×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

النظرية السبئية في منظار ابن تيمية / الصفحات: ٣٨١ - ٤٠٠

إليه سابقاً، لأننا بحثنا في رواياته في الطبري حصراً، وبالتالي راجعنا بحثنا من جديد، فأضفنا هذا التناقض إلى سلسلة تناقضاته.

لقد تابعتُ سقطة الأستاذ هذه فرأيت أن سببها سيف بن عمر، حيث نقل عنه الذهبي وابن عساكر، كما رأيت في الرواية الأولى من الصنف الثاني من روايات سيف التي ذكرناها.

علماً أن الأستاذ قرر أن أقرب تاريخ لدخول عبد الله بن سبأ مصر هو سنة ٣٤ ، وفي تلك السنة كان عليها ابن أبي سرح، كما روى سيف نفسه، فيكون سيف قد دلَّ بهذا التناقض على وضعه الرواية ، كما تسبب في إيقاع الأستاذ العودة في هوّة سحيقة لا يمكن سترها والاعتذار منها.

قال الأستاذ العودة: بل لقد فطن للرجل الذي سيقف في طريقه ويبطل مخططه، فبدأ إثارة الناس على عمرو بن العاص رضي الله عنه، داهية العرب وبطل الإسلام(١)، ووالي مصر في تلك الفترة... ولقد بدأ ابن سبأ فطعن في عمرو بن العاص قائلاً: ما باله أكثركم عطاءً... إلخ(٢).

والعجب الأكبر أن الأستاذ العودة لم يذكر عمرو بن العاص في ولاة عثمان فيما يلي من كتابه المذكور(٣)، إنما ذكر ابن أبي سرح، وأن عثمان ولاه مصر بعد ابن العاص، والمعروف أنه آخر من ولاه على مصر، وقد

١- ومن أبرز بطولاته قتاله أمير المؤمنين علياً عليه السلام وقتله محمد بن أبي بكر، وجمعه القناطير المقنطرة من الذهب من خراج مصر.

٢- عبد الله بن سبأ، العودة: ٥٢.

٣- المصدر السابق: ١٢٤.

٣٨١
حدثت الفتنة في زمانه، فيما كان عمرو بن العاص يعيش في فلسطين، يؤلب الناس على عثمان، حتى الرعاة منهم، فضلاً عن الوجوه والرؤساء.

فإذا كان هذا مستوى البحث، وهذه أولياته، وهؤلاء من نعتمد عليهم في تصحيح التاريخ، فعلى التاريخ السلام.

ح ـ لم يعثر الأستاذ ولو على مصدر واحد ذكر عبد الله بن سبأ بالصورة التي عرضها سيف، وقد حاول كثيراً فلم يوفق، وحاول أكثر من مرة إيهام القارئ بوجود مصادر أخرى أقدم من سيف، فلم يستقم له الأمر، كما في نقله عن رسالة الإرجاء، للحسن بن علي بن محمد بن الحنفية، والصحيح أنه نقل عن كتاب الإيمان، لمحمد بن يحيى العدني المتوفى (٢٤٣ هـ ).

وكعادته وعادة غيره حصد كل ما وقعت عليه عينه من المصادر لمجرد ذكر ابن السوداء أو ابن سبأ أو السبئيّة دون تمحيص، وهذا هروب واضح من أصل القضية، وهي إثبات عبد الله بن سبأ (الملحمي) من غير طريق سيف.

إن محل النزاع يا أستاذ ليس أن تثبت دخول رجل يهودي في الإسلام، فما أكثر الداخلين فيه، وهم اليوم من الصحابة الكبار والرواة المعتمدين عندكم، وأنت أدرى من غيرك بهم، ولا أن تثبت وجود منافق يعمل سراً لهدم الإسلام، فقد كفانا القرآن الكريم هذه المؤنة، وما أكثر المنافقين، ولا أن تثبت وجود جماعة من الناس تتبع رجلاً في مقالة ما، أياً كانت هذه المقالة، فما أكثر الفرق والمقالات الضالة والمنحرفة، إنما المهم أن تثبت لنا بطل رواية سيف الذي نسب إليه التحريض على عثمان ثم قتله، واستخلاف علي وما إلى ذلك، وأنه هو المؤسس لمذهب الشيعة. ودون

٣٨٢
ذلك خرط القتاد، فلا تخلطوا الحق بالباطل، ولا تحشدوا أسماء من أنقاض التاريخ وقمامته لتؤلفوا منها بطلاً أسطورياً، فإنكم بذلك تشهدون بالوضع والكذب، ولا تزيدوننا باختلاقه وفبركته إلا يقيناً وبصيرة.

