×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ندوات مركز الأبحاث العقائدية ج 2 / الصفحات: ٤٦١ - ٤٨٠

زوّجها العبّاس بعد هذه المقدّمات ، أمّا في كتب القوم ، فالتهديد كان موجوداً ، الإلحاح والمعاودة والتردد على علي ، كلّ هذا كان موجوداً ، إلاّ أنّ هذه القطعة نجدها في روايتنا عن الصادق (عليه السلام) .

هذه الرواية في كتاب الكافي ، كتاب النكاح(١) .

رواية أُخرى :

عن سليمان بن خالد ، سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة توفي زوجها أين تعتد ؟

مسألة شرعية ، المرأة زوجها يتوفّى ، يموت ، فزوجته أين تعتد عدّة الوفاة ، في بيت زوجها تعتد ، أو حيث شاءت ؟

قال (عليه السلام) : بلى حيث شاءت ، ثمّ قال : إنّ عليّاً (عليه السلام) لمّا مات عمر أتى أُمّ كلثوم فأخذ بيدها ، فانطلق بها إلى بيته .

لمّا مات عمر جاء علي إلى باب داره ، وأخذ بيد ابنته وانطلق بها إلى بيته .

هذا في كتاب الطلاق من الكافي(٢) .

رواية أُخرى :

وهي الصحيحة الثالثة ، عن أبي عبد الله (عليه السلام) : في تزويج أُمّ كلثوم فقال : إنّ ذلك فرج غصب منّا ، إنّ ذلك فرج غصبناه .

هذا أيضاً في كتاب النكاح(٣) .

وتلخّص : إنّه كان هناك تهديد من الرجل ، بأيّ شكل من الأشكال ، في روايتنا التهديد بالسرقة ، في رواياتهم ما كان تهديد بالسرقة لكن التهديد كان موجوداً ، وأعطيتكم المصادر فراجعوا .

١- الكافي ٥ : ٣٤٦ .

٢- الكافي ٦ : ١١٥ .

٣- الكافي ٥ : ٣٤٦ .

٤٦١

إذن التهديد كان ، وأمير المؤمنين فوّض الأمر إلى العبّاس ، ولم يوافق أوّلا ، اعتذر بأنّها صغيرة ، اعتذر بأنّها صبيّة ، اعتذر بأشياء أُخرى ، ولم يفد اعتذاره ، وإلى أنْ هدّد ، وفوّض علي (عليه السلام) الأمر إلى العباس ، فزوّجها العباس ، وذلك فرج غصب منّا ، إلاّ أن الرواية تقول بأنّه لمّا مات جاء علي وأخذ بيدها وانطلق بها إلى بيته ، يظهر أنّها قد انتقلت إلى دار عمر ، لكنّها بعد وفاته أخذ عليّ بيدها ، أي شيء يستفاد منه ، أخذ بيدها وانطلق بها إلى بيته ، هذا ما تدلّ عليه رواياتنا المعتبرة ، لا أكثر .

أمّا أنّه دخل بها ، كان له منها ولد أو أولاد ، لا يوجد عندنا في الأدلّة المعتبرة .

وأيضاً : اشتركت رواياتنا ورواياتهم في التهديد ، وفي اعتذار علي ، وفي أنّ عليّاً أوكل الأمر إلى العباس ، وأنّ علياً كان مكرهاً في هذا الأمر ، وإذا كان علي (عليه السلام) يُهدّد ويسكت في مثل هذه القضية ، فلاحظوا كيف كان التهديد فيما يتعلّق بأمر الخلافة حتّى سكت علي ؟ !

أمّا أنّها زيّنت ، أُرسلت إلى عمر ، أرسلت إلى كذا وكذا ، هذا غير موجود في رواياتنا أبداً ، ومعاذ الله أن يتفوّه أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) بمثل هذه الأُمور بالنسبة إلى ابنة أمير المؤمنين سلام الله عليه .

