×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ندوات مركز الأبحاث العقائدية ج 2 / الصفحات: ٢١ - ٤٠

سنقرأها في بعض الأحاديث الآتية ، وكان لابدّ أنْ يبقى في المدينة إمّا رسول الله نفسه وإمّا علي ولا ثالث ، أحدهما لابدّ أنْ يبقى ، وأمّا الغزوة أيضاً فلابدّ وأنْ تتحقّق ، فيقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي : « إنّه لابدّ أنْ أُقيم أو تقيم » ، فخلّفه .

فلمّا فَصَلَ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) غازياً قال ناس ـ وفي بعض الألفاظ : قال ناس من قريش ، وفي بعض الألفاظ : قال بعض المنافقين ـ : ما خلّفه رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلاّ لشيء كرهه منه ، فبلغ ذلك عليّاً ، فأتّبع رسول الله حتّى انتهى إليه ، فقال له : « ما جاء بك يا علي ؟ » قال : لا يا رسول الله ، إلاّ أنّي سمعت ناساً يزعمون أنّك إنّما خلّفتني لشيء كرهته منّي ، فتضاحك رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال : « يا علي أما ترضى أن تكون منّي كهارون من موسى إلاّ أنّك لست بنبي ؟ » قال : بلى يا رسول الله ، قال : « فإنّه كذلك » .

وفي رواية خصائص النسائي(١) قال الناس : قالوا ملّه ، أي ملّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)عليّاً وكره صحبته .

وفي رواية : قال علي لرسول الله (صلى الله عليه وآله) : زعمت قريش أنّك إنّما خلّفتني أنّك استثقلتني وكرهت صحبتي ، وبكى علي ، فنادى رسول الله في الناس : « ما منكم أحد إلاّ وله خاصة ، يابن أبي طالب ، أما ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي ؟ » قال علي : رضيت عن الله عزّوجلّ وعن رسوله(٢) .

وإذا راجعتم سيرة ابن سيّد الناس(٣) ، وكذا سيرة ابن قيّم الجوزية(٤) ، وسيرة ابن إسحاق(٥) ، وأيضاً في بعض المصادر الأُخرى(٦) : إنّ الذين قالوا ذلك كانوا رجالاً من المنافقين ، ففي بعض الألفاظ : الناس ، وفي بعض الألفاظ : قريش ، وفي بعض الألفاظ : المنافقون ، ومن هنا يظهر أنّ في قريش أيضاً منافقين ، وهذا مطلب مهم .

١- فضائل الصحابة للنسائي : ١٣ .

٢- خصائص الامام علي : ٨٤ .

٣- عيون الأثر ٢ : ٢٩٤ .

٤- زاد المعاد ٣ : ٥٥٩ ـ ٥٦٠ .

٥- سيرة ابن إسحاق ٤ : ١٩٤٧ .

٦- المعجم الأوسط ٤ : ٢٩٦ .

٢١

وفي المعجم الأوسط للطبراني عن علي (عليه السلام) : إنّ النبي قال له : « خلّفتك أنْ تكون خليفتي » ، قلت : أتخلّف عنك يا رسول الله ؟ قال : « ألا ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي »(١) .

ففيه : « خلّفتك أنْ تكون خليفتي » .

وروى السيوطي في جامعه الكبير(٢) عن كتب جمع منهم : ابن النجار البغدادي ، وأبو بكر الشيرازي في الألقاب ، والحاكم النيسابوري في كتابه الكنى ، والحسن بن بدر ـ الذي هو من كبار الحفّاظ ـ في كتابه ما رواه الخلفاء ، هؤلاء يروون عن ابن عباس قال : قال عمر بن الخطّاب : كفّوا عن ذكر علي بن أبي طالب ] لماذا كانوا يذكرون عليّاً وبم كانوا يذكرونه ؟ حتّى نهاهم عمر عن ذكره ؟ أكانوا يذكرونه بالخير وينهاهم ؟ قائلاً : كفّوا عن ذكر علي بن أبي طالب [ فإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول في علي ثلاث خصال لو كان لي واحدة منهنّ كان أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشمس .

كنت أنا وأبو بكر وأبو عبيدة بن الجرّاح ] هؤلاء الثلاثة هم أصحاب السقيفة من المهاجرين [ ونفر من أصحاب النبي ، وهو متّكىء ] أي النبي [ على علي بن أبي طالب ، حتّى ضرب بيده على منكبيه ثمّ قال : « يا علي أنت أوّل المؤمنين إيماناً وأوّلهم إسلاماً ، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى ، وكذب من زعم أنّه يحبّني ويبغضك » .

وفي تاريخ ابن كثير(٣) : « أو ما ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ النبوّة » .

وفرق بين عبارة « إلاّ النبوّة » وبين عبارة « إلاّ أنّك لست بنبي » و « إلاّ أنّه لا نبي بعدي » فرق كثير بين العبارتين ، يقول ابن كثير : إسناده صحيح ولم يخرجوه .

وفي تاريخ ابن كثير أيضاً(٤) في حديث معاوية وسعد : إنّ معاوية وقع في علي

١- المعجم الأوسط ٤ : ٢٩٦ .

