×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

النظرية السبئية في منظار ابن تيمية / الصفحات: ٦١ - ٨٠

إلا أنه مع ذلك لا يتورع عن النيل من الشيعة بقطع النظر عن أصلهم ونشئهم.

٢ ـ يرى ابن تيميّة أن لفظ الرافضة لم يعرف إلا بعد ثورة زيد بن علي سنة ١٢٢ هـ ، وأن الشيعة طيلة هذه الفترة كانوا على تفضيل أبي بكر وعمر، ولو لم يكونوا كذلك لسموا بالرافضة قبل هذا التاريخ، سوى بعض الشواذ منهم الذين لاحقهم علي وعاقبهم وشدد عليهم، وهو ما يؤكد النظرية الثانية في نشوئهم.

٣ ـ اعتمد الوهابيون النظرية الأولى فقط، وتشبثوا بها، واستماتوا في الدفاع عنها، ثم ربطوا مذهبهم برمته بها، بحيث أصبحت من معتقداتهم التي يلزم التمسك بها حفاظاً على ابن تيميّة ومنهاجه، أو ما يرون أنه مذهب (أهل السنة والجماعة).

من هنا يكتسب هذا البحث أهميته العلمية، حيث أصبح ابن سبأ هذا (بيضة القبان) في مصير الأمة، فإما أن يجعلها تعيش الفرقة أبد الدهر، وإما أن يصحح في أذهان أبنائها ما كان من خطأ في نظر بعضهم لبعض.

وسوف تجد ـ عزيزي القارئ ـ في الفصول الآتية بحثاً مفصلاً يتناول هذه القضية الجدلية وفق الموازين العلمية، ليتبين لك الحق في حينه إن شاء الله تعالى.

٦١
النظرية السبئية في منظار ابن تيمية » الشيخ حسين المياحي » (ص ٦١ - ص ٩٠)

الفصل الثاني جذور الدعوى السبئيّة

­ دعوى ابن سبأ والسبئيّة

­ تصنيف مرويات سيف بن عمر

٦٢

٦٣

دعوى ابن سبأ والسبئيّة:

لا شك أن لخصوم الشيعة، ومنهم ابن تيميّة والوهابية، أساليبهم وأدواتهم الخاصة لمواجهتهم، وهم ليسوا بدعاً من سائر الفرق، فما من فرقة في هذه الأمة إلا وتحاول التأسيس والتنظير لما تراه حقاً.

إلا أن الخروج بتلك الأساليب عن دائرة الحراك الفكري المضبوط بضوابط التديّن أولاً، ومنها مراعاة الحرمة، واتّباع الحق، وخوف الله تعالى في كل كلمة، وضوابط العلم ثانياً، في مراعاة الأمانة في النقل، والدقة في الطرح، وتجنب المسبقات الذهنية، إلى دائرة التهاتر والتجني واللف والدوران، بل حتى التحريض والتهييج العاطفي أحياناً، هو المرفوض الذي لا يقره شرع ولا عقل.

وما نحن بصدده الآن يندرج في إطار القسم الثاني من الأساليب، أي أن دعوى الانتساب لابن سبأ صارت عبر التاريخ ذريعة للتشنيع على الشيعة وتشويه صورتهم، ولو أنها بقيت في إطار البحث الموضوعي النزيه البعيد عن الدعاية والتشهير لكان الأمر هيناً، ولكانت نتائج البحوث متقاربة إلى حد ما.

ومع ذلك كله فلا سبيل أمامنا إلا البحث والتحقيق، فلا الدعاية، ولا تشويه الآخر، ولا الكذب عليه واتهامه، كفيلة بإحقاق الحق، لأنها ليست

٦٤
من سبل الحق ولا من أدواته.

والسؤال الذي يتبادر الآن لذهن القارئ الكريم، بعد أن لمس الاهتمام البالغ من ابن تيميّة والوهابية بهذه النظرية هو: من هو عبد الله بن سبأ هذا؟ هل كان له وجود حقيقي؟ وهل كان له دور فاعل في تاريخ الأمة الإسلامية بحيث استطاع أن يفعل فيها ما يفعل؟ وهل انطلق ابن تيميّة من فراغ فكتب ما كتب ورأى ما رأى؟

هذه هي الأسئلة التي يجب أن تكون منطلقنا في هذا البحث. وبناء على ذلك لا بد أن يكون بحثنا في محورين أساسيين:

الأول: البحث في وجود عبد الله بن سبأ بالصورة (الملحمية) التي يعرضها ابن تيميّة والوهابية، المتمثلة بحركته الإفسادية، ودوره الكبير في تمزيق الأمة،وقتل عثمان، وتأسيس الشيعة.

الثاني: البحث في وجوده شخصاً فقط، أي أنه هل كان موجوداً كفرد من سائر الناس، ولم تكن له يد فيما نسب إليه، أو أنه لا وجود له أصلاً، وبالتالي ينتفي دوره من الأساس؟.

وتكمن أهمية البحث في المحورين في كون المحور الثاني لا دخل له كثيراً في الجدل والإثارة، أي أن وجود ابن سبأ مجرداً عن دور يذكر، أو عدم وجوده، لا يقدم في الأمر شيئاً ولا يؤخر، فعلى فرض أنه موجود، فإنه لا يختلف عن سائر اليهود الذين دخلوا الإسلام، سواء كان مستقيماً في إسلامه أم منافقاً أم زنديقاً، فما أكثر هؤلاء، منذ ظهور الإسلام وحتى يومنا هذا، إنما الكلام في أثره ودوره، وهو ما نبدأ به أولاً إن شاء الله تعالى.

