×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

النظرية السبئية في منظار ابن تيمية / الصفحات: ٤٢١ - ٤٤٠

تواريخهم أن رجلاً بهذا الاسم دخل بلدهم بالمرة.

قال الدكتور حسين بعد أن ذكر طرفاً من رواية الطبري (وهي الثالثة من الصنف الأول):

ونحن نعجب لهذه الرواية، إذ لم أجد في كتب التاريخ التي وضعها المصريون عن بلدهم، وعن تراجم رجال مصر، مثل كتاب فتوح مصر لابن عبد الحكم، وكتب الكندي، وابن الداية، وابن زولاق، وفي كتب المتأخرين، الذين نقلوا عن هؤلاء المؤرخين القدماء، ما يشير إلى وفود شخصية عبد الله بن سبأ على مصر، أو أن أحداً من المصريين قال بمثل هذه المقالة التي زعم الطبري أن ابن سبأ علمها للمصريين.

فلو صحت رواية الطبري لرأينا شيئاً من إنكار الصحابة الذين كانوا في مصر إذ ذاك، لهذه الدعوة السبئيّة ومعارضتهم لها، ولا سيما أن ابن عبد الحكم وغيره رووا بعض الأحاديث عن صحابة مصر وترجموا لهم، ولم يرد ذكر ابن سبأ ولا آراؤه، ولم يذكروا شيئاً عن إنكار هذه الآراء أو معارضتها.

فقصة ابن سبأ في مصر، وأنه بث آراء التشيع بين المصريين، هي أقرب إلى الخرافات منها إلى شيء آخر(١).

ثم استدل الدكتور حسين على أسطورية ابن سبأ بدليل آخر، هو أن المصريين لم يكن لهم دور يذكر في نصرة علي عليه السلام لا في حروبه ولا ما تعرض له أبناؤه من بعده من قتل ومطاردة، بل إنهم لم يحركوا ساكناً وهم يرون محمد بن أبي بكر يقتل بينهم، وتدسّ جثته في إهاب حمار وتحرق،

١- في أدب مصر الفاطمية، د. محمد كامل حسين: ٩. طباعة ونشر دار الفكر العربي.

٤٢١
النظرية السبئية في منظار ابن تيمية » الشيخ حسين المياحي » (ص ٤٢١ - ص ٤٥٠)كما ذهب منهم جيش لمناصرة ابن الزبير في حركته المعروفة ضد الأمويين، ولم يقفوا مع المختار في قتله قتلة الحسين، بل لم نشهد لهم شأناً يذكر في نصرة الحسين عليه السلام (١).

وهناك أدلة أخرى ضمنية، ساقها الكاتب وهو يسترسل في بيان تاريخ الدولة الفاطمية في مصر.

وما طرحه الأستاذ الفاضل، وما التفت إليه، من عدم وجود ابن سبأ، بدليل عدم وفود شخصية إلى مصر بهذا الاسم، استناداً لما كتبه المصريون من تاريخهم، يعدّ التفاتة رائعة، من أفضل المداخل العلمية للتحقيق في هذه المسألة الجدلية، فصاحب البيت أدرى بما فيه، وأهل (مصر) أدرى بشعابها.

٩ ـ الدكتور عبد الله سلوم السامرائي:

وهو باحث أكاديمي عراقي، له كتاب تحت عنوان: الغلو والغالية في الحضارة الإسلامية، (دار واسط للنشر ـ لندن ـ بغداد ، الطبعة الثالثة ١٩٨٨م).

وبما أن بحثه ذو صلة بدعوى السبئيّة من جهة الغلو، فلا بد أن يمر بعبد الله بن سبأ.

وأبرز ما يثير في بحث الدكتور السامرائي أنه ينسب تأسيس التشيع إلى صدر الإسلام، بُعيد وفاة النبي صلى الله عليه و سلم ويرى أن هناك الكثير من الصحابة كانوا يتشيعون لعلي عليه السلام وأن الاختلاف حول الإمامة بدأ مباشرة بعد وفاة النبي صلى الله عليه و سلم . إلا أنه في الوقت نفسه يؤمن بنظرية (المؤامرة) ويرى أن الغلو

١- المصدر السابق: ١٠.