٢- الجامع الكبير ١٦ : ٢٤٤ ، كنز العمال ١٣ : ١١٧ .

٣- البداية والنهاية ٧ : ٣٤٠ .

٤- البداية والنهاية ٧ : ٣٤٠ .

٢٢

فشتمه ] بنصّ العبارة [ فقال سعد : والله لأنْ تكون لي إحدى خلاله الثلاث أحبّ إليّ ممّا يكون لي ما طلعت عليه الشمس . . . ، فيذكر منها حديث المنزلة .

إلاّ أن الزرندي الحافظ يذكر نفس الحديث يقول : عن سعد : إنّ بعض الأُمراء قال له : ما منعك أنْ تسبّ أبا تراب(١) .

فأراد أنْ لا يذكر اسم معاوية محاولةً لحفظ ماء وجهه وماء وجههم .

وفي تاريخ دمشق والصواعق المحرقة وغيرهما(٢) : إنّ رجلاً سأل معاوية عن مسألة فقال : سل عنها عليّاً فهو أعلم ، قال الرجل : جوابك فيها أحبّ إليّ من جواب علي ، قال معاوية : بئس ما قلت ، لقد كرهت رجلاً كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يغرّه بالعلم غرّاً ، ولقد قال له : « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي » ، وكان عمر إذا أشكل عليه شيء أخذ منه .

وتلاحظون أنّ في كلّ لفظ من هذه الألفاظ التي انتخبتها خصوصية ، لابدّ من النظر إليها بعين الدقّة والاعتبار .

وانتهت الجهة الأُولى ، أي جهة البحث عن السند والرواة .

١- نظم درر السمطين : ١٠٧ .

٢- ترجمة الإمام علي (عليه السلام) من تاريخ دمشق ١ : ٣٦٩ رقم ٤١٠ ، الرياض النضرة ٣ : ١٦٢ ، مناقب الإمام علي (عليه السلام) للمغازلي : ٣٤ ، الصواعق المحرقة ٢ : ٥٢٢ .

٢٣

دلالات حديث المنزلة

الجهة الثانية : في دلالات حديث المنزلة ، وكما أشرنا من قبل ، دلالات حديث المنزلة متعددة ، وكلّ واحدة منها تكفي لأن تكون بوحدها دليلاً على إمامة أمير المؤمنين .

قبل كلّ شيء لابدّ أنْ نرى ما هي منازل هارون من موسى حتّى يكون علي نازلاً من النبي منزلة هارون من موسى ، لنرجع إلى القرآن الكريم ونستفيد من الآيات المباركات منازل لهارون :

المنزلة الأُولى : النبوّة

قال تعالى : ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً ﴾(١) .

المنزلة الثانية : الوزارة

قال تعالى عن لسان موسى : ﴿ وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي ﴾ (٢) ، وفي سورة الفرقان قال تعالى : ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً ﴾ (٣) ، وفي سورة القصص عن لسان موسى : ﴿ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي ﴾ (٤) .

المنزلة الثالثة : الخلافة

قال تعالى : ﴿ وَقَالَ مُوسَى لاَِخِيه هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ (٥) .

١- مريم : ٥٣ .

٢- طه : ٢٩ .

٣- الفرقان : ٣٥ .

٤- القصص : ٣٤ .

٥- الأعراف : ١٤٢ .

٢٤

المنزلة الرابعة : القرابة القريبة

قال تعالى عن لسان موسى : ﴿ وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُد بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ﴾ (١) .

ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يخبر في حديث المنزلة عن ثبوت جميع هذه المنازل القرآنية لهارون وغيرها كما سنقرأ ، عن ثبوتها جميعاً لعلي ما عدا النبوة ، لقد أخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) النبوة بعد شمول تلك الكلمة التي أطلقها ، هي تشمل النبوة إلاّ أنّه أخرجها واستثناها استثناءً ، لقيام الضرورة على أنْ لا نبي بعده (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ويبقى غير هذه المنزلة باقياً وثابتاً لعلي (عليه السلام) ، وبيان ذلك :

إنّ عليّاً (عليه السلام) وإنْ لم يكن بنبي ، وهذا هو الفارق الوحيد بينه وبين هارون في المراتب والمقامات والمنازل المعنوية الثابتة لهارون ، وإنْ لم يكن بنبي ، إلاّ أنّه (عليه السلام)يعرّف نفسه ويذكر بعض خصائصه وأوصافه في الخطبة القاصعة ، نقرأ في نهج البلاغة يقول (عليه السلام) :

« ولقد علمتم موضعي من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة ، وضعني في حجره وأنا ولد ، يَضمّني إلى صدره ويكنفني في فراشه ، ويمسّني جسده ، ويشمّني عرفه ، وكان يمضغ الشيء ثمّ يلقمنيه ، وما وجد لي كذبة بقول ولا خطلة في فعل ، ولقد قرن الله به (صلى الله عليه وآله وسلم) من لدن أنْ كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته ، يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالَم ، ليله ونهاره ، ولقد كنت أتّبعه اتّباع الفصيل أثر أُمّه ، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه عَلَما ، ويأمرني بالاقتداء به ، ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء ، فأراه ولا يراه غيري ، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله وخديجة وأنا ثالثهما » .