٦٥
هذه هي المحاور الرئيسة التي نسلط الضوء من خلالها على هذه الدعوى، لنكون في النهاية على بينة من الأمر.

الأصل التاريخي لدعوى السبئيّة:

لكي نكون على دراية تامة، ووضوح في الرؤية، لا بد أن نفصل بين البحثين المذكورين، فنبدأ أولاً بالبحث عن عبد الله بن سبأ (الملحمي) صاحب الدور المزعوم في تأسيس الشيعة وتمزيق الأمة وإفسادها، لتمييزه عن الآخر الذي لا دور له. وإنما أسميناه ملحمياً لأن قصته أقرب إلى ملاحم الشعوب القديمة التي تنسب لأبطال الحروب البطولات الخارقة، كما في إلياذة هوميروس، وملحمة جلجامش وغيرهما، وسوف ترى أن هذا الوصف ينطبق تماماً على هذه الشخصية القصصية العجيبة.

وعند الرجوع للمصادر التاريخية نجد أن أقدم المصادر التي ذكرت ابن سبأ (الملحمي) هو تاريخ الطبري ٣١٢ هـ وقد أخذ ذلك عن راوٍ وحيد يدعى (سيف بن عمر التميمي الكوفي) الذي عاش في بدايات القرن الثاني الهجري، وتوفي في حدود سنة ١٨٠ هـ . وهو معروف بالكذب والوضع عند علماء الرجال، بل إنه كان متهماً في دينه. وسوف يأتي حاله بالتفصيل إن شاء الله.

لقد ألف سيف بن عمر كتابين في التاريخ، هما: الفتوح والردة، والجمل ومسير عائشة وعلي. ويعدّ الكتاب الثاني المصدر التاريخي الوحيد الذي أورد (الملحمة السبئيّة) بتفاصيل كثيرة متشعبة، وقد اعتمد الطبري هذين الكتابين، كما اعتمد غيرهما، في كتابه المعروف بتاريخ الأمم والملوك، ونقل روايات سيف بحذافيرها دون الإشارة إلى المصدر.

٦٦
أما المؤرخون الآخرون، كابن عساكر، والذهبي، وابن الأثير، وابن كثير، وابن خلدون، وغيرهم ممن جاء بعد الطبري، فلم يتجاوزوا سيف بن عمر، إما بأخذهم عن الطبري في الأعم الأغلب، أو بطرق أخرى عن سيف. فهناك رواة آخرون، انفردوا بنزر يسير من الروايات التي لم ترد في الطبري، إلا أنها مروية عن سيف أيضاً.

وخلاصة الأمر أن الراوي الوحيد لملحمة عبد الله بن سبأ هو سيف بن عمر التميمي الكوفي الذي سوف يتبين لك حاله من خلال البحث.

ولكي تتضح الصورة أمامنا بشكل أكبر، فقد جمعنا أكثر تلك الروايات كما وردت في تاريخ الطبري وغيره، وقمنا بتصنيفها موضوعياً، ثم درسناها دراسة متأنية، وهو ما سوف تقرأه فيما يأتي من البحوث.

تصنيف مرويات سيف

بعد أن جمعنا روايات سيف بن عمر التميمي، وجدنا أنها تنقسم من حيث الموضوع إلى أربعة أصناف: يتعلق الصنف الأول منها بمبدأ السبئيّة ومراحلها الأولى. أما الثاني فيدور حول ما نسب إليها من إثارة الفتنة وقتل عثمان، فيما يتناول الصنف الثالث دورها المدعى في استخلاف علي عليه السلام . أما الصنف الأخير فيستعرض أثرها في معركة الجمل.

الصنف الأول: السبئيّة المزعومة في مراحلها الأولى

أورد سيف بن عمر ثلاث روايات أساسية، بذر فيها بذرة ابن سبأ، وأشار إلى بعض أفكاره وعقائده المفترضة، وكيف بدأ دعوته العقدية، وأثر في شخصيتين إسلاميتين كبيرتين، هما أبو ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، وكيف

٦٧
ثبّت له أساساً في مصر دون غيرها من البلدان، لينسب الفتنة بعد ذلك له، باعتبار أن السائرين لعثمان كانوا من مصر بشكل رئيسي، وقد صوره أنه شخصية سياسية أيضاً، بتحريضه الناس على ولاة عثمان، بل شخصية عسكرية يقود الجيوش والكتائب، وبالتالي يكون جامعاً لأوصاف العباقرة من الرجال.

وإليك عزيزي القارئ هذه الروايات الثلاث:

الرواية الأولى:

قال الطبري في أحداث سنة ٣٠ : وفي هذه السنة (أعني سنة ٣٠) كان ما ذكر من أمر أبي ذر ومعاوية، وإشخاص معاوية إياه من الشام إلى المدينة، وقد ذُكر في سبب إشخاصه إياه منها إليها أمورٌ كثيرة، كرهت ذكر أكثره(١).