٤٢٢
كان عملاً هادفاً منظماً وفق (خطة مرسومة لهدم مبدأ التوحيد) ولم يتطرق هنا إلى التجسيم والتشبيه اليهودي، الذي اكتسب شرعية واسعة لدى التيارات الإسلامية المختلفة، وإن كان ذكره فيما بعد كمظهر من مظاهر الغلو. كما أنه لم يشر إلى خطر المنافقين الأوائل ممن لم يفتروا ولم يتوانوا في الكيد للإسلام.

ومع الكثير من الملاحظات والتحفظات على بحثه، إلا أنه لم يتجاوز في عبد الله بن سبأ أكثر من قوله المزعوم بإلهية علي، كما أنه لم يستبعد كونه مصطنعاً، ولم يرَ أن مسألة وجوده أو عدم وجوده ذات قيمة وأهمية تذكر. كما أنه لم يحصر الغلو في دائرة معينة، أو طائفة خاصة، بل اعتبره ظاهرة موجودة في جميع الفرق والمذاهب الإسلامية.

قال السامرائي في تعريفه السبئيّة: أتباع عبد الله بن سبأ الذي غلا في علي رضي الله عنه وزعم أنه كان نبياً، ثم زعم أنه إله(١).

وقال أيضاً: ويذهب ابن حزم إلى أن ظهور السبئيّة كان في أيام علي(٢).

ثم يشير إلى رأي القائلين بعدم وجوده فيقول: وسواء صح وجود ابن سبأ بشخصه في أيام علي رضي الله عنه، أو في زمن عثمان رضي الله عنه، أو لم يصح، فهذه المسألة، بالرغم من أهميتها، إلا أن الأهم منها صحة وجود الآراء الغالية(٣).

١- الغلو والفرق الغالية في الحضارة الإسلامية، د. عبد الله سلوم السامرائي: ٨٥.

٢- المصدر السابق: ٨٦.

٣- المصدر السابق.

٤٢٣
فالدكتور السامرائي هنا لا يجزم بوجوده، كما لا يجزم بعدمه. ولم ينسب له القول بالوصية، إنما اعتبرها أمراً مطروحاً بعد وفاة النبي صلى الله عليه و سلم . كما اعتبر القول بالبداء والعصمة والتقية، من الأمور المعقولة المقبولة، التي لا غلو فيها. كما أنه ذكر الشيعة الإمامية كفرقة إسلامية أصيلة، وهي الأصل في التشيع، ولم يصنفها ضمن فرق الغلاة.

فهو ينأى في كتابه هذا بالشيعة الإمامية خصوصاً، عن كل ما نسبه إليهم ابن تيميّة وأتباعه من انتسابهم لابن سبأ. ومن هنا نجد أن الوهابيين صنفوه ضمن قائمة (السنّة) المنكرين لعبد الله بن سبأ، لأنه ينكر أن يكون مؤسساً للشيعة.

ويؤخذ على الدكتور أنه جمع من كتب المقالات غثها وسمينها، دون تحقيق، كما أنه لم يكن واضح المنهج في دراسته.

١٠ ـ الدكتور محمد عمارة:

وهو باحث مصري معروف، لا زال يكتب ويحاضر في الشأن الإسلامي، وله مجموعة من المؤلفات، منها الإسلام وفلسفة الحكم (دار الشروق، ١٩٨٩ م )، تعرض في القسم الأول منه إلى الخلافة ونشأة الأحزاب الإسلامية، ومنها الشيعة.

قال الدكتور عمارة في الشيعة والإمامة: والحق أننا إذا قصدنا بالتشيع والشيعة معنى الميل إلى إمارة علي، والطموح إلى تقديمه، وتفضيله على غيره من الصحابة، فإننا سنجد جماعة غير منظمة تجمعها هذه الآراء والأماني منذ أن طرحت قضية الإمارة عقب وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام(١).

١- الإسلام وفلسفة الحكم، د. محمد عمارة: ١٣٤، طبعة دار الشروق، ١٩٨٩ م.

٤٢٤
ثم يذهب الدكتور عمارة إلى أن التشيع بالمعنى الفني للمصطلح ظهر أيام الإمام الصادق عليه السلام وأن هشام بن الحكم، أحد أصحاب الإمام الصادق، هو واضع قواعد التشيع ومهندس بنائه الفكري، وأن القول بالوصية لم يعرف قبل هشام. ونقل عن القاضي عبد الجبار المعتزلي(١) قوله عن التشيع: أنه حدث قريباً، وإنما كان من قبل يذكر الكلام في التفضيل، ومن هو أولى بالإمامة وما يجري مجراه(٢).