لاحظوا هذه الكلمة : « أرى نور الوحي والرسالة ، وأشمّ ريح النبوّة ، ولقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه ، فقلت : يا رسول الله ما هذه الرنّة ؟ فقال :

١- طه : ٢٩ ـ ٣٢ .

٢٥

هذا الشيطان قد أيس من عبادته » .

ثمّ لاحظوا ماذا يقول الرسول لعلي : « إنّك تسمع ما أسمع وترى ما أرى ، إلاّ أنّك لست بنبي ولكنّك وزير ، وإنّك لعلى خير »(١) .

أرجو الانتباه إلى ما أقول ، لتروا كيف تتطابق الآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة وكلام علي في الخطبة القاصعة ، إنّ عليّاً وإنْ لم يكن بنبي لكنّه رأى نور الوحي والرسالة وشمّ ريح النبوّة .

أترون أنّ هذا المقام وهذه المنزلة تعادلها منازل جميع الصحابة من أوّلهم إلى آخرهم في المنازل الثابتة لهم ؟ تلك المنازل لو وضعت في كفّة ميزان ، ووضعت هذه المنزلة في كفّة ، أترون أنّ تلك المنازل كلّها وتلك المناقب ، تعادل هذه المنقبة الواحدة ؟ فكيف وأنْ يُدّعى أنّ شيئاً من تلك المناقب المزعومة يترجّح على هذه المنقبة ؟

علي لم يكن بنبي ، لكنّه شمّ ريح النبوّة ، لكنْ ما معنى هذه الكلمة بالدقّة ، لا نتوصّل إلى معناها ، وعقولنا قاصرة عن درك هذه الحقيقة ، لم يكن بنبي إلاّ أنّه شمّ ريح النبوّة ، وأيضاً : لم يكن علي نبيّاً إلاّ أنّه كان وزيراً ، لمن ؟ لرسول الله الذي هو أشرف الأنبياء وخير المرسلين وأكرمهم وأعظمهم وأقربهم إلى الله سبحانه وتعالى ، وأين هذه المرتبة من مرتبة هارون بالنسبة إلى موسى الذي طلب أن يكون هارون وزيراً له ، إلاّ أنّ كلامنا الآن في دوران الأمر بين علي وأبي بكر .

ومن الأحاديث الشاهدة بوزارة علي (عليه السلام) لرسول الله ، الحديث الذي ذكرناه في يوم الدار ، يوم الإنذار ، حيث قال : « فأيّكم يوآزرني على أمري هذا ؟ » قال علي : أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه ، فقال : « إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا »(٢) .

١- شرح نهج البلاغة ١٣ : ١٩٧ .

٢- كنز العمال ١٣ : ١١٤ ، تفسير البغوي ٣ : ٤٠٠ ، تاريخ مدينة دمشق ٤٢ : ٥٠ ، تاريخ الطبري ٢ : ٦٣ ، الكامل في التاريخ ٢ : ٦٣ .

٢٦

وفي رواية الحلبي في سيرته : « إجلس ، فأنت أخي ووزيري ووصيّي ووارثي وخليفتي من بعدي »(١) .

وفي تاريخ دمشق ، وفي المرقاة ، وفي الدر المنثور ، وفي الرياض النضرة ، يروون عن ابن مردويه وعن ابن عساكر وعن الخطيب البغدادي وغيرهم ، عن أسماء بنت عميس قالت : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول : « اللهمّ إنّي أقول كما قال أخي موسى : اللهمّ اجعل لي وزيراً من أهلي أخي عليّاً ، اشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبّحك كثيراً ونذكرك كثيراً ، إنّك كنت بنا بصيراً »(٢) .

وأيضاً ، هذه دلالات حديث المنزلة ، لاحظوا كيف تتطابق الآيات والروايات وكلام علي بالذات ؟

إنّ لعلي (عليه السلام) موضعاً من رسول الله يقول : « قد علمتم موضعي من رسول الله بالقرابة القريبة » ، هذه القرابة القريبة في قصّة موسى وهارون قول موسى : ﴿ وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي ﴾ ، ومن هنا سيأتي أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد ذكر حديث المنزلة في قصة المؤاخاة بينه وبين علي عليهما الصلاة والسلام .

مضافاً إلى قوله تعالى : ﴿ وَأُولُوا الاَْرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ ﴾ (٣) .

فإنّ الأوصاف الثلاثة هذه ـ أي الإيمان والهجرة وكونه ذا رحم ـ لا تنطبق إلاّ على علي ، فيظهر أنّ القرابة القريبة هي جزء من مقوّمات الخلافة والولاية بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وقد ذكر الفخر الرازي(٤) بتفسير الآية المذكورة استدلال محمّد ابن عبد الله بن

١- السيرة الحلبيّة ١ : ٤٦١ .