فأما العاذرون معاوية في ذلك فإنهم ذكروا في ذلك قصة كتب إليّ بها السَّرِي، يذكر أن شعيباً حدّثه عن سيف عن عطية عن يزيد الفقعسي قال:

١- هذه إحدى المحطات المهمة التي تستحق التوقف في تاريخ الإسلام، إذ يفترض أن تكون وظيفة المؤرخ هي التوثيق المجرد ليس إلا، دون تدخل منه، أما الطبري فيصرح هنا أنه يتدخل بما يحب ويكره، فلا يوثِّق إلا ما يتفق مع ميوله. إذ يصرح بما لا يقبل التأويل، أنه في هذه الروايات أُموي الهوى، يعرض جانباً من الصورة وليس الصورة الحقيقية، وينقل لأجيال الأمة ما يراه (العاذرون معاوية)، وهم ليسوا بأقل من الطبري في ميولهم وأهوائهم. وسوف ترى أنه حشد العديد من الروايات في الدور المفترض لعبد الله بن سبأ، وكلها عن سيف بن عمر الذي لا يتورع عن الكذب والافتراء والتعرض لصحابة النبي صلى الله عليه و سلم بما لا يتناسب وشأنهم.

٦٨
لما ورد ابنُ السوداء(١) الشام لقي أبا ذر(٢) فقال: يا أبا ذر، ألا تعجب إلى معاوية يقول: المال مال الله؟ ألا إن كان كل شيءٍ لله، كأنه يريد أن يحتجنه دون المسلمين، ويمحو اسم المسلمين. فأتاه أبو ذر فقال: ما يدعوك إلى أن تسمي مال المسلمين مال الله ؟ قال: يرحمك الله يا أبا ذر، ألسنا عباد الله، والمال ماله، والخلق خلقه، والأمر أمره؟ قال: فلا تقله، قال: فإني لا أقول: إنه ليس لله، ولكن سأقول: مال المسلمين.

١- بدأ سيف رواياته هذه بتعبير (ابن السوداء)، ثم ذكر فيما بعد (ابن سبأ)، وأتبعه بقوله: (كانت أمه سوداء)، ليكوّن القارئ صورة ذهنية مسبقة عن شخص واحد هو عبد الله بن سبأ، أو ابن السوداء، فكلاهما عنده واحد.

وسوف ترى لاحقاً أن كل من جاء بعد سيف بن عمر من المؤرخين أو المؤلفين، أخذ هذا الربط بين الاسمين منه. وإلا فلا رابط بينهما إطلاقاً.

وهذا ما دعا بعض الباحثين، ومنهم الأستاذ كامل مصطفى الشيبي، والدكتور علي الوردي، وغيرهما، إلى اعتبار عمار بن ياسر هو ابن سبأ، وهو ابن السوداء ليس غير، فهو يماني من قوم سبأ، وكل يَماني يطلق عليه سَبئي وسَبائي، كيمني ويماني، وزناً ومعنىً، إلا أنه أُلبس لباساً آخر، وكُني عنه بكنية تجعل المؤرخ يتحرك بحرية لينال منه، لئلا يتعرض لسهام النقد بدعوى (عدالة الصحابة)، إذ لا أحد ينكر صحبة عمار بن ياسر وقربه من النبي صلى الله عليه و سلم .

٢- هذه أولى الشخصيات الإسلامية المهمة من كبار الصحابة (تتهوّد) أي تتبنى أفكار اليهودي المفترض عبد الله بن سبأ طبقاً لدعوى سيف. والغريب أن يعجز ابن سبأ عن خداع أهل الشام جميعاً، ويتمكن من خداع الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري، ليمرر من خلاله مؤامرته المزعومة في إفساد الإسلام.

٦٩
قال: وأتى ابنُ السوداء أبا الدرداء(١)، فقال له: من أنت؟ أظنك والله

١- هو عويمر بن عامر (وقيل: ابن زيد) الخزرجي الأنصاري، اشتهر بكنيته، وكان قد توفي سنة ٣٢ﻫ في الشام. وقد عارض معاوية في أكل الربا، حيث باع معاوية سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها، فعارضه أبو الدرداء، وقال له: لا أساكنك بأرض أنت بها، واشتكاه إلى عمر، فكتب إليه عمر: أن لا تبع ذلك إلا مثلاً بمثل، وزناً بوزن.

قال ابن عبد البر في الاستيعاب: قال أبو مسهر: لا أعلم أحداً نزل دمشق من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم غير أبي الدرداء وبلال مؤذن رسول الله صلى الله عليه و سلم وواثلة بن الأسقع، ومعاوية، قال: ولو نزلها أحد سواهم ما سقط علينا. الاستيعاب، لابن عبد البر٣: ١٢٢٨، تحقيق علي محمد البجاوي، دار الجيل، بيروت ـ لبنان، الطبعة الأولى ١٤١٢ﻫ.

وأضاف ابن عبد البر في المصدر السابق: ومات أبو الدرداء رضي الله عنه سنة اثنتين وثلاثين بدمشق، وقيل سنة إحدى وثلاثين. وقال الباجي (٤٧٤ﻫ) في التعديل والتجريح: مات أبو الدرداء بالشام سنة اثنتين وثلاثين. التجريح والتعديل للباجي٣: ١١٦٥.