ونحن في غنىً عن مناقشة الدكتور عمارة أو القاضي عبد الجبار في آرائهم هذه، فإن لها محلاً آخر، إلا أن هذه الآراء بدورها ترد كلام ابن تيميّة والوهابيين في كون القول بالوصية كان في زمن عثمان.

يقول الدكتور عمارة: ومن هنا كان صواب ما ذهب إليه المعتزلة عندما قالوا: إن فترة إمامة جعفر الصادق، وهي التي نهض فيها هشام بن الحكم بدور واضع قواعد التشيع، ومهندس بنائه الفكري، هي الفترة التي يؤرَّخ بها لهذه النشأة، فالقول بالوصية لم يعرف قبل هشام(٣).

أما عن دعوى القول بالوصية أيام عثمان، وأن مبتدعها ابن سبأ فقال

١- وهو من أشد الناس تعنتاً وتصلباً في مواجهة الشيعة والتشيع، وقد ألف السيد المرتضى علم الهدى كتابه الشافي في الإمامة لبيان الخلل في نظرياته حول الإمامة.

٢- الإسلام وفلسفة الحكم: ١٣٥.

٣- بقي على الدكتور أن يحل اللغز في شهرة علي عليه السلام بالوصي منذ الصدر الأول للإسلام، وكيف امتلأت كتب الأدب والتاريخ والحديث أيضاً بهذا اللقب، وكيف شاع في الشعر وكتب اللغة. كما بقي عليه أن يحل الإشكال في أحاديث الوصية المتكاثرة عن النبي صلى الله عليه و سلم والمتناثرة في كتب الحديث السنية، وهل أنها وجدت قبل هشام بن الحكم أو بعده.

٤٢٥
الدكتور عمارة: وتنسب أغلب مصادر التاريخ والفكر الإسلامي(١) إلى ابن السوداء هذا نشاطاً عظيماً وجهداً خرافياً(٢).

ثم استعرض رواية سيف بن عمر بحذافيرها، وأشار إلى إنكار هذه الشخصية من قبل الكثير من الباحثين، أو أن قسماً منهم سلّم بوجوده ورفض المبالغة في الدور الذي لعبه في تلك الأحداث.

وأخيراً خلص إلى القول: أما فيما يختص بموضوعنا، موضوع التأريخ لنشأة التشيع، فإن وجود ابن سبأ ـ على فرض التسليم بوجوده ـ وظهور آرائه، سواء على عهد عثمان أو عهد علي، لا يصلح دليلاً على أن التشيع قد ظهر في ذلك التاريخ، فلم تنسب المصادر المعتمدة في التاريخ والفكر الإسلامي إلى ابن سبأ القول بالنص والوصية، بل نسبت إليه فقط القول بتفضيل علي على الصحابة، وتقديمه على أبي بكر وعمر وعثمان، وحتى الشيعة أنفسهم لا يروون عنه شيئاً من ذلك(٣).

ويبدو من عبارة الدكتور عمارة أنه يرى أن المصادر التي نقلت خرافة ابن سبأ مصادر غير معتمدة، فقد فرّق بينها بصفة المعتمدة.

١- أما مصادر التاريخ بعد سيف، فقد عرفت أنها أخذت عن الطبري، وهو بدوره أخذ عن سيف بن عمر الكذاب، أو روت عن سيف، والنتيجة واحدة. أما المصادر التي سبقت سيفاً فلم تذكر شيئاً من ذلك، اللهم إلا ما ذكرته من تفضيل علي أو سب الشيخين، ولم تذكر الوصية وهي محل النزاع. وأما كتب الفكر، فهي على شاكلة منهاج السنة ومن حذا حذوه، وقد عرفت ما فيها من الأغراض والأمراض.

٢- الإسلام وفلسفة الحكم: ١٣٦.

٣- المصدر السابق: ١٣٧.

٤٢٦
ومع هذه النتيجة التي توصل إليها الدكتور عمارة، إلا أنه نقضها في موضع آخر من كتابه، واعتمد معلومة خاطئة نقلها عن ابن النديم في الفهرست.