٤٦٢

٤٦٣

خلاصة البحث

وتلخّص : أنّي لو سئلت عن هذه القضية أقول : إنّ هذه القضية تتلخّص في خطوط : خطب عمر أُمّ كلثوم من علي ، هدّده واعتذر علي ، هدّده مرّة أُخرى ، وجعل يعاود ويكرّر ، إلى أن أوكل علي الأمر إلى العباس ، وكان فرج غصب من أهل البيت ، فالعقد وقع ، والبنت انتقلت إلى دار عمر ، وبعد موته أخذها علي ، أخذ بيدها وأخذها إلى داره .

ليس في هذه الروايات أكثر من هذا ، وهذا هو القدر المشترك بين رواياتنا وروايات غيرنا .

أمّا مسألة الدخول ، مسألة الولد والأولاد ، وغير ذلك ، فهذا كلّه لا دليل عليه أبداً .

وقد التفت علماء الفريقين إلى هذا الاستنتاج ، وأذكر لكم كلمة من عالم شيعي ، وكلمة من عالم من أهل السنة .

يقول النوبختي في كتاب له في الإمامة ، النوبختي من قدماء أصحابنا له كتاب في الإمامة يقول هناك : إنّ أُمّ كلثوم كانت صغيرة ، ومات عمر قبل أن يدخل بها .

وهذا ما نقله المجلسي في كتاب البحار عن كتاب الإمامة للنوبختي(١) .

ويقول الزرقاني المالكي المتوفى سنة ١١٢٢ يقول : وأُمّ كلثوم زوجة عمر بن الخطّاب مات عنها قبل بلوغها .

هذا في شرح المواهب اللدنيّة(٢) .

فلاحظوا كم كذبوا وكم افتروا وكم وضعوا في هذا الخبر ؟ وكم زادوا في

١- بحار الأنوار ٤٢ : ٩١ .

٢- شرح المواهب اللدنيّة ٩ : ٢٥٤ .

٤٦٤

القضية ؟ وليست القضية إلاّ خطبة وتهديداً واعتذاراً من علي ، ثمّ إلحاحاً وتهديداً من عمر ، ثمّ إيكال الأمر إلى العباس ، ووقوع العقد ، وانتقال البنت إلى دار عمر ، ولا أكثر من هذا .

ولو أردت أن أذكر لكم نصوص ما جاء في كتبهم ، وخاصة في كتاب الذرية الطاهرة ، وفي كتاب الإصابة ، والاستيعاب ، وأُسد الغابة ، لو ذكرت لكم كلّ نصوص رواياتهم في هذه المسألة لطال بنا المجلس وانتهى إلى ليلة أُخرى أيضاً ، لكنّي لم أقرأ كلّ النصوص ، وإنّما ذكرت لكم النقاط المهمّة في تلك المتون بعد النظر في أسانيد تلك الأخبار .

وهنا فائدة ، هذه الفائدة توضّح لنا جانباً من الأمر كما أشرت من قبل :

كان عمر يقصد من هذا أنْ يغطّي على القضايا السابقة ، وهذا ما دعاه إلى الخطبة وإلى التهديد وإلى الإرعاب وإلى وإلى ، وحتّى وفّق على أثر التهديدات ، وحتّى أنّه في بعض كلماته كما في روايات أهل السنة يصرّح : والله إنّي لا أُريد الباه ، وإنّما أُريد أن يكون لي نسب بفاطمة .

هذا موجود في مصادرهم .

كلّ ذلك إسكاتا للناس ، تغطيةً للقضية ، ولئلاّ تنقل القضايا الأُخرى ، ولهذا المعنى الذي نستنتجه من هذا الخبر شاهد تاريخي أقرؤه لكم :

يقول الشافعي محمّد بن إدريس ـ الإمام الشافعي المعروف ـ يقول : لمّا تزوّج الحجّاج بن يوسف ـ هذا الثقفي ـ ابنة عبد الله بن جعفر ، قال خالد بن يزيد بن معاوية لعبد الملك بن مروان قال : أتركت الحجاج يتزوج ابنة عبد الله بن جعفر ؟ قال : نعم ، وما بأس في ذلك ؟ قال : أشدّ البأس والله ، قال : وكيف ؟ قال : والله يا أمير المؤمنين ، لقد ذهب ما في صدري على الزبير منذ تزوّجت رملة بنت الزبير ، قال : فكأنّه كان نائماً فأيقظته ، قال : فكتب إليه يعزم عليه في طلاقها ، فطلّقها(١) .