وذكر ابن سعد في طبقاته روايتين، إحداهما سنة ٣٢ﻫ والأخرى ٣١ﻫ . طبقات ابن سعد ٧: ٣٩٣. وقالت بعض المصادر أنه مات لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، أي في أواخر سنة ٣٢ﻫ . وروى ابن عبد البر في الاستيعاب، عن أبي الدرداء أنه سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: أنا فرطكم على الحوض، فلا ألفين ما نوزعت في أحدكم، فأقول: هذا مني، فيقال: إنك لا تدري ما أحدث بعدك. فقال للنبي صلى الله عليه و سلم : ادع الله تعالى أن لا يجعلني منهم، قال: لستَ منهم، فمات قبل قتل عثمان رضي الله عنه بسنتين. الاستيعاب، لابن عبد البر٣: ١٢٢٩.

ثم قال ابن عبد البر في المصدر ذاته: وقالت طائفة من أهل الأخبار إنه مات بعد صفين سنة ثمان أو تسع وثلاثين. والأكثر والأشهر والأصح عند أهل الحديث أنه توفي في خلافة عثمان رضي الله عنه.

وهكذا تكاد المصادر التاريخية تقطع أن تكون وفاته سنة ٣٢ﻫ وبعضها يقول: سنة ٣١.

والسؤال هنا: على كلا الفرضين في وفاة أبي الدرداء، فإنه لم يلتق عبد الله بن سبأ، ولا رآه، لأنه أُخرج من البصرة سنة ٣٣ﻫ أي بعد وفاة أبي الدرداء كما سيأتي.

٧٠
يهودياً!(١). فأتى عبادة بن الصامت(٢)، فتعلق به فأتى به معاوية، فقال: هذا

١- لم تكن هناك مقدمات أو علامات واضحة تجعل أبا الدرداء يظنه يهودياً، فهو مسلم في الظاهر، والقضية المطروحة للتحريض على معاوية ـ طبقاً لدعوى سيف بن عمر ـ كانت قضية مالية تتعلق بالعدالة في توزيع الثروة، وهذا مبدأ إسلامي منصوص عليه في القرآن الكريم، وليست من الفكر اليهودي في شيء. إلا أن المؤرخ يصرّ على ذلك؛ لأن شخصيته المتخيَّلة هي الأساس في القصة كلها، ولأن صفة اليهودية تثير الحفيظة والشك والريبة، باعتبار أنهم يسعون دائماً للإطاحة بالإسلام.

ثم كيف يسوغ لأبي الدرداء أن يقول لامرئ مسلم في ظاهره: أظنك والله يهودياً، مع أنه ليس أول يهودي دخل الإسلام؟

٢- هو عبادة بن الصامت بن قيس الخزرجي الأنصاري السلمي، يكنى أبا الوليد، ممن شهد البيعة الأولى والثانية والثالثة، وشهد بدراً والمشاهد كلها، وأحد الذين جمعوا القرآن في عهد النبي صلى الله عليه و سلم ، ثم وجهه عمر إلى الشام قاضياً ومعلماً، فأقام بحمص، ثم انتقل إلى فلسطين، ومات بها ودفن بالبيت المقدس، وقبره بها معروف إلى اليوم.

وذكر ابن عبد البر قولاً آخر في موضع قبره، وهو الرملة من أرض فلسطين. ونقل قول الأوزاعي: أول من تولى قضاء فلسطين عبادة بن الصامت، وكان معاوية قد خالفه في شيء أنكره عليه عبادة في الصرف، فأغلظ له معاوية في القول، فقال له عبادة: لا أساكنك بأرض واحدة أبداً، ورحل إلى المدينة، فقال له عمر: ما أقدمك؟ فأخبره فقال: ارجع إلى مكانك، فقبح الله أرضاً لست فيها ولا أمثالك، وكتب إلى معاوية: لا إمرة لك على عبادة. راجع: الاستيعاب، لابن عبد البر٢: ٨٠٨.

فعبادة لم ينزل دمشق أبداً، وقد مر بنا قول ابن مسهر: لا أعلم أحداً نزل دمشق من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم غير أبي الدرداء وبلال مؤذن رسول الله صلى الله عليه و سلم وواثلة بن الأسقع، ومعاوية، قال: ولو نزلها أحد سواهم ما سقط علينا. الاستيعاب، لابن عبد البر٣: ١٢٢٨.

ومن جهة أخرى كان عبادة نفسه على خلاف شديد مع معاوية، بحيث أدى به ذلك إلى أن يخرج من الشام كلها، وأن يُدخل الخليفة عمر في الخلاف، فكيف عاد واصطلح معه وصار ناصحاً ومدافعاً عنه؟.

ومن جهة ثالثة: كيف يعقل أن يثور عبادة بن الصامت لأكل الربا، وهي من الفروع، ولا يثور لحركة ابن سبأ، وهي تطعن في صميم العقيدة؟.

ومن جهة رابعة: إن سيف بن عمر صور ابن سبأ أنه رجل على قدر كبير من الذكاء والحنكة والتخطيط والدهاء، فكيف يأتي به عبادة إلى معاوية بهذه الطريقة التي لا يرضاها حتى السذج من الناس؟ وهل كان لدى عبادة قوة تنفيذية من الشرطة والحرس والمسلحين؟ أو أنه تعلق به فطاوعه ابن سبأ؟

ومن جهة خامسة: دونكم كتب التراجم، التي عنيت بتراجم الصحابة، ومنهم عبادة بن الصامت، وقد ذكرت قصة اعتراضه على معاوية في أكل الربا، فهل تجدون فيها ذكراً للقائه ابن سبأ واقتياده لمعاوية صاغراً؟

٧١
والله الذي بعث عليك أبا ذر(١).