قال: وابن النديم، وهو يؤرخ لنشأة التأليف، يذكر أن «أول من تكلم» في مذهب الإمامة علي بن إسماعيل بن هيثم الطيار(١). صحيح أنه يذكر أن هذا الرجل قد كان «من جلة أصحاب علي رضي الله عنه» ولكن لم يقل أحدٌ أن عهد علي قد شهد التأليف في الإمامة أو غيرها من الفنون. أما بعد ذلك فقد كتب علي بن إسماعيل بن ميثم الطيار ـ كطليعة للقائلين بالإمامة والمتكلمين فيها ـ (كتاب الإمامة) و (كتاب الاستحقاق) ثم جاء بعد ابن هيثم هشام بن الحكم(٢).

وهذه المعلومة خاطئة تماماً، ولم يكن ينبغي للدكتور الاعتماد عليها دون تحقيق.

فالرجل المذكور إنما هو علي بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم التمار، ويدعى أبا الحسن الميثمي، وكان جده ميثم من جلة أصحاب علي، وليس هو. فهذا من أصحاب الإمام الرضا عليه السلام وليس من أصحاب علي عليه السلام وقد عاش في البصرة، وكانت له مناظرات مع أبي الهذيل والنظام(٣).

١- الصحيح ميثم التمار كما سيأتي.

٢- المصدر السابق: ١٣٩.

٣- راجع: معجم رجال الحديث، السيد الخوئي١٢: ٢٩٩، رقم: ٧٩٤٣. والفهرست لابن النديم: ٢٢٣.

٤٢٧
وعبارة ابن النديم التي نقلها الدكتور عمارة خطأً، واعتمد عليها هي كما يلي: أول من تكلم في مذهب الإمامة علي بن إسماعيل بن ميثم التمار، وميثم من جلّة أصحاب علي(١).

والموضوع الذي يبحث فيه الدكتور، وهو تأريخ نشوء الشيعة، لا علاقة له بالأدلة والشواهد التي يوردها، والتي قادته إلى النتيجة، فهذه المعلومات ناظرة إلى تاريخ تطور علم الكلام عموماً، وعند الشيعة على وجه الخصوص، لا أنها تتعلق بأصل التشيع ونشوئه تاريخياً، فهناك فرق كبير بين قولنا: أول من تكلم في مذهب الإمامة، وقولنا: أول من قال بالإمامة، فالقول بالإمامة رأي وعقيدة، أما التكلم فيها فهو التماس الأدلة الدالة على ذلك الاعتقاد، وتنظيمها وعرضها ومناقشتها، وهذا لم يعرف إلا متأخراً عند جميع الفرق الإسلامية، لا عند الشيعة فقط.

ومهما يكن، فإن الدكتور ينكر دور ابن سبأ، ويرفض أثره المزعوم في تأسيس الشيعة، كما أنه يشكك في أصل وجوده كما رأيت.

خلاصة الفصل السادس:

بعد هذا الاستعراض لجملة من آراء الباحثين في هذا الموضوع، لا بد أن نشير إلى النقاط التالية:

١ ـ أن المتشبثين باليهودي المزعوم ابن سبأ، يمثلون طيفاً واحداً، وتياراً خاصاً، وهو التيار السلفي الوهابي، من أتباع ابن تيميّة، أما المنكرون له أو

١- فهرست ابن النديم: ٢٢٣.

٤٢٨
لدوره، فلا يجمعهم جامع مذهبي ولا اتجاه ديني، فمنهم الشيعي والسني والمستشرق، ومنهم المتدين وغيره. .

٢ ـ إن الفئة الأولى المتشبثة بوجوده ودوره، سلكت منهجاً واحداً في البحث لم يتغير من كاتب لآخر، بحيث جعلت القارئ يشعر بالتكرار والرتابة المُملة، إذ لا جديد لباحث يختلف عن باحث آخر، أما الفئة الثانية فقد سلكت مناهج عديدة، منها المنطق الحديث، والجرح والتعديل، والاستقراء والمقارنة، وغيرها من المناهج.