سيف بن عمر: الكذاب الثقة:

لقد حاول الأستاذ وغيره أيضاً إيجاد مخرج مناسب لتوثيق سيف بن عمر، معتمدين قول الذهبي فيه: كان إخبارياً عارفاً، وقول ابن حجر: ضعيف في الحديث عمدة في التاريخ. وإيجاد نظرية جديدة ملخصها أن هناك محدثاً وهناك إخبارياً، ويمكن أن يكون الإخباري ثقة في التاريخ مع أنه ليس كذلك في الحديث، ولو كان يكذب على رسول الله صلى الله عليه و سلم ، وهي قاعدة تحتاج الكثير من التوقف، إلا أنها باطلة من جهة، ولا تنطبق على سيف بن عمر من جهة ثانية.

أما بطلانها فأقل ما يقال فيها أنه لا دليل على صحتها، بل الدليل على خلافها، لأن من يكذب على النبي صلى الله عليه و سلم والصحابة ويضع الأحاديث كما يشاء، كيف يؤمن نقله في التاريخ، مع كون الكثير من المسائل العقدية والفقهية تعتمد على النقل التاريخي؟ وكيف يرضى عاقل أن يسلّم التاريخ الإسلامي، وعقائد المسلمين لكاذب يفتري على أقدس الشخصيات فيه وهو رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟

بل كيف يسوغ للمسلم أن يتعامل إيجابياً مع من يكذب على نبيه ويتقوّل عليه وعلى صحابته؟

ومعنى هذه القاعدة أن المحدث الكذاب، إخباري ثقة، أما كيف يكون

٣٨٣
الكذاب ثقة فهذا ما يُسأل عنه من ابتدع هذه البدعة.

ثم إن كان الأمر كذلك فلمَ رفضتم الواقدي وأبا مخنف والكلبي وغيرهم؟ أليس هؤلاء إخباريين؟

وأما عدم انطباق القاعدة التي أسسوها على سيف بن عمر، فلأنه ليس عمدة في التاريخ كما زعم ابن حجر، ولا إخباياً عارفاً كما زعم الذهبي، فمعرفته في التاريخ وتخبطه صار من أوضح الواضحات، بعد أن نقل لنا أن هجرة ابن سبأ من البصرة كانت سنة ٣٣ هـ ووصوله الشام كان سنة ٣٠ ، ونقل لنا قيام الصحابيين عبادة بن الصامت وأبي الدرداء لنصرة عثمان، والصحيح أنهما لم يكونا على قيد الحياة أيام مقتل عثمان. ونقل لنا تأليب ابن سبأ الناس على عمرو بن العاص، في حين أن عمرو بن العاص لم يكن على مصر سنة ٣٤ أو ٣٥ إنما عزل عنها منذ سنة ٢٥ هـ أو ٢٧ هـ . ومروياته مشحونة بأمثال تلك التناقضات، فكيف يمكن أن نعتمده في التاريخ وهذه حاله من قلة الضبط؟!.

أضف إلى ذلك أنه ثبت كذبه حتى في التاريخ، وقد رأيت في تناقضاته السالفة كم هو عارف وعمدة في التايخ.

ومن الملاحظ هنا أنهم يحاولون قبول رواياته لأنه إخباري تارة، فلا شأن للجرح والتعديل فيه، ولأن الذهبي وابن حجر جعلاه عارفاً وعمدة في التاريخ تارة أخرى.

فإن كان سبب القبول هو كونه إخبارياً فيقتضي قبول مرويات الواقدي وأبي مخنف والكلبي وغيرهم من الإخباريين، وإن كان السبب عبارات الذهبي وابن حجر، فليسا من عبارات التوثيق عند علماء الرجال.

٣٨٤
أضف إلى ذلك أن علماء الجرح والتعديل كذبوه في روايات تاريخية محضة، وليس في الحديث النبوي، فلم يقبلوا روايته في خزيمة بن ثابت الذي ادعى أنه غير ذي الشهادتين، مع كونها تاريخية، وليست حديثاً نبوياً.

ط ـ بعد هذا البحث الذي أتعب الأستاذ نفسه فيه ولم يخرج بنتيجة، تحول إلى آراء الآخرين في هذه الشخصية المزعومة، ومن الطبيعي أن لا يوافق منهم إلا من وافق هواه، ولا نتوقع منه أن يعرض آراءهم على المنهج العلمي، ويعذرهم فيما ذهبوا إليه، أو أن يقبل شيئاً ـ ولو يسيراً ـ من أدلتهم، والسر في ذلك أنه لا منهج لديه سوى الحكم المسبق الذي اختزنه في ذهنه وأخذه من شيخه ابن تيميّة.

ولإطلاع القارئ الكريم على جانب من ذلك نذكر الشواهد التالية:

ـ ذكر آراء بعض المستشرقين، ونسب إليهم موافقته في وجود ابن سبأ، ومنهم: فان فلوتن، يوليوس فلهاوزن، إسرائيل فرييد لاندر، جولد تسيهر، رينولد نيكلسون، دوايت م . روندلسن.

