليتبين لنا منطلقاته الأولى التي اعتمدها في تبني هذه الشخصية.

ابن تيميّة والسبئيّة:

بالعودة للشواهد السابقة لا بد لنا من إبداء الملاحظات التالية على ما أورده ابن تيميّة فيها:

أ ‌‌ـ كل ما استند إليه ابن تيمة في وجود ابن سبأ ودوره إنما هو (دعوى

١- تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي٦: ١٦٤.

٣٧
بلا دليل)، فلم يقدّم تحقيقاً علمياً ناضجاً عن وجود هذه الشخصية ودورها، بل لم يأت ولا بدليل واحد يمكن الركون إليه، سوى أنه يرسل ذلك إرسال المسلّمات، أو يصدّره بقوله: قيل: أول من أظهر ذلك...، أو: ورووا أنه أظهر أيضاً سب أبي بكر وعمر... أو: وقد ذكر أهل العلم... أو: والعلماء دائماً يذكرون... أو: قد علم أهل العلم... أو: وخبره معروف وقد ذكره غير واحد من العلماء.

فلم يذكر عالماً، ولا راوياً معتمداً، ولا أحداً من أهل العلم الذين نسب إليهم ذلك. فإن كانت الدعاوى تُقبل بلا دليل، فلا فرق إذن بين العالم والجاهل، لأن كلاً منهما يمكنه أن يدّعي ما يدعي. ولا فضل بعدُ للعلم ولا أثر.

اللهم إلا ما نقله عن الشعبي، وطريقه إليه عبد الرحمن بن مالك بن مغول، وما نقله في غير موضع عن الأشعري صاحب المقالات مرسلاً بلا سند.

ومن أغرب ما أورده ابن تيميّة في روايته عن الكذاب عبد الرحمن بن مالك بن مغول قوله: فهذا الكلام معروف بالدليل، لا يحتاج إلى نقل وإسناد. وبعبارة أخرى أن ادَّعاءه الأصل اليهودي للشيعة لا يحتاج إلى نقل وإسناد، لأن (الدليل) قائم عليه، فما هو الدليل في مثل هذا المقام يا ترى؟

فالمعروف أن إثبات الحدث التاريخي لا طريق له سوى النقل، ولا دليل لإثباته أو نفيه غير هذا، فلا يمكن البتُّ في حادثة تاريخية باستخدام العقل أو الرياضيات مثلاً، فالبحث التاريخي يعتمد الوثيقة أولاً، إلا أن ابن تيميّة استغنى عن النقل والإسناد في هذا المقام، واعتبر دعواه المجردة من الدليل،

٣٨
دليلاً على إثباتها. وهذا من أغرب الطرق في البحث العلمي، لا سيما في مجال الحديث والتاريخ.

وبناءً على ذلك فإن دعوى ابن تيميّة لا يمكن من الأساس قبولها والبناء عليها، لافتقارها للدليل، ولأنه صرح بنفسه أنها لا تحتاج إلى النقل والإسناد، في حين أنها لا تثبت إلا بالنقل والإسناد.

والحقيقة أن ابن تيميّة لم يجد نقلاً صحيحاً، ولا إسناداً معتبراً، ولم يعثر إلا على أكاذيب سيف، وعبد الرحمن بن مالك بن مغول وأشباههما من النواصب. وإلا فلا يمكن لأي باحث يحترم قلمه، وعقول الناس، ويخشى الله تعالى، أن يدّعي دعوى، ثم يقول: إنها لا تحتاج إلى نقل وإسناد.

ب ـ تناقضاته الفاحشة: بمراجعة سريعة لما أورده عن هذه الشخصية، تجد أن الصورة التي عرضها متناقضة ومتداخلة بشكل كبير، وليست واضحة له نفسه قبل غيره، وإليك أبرز ما وقع فيه من تناقض:

١ـ قسَّم ابن تيميّة القلة القليلة من الشيعة إلى ثلاث طوائف: الغالية، والسبابة، والمفضلة. وجعل ابن سبأ زعيم الفرقة الثانية (السبابة)، وقد استدعاه علي عليه السلام ليقتله لمّا بلغه أنه (يسب أبا بكر وعمر). وادعى في الوقت نفسه أنه المؤسس الأول للشيعة كلهم، لا الفرقة الثانية من الأقلية فحسب. فكيف يصح أن يكون مؤسس الطوائف الثلاث، وللشيعة كلها، ثم يُصنَّف على واحدة من الأقلية؟ فلو كان مؤسساً للأصل، لقلنا: لا مانع أن يُدَّعى أنه مغالٍ، فيعاقَب على غلوه، وقد صرح ابن تيميّة بكونه مغالياً أيضاً. كما أنه لا مانع أن يكون مفضّلاً لعلي على الشيخين، كيف وقد جهر بسبهما؟

وبعبارة مختصرة أن ابن تيميّة لم يوفَّق في إيجاد المكان المناسب لابن

٣٩
سبأ، فتارة يرى أنه الأصل والمؤسس، وأخرى يرى أنه فرع من الأقلية، أي من فرع الفرع. فإن كان أصلاً فلا يصح نسبته إلى إحدى الفرق الثلاث، لأنه أصل في الجميع، وإن كان فرعاً فلا يصح اعتباره مؤسساً وأصلاً.

٢ ـ صرح ابن تيميّة أن علياً عليه السلام طلب ابن سبأ ليقتله؛ لأنه (يسبُّ أبا بكر وعمر)، فيما أحرق الغالين بالنار، وهذا يعني أنه لم يكن من الغالين، بل من السَّبَّابة، كما قرر هو نفسه في التصنيف الثلاثي السابق، ولو كان منهم لكانت تهمته (الغلو) وليس (السب)، ولما صحّ لعلي أن يتركه وقد أحرق أمثاله، اللهم إلا أن يُتَّهم علي عليه السلام أنه يداري أمراءه، من أمثال ابن عباس، وأن هؤلاء منعوه من قتله، وهو ما صرح بن تيمية، تأثراً بسيف بن عمر.

هذا يؤكد أن ابن سبأ ـ إن كان له وجود حقيقي على زعم ابن تيميّة ـ كان معروفاً بالسب، ولم يكن غالياً، كما لم يكن مؤسساً للتشيع.

٣ ـ بالرجوع إلى الفرق الثلاث نجد أن علياً عليه السلام اتخذ موقفاً متشدداً من الأولى والثانية حسب الزعم، فقد أحرق الأولى، وطلب ابن سبأ (وهو من السبابة) ليقتله فهرب، أما الفرقة الثالثة ـ وهم المفضلة ـ فلم يتخذ بحقهم أي إجراء، سوى أنه هدد بضربهم حد المفتري، أما في التطبيق فلم يذكر ابن تيميّة أنه جلد أحداً بهذه التهمة.

فهل تهاون معهم، وسكت عنهم، وهو الأُخيشن في ذات الله، الشديد في حدوده؟ أو أنهم امتنعوا بالكامل بعد التهديد؟ أو أنه أقرهم على فعلهم، فكان المؤسس الأول للتشيع وليس ابن سبأ؟

٤ ـ طبقاً لما أورده ابن تيميّة يبدو أن علياً عليه السلام تجاوز عن جميع سيئات ابن سبأ وجرائمه الكبرى المزعومة، من إثارة الفتنة، وقتل عثمان، والقول

٤٠