٣ ـ لا تكاد تجد لدى الفئة الأولى أي مؤشر على إمكانية إعادة النظر في نتائجها، فهي تخشى من سقوط (عرش السلف) أما الفئة الأخرى فهي على استعداد دائم للمناقشة والتنقيح والتحقيق والتدقيق. وهذا هو السر في بعض عباراتهم التي يطلقونها أحياناً وهي توحي بالميل إلى الرأي وليس الجزم به، كقول بعضهم: يخيل إلي، أو قوله: وأغلب الظن. أو أن هذه الفكرة أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع. فهذا يدل على أنهم مستعدون دائماً للمناقشة وتغيير آرائهم في حال ثبوت العكس بالأدلة المقنعة.

٤ ـ الفئة الأولى توفر عليك الوقت والجهد، لأنك بمجرد أن تتصفح ما كتبوا، تدرك مسبقاً ما هي النتيجة، أما الفئة الثانية فتحتاج إلى وقت كافٍ للمطالعة، ومسايرة الأدلة، وقد لا تعثر على النتيجة إلا بعد أن تأتي على المكتوب كله.

إلا أن الفئة الأخيرة تمتاز كتاباتها بالإثارة والتجدد الدائم، مما يجعلها تشد القارئ أكثر، وتثير في نفسه حب الاستطلاع.

٤٢٩
٥ ـ السلبية المفرطة للفئة الأولى تجاه الفكر المخالف، فهي تسارع في الاتهام والتخوين والبحث عن نوايا الآخر، كما هو الحال في اتهام الدكتور طه حسين بالخلفيات اليهودية والتبعية للغرب والمستشرقين، وكذا بوصفها الفكرة المخالفة بأنها (شبهات) فتجد في كتابات هؤلاء عنواناً مكرراً هو: شبهات المنكرين لعبد الله بن سبأ. أما الفئة الثانية فلا تجد فيها مثل ذلك، اللهم إلا باتهام بعضهم لخصوم الشيعة بصناعة واختلاق عبد الله بن سبأ، وهو ما ثبت لديهم ولدينا بالدليل.

٦ ـ أن المنكرين لهذه الشخصية، أو لدورها، أو المشككين فيها، هم الأغلب من الباحثين، لا لأننا ذكرنا منهم أكثر مما ذكرنا من غيرهم، إنما الواقع هكذا، بل إنني لم أجد من خلال البحث من اهتم بإثباتها إلا نفرٌ من الوهابية، أو من تأثروا بها.

والملاحظ أيضاً أن هذه الفئة القليلة المندفعة بدوافع التعصب وتحصين السلف والدفاع عنهم، أصبحت في العصور المتأخرة تخجل من التصريح بآرائها هذه علناً عبر وسائل الإعلام المرئية أو المسموعة، على كثرتها وتشددها في التعرض لعقائد الشيعة، واكتفت بالكتابة عبر الانترنت، لأنها تدرك في قرارة نفسها أن هذا الطرح سوف يكلفها الكثير في الواقع الإسلامي، بعد أن تبين خطأ وسذاجة هذه الرؤية السقيمة، لا سيما في تعرضها العلني للصحابة الكرام، وإظهارهم بمظهر المرتد عن الإسلام التابع لليهود، والعياذ بالله.

٤٣٠

خاتمة البحث:

في ختام هذا البحث، تبين لك ـ عزيزي القارئ ـ أن من يُدعى بشيخ الإسلام ابن تيميّة، جنى على أتباعه وعلى التاريخ والأمانة العلمية جناية لا تغتفر، وكذب كذبة صلعاء عريضة لا يمكن سترها أو تمريرها، وذلك باعتماده على أكاذيب مفتعلة لسيف بن عمر وأشباهه، وشخصية مصطنعة، واسم وهمي رُكِّب من عدة أسماء.

كما تبين لك أن وجود الاسم لا يعني وجود المسمى، وأن اسم عبد الله بن سبأ هو أشبه بقولنا فلان بن فلان، أو الكناية عن شخص ما، أو أشخاص، باستخدام اسمٍ معيَّن، كما تستخدم الشعوب عادة أسماء مستعارة للحاكم وأتباعه، لتمرير بعض الطرائف والحكايات أو الأخبار تحت هذا الستار. وعبد الله بن سبأ من هذا النوع، فهو أشبه بعلم الجنس في علم النحو، الذي يطلق على فرد ويراد به كل فرد من هذا الجنس، على سبيل الاشتراك اللفظي. وحكم علم الجنس في المعنى كحكم النكرة، من جهة أنه لا يخص واحداً بعينه، فكل أسدٍ يطلق عليه أسامة، وكل ثعلب ثعالة، وكل ذئب ذؤالة، كما نص على ذلك علماء النحو.