والحقيقة أنه خلط بين هؤلاء خلطاً كبيراً، ومن يخلط في النقل من مصادر العرب كيف نتوقع ضبطه في النقل عن غيرها؟

وقبل أن نستجلي الحقيقة لا بد أن نشير أنه استدل بآراء هؤلاء مع أن الكثير منهم من اليهود، وقد هاجمهم زميله سعدي الهاشمي في كتابه الآتي، وسيأتي الحديث عنه.

أضف إلى ذلك أنه خلط بين من يثبت وجوده ودوره، ومن ينكرهما معاً، ومن ينكر دوره فقط.

٣٨٥
فمثلاً (فرييد لاندر) يرى وجوده فقط ولا يرى له دوراً في الفتنة، ونقل عنه سعدي الهاشمي أنه ينكر ابن سبأ بالمرة كما سيأتي. وكذلك فلهاوزن، بل إنه نقل الكثير من تشكيكهم فيه، ومن ذلك رأي لاندر أن سبأ ليس أباً لعبد الله بن سبأ، وإنما اسم قبيلة، وهي تطلق على كل من يأتي من اليمن. وكذلك جولد تسيهر، الذي لم يتعدّ في رأيه كون ابن سبأ يؤله علياً.

والحاصل من كلام المستشرقين أن النزر اليسير منهم يؤيد الشيخ العودة في دور ابن سبأ في الفتنة، أو ينكره بالمرة، وهو ما جعل الهاشمي يهاجم المستشرقين وأتباعهم في هذا الجانب.

والنقطة المهمة هنا، هي أن هؤلاء المستشرقين لو ذهبوا إلى ما ذهب إليه لكانوا في نظره من خيرة المنصفين، ومن الباحثين الأكاديميين الذين يحتج بكلامهم، والدليل أنه احتج بكلام بعضهم، بل حاول أن يطرحه بشكل يوحي للقارئ أنهم موافقون لرأيه، أما من أنكر ابن سبأ منهم فلا بد أنه يكيد للإسلام، وتهمته الأولى أنه يهودي.

وهذا الميزان هو ذاته المستخدم في تراث هؤلاء وموروثاتهم، فإذا أسلم اليهودي، والتحق بمعاوية وصار قريباً من السلطة، أصبح من أهل العلم والمعرفة الذين لا يستغنى عنهم، أما إذا تشيع فلا بد أنه يكيد للإسلام.

فالمعيار عندهم هو الجهة وليس الحقيقة، فمن كان في جهة علي فهو متهم، ولو كان من الصحابة من أمثال عمار وأبي ذر وابن الحمق وابن عديس وغيرهم، ومن كان في جهة معاوية فهو (صحابي) أو (تابعي) لا يجوز التعرض له بسوء، ولو كان حبراً يهودياً.

٣٨٦
خلاصة ما أريد قوله: أن هذه الرسالة لم تخرج عما يتبناه شيخ الإسلام ابن تيميّة، في كون عبد الله بن سبأ مؤسساً للشيعة، وأنه شبيه بولص النصراني في إفساد النصرانية، وهذه هي (العقدة) الرئيسية التي لا يستطيع أتباعه تجاوزها، بل يعدّون الخروج عنها خروجاً عن السنة والجماعة، فهم لا يفكرون بعقولهم، إنما بعقل شيخهم ابن تيميّة.

فلو أنهم تراجعوا عن هذه الفكرة لشهدوا عليه بالخطأ والكذب، وربما جرّ ذلك إلى مخالفته في كثير مما قاله، وبيان الكثير من كذبه، فالحفاظ على هيبة شيخ الإسلام، مقدَّمة على الحفاظ على الإسلام.

وليكن معلوماً للقارئ الكريم أن هناك خطوطاً حمراء في بعض الجامعات لا يمكن تجاوزها، وقد منعت الكثير من البحوث والكتب بدعوى مخالفة العقيدة، في حين أنها تبحث في قضايا لا علاقة لها بالعقيدة، كما في شأن إيمان أبي طالب مثلاً.

ومن ثم لا نتوقع من المؤلف أكثر من هذا، إلا أن يخرج عن المألوف ويتحمل حراب الملاحقة القانونية والاجتماعية والدينية.

إلا أنني أنصحه أن يعيد النظر بما كتب، فإن الحق أحق أن يتبع، وهو فوق ابن تيميّة وكتب التراث(١) وفوقنا جميعاً، كما أن هذا الطرح جعل من عقولكم موضع سخرية أمام شعوب العالم، بل ساعد كثيراً على انتشار التشيع، وهو نقض للغرض الذي سعيتم من أجله وكتبتم هذه الرسائل.

١- راجع حديث العودة في صحيفة المسلمون، الذي ذكرناه في صدر بحثنا هذا.

٣٨٧
ولولا أننا ننشد الحقيقة، ونحرص على وحدة الأمة، لسكتنا عما تكتبون، ولما أتعبنا أنفسنا في المناقشة، لأن الهدى ينتشر من حيث ينتشر الضلال.