٢- شواهد التنزيل ١ : ٤٧٩ ، تاريخ مدينة دمشق ٤٢ : ٥٢ ، الرياض النضرة ٣ : ١١٨ .

٣- الأحزاب : ٦ .

٤- تفسير الرازي ١٥ : ٢١٤ .

٢٧

الحسن ابن الحسن المجتبى (عليه السلام) بالآية المباركة هذه ، في كتاب له إلى المنصور العباسي ، استدلّ بهذه الآية على ثبوت الأولوية لعلي ، وأجابه المنصور بأنّ العباس أولى بالنبي من علي ، لأنّه عمّه وعلي ابن عمّه ، ووافق الفخر الرازي الذي ليس من العباسيين ، وافق العباسيين في دعواهم هذه ، لا حبّاً للعباسيين وإنّما . . .

والفخر الرازي نفسه يعلم بأنّ العباس عمّ النبي ، ولكن العباس ليس من المهاجرين ، إذ لا هجرة بعد الفتح ، فكان علي هو المؤمن المهاجر ذا الرحم ، ولو فرضنا أنّ في الصحابة غير علي من هو مؤمن ومهاجر ، والإنصاف وجود كثيرين منهم كذلك ، إلاّ أنّهم لم يكونوا بذي رحم ، ويبقى العباس وقد عرفتم أنّه ليس من المهاجرين ، فلا تنطبق الآية إلاّ على علي (عليه السلام) .

وهذا وجه استدلال محمّد بن عبد الله بن الحسن في كتابه إلى المنصور ، وقد كان الرجل عالماً فاضلاً عارفاً بالقرآن الكريم ، والفخر الرازي في هذا الموضع يوافق العباسيين و المنصور العباسي ، ويخالف الهاشميين والعلويين حتّى لا يمكن ـ بزعمه ـ الاستدلال بالآية على إمامة علي أمير المؤمنين .

فقوله تعالى : ﴿ وَأُولُوا الاَْرْحَامِ ﴾ دليل آخر على إمامة علي ، ومن هنا يظهر : أنّ استدلال علي (عليه السلام) وذكره القرابة القريبة كانت إشارة إلى ما في هذه الناحية من الدخل في مسألة الإمامة والولاية .

مضافاً إلى أنّ العباس قد بايع عليّاً (عليه السلام) في الغدير وبقي على بيعته تلك ، ولم يبايع غير أمير المؤمنين ، بل في قضايا السقيفة جاء إلى علي ، وطلب منه تجديد البيعة ، فيسقط العباس عن الاستحقاق للإمامة والخلافة بعد رسول الله ، ولو تتذكرون ، ذكرت لكم في الليلة الأُولى أنّ هناك قولاً بإمامة العباس ، لكنّه قول لا يستحق الذكر والبحث عنه عديم الجدوى .

ومن منازل هارون :

أعلميّته بعد موسى من جميع بني إسرائيل ومن كلّ تلك الأُمّة ، وقد ثبتت المنزلة

٢٨

هذه بمقتضى تنزيل علي منه بمنزلة هارون من موسى لأمير المؤمنين (عليه السلام) ، وإلى الأعلميّة هذه يشير علي (عليه السلام) في الأوصاف التي ذكرها لنفسه في هذه الخطبة وفي غير هذه الخطبة .

في هذه الخطبة يقول : « كنت أتّبعه اتّباع الفصيل أثر أُمّه ، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علماً ويأمرني بالاقتداء به »(١) .

ويقول (عليه السلام) في خطبة أُخرى بعد أنْ يذكر العلم بالغيب يقول : « فهذا علم الغيب الذي لا يعلمه أحد إلاّ الله ، وما سوى ذلك ] أي ما سوى ما اختصّ به سبحانه وتعالى لنفسه [ فعلم علّمه الله نبيّه ، فعلّمنيه ودعا لي بأنْ يعيه صدري وتضْطَمّ عليه جوانحي »(٢) .

وأيضاً : تظهر أعلميّته (عليه السلام) من قوله في نفس هذه الخطبة عن رسول الله حيث خاطبه بقوله : « إنّك تسمع ما أسمع وترى ما أرى »(٣) .

وأيضاً : رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول في علي (عليه السلام) : « أنا مدينة العلم وعليّ بابها ، فمن أراد المدينة فليأتها من بابها »(٤) .

هذا الحديث هو الآخر من الأحاديث الدالة على إمامة أمير المؤمنين سلام الله عليه ، وكان ينبغي أن نخصّص ليلة للبحث عن هذا الحديث الشريف ، لنتعرّض هناك عن أسانيده ودلالاته ، ولنتعرّض أيضاً لمحاولات القوم في ردّه وإبطاله ، وما ارتكبوه من الكذب والدسّ والتزوير والتحريف .

أمّا ثبوت الأعلميّة لهارون بعد موسى ، فلو أردتم ، فراجعوا التفاسير في قوله تعالى : ﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوْتِيتُهُ عَلَى عِلْم عِنْدِي ﴾ (٥) عن لسان قارون ، في ذيل هذه الآية ،

١- نهج البلاغة ٢ : ١٥٧ الخطبة القاصعة .