قال ابن هشام الأنصاري: وهذا العلم يشبه علم الشخص من جهة الأحكام اللفظية... ويشبه النكرة من جهة المعنى، لأنه شائع في أمته، لا يختص به واحد دون آخر(١).

١- أوضح المسالك، إلى ألفية ابن مالك، ابن هشام الأنصاري: ٢٨.

٤٣١
قال الرازي في تفسيره: إذا قال الواضع: وضعت لفظ «أسامة» لإفادة ذات كل واحد من أشخاص الأسد بعينها من حيث هي هي، على سبيل الاشتراك اللفظي كان ذلك علم الجنس(١).

فكل فرد من الناس هو عبد الله، وكل الناس عبيده سبحانه وتعالى، فمنهم المطيع ومنهم العاصي، وكثيراً ما استخدم الخلفاء والأمراء هذا الاسم في مراسلاتهم.

ففي رسائل الخليفة الأول أبي بكر يرد التعبير التالي: من عبد الله أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خالد بن الوليد، أو إلى أبي عبيدة بن الجراح، أو إلى أسامة بن زيد، أو لأهل نجران. فهو عبد الله.

وفي رسائل عمر بن الخطاب يرد كثيراً التعبير التالي: من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، إلى عبد الله بن قيس، أو إلى عمرو بن العاص، أو إلى نيل مصر، أو ما أشبه ذلك. مع أن اسمه الحقيقي هو عمر بن الخطاب. وكذا الحال في رسائل عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ومعاوية وغيرهم.

أما ابن سبأ، فهو نسبة إلى الجد الأعلى أو الموطن، كما نقول: ابن النيل أو ابن الفرات، أو لمن هو من قبيلة معينة إنه ابن فلان، الجد الأعلى.

فعبد الله بن سبأ، يعني رجلاً ما من أهل اليمن، وهذا ينطبق على عمار بن ياسر، وعبد الله بن وهب الراسبي، وغيره من أهل اليمن، وليس رجلاً بعينه دون غيره.

وهذا ما دفع بعض الباحثين إلى الاعتقاد أنه عمار بن ياسر وليس غيره،

١- التفسير الكبير ، الفخر الرازي ٤١:١ .

٤٣٢
ولا شك أنه ينطبق عليه بهذا اللحاظ.

فالرأي الذي نميل إليه من خلال هذا البحث أن ابن سبأ كان علماً على مجموعة من الأشخاص، بعضهم موجود فعلاً، كعبد الله بن وهب الراسبي الخارجي، وعبد الله بن عمرو بن حرب المتهم بالغلو، وعبد الله بن الكواء الزنديق المنافق، وغيرهم، وبعضهم غير موجود أصلاً، ممن نُسب إليه ما نُسب، من قلب الدنيا رأساً على عقب إبان الثورة على عثمان، كابن السوداء، وعبد الله بن سبأ مطلقاً، دون تحديد المصداق.

ومن ثَمَّ نستطيع تفسير الأخبار المختلفة والمتناقضة الورادة بهذا الشأن، إذ نجد أن بعضها ينسب إليه الغلو، وبعضها سب الشيخين، وبعضها الكذب على الله ورسوله، وبعضها القول بالتوحيد الخالص، كما في سؤاله أمير المؤمنين عليه السلام عن رفع الأيدي بالدعاء إلى السماء مع أن الله تعالى لا يحده مكان. مما يعني أن هناك مجموعة من الأفراد لا يجمعهم جامع واحد، اللهم إلا كونهم من أهل اليمن، اندرجوا جميعاً تحت هذا الاسم، منهم الصالح ومنهم غير ذلك، ومنهم غير الموجود من الأساس.

والنتيجة أن إطلاق هذا اللفظ (عبد الله بن سبأ) أو غيره (ابن السوداء) يكون اسماً بلا مسمىً معين.

هذا من جهة وجوده أو عدم وجوده.