وقام أبو ذر بالشام، وجعل يقول: يا معشر الأغنياء واسوا الفقراء، بشِّر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكان من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم(٢). فما زال حتى ولع الفقراء بمثل ذلك، وأوجبوه

١- لم يذكر سيف بن عمر ماذا فعل معاوية مع هذا الداعية اليهودي الذي يفسد عليه الأمور، وقد أمسك به وعرفه ولم يعد خافياً يعمل في السر؟ فإن كان الصحابي أبو ذر يستحق العقوبة والتأديب والإعادة مرة أخرى للمدينة، لينفى منها إلى الربذة، فهذا (اليهودي) أولى بالتأديب والنفي على الأقل.

٢- تجنب سيف بن عمر هنا أن يذكر النص القرآني في قوله تعالى: ayebazوَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَayebaste ] التوبة: ٣٤، ٣٥[. فقد أراد أن يوجه ذهن القارئ بعيداً عن النظرية القرآنية في التصرف بالمال، وإسلامية الفكرة التي يتبناها أبو ذر، وفسح المجال أمام ادعائه بسبئيتها وأصلها اليهودي، ليأخذ ذلك الادعاء محله في نفوس وعقول المتلقين.

٧٢
على الأغنياء، وحتى شكا الأغنياء ما يلقون من الناس. فكتب معاوية إلى عثمان أن أبا ذر قد أعضل بي، وقد كان من أمره كيت وكيت(١)، فكتب إليه عثمان: إن الفتنة قد أخرجت خطمها وعينيها، فلم يبق إلا أن تثب، فلا تنكأ القرح، وجهز أبا ذر إليّ، وابعث معه دليلاً، وزوده وارفق به، وكفكف الناس ونفسك ما استطعت، فإنما تمسك ما استمسكت.

فبعث بأبي ذر ومعه دليل، فلما قدم المدينة ورأى المجالس في أصل سلع(٢)، قال: بشّر أهل المدينة بغارة شعواء(٣)، وحرب مذكار(٤). ودخل على عثمان فقال: يا أبا ذر، ما لأهل الشام يشكون ذَرَبَك(٥) ؟ فأخبره أنه لا ينبغي أن يقال: مال الله، ولا ينبغي للأغنياء أن يقتنوا مالاً. فقال: يا أبا ذر، عليَّ أن أقضي ما علي، وآخذ ما على الرعية، ولا أجبرهم على الزهد، وأن أدعوهم إلى الاجتهاد والاقتصاد. قال: فتأذن لي في الخروج، فإن المدينة ليست لي بدار. فقال: أوَتستبدل بها إلا شراً منها ؟ قال: أمرني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن أخرج منها إذا بلغ البناء سلعاً. قال: فانفذ لما أمرك به.

١- لو كانت هناك حقيقة لتأثره بابن سبأ، لما سكت معاوية في شكواه لعثمان، ولذكر له ذلك في أول الكلام، ولماذا يخفي ذلك عن عثمان؟ أم أنه تواطأ مع اليهودي المزعوم، وداهنه كما داهن غيره من اليهود.

٢- جبل معروف في المدينة المنورة.

٣- فاشية، متفرقة، ممتدة.

٤- أي ذات أهوال، من قولهم: فلاة مذكار، أي لا يسلكها إلا الذكور من الرجال.

٥- أي: يشكون حدة لسانك، أو فساد لسانك وبذاءته، وكثرة حديثك عن الفساد المالي للسلطة. والذَّرِبُ: الحادُّ من كل شيء.

٧٣
قال: فخرج حتى نزل الربذة، فخطَّ بها مسجداً، وأقطعه عثمان صِرْمةً(١) من الإبل، وأعطاه مملوكين، وأرسل إليه أن تعاهد المدينة حتى لا ترتدَّ أعرابياً، ففعل(٢).

هذه بدايات القصة مع السبئيّة، وتتلخص في رجل يهودي يدخل الإسلام فيبث أفكاراً جديدة يطرحها سيف بن عمر بهدوء ورفق، ويستميل بعض الرؤوس من الصحابة، وتتبلور لديه فئة مؤثرة تستطيع التأثير في المعادلة الإسلامية بشكل كبير، ومن أبرز المتأثرين بهذه الجماعة أبو ذر، وسوف يلحقه عمار، ثم يتبعهم خلق كثير من الصحابة والتابعين والقراء وأخيار الأمة.

ومن المهم هنا أن نسأل: ما الذي أخرج أبا ذر أولاً من المدينة وقد عاش فيها مع رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ وما الذي جاء به للشام؟

هذا ما أخفاه سيف منذ البداية، ليلقي بالتبعة على ابن سبأ المزعوم. فالحقيقة أن ما ادعاه سيف من نقمة أبي ذر على معاوية حدث قبل ذلك في المدينة مع عثمان، وكان ذلك سبب إخراجه منها ونفيه إلى الشام(٣).

١- أي مجموعة صغيرة منها.

٢- تاريخ الطبري٣: ٣٣٦. مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت ـ لبنان.