٢- المستدرك ٣ : ١٢٦ ، شرح نهج البلاغة ٧ : ٢١٩ و٩ : ١٦٥ المعجم الكبير ١١ : ٥٥ .

٣- نهج البلاغة ٢ : ١٥٨ الخطبة القاصعة .

٤- المستدرك للحاكم ٣ : ١٢٦ ، المعجم الكبير ١١ : ٥٥ ، الاستيعاب ٣ : ١١٠٢ .

٥- القصص : ٧٨ .

٢٩

تجدون التصريح بأعلميّة هارون من جميع بني إسرائيل إلاّ موسى ، فراجعوا تفسيرالبغوي(١) ، وراجعوا تفسير الجلالين(٢) ، وغير هذين من التفاسير .

من دلالات حديث المنزلة العصمة :

وهل من شك في ثبوت العصمة لهارون ؟ وقد نزّل رسول الله أمير المؤمنين منزلة هارون ، ولم يدّع أحد من الصحابة العصمة ، كما لم يدّعها أحد لواحد من الصحابة ، سوى أمير المؤمنين (عليه السلام) .

وحينئذ هل يجوّز عاقل أن يكون الإمام بعد رسول الله غير معصوم مع وجود المعصوم ؟

وهل يجوّز العقل أنْ يجعل غير المعصوم واسطة بين الخلق والخالق مع وجود المعصوم ؟

وهل يجوز عقلاً وعقلاءاً الاقتداء بغير المعصوم مع وجود المعصوم ؟

وإلى مقام العصمة يشير علي (عليه السلام) عندما يقول ويصرّح بأنّه كان يرى نور الوحي والرسالة ويشمّ ريح النبوة .

وهل يعقل أن يترك مثل هذا الشخص ويقتدى بمن ليس له أقلّ قليل من هذه المنزلة ؟

ولا يخفى عليكم أنّ الذي كان يسمعه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنّ الذي كان يراه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، هو أسمى وأجلّ وأرقى وأرفع ممّا كان يراه ويسمعه غيره من الأنبياء السابقين عليه ، فكان علي يسمع ويرى ما يسمع ويرى النبي ، وعليكم بالتأمّل التام في هذا الكلام .

١- تفسير البغوي ٤ : ٣٥٩ .

٢- تفسير الجلالين ٢ : ٢٠١ .

٣٠

من خصائص هارون ومنازله :

إنّ الله سبحانه وتعالى أحلّ له ما لم يكن حلالاً لغيره في المسجد الأقصى ، وبحكم حديث المنزلة يتمّ هذا الأمر لعلي وأهل بيته بالخصوص ، ويكون هذا من جملة ما يختصّ بأمير المؤمنين وأهل البيت الطاهرين ويميّزهم عن الآخرين ، فيكونون أفضل من هذه الناحية أيضاً من غيرهم .

والشواهد لهذا الحديث ولهذا التنزيل في الأحاديث كثيرة ، ومن ذلك : حديث سدّ الأبواب ، وهذه ألفاظ تتعلّق بهذا الموضوع في السنّة النبويّة الشريفة المتفق عليها بين الفريقين ، وأنا أنقل لكم من بعض المصادر المعتبرة عند أهل السنّة :

أخرج ابن عساكر في تاريخه ، وعنه السيوطي في الدرّ المنثور(١) : إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) خطب فقال : « إنّ الله أمر موسى وهارون أن يتبوّءا لقومهما بيوتاً ، وأمرهما أنْ لا يبيت في مسجدهما جنب ، ولا يقربوا فيه النساء ، إلاّ هارون وذريّته ، ولا يحلّ لأحد أن يقرب النساء في مسجدي هذا ولا يبيت فيه جنب إلاّ علي وذريّته » .

وفي مجمع الزوائد عن علي (عليه السلام) قال : أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيدي فقال : « إنّ موسى سأل ربّه أنْ يطهّر مسجده بهارون ، وإنّي سألت ربّي أنْ يطهّر مسجدي بك وبذريّتك » ، ثمّ أرسل إلى أبي بكر أنْ سدّ بابك ، فاسترجع ] أي قال : إنّا لله وإنّا إليه راجعون [ ثمّ قال : سمعٌ وطاعة ، فسدّ بابه ، ثمّ أرسل إلى عمر ، ثمّ أرسل إلى العباس بمثل ذلك ، ثمّ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « ما أنا سددت أبوابكم وفتحت باب علي ، ولكن الله فتح باب علي وسدّ أبوابكم »(٢) .

وفي مجمع الزوائد وكنز العمال وغيرهما ـ واللفظ للأوّل ـ : لمّا أخرج أهل المسجد وترك عليّاً قال الناس في ذلك ] أي تكلّموا في ذلك واعترضوا [ فبلغ النبي (صلى الله عليه وآله)

١- تاريخ مدينة دمشق ٤٢ : ١٤١ ، الدر المنثور ٣ : ٣١٤ .

٢- مجمع الزوائد ٩ : ١١٤ .