أما عن دوره في أحداث الثورة على عثمان، فإذا انتفى وجوده انتفى دوره بلا شك، بل حتى الذين تشبثوا بوجوده جزافاً، لا يمكنهم إثبات دوره في ذلك، لاختلاف أخباره وتعارضها تعارضاً شديداً، وعدم معقولية بعضها،

٤٣٣
وتصادمها بالثوابت الإسلامية حتى عند أتباع ابن تيميّة، كعدالة الصحابة، وصدق النبي صلى الله عليه و سلم وما أشبه ذلك، وقد رأيت أن الشيخ سليمان العودة رد بقوة ما نسب إليه من إغواء أبي ذر، وهكذا توقف الكثير من الباحثين من أتباع ابن تيميّة وغيرهم، في الكثير مما نسب إليه، وصرحوا بأن دوره كان مضخّماً، مما يعني أنهم لا يرضون بكل ما نسب إليه من دور وتأثير، وأن الكثير مما نسب إليه كان مكذوباً منحولاً، ومن ثم لا بد من نفي دوره بالكامل استناداً إلى ذات الأدلة المستخدمة في نفي جزء منه.

أما أن نأخذ منها ما يوافق الهوى والأغراض المذهبية والعصبيات المختلفة، فليس من العلم في شيء.

وأما عن تبني (النظرية السبئيّة) فلا يمكن أن يكون انتقائياً، فمن يؤمن بها لا يسعه أن ينتقي منها ما يشاء ويذر ما يشاء، فإما أن يسلّم بها بالكامل، ويلتزم بلوازمها السلبية كلها، ما ذكرنا منه وما لم نذكر، ومنها: تكذيب النبي صلى الله عليه و سلم والطعن في شخص علي عليه السلام وخلافته، وكذلك الطعن في الكثير من الصحابة الأجلاء الأخيار، كعمار وأبي ذر وأمثالهما، باعتبار أن رجلاً يهودياً مغموراً، أخذ بلحاهم، فرمى بهم في أتون فتنة عمياء، ما زالت آثارها تتفاقم عبر التاريخ، وحاشا لهم ذلك.

وإما أن يرفضها بالكامل، كرامة لدين الله، وحفظاً لرموزه المقدسة، وعلى رأسها نبي الرحمة محمد صلى الله عليه و سلم .

والنصيحة التي ينبغي أن نقدمها لمن يتبنى هذه النظرية، أن يعيد النظر فيها، ويتأمل ملياً، ويتحلى بالشجاعة والجرأة والمسؤولية، لأن كرامة

٤٣٤
النبي صلى الله عليه و سلم والصحابة وشرف الأمة، أولى من ابن تيميّة وأمثاله.

لقد لمست ـ عزيزي القارئ ـ من خلال هذا البحث أيضاً، أن ابن تيميّة، مع شدة اهتمامه بهذا الشأن، إلا أنه لم يستطع أن يخرج من دائرة المتناقضات، ولم يقدم نظرية واضحة المعالم في نشوء مذهب الشيعة، لأنه لم يجد في جعبة التاريخ سوى مجموعة من الكذابين والنواصب، وعلى رأسهم سيف، فلجأ في نهاية المطاف إلى القفز على موازين الجرح والتعديل، وضرب الموازين العلمية عرض الجدار، وصرح بشكل فاضح أن مثل هذا الأمر لا يحتاج إلى دليل إو إسناد. وهذه قمة الإفلاس العلمي.

كما أنك أدركت الفرق الشاسع في البحث عن الحقيقة، بين تيار ابن تيميّة الأسير لفكره ونظرياته، والذي يرى فيه نبياً مرسلاً ـ والعياذ بالله ـ وبين من يقرأ الأحداث والأفكار قراءة موضوعية، يحاول من خلالها أن يصيب الحق والحقيقة.

ثم إنك أدركت أيضاً الخوف الشديد لدى أتباع ابن تيميّة من الاقتراب لهذه النظرية السقيمة، لأن إسقاط عبد الله بن سبأ عندهم إسقاط لابن تيميّة وكتبه ومؤلفاته التي بناها على على هذا الباطل. أما النقاد الموضوعيون فلا يخشون شيئاً من ذلك، إنما يخشون على الحقيقة، وليس منها. وفرق كبير بين من يخاف على الحقيقة ومن يخاف منها.

وهذا لا يعني أننا نلتزم بكل ما ذهب إليه هؤلاء، فلا شك أن الآراء تختلف هنا وتتفق هناك، إلا أننا نتفق معهم في أمر واحد، هو المنهج العلمي، والقراءة الناقدة الموضوعية المتحررة من سلطة المفكِّر وسلطة النص.