٣- قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: وأعلم أن الذي عليه أكثر أرباب السيرة، وعلماء الأخبار والنقل، أن عثمان نفى أبا ذر أولاً إلى الشام، ثم استقدمه إلى المدينة لما شكا منه معاوية، ثم نفاه من المدينة إلى الربذة لما عمل بالمدينة نظير ما كان يعمل بالشام .

أصل هذه الواقعة، أن عثمان لما أعطى مروان بن الحكم وغيره بيوت الأموال، واختص زيد بن ثابت بشيء منها، جعل أبو ذر يقول بين الناس وفي الطرقات والشوارع: بشّر الكافرين بعذاب أليم، ويرفع بذلك صوته، ويتلو قوله تعالى: ayebazوَالَّذِيْنَ يَكْنِزُوْنَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُوْنَهَا فِي سَبِيْلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيْمٍayebaste، فرُفع ذلك إلى عثمان مراراً وهو ساكت. ثم إنه أرسل إليه مولى من مواليه: أن انته عما بلغني عنك، فقال أبو ذر: أوَينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله تعالى، وعيب من ترك أمر الله تعالى؟ فوالله لئن أُرضي الله بسخط عثمان، أحبّ إليَّ، وخير لي من أن أسخط الله برضا عثمان.

فأغضب عثمان ذلك وأحفظه، فتصابر وتماسك، إلى أن قال عثمان يوماً، والناس حوله: أيجوز للإمام أن يأخذ من المال شيئاً قرضاً، فإذا أيسر قضى؟ فقال كعب الأحبار: لا بأس بذلك، فقال أبو ذر: يا بن اليهوديين، أتعلّمنا ديننا! فقال عثمان: قد كثر أذاك لي وتولعك بأصحابي، الحق بالشام. فأخرجه إليها.

فكان أبو ذر ينكر على معاوية أشياء يفعلها، فبعث إليه معاوية يوماً ثلاثمائة دينار، فقال أبو ذر لرسوله: إن كانت من عطائي الذي حرمتمونيه عامي هذا أقبلها، وإن كانت صلة فلا حاجة لي فيها، وردها عليه.

ثم بنى معاوية الخضراء بدمشق، فقال أبو ذر: يا معاوية، إن كانت هذه من مال الله فهي الخيانة، وإن كانت من مالك فهي الإسراف.

وكان أبو ذر يقول بالشام: والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها، والله ما هي في كتاب الله ولا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والله إني لأرى حقاً يُطفأ، وباطلاً يحيا، وصادقاً مكذباً، وأَثَرةً بغير تقى، وصالحاً مستأثراً عليه.

قال حبيب بن مسلمة الفهري لمعاوية: إن أبا ذر لمفسد عليكم الشام، فتدارك أهله إن كان لك فيه حاجة. شرح النهج، للمعتزلي٨: ٢٥٧.

٧٤
الرواية الثانية:

قال الطبري في أحداث سنة ٣٣ هـ ، في ذكر الخبر عن تسيير عثمان من سيَّر(١) من أهل البصرة إلى الشأم:

١- يسمى التسيير في الاصطلاحات المعاصرة اليوم: النفي، أو الإبعاد، أو التهجير، بحسب الأحوال والأفراد.

٧٥
مما كتب به إلي السَّري، عن شعيب، عن سيف، عن عطية، عن يزيد الفقعسي، قال: لما مضى من إمارة ابن عامر(١) ثلاث سنين، بلغه أن في عبد القيس رجلاً نازلاً على حُكَيم بن جَبَلَة(٢)، وكان حكيم بن جبلة رجلاً

١- الأُموي، ابن خال عثمان، وهو عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، ولّاه عثمان البصرة وبلاد فارس سنة ٢٩ﻫ وهو ابن أربع وعشرين سنة، وولاه معاوية البصرة ثم عزله. توفي سنة ٥٩ﻫ . راجع ترجمته في الاستيعاب لابن عبد البر٣: ٩٣١.

٢- (حُكَيم أو حَكيم): العبد الصالح، من سادات عبد القيس، وزهاد ربيعة ونساكها، أدرك النبي صلى الله عليه و سلم . قتل في البصرة في موقعة الجمل الصغرى في سبعين من الصلحاء. وذلك بعد غدر طلحة والزبير بأهل البصرة. وملخص الخبر: أن عثمان بن حنيف منعهم من دخول البصرة، وقاتلهم، ثم اتفقوا على كف القتال حتى يأتي علي. فلما جن الليل، أقبل أصحاب طلحة فقتلوا حرس عثمان بن حنيف ودخلوا عليه، فنتفوا لحيته وجفون عينيه، ولم يقتلوه، لأن أخاه كان والياً لعلي على المدينة، فخافوا أن يقتل أقارب طلحة والزبير، ثم سجنوه، ونهبوا بيت المال. فسمع حكيم بن جبلة بما جرى لعثمان بن حنيف، وخزان بيت المال وغيرهم، فخرج في ثلاثمائة من عبد القيس وكان سيدهم، فاقتتلوا، فقتل هو وبعض أبنائه وإخوته.