٣١
ندوات » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ٣١ - ص ٦٠)

فقال : « ما أنا أخرجتكم من قبل نفسي ، ولا أنا تركته ، ولكنّ الله أخرجكم وتركه ، إنّما أنا عبد مأمور ، ما أُمرت به فعلت ، إنّ أتّبع إلاّ ما يوحى إليّ »(١) .

وفي كتاب المناقب لأحمد بن حنبل ، وكذا في المسند ، وفي المستدرك للحاكم ، وفي مجمع الزوائد ، وتاريخ دمشق ، وغيرها(٢) عن زيد بن أرقم قال : كانت لنفر من أصحاب رسول الله أبواب شارعة في المسجد ، فقال يوماً : « سدّوا هذه الأبواب إلاّ باب علي » ، قال : فتكلّم في ذلك ناسٌ ، فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : « أمّا بعد ، فإنّي أمرت بسدّ هذه الأبواب غير باب علي ، فقال فيه قائلكم ، والله ما سددت شيئاً ولا فتحته ، ولكن أُمرت بشيء فاتّبعته » .

وهذا الحديث موجود في مسند أحمد ، وفي الخصائص للنسائي(٣) ، وغيرهما من المصادر أيضاً .

ولذا كانت قضية سدّ الأبواب من جملة موارد قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « علي منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي » .

وإلى الآن ظهرت دلالة حديث المنزلة على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) :

من جهة ثبوت العصمة له .

ومن جهة ثبوت الأفضلية له .

ومن جهة ثبوت بعض الخصائص الأُخرى الثابثة لهارون .

١- مجمع الزوائد ٩ : ١١٥ ، كنز العمال ١١ : ٦٠٠ رقم ٣٢٨٨٧ .

٢- فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) لأحمد بن حنبل : ٧٢ ح١٠٩ ، مسند أحمد ٤ : ٤٦٩ ، مستدرك الحاكم ٣ : ١٢٥ ، مجمع الزوائد ٩ : ١١٤ ، فتح الباري ٧ : ١٣ وصححه ، السنن الكبرى للنسائي ٥ : ١١٨ ، تاريخ مدينة دمشق ٤٢ : ١٣٨ .

٣- مسند أحمد ٤ : ٣٦٩ ، المستدرك ٣ : ١٢٥ ، مجمع الزوائد ٩ : ١١٤ ، فتح الباري ٧ : ١٣ ، خصائص النسائي : ٧٢ .

٣٢

٣٣

دلالة حديث المنزلة على خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام)

ننتقل الآن إلى دلالة هذا الحديث على خصوص الخلافة والولاية ، فيكون نصّاً في المدّعى .

ولا ريب في أنّ من منازل هارون : خلافته عن موسى (عليه السلام) ، قال تعالى عن لسان موسى يخاطب هارون : ﴿ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ (١) .

فكان هارون خليفة لموسى ، وعلي بحكم حديث المنزلة خليفة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فيكون هذا الحديث نصّاً في الخلافة والإمامة والولاية بعد رسول الله .

ومن جملة آثار هذه الخلافة : وجوب الطاعة المطلقة ، ووجوب الانقياد المطلق ، والطاعة المطلقة والانقياد المطلق يستلزمان الإمامة والولاية العامة .

ولا يتوهمنّ أحدٌ بأنّ وجوب إطاعة هارون ووجوب الانقياد المطلق له كان من آثار وأحكام نبوّته ، لا من آثار وأحكام خلافته عن موسى ، حتّى لا تجب الإطاعة المطلقة لعلي ، لأنّه لم يكن نبيّاً .

هذا التوهم باطل ومردود ، وإنْ وقع في بعض الكتب من بعض علمائهم ، وذلك لأنّ وجوب الإطاعة المطلقة إنْ كان من آثار النبوّة لا من آثار الخلافة ، إذن لم يثبت وجوب الإطاعة للمشايخ الثلاثة ، لأنّهم لم يكونوا أنبياء ، وأيضاً : لم يثبت وجوب الإطاعة المطلقة لعلي في المرتبة الرابعة التي يقولون بها له (عليه السلام) ، إذ ليس حينئذ نبيّاً ، بل هو خليفة .

١- الأعراف : ١٤٢ .

٣٤

فإذن ، وجوب الإطاعة لهارون كان بحكم خلافته عن موسى لا بحكم نبوّته ، وحينئذ تجب الإطاعة المطلقة لعلي (عليه السلام) بحكم خلافته عن رسول الله ، وبحكم تنزيله من رسول الله منزلة هارون من موسى . فالمناقشة من هذه الناحية مردودة .

وإذا ما رجعنا إلى الكتب المعنيّة بمثل هذه البحوث ، لرأينا تصريح علمائهم بدلالة حديث المنزلة على خلافة علي (عليه السلام) .

فراجعوا مثلاً كتاب التحفة الاثنا عشرية الذي ألّفه مؤلّفه ردّاً على الشيعة الإمامية الاثنا عشرية ، فإنّه يعترف هناك بدلالة حديث المنزلة على الخلافة ، بل يضيف أنّ إنكار هذه الدلالة لا يكون إلاّ من ناصبي ولا يرتضي ذلك أهل السنة(١) .