والسؤال الأخير الذي نوجهه للأستاذ العودة، ونرجو أن يجيبنا عنه بكل صراحة ووضوح: لو حذفت (سيف بن عمر) الكذاب من رسالتك المذكورة، فماذا يبقى منها يا أستاذ؟

وبعبارة أخرى: إن دعواكم هذه دون روايات سيف، تُصبح سَيَّافاً بلا سيف، وفارساً بلا جواد.

٣ ـ وقفة مع سعدي الهاشمي

وهو أستاذ مشارك بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وله كتاب: ابن سبأ حقيقة لا خيال، لا أريد أن أقف عنده إلا بمقدار إطلاع القارئ الكريم على مستويات (الدكترة الوهابية).

وإليك عزيزي القارئ أبرز الملاحظات:

١ ـ أول ما يواجهك في الكتاب، أن الدكتور منذ البداية يفقد توازنه الشخصي، فتشعر أنك أمام خطيب متشدد في مسجد، وفي أجواء أزمة. ابتداءً من مقدمة الكتاب وحتى نهايته.

وقد لفت نظري في المقدمة قوله: فلقد اتفق المحدِّثون وأهلُ الجرح والتعديل، والمؤرخون، وأصحاب كتب الفرق، والملل والنحل، والطبقات، والأدب، والكتب الخاصة في بعض فنون العلم، على وجود شخصية خبيثة يهودية، تلك هي شخصية عبد الله بن سبأ، الملقب بابن

٣٨٨
السوداء الذي قام بدور خطير(١).

ثم استرسل بذكر دوره طبقاً لروايات سيف السابقة، والطريف أنه ذكر العبارة التالية: فبدأ بالحجاز ثم البصرة ثم الكوفة ثم دخل دمشق، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام(٢). وهذه عبارة سيف نقلها كما هي مع بعض التصرف، ولم ينتبه إلى خروجه من البصرة سنة ٣٣ هـ ودخوله الشام سنة ٣٠ هـ .

ولا حاجة لنا أن نرد على كذبة مفضوحة من العيار الثقيل، وقد بينا سابقاً أن المؤرخين لم يختلفوا في أحد كما اختلفوا في هذا المزعوم. بل إن الكثير منهم، لا سيما قبل سيف بن عمر، لم يذكره مطلقاً. وقد اعترف العودة وسامي عطا فيما سبق بندرة المعلومات عنه، ولم يأت أحدٌ منهم بدليل صحيح على وجوده.

أما دوره في الثورة على عثمان فقد انفرد به سيف بن عمر دون غيره، كما علمت.

ومن هنا تعرف أن هذه الأبحاث يحيطها الشك والريبة إلى حدٍّ بعيد، فهي مخالفة للكثير من الحقائق والوقائع، وتبدأ من النتيجة المسبقة باتجاه المقدمات، فإن لم تجد الأدلة احتفظت بالنتيجة وتمسكت بها.

ثم هاجم الهاشمي المنكرين، ونعتهم بأنهم لا حظّ لهم من علم، ولا مسكة من عقل، وأنهم نفر قليل ما بين مستشرق حاقد، أو مسلم جاهل، أو

١- ابن سبأ، سعدي الهاشمي: ٥ . الطبعة الأولى، ١٤٠٦ﻫ ، مكتبة الدار بالمدينة المنورة.

٢- المصدر السابق: ٦.

٣٨٩
منكر مكابر، أما أقوالهم فنعتها أنها أوهى من بيت العنكبوت(١).

أقول: الحمد لله الذي عافى عقولنا مما ابتلاهم به، فالعاقل من يتجنب الكاذب ويفضحه، لا من يتّبعه ويتستر عليه، ولا مفر لمن أثبته أو أثبت دوره من اتّباع الكذاب سيف بن عمر، أو غيره من الكذابين كمجالد وعبد الرحمن بن مالك بن مغول وغيرهم من الكذابين والوضاعين.

ثم هاجم المستشرقين وعدّهم من اليهود الذين ينضوون تحت راية الحروب الصليبية. ثم هاجم المفكر والأديب الشهير طه حسين ونعته بأنه (مطية لليهود) ثم سرد معلومات (مخابراتية) عن خلفية طه حسين، وأنه أنكر القرآن (والتوراة) وأنه مهد لتحقيق أهداف الصهيونية!

والدكتور الوهابي يعرف قبل غيره من هم الساسة الذين مهدوا للصهيونية وباعوا فلسطين بأبخس الأثمان، ولا زالوا إلى يومنا هذا اليد الضاربة لهم في المنطقة، والواقفين بكل ما أوتوا من قوة أمام كل جهد في مواجهتها. وما من رصاصة تطلق على إسرائيل إلا فتحوا صدورهم لصدها عن اليهود الصهاينة.

فليس من العلم ولا من العقل أن يُحمَّل الدكتور طه حسين أكثر من دوره وحجمه، ويُجعل منه (ابن سبأ) آخر.