٤٣٥
ومما يميز هؤلاء أيضاً أنهم على استعداد دائم لمناقشة الأفكار وإعادة النظر في الأدلة، إذا لا نتائج ولا ذهنيات مسبقة لديهم قبل البحث.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وهو الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

٤٣٦

٤٣٧

المصادر والمراجع

حرف الألف

١ ـ القرآن الكريم.

٢ ـ ابن الأشعث، محمد بن محمد:

الجعفريات، مكتبة نينوى الحديثة، طهران، الطبعة الأولى.

٣ ـ ابن أبي عاصم، أبو بكر أحمد بن عمرو:

ـ السنة، تحقيق الأستاذ باسم بن فيصل الجوابرة، دار الصميعي، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، ١٩٩٨.

٤ ـ ابن أعثم، أبو محمد أحمد بن أعثم الكوفي:

ـ كتاب الفتوح، تحقيق علي شيري، دار الأضواء، بيروت، الطبعة الأولى ١٩٩١م.

٥ ـ ابن تيميّة، أحمد بن عبد الحليم الحراني:

ـ منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية، تحقيق محمد رشاد سالم، مؤسسة قرطبة، الطبعة الأولى، ١٩٨٦.

ـ مجموع فتاوى ابن تيميّة، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مطبوع بأمر الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود، مطبعة الحكومة في مكة المكرمة، ١٣٨٩ هـ .

ـ النبوات، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ١٩٨٥ م.

٤٣٨
ـ دقائق التفسير، مؤسسة علوم القرآن، دمشق، جمع وتقديم وتحقيق الدكتور محمد السيد الجليند، الطبعة الثانية، ١٤٠٤ هـ .

٦ ـ ابن حبان، محمد بن حبان بن أحمد التميمي البستي:

ـ كتاب الثقات، مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الدكن، الهند، نشر مؤسسة الكتب الثقافية، الطبعة الأولى ١٩٧٣ م .

ـ كتاب المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين، تحقيق محمود إبراهيم زايد، توزيع دار الباز، مكة المكرمة.

٧ ـ آراء وأصداء حول عبد الله بن سبأ، مجموع مقالات في الصحف السعودية (كتاب إلكتروني).

٨ ـ ابن خلدون المغربي:

ـ تاريخ ابن خلدون (كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الرابعة، ١٩٧١ م .

٩ ـ ابن عبد البر، الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري الأندلسي القرطبي المالكي:

ـ الاستيعاب في معرفة الأصحاب، تحقيق علي محمد البجاوي، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ

ـ التمهيد، لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، تحقيق مصطفى بن أحمد العلوي، محمد عبد الكبير البكري، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب، ١٣٨٧ هـ .

١٠ ـ ابن سعد، محمد:

ـ الطبقات الكبرى، دار صادر، بيروت، لبنان.

٤٣٩
١١ـ ابن أبي الحديد، عز الدين عبد الحميد المعتزلي:

ـ شرح نهج البلاغة، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٩٥٩م.

١٢ ـ ابن الأثير، عز الدين أبو الحسن علي بن أبي الكرم الشيباني:

ـ أسد الغابة في معرفة الصحابة، دار الكتاب العربي، بيروت ـ لبنان.

ـ الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت، ١٩٦٥ م.

ـ اللباب في تهذيب الأنساب، تحقيق الدكتور إحسان عباس، دار صادر، بيروت.

١٣ ـ ابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي:

ـ الموضوعات، ضبط وتقديم وتحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، المكتبة السلفية، المدينة المنورة، الطبعة الأولى ١٩٦٦ م.

١٤ ـ ابن النديم، أبو الفرج محمد بن أبي يعقوب:

ـ الفهرست، تحقيق رضا المازندراني، طهران، ١٩٧٢ م.

١٥ ـ ابن حجر، الحافظ شهاب الدين أبو الفضل، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني:

ـ فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية.

ـ مقدمة فتح الباري، الأستاذ حسن عباس زكي، رئيس لجنة إحياء التراث الإسلامي بمؤسسة الأهرام، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٩٨٨.

ـ الإصابة في تمييز الصحابة، دراسة وتحقيق وتعليق الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، والشيخ علي محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت،

٤٤٠