قال فيه ابن الأثير في أسد الغابة٢: ٤٠: وكان رجلاً صالحاً له دين، مطاعاً في قومه، وهو الذي بعثه عثمان على السند. ثم ذكر قصة مقتلة، وأنه ما رؤي أشجع منه. ثم نقل كلام أبي عبيدة، معمر بن المثنى في حكيم بن جبلة: ليس يُعرف في جاهلية ولا إسلام رجل فعل مثل فعله. انتهى. يعني ما ذكره من شجاعته في تلك المعركة.

وقال عنه الذهبي: الأمير، أحد الأشراف الأبطال، كان ذا دين وتألُّه، أمّره عثمان على السند مدة، ثم نزل البصرة، وكان أحد الذين ثاروا في فتنة عثمان. راجع: سير أعلام النبلاء، للذهبي٢: ٣٢٢. و ٣: ٥٣١. الاستيعاب لابن عبد البر١: ٣٦٦. أسد الغابة، لابن الأثير٢: ٤٠.

وانظر بعد ذلك كيف يصفه سيف بن عمر أنه (لصّ)، وأن ابن عامر حبسه، وسوف تسمع الكثير من سيف في الطعن على الصحابة والتابعين، ولعله اتُّهم بالزندقة لجرأته وتطاوله وافترائه على أمثال هؤلاء، وبعضهم من خيار الصحابة.

٧٦
لصَّاً(١)، إذا قفل الجيوش خنس عنهم، فسعى في أرض فارس فيغير على أهل الذمة، ويتنكر لهم، ويفسد في الأرض، ويصيب ما شاء ثم يرجع، فشكاه أهل الذمة وأهل القبلة إلى عثمان، فكتب إلى عبد الله بن عامر أن احبسه ومن كان مثله، فلا يخرجنَّ من البصرة حتى تأنسوا منه رشداً، فحبسه فكان لا يستطيع أن يخرج منها.

فلما قدم ابن السوداء نزل عليه، واجتمع إليه نفر، فطرح لهم ابن السوداء ولم يصرِّح، فقبلوا منه واستعظموه(٢)، وأرسل إليه ابن عامر فسأله: ما أنت؟ فأخبره أنه رجلٌ من أهل الكتاب، رغب في الإسلام، ورغب في جوارك، فقال: ما يبلغني ذلك، اخرج عني(٣)، فخرج حتى أتى الكوفة

١- وقد قرأت آراء المؤرخين ومنهم الذهبي في حكيم بن جبلة، وأنه كان من الأشراف، ذا دين وتأله، وقول ابن الأثير: إنه رجل صالح مطاع في قومه. بل أجمع المؤرخون على صلاحه، لكن جريرته الوحيدة أنه خالف عثمان، وناصر علياً × فصار لصاً.

ومن العجيب أيضاً أن هذا الراوي اتهم زيد بن صوحان بالسرقة كما سيأتي، ليكون أصحاب علي × مجموعة من اللصوص وقطاع الطرق والمتأثرين باليهود.

وقد أراد سيف هنا أن يبين أثر ابن سبأ في حكيم بن جبلة، ليقول: إن حكيماً كان من السبئيين أيضاً.

٢- ماذا طرح لهم؟ وما سرُّ استعظامهم لما طرح؟ هذا ما لم يصرح به سيف وبقي طي الكتمان.

٣- يدّعي سيف بن عمر أن عبد الله بن عامر أخرج ابن سبأ من البصرة واكتفى بإخراجه، مع أنه أحسّ بخطره على الإسلام، وإلا لماذا أخرجه؟ في حين أن عثمان كان ينكّل بمن هو دون ذلك، كما فعل مع أبان بن حمران، الذي ادُّعي أنه تزوج امرأة في عدتها، فنكّل به عثمان، وأخرجه إلى البصرة، ثم أخرجه ابن عامر إلى المنفى التقليدي لعثمان في الشام. كما سيّر ابنُ عامر، عامرَ بن عبد القيس إلى الشام، وهو رجل صالح زاهد، وقد كتب به إلى عثمان، فكيف يَدَعُ هذا اليهودي يخرج سالماً دون أن يخبر عثمان بخبره على الأقل، وهو يرى خطره الشديد على الدين وتأثيره الكبير في الناس حسب الزعم؟

٧٧
فأخرج منها، فاستقر بمصر وجعل يكاتبهم ويكاتبونه، ويختلف الرجال بينهم(١).

الرواية الثالثة:

قال الطبري في تاريخه في أحداث سنة ٣٥ هـ : فيما كتب به إليَّ السَّرِي، عن شعيب، عن سيف، عن عطية، عن يزيد الفقعسي قال: كان عبد الله بن سبأ يهودياً من أهل صنعاء، أمه سوداء(٢)، فأسلم زمان عثمان، ثم تنقل

١- تاريخ الطبري٣: ٣٦٨.

٢- هذه المعلومة عن أمه ليست للتندّر والفكاهة، إنما أقحمت هنا للربط بينه وبين (ابن السوداء) السابق ذكره، وإلا فإنّ معرفة الراوي بلون الأم فقط دون معرفة النسب من جهة الأب، يثير الشك والاستغراب منذ البداية.

ثم إن هذه المعلومة مقحمة بوضوح في هذا الخبر الذي يفترض أن يكون تاريخياً محضاً، فلون أمه لا دخل له في القصة لا من قريب ولا من بعيد، إنما أراد سيف أن يتخلص من اسم ابن سبأ الموهوم، فيربطه بشخصية أقرب للحقيقة هي (ابن السوداء) فهناك بعض الصحابة كان يكنى بابن السوداء، ومنهم عمار بن ياسر.