والسؤال هنا: لماذا هذا الهجوم الكاسح وسيل الاتهامات للمستشرقين؟ ألأن هؤلاء خالفوك في الرأي؟ فما تقول في علمائكم ومشايخكم الوهابية الذين انتصروا لآرائهم في هذه القضية بآراء بعض المستشرقين اليهود،

١- المصدر السابق.

٣٩٠
ومنهم سليمان العودة وسامي عطا وغيرهم؟ هل هؤلاء (أذناب اليهود ومطاياهم) أو أن الميزان هنا لا يعمل؟

ثم يا (دكتور) حدّث العاقل بما يقبله العقل، فلو كان الدكتور طه حسين موالياً لليهود ـ كما زعمت ـ فلم ينكر عبد الله بن سبأ وهو يهودي بزعمكم؟ أليس الأقرب للعقل أن يثبت وجوده، ليفخر بتاريخ اليهود وعقولهم؟ سيما أنكم صورتم ابن سبئكم هذا أنه (جنتلمان أو سوبرمان) اليهود!.

فكيف ينكر طه حسين هذه الشخصية وهي مفخرة لليهود؟

أليس من حقنا أن نقول: إن سيف بن عمر كان (مطية لليهود) فضخّم دورهم، ونسب إليهم الخوارق التي لا يمكن لعاقل أن يصدقها؟

أليس من حقنا أن نفسر تشبثكم بالمزعوم ابن سبأ أنه ترويج لليهود وقابلياتهم الذهنية الخارقة، وتصوير الأمة الإسلامية بالسذاجة، والصحابة بالغفلة؟

٢ ـ من الاستدلالات السقيمة التي رد بها على الدكتور طه حسين، قوله: أما عدم ذكر البلاذري لابن سبأ فلا يعني أسطورة وجوده، لأنه قد يذكر بعض المؤرخين ما لا يذكره البعض الآخر منهم.

أقول: هذا من المضحكات حقاً، فالحوادث الشهيرة الكبرى في التاريخ لا يتجاوزها المؤرخ، وإلا لا يعدّ مؤرخاً، وقد ارتبطت حركة ابن سبأ ـ حسب المدعى ـ بمقتل خليفة المسلمين، وتنصيب خليفة آخر، واشتعال حروب طاحنة بينهم، فكيف يغفل المؤرخ عن السبب الرئيس المحرك ؟ معنى ذلك أن المؤرخ يذكر نصف الحدث، ويهمل النصف المكمّل، بل النصف الأساس منه، والعلة في وجوده وحدوثه.

٣٩١
النظرية السبئية في منظار ابن تيمية » الشيخ حسين المياحي » (ص ٣٩١ - ص ٤٢٠)ثم إن القضية ليست بهذه الصورة يا دكتور، إنما أجمع المؤرخون على عدم ذكر الدور المزعوم في الأحداث، ولم ينفرد بذلك إلا سيف، ولو أنك عثرت على رواية واحدة في دوره هذا المزعوم لسارعت لذكرها، لكنك حُشرت في زاوية ضيقة، فهاجمت من حولك بالسباب والشتم.

ثم أين إجماع المؤرخين الذي ادعيته في مقدمتك يا دكتور؟.

٣ ـ هاجم الدكتور حامد حفني داود، ونعته بشيء مما نعت به غيره، (واتهمه) بأنه يدعو إلى (التقريب) ولعمري إن من يدعو للتقريب والوحدة، أقرب إلى الله والقرآن ممن يدعو للتخريب والتفريق.

ولكن لفت نظري أن الدكتور مر بكتاب المرحوم العلامة السيد مرتضى العسكري (خمسون ومئة صحابي مختلق) فلم يعلّق عليه، ولم يخبرنا عن هؤلاء الصحابة، هل هم مختلقون حقاً، أو أن السيد العسكري كان مخطئاً؟

لا شك أنه لا جواب عنده، لأن في الجواب فضيحة سيف وأمثاله من الكذابين الوضاعين، ومن يختلق خمسين ومئة صحابي ليس عسيراً عليه أن يختلق عبد الله بن سبأ.

٤ ـ ذكر أقوال الكثير من العلماء والكتاب والمفكرين ومنهم السيد العسكري، والدكتور علي الوردي، والدكتور كامل مصطفى الشيبي، والدكتور عبد الله فياض، والدكتور طالب الرفاعي، وراح يرد عليهم وكأنه حاطب ليل، لا يفرق بين المصدر والراوي، ولا بين ابن سبأ وابن السوداء وابن حرب وابن وهب، ولا بين من يؤلّه علياً ومن يقول بالوصية والرجعة، وهذا هو شأنه وشأن جميع من كتب في هذا الموضوع منهم، وهي (حيلة) للإفلات من (عقدة سيف) التي تطاردهم حتى في المنام.

٣٩٢
بل إن الأستاذ استخدم حيلة جديدة بذكر المصادر فقط، دون ذكر النصوص، لئلا تناقش ويُفتضح ما فيها من زيف.