إنّما الكلام في ثبوت هذه الخلافة بعد رسول الله بلا فصل ، أمّا أصل ثبوت الخلافة لأمير المؤمنين بعد رسول الله بحكم هذا الحديث فلا يقبل الإنكار ، إلاّ إذا كان من النواصب المعاندين لأمير المؤمنين (عليه السلام) ، كما نصّ على ذلك صاحب التحفة الاثنا عشرية .

يقول صاحب التحفة هذا الكلام ويعترف بهذا المقدار من الدلالة .

إلاّ أنّك لو راجعت كتب الحديث وشروح الحديث لرأيتهم يناقشون حتّى في أصل دلالة حديث المنزلة على الخلافة والولاية بعد رسول الله ، أي ترى في كتبهم ما ينسبه صاحب التحفة إلى النواصب ، ويقولون بما يقوله النواصب .

فراجعوا مثلاً شرح حديث المنزلة في كتاب فتح الباري لابن حجر العسقلاني الحافظ(٢) ، وشرح صحيح مسلم للحافظ النووي(٣) ، والمرقاة في شرح المشكاة(٤) ، تجدوهم في شرح حديث المنزلة يناقشون في دلالة هذا الحديث على أصل الإمامة والولاية ، وهذا ما كان صاحب التحفة ينفيه عن أهل السنّة وينسبه إلى النواصب .

١- انظر مختصر التحفة الاثنا عشرية : ٣١٤ .

٢- فتح الباري ٧ : ٦٠ .

٣- شرح مسلم للنووي ١٥ : ١٧٤ .

٤- مرقاة المفاتيح ١١ : ٤٣٩ .

٣٥

أقرأ لكم عبارة النووي في شرح صحيح مسلم ، ونفس العبارة أو قريب منها موجود في الكتب التي أشرت إليها وغيرها أيضاً من الكتب ، يقول النووي : وليس فيه ] أي في هذا الحديث [ دلالة لاستخلافه ] أي استخلاف علي [ بعده ] أي بعد الرسول [ ، لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله) إنّما قال لعلي حين استخلفه في المدينة في غزوة تبوك ] أي إنّ هذا الحديث وارد في مورد خاص [ .

يقول : ويؤيّد هذا أنّ هارون المشبّه به لم يكن خليفة بعد موسى ، بل توفي في حياة موسى قبل وفاة موسى بنحو أربعين سنة على ما هو المشهور عند أهل الأخبار والقصص ، قالوا : وإنّما استخلفه ـ أي استخلف موسى هارون ـ حين ذهب لميقات ربّه للمناجاة ، فكانت الخلافة هذه خلافة مؤقتة ، وكانت في قضية خاصة محدودة ، وليس فيها أي دلالة على الخلافة بالمعنى المتنازع فيه أصلاً(١) .

وهل هذا إلاّ كلام النواصب الذي يأبى أن يلتزم به مثل صاحب التحفة ، فينسبه إلى النواصب ؟

وأمّا ما يقوله ابن تيميّة وغير ابن تيميّة من أصحاب الردود على الشيعة الإماميّة ، فسنذكر مقاطع من عباراتهم ، لتعرفوا من هو الناصبي ، وتعرفوا النواصب أكثر وأكثر .

وإلى هنا بيّنا وجه دلالة حديث المنزلة على الخلافة والإمامة والولاية بعد رسول الله بالنص ، وأنّ صاحب التحفة لا ينكر هذه الدلالة ، وإنّما يقول بأنّ الدلالة على الإمامة بلا فصل أوّل الكلام ، لأن النزاع والكلام في دلالة الحديث على الإمامة بعد رسول الله مباشرة .

١- شرح النووي لصحيح مسلم ١٥ : ١٧٤ .

٣٦

٣٧

محاولات القوم في ردّ حديث المنزلة

وحينئذ ندخل في الجهة الثالثة من جهات بحثنا عن حديث المنزلة ، أي في المناقشات العلمية ، وفي محاولات القوم في ردّ هذا الحديث وإبطاله .

أوّلاً : المناقشات العلمية

ونحن على استعداد تام لقبول أيّ مناقشة إنْ كانت مناقشة علمية ، وعلى أُسس علمية وقواعد مقرّرة في كيفيّة البحث والمناظرة ، ويتلخّص ما ذكروه في مقام المناقشة في دلالة هذا الحديث في المناقشات الثلاثة التالية :

المناقشة الأُولى :

إنّ هذا الحديث لا يدلّ على عموم المنزلة ، وحينئذ تتمّ المشابهة بين علي وهارون بوجه شبه واحد ، ويكفي ذلك في صحّة الحديث ، أمّا أنْ يكون علي نازلاً من رسول الله منزلة هارون من موسى بجميع منازل هارون فلا نوافق على هذا .