وقد كانت العرب في الجاهلية إذا أرادت انتقاص رجل عيرته بأمه، بأي صفة يرونها عاراً، ومنها كونها سوداء.

جاء في صحيح البخاري عن أبي ذر قال: إني ساببت رجلاً فعيرتُه بأمه، فقال لي النبي صلى الله عليه و سلم : يا أبا ذر، أعيرته بأمه؟! إنك امرؤ فيك جاهلية. وفي صحيح مسلم: وكانت أمه أعجمية فعيرته بأمه. قال ابن حجر في شرح حديث البخاري: (قوله فعيرته بأمه) أي نسبته إلى العار، زاد في الأدب: وكانت أمه أعجمية فنلت منها، وفي رواية: قلت له: يا بن السوداء.

وقد قيل في المسبوب: إنه بلال بن رباح، وكانت أمه نوبية تدعى حمامة كما في مقدمة فتح الباري.

وممن كانت أمه أمةً سوداء عمار بن ياسر، ولا يخفى على أحد موقفه المعارض لعثمان، وسوف يكفينا سيف بن عمر مؤنة ذلك، ويبين لنا موقف عمار من عثمان وحكومته.

٧٨
في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم.

فبدأ بالحجاز، ثم البصرة، ثم الكوفة، ثم الشأم، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشأم(١) ! فأخرجوه حتى أتى مصر، فاعتمر فيهم، فقال لهم فيما يقول: لعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذّب بأن محمداً يرجع(٢)،

١- لماذا الشام دون غيرها؟ هل أن ذلك لكون الحاكم معاوية، والمحكومين ملائكة؟ أو أنهم بلغوا من الحصانة في الدين والعقيدة والفكر مبلغاً لم تصل إليه سائر المناطق، حتى مدينة رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟

من هنا تشم الرائحة الأموية في هذه الروايات، ابتداء من (العاذرين معاوية) ومروراً بسائر روايات سيف.

٢- موضوع الرجعة يحتاج إلى وقفة طويلة لسنا بصددها الآن، طلباً للاختصار، لكننا نشير إلى أهم ما نحتاجه في تعريفها وفهمها:

فمن ناحية الوقوع الفعلي صرح القرآن الكريم برجوع بعض الناس ـ بل حتى الأحياء الأخرى ـ إلى الحياة الدنيا بعد الموت، ومنهم عزير، الذي أماته الله مئة عام ثم بعثه، وكذلك حماره. ومنهم صاحب بني إسرائيل الذي ضربوه ببعض البقرة فعادت إليه الحياة. ومن ذلك أيضاً طيور إبراهيم الأربعة التي قطّعهن ثم دعاهن فأتينه سعياً. وغير ذلك من الأمثلة، وما ذلك على الله بعزيز.

أما من الناحية النظرية فليس هناك مانع عقلي ولا نقلي من عودة الكائن الحي للحياة بعد موته، لأنه صورة من صور الإيمان بالمعاد، غاية ما في الأمر أن هناك من يعود للآخرة، وهناك من يعود للدنيا، وكل ذلك متعلق بقدرة الله تعالى على الإماتة والإحياء. وهناك العديد من الشواهد على ذلك أيضاً.

أما عن وقوعها مستقبلاً فهو ممكن أيضاً، أشارت إليه بعض الآيات الشريفة، كقوله تعالى: ayebazوَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجَاً مِمّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوْزَعُوْنayebaste. فهذا الحشر ليس يوم القيامة الذي قال الله تعالى فيه: ﴿فَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدَاً﴾. والمحشورون يوم القيامة من المكذِّبين والمصدقين، وليس فوجاً من المكذبين فقط كما ذكرت الآية الأولى.

أما القول بالرجعة في تاريخ المسلمين، فيعود إلى زمن وفاة النبي صلى الله عليه و سلم وأول من جهر بها عمر بن الخطاب بقوله: إن رسول الله ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع بعد أن قيل مات، والله ليرجعَنَّ رسول الله، فليقطعَنَّ أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنه قد مات. وروي عنه أنه قال: من قال إنه مات، علوت رأسه بسيفي هذا، وإنما ارتفع إلى السماء.

وبالتالي فإن إنكار الرجعة إجمالاً، نظرياً أو عملياً، تكذيب للقرآن، غاية ما في الأمر هي تحديد من سيرجع في الدنيا فعلاً، وهو موضع الخلاف. فلا معنى من الأساس لنسبة هذه الفكرة لليهود، وهي صريحة في القرآن الكريم بما لا يقبل الشك، والبحث فيها له محل آخر غير هذا.

٧٩
وقد قال الله عز وجل: هـ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرَادُّكَ إلى مَعَادٍ هـ فمحمد أحق بالرجوع من عيسى.

قال: فقُبل ذلك عنه، وَوَضع لهم الرجعة، فتكلموا فيها(١).

١- وكأن أهل مصر ـ كما يزعم سيف ـ مجموعة صغيرة من السذّج أو الأطفال، يتلقون العقائد المنحرفة بيسر وسهولة، لا ينظرون فيها، ولا يرجعون إلى كتاب ولا سنة، فلم يكونوا مثل أهل الشام الأموية المحصنة فكرياً بفضل سيده معاوية!.

٨٠