٥ ـ كنت أستمتع كثيراً بأدلة الدكتور على نفي علي عليه السلام ابن سبأ إلى المدائن حيث القرامطة وغلاة الشيعة، فقد أورد رواية جابر التي يذكر فيها (الرافضة) و (القرامطة) فإنّ هذا يذكّرني بنوادر لطيفة، ذكرها الراغب في محاضراته، تحت عنوان:

رقاعة الجهال في زمن العلماء بالبدعة، فقال:

رفع إلى المأمون سبعمائة قصة في بشر المريسي تشهد بكفره، فجمعهم يوماً وقال لهم: ما الذي ظهر من كفره؟ قالوا: قوله: هـ مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ هـ (١). فقال المأمون: قد شهد الله بهذا. فقال شيخ منهم: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: وحاج موسى إبراهيم! فقال له: على من قرأت القرآن؟ قال: على أبي، وكان يقرأه بسبعة ألسن.

وسئل رجل كان يشهد على رجل بالكفر عند جعفر بن سليمان فقال: إنه خارجي معتزلي ناصبي حروري جبري رافضي، يشتم علي بن الخطاب، وعمر بن أبي قحافة، وعثمان بن أبي طالب، وأبا بكر بن عفان، ويشتم الحجاج الذي هدم الكوفة على أبي سفيان، وحارب الحسين بن معاوية يوم القطايف (أي يوم الطف أو يوم الطائف).

فقال جعفر: ما أدري على أي شيء أحسدك؟ أعلى علمك بالأنساب، أم

١- النساء: ٧٩.

٣٩٣
بالأديان، أم بالمقالات؟(١).

فيا دكتور: أين القرامطة من خلافة علي؟ وأين الرافضة من جابر؟ وأين جابر من القرامطة؟ لقد كان الأجدر بك أن ترجع إلى شيخك ابن تيميّة الذي أشار إلى هذا بوضوح، ومع ذلك اعتمد الرواية.

٦ ـ كثيراً ما ردد هؤلاء مقولة سقيمة مفادها أن من يرفض من الشيعة حديثاً في كتب الشيعة فقد طعن في تلك الكتب! وهذه من أقبح الادعاءات التي يكررونها ليخدعوا بها عوام الناس.

فمن قال: إن كل ما في كتب الشيعة أو السنة صحيح؟ ومن قال: إن رد الحديث والحكم عليه بالضعف أو الوضع هو طعن بالمصدر أو الراوي الذي رواه؟

ألم يردّ الشيخ الألباني كثيراً من آراء ابن تيميّة وتصحيحه أو تضعيفه؟ فهل أنه طعن بابن تيميّة وكتبه؟

ألم يردّ الشيخ الطحاوي في مشكل الآثار، وغيره من العلماء بعض الأحاديث الصحيحة عندكم(٢) ؟.

وهكذا رد الكثير من علماء السنة بعض أحاديث البخاري مع أنه صحيح عندهم، وردّ علماء الشيعة بعض أحاديث الكتب الأربعة، وهي معتبرة

١- محاضرات الأدباء، الراغب الإصفهاني٤: ٤١٨.

٢- راجع ما قاله الطحاوي في شرح مشكل الآثار٥: ٣١١، باب بيان مشكل ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنه كان نزل عشر رضاعات يحرِّمن في القرآن، فنسخن بخمس رضعات، وأن رسول الله توفي وهن مما يقرأ من القرآن. وغيره من الأحاديث التي ردها الطحاوي في مشكل الآثار.

٣٩٤
عندهم، ولا زال مؤلفوها في قمة الهرم العلمي، لم يمسسهم سوء، وهذا هو البحث العلمي، أما تقليد الآخرين فيما يقولون فليس من العلم في شيء.

فإن كان الشيعة أنفسهم يردّون بعض الأحاديث، ويخضعونها لموازين الجرح والتعديل والتعارض والترجيح، فكيف يتخوفون من رد بعضها الآخر إذا كان الرد في حدود الموازين العلمية؟

ألا تدري يا دكتور أن باب الاجتهاد عند الشيعة لا زال مفتوحاً، والحراك العلمي في حوزاتهم وجامعاتهم على أشده؟ فمن أين أتيتم بهذه المعلومة السقيمة والبدعة القبيحة التي يكذبها الواقع؟

ولمزيد من معلوماتك يا دكتور، لو أنك تصفحت كتاب عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى، للسيد مرتضى العسكري، لرأيت مؤلفه وهو يناقش الكثير من الأحاديث الواردة في كتب الشيعة ويبين عللها، فليس مؤلفوها أنبياء ولا أئمة، مع جلالة قدرهم ومنزلتهم العلمية، فهل ترى أن السيد العسكري طعن في كتبنا فصار (وهابياً)؟

القضية ليست كذلك يا دكتور، إنما هي إسقاط لما عندكم على الآخرين، فالمشكلة لديكم أنكم ترون الاعتراف بالحقيقة طعناً في ابن تيميّة وسلفكم الماضي، والفرق كبير بين الأمرين، لأن هناك فرقاً كبيراً بين (رد الحديث أو تضعيفه والحكم عليه)، وبين (كشف الأكاذيب وفضح الكذابين)، فأنتم تخشون الفضيحة من انكشاف أكاذيب سيف التي أسس عليها ابن تيميّة مذهبه، أما غيركم فيبحث عن الحقيقة التي يمكن أن يتخطاها الآخرون، وفرق كبير بين الخطأ والزلل من جهة، وبين الكذب والاختلاق من جهة أخرى.