المناقشة الثانية :

إنّ هذه الخلافة كانت خلافة مؤقتةً في ظرف خاص ، وزمان محدود ، وفي حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، كما كانت خلافة هارون عن موسى في حياة موسى عندما ذهب لمناجاة ربّه ، وكانت تلك الخلافة أيضاً في حياة موسى ، ويؤيّد ذلك موت هارون في حياة موسى ، فأين الخلافة بالمعنى المتنازع فيه ؟

المناقشة الثالثة :

إنّ حديث المنزلة إنّما ورد في خصوص غزوة تبوك ، وإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال هذا الكلام عندما خرج في غزوة تبوك وترك عليّاً ليقوم بشؤون أهله وعياله ومن بقي

٣٨

في المدينة المنوّرة ، فالقضيّة خاصة وحديث المنزلة إنّما ورد في هذه القضية المعيّنة .

ولابدّ من الإجابة عن هذه المناقشات واحدة واحدة :

الجواب عن المناقشة الأُولى :

والمناقشة الأُولى كانت تتلخّص في نفي عموم المنزلة ، فنقول في الجواب : بأنّ الحديث يشتمل على لفظ وهو اسم جنس مضاف إلى عَلَم قال : « أنت منّي بمنزلة هارون » ، فكلمة المنزلة اسم جنس مضاف إلى علم وهو هارون ، ثمّ يشتمل الحديث على استثناء « إلاّ أنّه لا نبي بعدي » ، فالكلام مشتمل على اسم جنس مضاف إلى علم ، ومشتمل على استثناء باللفظ الذي ذكرناه ، هذا متن الحديث .

ولو رجعنا إلى كتب علم أُصول الفقه ، ولو رجعنا إلى كتب علم البلاغة وكتب الأدب ، لوجدناهم ينصّون على أنّ الاستثناء معيار العموم ، وينصّون على أنّ من ألفاظ العموم اسم الجنس المضاف ، فأي مجال للمناقشة ؟ اسم الجنس المضاف « بمنزلة هارون » من صيغ العموم ، والاستثناء أيضاً معيار العموم ، فيكون الحديث نصّاً في العموم ، إذْ ليس في الحديث لفظ آخر ، فلفظه : « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي » ، وحينئذ يسقط الإشكال وتبطل المناقشة .

وهذه عبارة ابن الحاجب الذي هو من أئمّة علم الأُصول ومن أئمّة علم النحو والصرف وعلوم الأدب ، يقول في كتاب مختصر الأُصول ـ وهو المتن الذي كتبوا عليه الشروح والتعاليق الكثيرة ، وكان المتن الذي يدرّس في الحوزات العلمية ـ : ثمّ إنّ الصيغة الموضوعة له ـ أي للعموم ـ عند المحققين هي هذه : أسماء الشرط والاستفهام ، الموصولات ، الجموع المعرفة تعريف جنس لا عهد ، واسم الجنس معرفاً تعريف جنس أو مضافاً(١) .

وإن شئتم أكثر من هذا ، فراجعوا كتابه الكافية في علم النحو بشرح المحقق

١- المختصر (بيان المختصر ٢) : ١١١ .

٣٩

الجامي المسمّى بـ (الفوائد الضيائيّة) ، وهو أيضاً كان من الكتب الدراسيّة إلى هذه الأواخر .

وراجعوا من كتب الأُصول أيضاً كتاب المنهاج للقاضي البيضاوي وشروحه .

وأيضاً راجعوا فواتح الرحموت في شرح مسلّم الثبوت ، الذي هو من كتب علم أُصول الفقه المعتبرة المشهورة عند القوم .

وراجعوا من الكتب الأدبية كتاب الأشباه والنظائر للسيوطي .

وراجعوا من كتب علم البلاغة المطوّل في شرح التلخيص ومختصر المعاني في شرح التلخيص للتفتازاني ، هذين الكتابين اللذين يدرّسان في الحوزات العلمية .

وهكذا غير هذه الكتب المعنية بعلم أُصول الفقه وعلم النحو والبلاغة .

وأمّا الاستثناء ، فقد نصّ أئمّة علم أُصول الفقه كذلك كما في كتاب منهاج الوصول إلى علم الأُصول للقاضي البيضاوي ، وفي شروحه أيضاً ، كشرح ابن إمام الكاملية وغير هذا من الشروح ، كلّهم ينصّون على هذه العبارة يقولون : معيار العموم الاستثناء .

فكلّ ما صحّ الاستثناء منه ممّا لا حصر فيه فهو عام ، والحديث يشتمل على الاستثناء .

وقد يقال : لابدّ من رفع اليد عن العموم ، بقرينة اختصاص حديث المنزلة بغزوة تبوك ، وإذا قامت القرينة أو قام المخصص سقط اللفظ عن الدلالة على العموم ، فيكون الحديث دالاًّ على استخلافه ليكون متولّياً شؤون الصبيان والنساء والعجزة ـ بتعبير ابن تيميّة ـ الباقين في المدينة المنوّرة لا أكثر من هذا .

لكن يردّ هذا الإشكال وهذه الدعوى ، ورود حديث المنزلة في غير تبوك ، كما سنقرأ .

وقد يقال أيضاً : إنّ الاستثناء إنّما يدلّ على العموم إنْ كان استثناء متّصلاً ، وهذا الاستثناء منقطع ، لأنّ الجملة المستثناة جملة خبرية ، ولا يمكن أنْ تكون الجملة الخبرية استثناؤها استثناءً متصلاً .

٤٠