٣٩٥
٤ ـ الدكتور خالد علال الجزائري:

ومن الكتب الأخرى التي ألفت في هذا المجال، كتاب تحت عنوان: رؤوس الفتنة في الثورة على الخليفة الشهيد عثمان بن عفان، للدكتور خالد كبير علال، وهو حاصل على دكتوراه دولة في التاريخ الإسلامي من جامعة الجزائر.

وقد أحصى الدكتور من رؤوس الفتنة ٢٢ رأساً، كما قال.

قال في المقدمة: وقد التزمتُ في بحثي هذا بتحقيق الروايات ونقدها وفق منهج علم الجرح والتعديل، وأخذتُ على نفسي الالتزام به قدر المستطاع، وحسب ما تسمح به الروايات التاريخية التي تكثر فيها الأسانيد المرسلة والموقوفة والمنقطعة(١).

ولا نريد أن نذهب مع الدكتور علال بعيداً، إلا أننا نلزمه بمنهجه الذي اعتمده أولاً، وبنظرية عدالة الصحابة ثانياً، والأمانة العلمية ثالثاً.

ومما يؤسف له أن هذه الثلاثة ذهبت في بحثه أدراج الرياح، وإليك بعض الشواهد:

١ ـ أما عن الجرح والتعديل: فليس هناك أكذب من سيف بن عمر عند علماء الرجال، وقد اعتمده الدكتور في إثبات ابن سبأ ودوره في الثورة على عثمان.

كما أنه لم يفرق بين الرواية التاريخية، وأقوال العلماء، قال مثلاً:

١- رؤوس الفتنة، علال: ٣.

٣٩٦
والرواية الخامسة ما ذكره المؤرخ الثقة ابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ ) من أن السبئيّة الذين ادعوا ألوهية علي بن أبي طالب، هم من أتباع عبد الله بن سبأ.

وهذه الشهادة ليست حجة على أحد، فابن قتيبة لم يكن في عصر علي ولا حتى عصر سيف بن عمر، إنما جاء بعده وأخذ عنه هذه الأكذوبة.

٢ ـ وأما عدالة الصحابة: فإن من أسماهم رؤوس الفتنة ونعتهم بشتى النعوت، وشتمهم وسبهم في أكثر من موضع من كتابه، كان العديد منهم صحابة، ومنهم زيد وصعصعة ابنا صوحان، وعبد الرحمن بن عديس، وجندب بن زهير، وعبد الله بن بديل بن ورقاء، وعمرو بن الحمق، وغيرهم.

٣ ـ وأما الأمانة العلمية: فحدِّث عنها ولا حرج، ومن أوضح أدلتها أنه اعتمد كتاباً تحت عنوان: لله ثم للتاريخ، لمؤلف (مختلَق) يدعى حسين موسوي النجفي، وهو ابن سبأ آخر اختلقته بعض المخابرات الإقليمية، وكتبت على لسانه الكتاب المذكور، ونشرته بشكل واسع على شبكة الانترنت.

ومن الطريف أن يُكتب كتابٌ آخر، على النقيض منه تحت عنوان: حقيقة لله ثم للتاريخ، نسب للمؤلف نفسه، وكتب بطريقة قصصية لطيفة، بين فيها المؤلف المفترض أنه كان مجنَّداً من قبل مخابرات صدام، وأوضح الكثير من السقطات في كتابه الأول. وقد انتشر الكتاب الجديد في الانترنت بشكل واسع أيضاً، بسبب التشابه بين العنوانين، ولم يتصدَّ المؤلف المزعوم بعدُ لبيان ذلك، لأنه مختلق من الأساس كما قلنا.

٣٩٧
ورحم الله الرصافي حيث يقول:


وما كتب التاريخ في كل ما حوتلأحداثها إلا حديث ملفقُ
نظرنا بأمر الحاضرين فرابنافكيف بأمر الغابرين نصدقُ

فها هو الأستاذ الدكتور يعتمد الكتاب المختلق مصدراً من مصادر البحث، وهو في القرن الحادي والعشرين، ليثبت لنا حادثة تاريخية مضى عليها ألف وأربعمئة سنة من الزمن، دون أية وثيقة تاريخية صحيحة.

أما ما تبقى من كتاب الدكتور علال، ففيه من العلل المكررة التي لم يخرج فيها عما كتبه سليمان العودة أو الهاشمي أو سامي عطا، فلا داعي لإعادة المناقشة.

٥ ـ علي عبد الرحمن السلمان:

وهذا الكاتب له كتاب منشور على صفحات الانترنت تحت عنوان: عبد الله بن سبأ وإمامة علي رضي الله عنه، لم يخرج فيه عن دائرة سيف بن عمر، وكلما حاول الخروج منها رجع إليها، ولم يختلف في طرحه عما ذكرناه من كتابات، فلا داعي للتكرار.

نقد وتقويم:

لقد ظهر لك عزيزي القارئ أن هذه الكتب ما هي إلا كتاب واحد تعددت عناوينه، فلا تكاد تجد في أحدها ما تفتقده في الآخر، وكأنها جميعاً كُتبت بيد كاتب واحد، وهو ما يسهّل علينا البحث بشكل كبير، إذ إننا لا نجد جديداً

٣٩٨
يستحق التوقف، ويكفي فيها أن تقرأ كتاباً واحداً ليغنيك عما سواه.

وأهم ما تشترك فيه هذه الدراسات:

١ ـ أنها تنطلق من سيف بن عمر الكذاب، لأنه الراوي الوحيد الذي ذكر دور ابن سبأ المزعوم في الثورة على عثمان. وبعبارة أخرى أدق، أن هذه الأبحاث لو تخلت عن سيف الكذاب، فلن يبقى لها عينٌ ولا أثر.

٢ ـ أنها تعمد إلى الهروب من سيف إلى رواة آخرين، فلا تجد فيهم ما يروي الغليل، وغاية ما يمكن أن يجدوه ـ إن استطاعوا إيجاده حقاً ـ فهو وجوده وليس دوره، في حين أن نقطة الخلاف الرئيسة هي الدور وليس الشخصية، فلولا دور ابن سبأ المزعوم لما كان هناك معنى للبحث عنه.

٣ ـ أن جميع هذه الدراسات تفتقد المنهج الواضح في التعامل مع هذه القضية، فلا هو منهج الجرح والتعديل، ولا منهج الاستقراء والتحليل، ولا هو المنهج العقلي، ولا غيرها من المناهج.

٤ ـ أنها تحمل نتائج مسبقة واضحة، وبعبارة موجزة: لو أن ابن تيميّة أنكر هذا الموهوم لرأيتهم اليوم في مقدمة المنكرين.

٥ ـ الكثير من هذه الدراسات يستبطن منهجاً دعائياً تحريضياً، يؤلب سائر المذاهب على الشيعة، ويحذرهم منهم، فلا يخفى على القارئ اللبيب ما يقرأه بين السطور من الخشية الشديدة المفرطة من تأثر سائر المسلمين بالتشيع.

ومهما يكن من أمر فإن النقطة الجوهرية في البحث، أن المثبتين لابن سبأ هم الذين يحتاجون الأدلة القاطعة لإثباته، أما المنكرون فيكفيهم أن الأصل فيه عدم الوجود، ولا دليل على وجوده.

٣٩٩
دراسات موضوعية

وأنت تتصفح ما كُتب في هذا الموضوع، تلاحظ الفرق الكبير بين من حاول الإثبات ومن حاول النفي، وهو أن من حاول الإثبات، إن هو إلا مقلِّد، يفكر بعقل من سبقه، ولا يعطي فرصة لعقله للتفكير ولو قليلاً، فهو كاتب (ذاتي) وليس (موضوعياً).

أما من قاده الدليل إلى النفي والإنكار، فلا شك أنه وقبل كل شيء، تحرر من العاطفة وأسر الموروثات غير المحققة، وكتب بروح المسؤولية، فكانت كتاباته ناضجة نافعة، لأن أصحابها مع كونهم لم يخرجوا عن مذاهبهم، وحفظوا حريمها، إلا أنهم تبعوا الدليل، وأذعنوا له دون مكابرة ولا مجاملة لأحد، خصماً كان أو موالياً، وبالتالي ربحوا الحقيقة ورضا الله تعالى، وربحوا أنفسهم ومذاهبهم، لأن تنقيح المذهب وتنقيته مما شابه أدعى إلى قوته وثباته، أما الدفاع عن غثه وسمينه فيجعله قشةً في مهب الريح.

على أننا لا نتفق أحياناً مع بعض التفاصيل الواردة في أدلة المنكرين، لكننا نتفق معهم تماماً في أنهم باحثون عن الحقيقة المجردة.

وإليك بعض النماذج من تلك الدراسات.

١ ـ الدكتور عبد العزيز الهلابي:

وهو من المملكة العربية السعودية أيضاً، أستاذ مشارك بقسم التاريخ في جامعة الملك سعود، وحاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة سينت أندروز بريطانيا عام ١٩٧٤ م ، ويتولى الكثير من الأعمال في الجامعة المذكورة.

٤٠٠