١- تاريخ مدينة دمشق ١٢ : ١٢٥ .

٤٦٥

فماذا تستفيدون من هذا الخبر ؟ إنّ هكذا مصاهرات لها تأثيراتها ، فالبنت مثلاً تمرض في بيت زوجها ، ولابدّ وأن يأتي أبوها ، لابدّ وأن يمرّ عليها إخوتها ، ولابد وأن يكون هناك ارتباطات واتّصالات ، المصاهرات دائماً لها هذه التأثيرات الاجتماعيّة ، وهم ملتفتون إلى هذا .

يقول : لمّا تزوّجت ابنة الزبير ذهب ما في صدري على الزبير ، ولو تزوّج الحجاج ابنة عبد الله بن جعفر ذهب ما بقلب الحجاج من البغض بالنسبة إلى بني هاشم وآل أبي طالب .

فلابدّ وأن يكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بسرعة ليطلّقها ، وأن ينقطع هذا الارتباط والاتصال ، ولا ينفتح باب للمراودة بين العشيرتين .

وهذا ما كان يقصده عمر بن الخطاب من خطبته بنت أمير المؤمنين ، بعد أنْ فعل ما فعل ، وعلي امتنع من أن يزوّجه ، إلى أن هدّده واضطرّ الإمام إلى السكوت ، وإيكال الأمر إلى العبّاس ، وحصل الأمر بهذا المقدار ، وهو وقوع العقد فقط ، ولم يكن أكثر من ذلك ، ولذلك بمجرّد أنْ مات عمر جاء علي (عليه السلام) وأخذ بيدها وأرجعها إلى بيته .

فلا يستفيدنّ أحد من هذه القضيّة شيئاً من أجل أنْ يغطّي على ما كان ، وأن يجعل هذه القضيّة وسيلة للتشكيك أو لتضعيف ما كان ، وإنّما هذه القضيّة كانت بهذا المقدار ، وعلى أثر التهديد واضطرار أمير المؤمنين (عليه السلام) ، ومن هنا نفهم كيف اضطرّ الامام إلى السكوت عن أمر الخلافة والولاية بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وذلك ممّا كان .

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين .

٤٦٦

٤٦٧

( ٣٠ ) الشيخ نصير الدين الطوسي وسـقـوط بـغـداد

السيّد علي الحسيني الميلاني

٤٦٨

٤٦٩

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد :

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين ، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين من الأوّلين والآخرين .

سألتم عن دور الحكيم الإلهي الشيخ المحقق العظيم الخواجة نصير الدين الطوسي في سقوط بغداد على يد هولاكو .

لأنّه قد ينسب في بعض الكتب إلى الشيخ نصير الدين الطوسي أنّ له ضلعاً في سقوط بغداد على يد المشركين ، وما ترتّب على هذه الحادثة من آثار سيّئة بالنسبة إلى الإسلام والمسلمين ، من قتل النفوس ، وتخريب البلاد ، والمدارس العلميّة ، وسائر ما ترتب على هذه الحادثة العظيمة من الآثار السيّئة .

٤٧٠

٤٧١

افتراء ابن تيمية على الشيخ نصير الدين الطوسي

لعلّ من أشدّ الناس على الشيخ نصير الدين الطوسي رحمه الله في هذه القضيّة هو ابن تيميّة ، ممّا يثير الشك ويدعو إلى البحث عمّا إذا كان السبب الأصلي لاتّهام هذا الشيخ بهذا الأمر هو الاختلاف العقائدي ، وما كان للشيخ نصير الدين الطوسي من دور نشر المذهب الشيعي ، ودعمه بالأدلّة والبراهين ، ولاسيّما بتأليفه كتاب تجريد الاعتقاد ، هذا الكتاب الذي أصبح من المتون الأصليّة والأوليّة في الحوزات العلميّة كلّها ، وكان يدرّس وما زال هذا الكتاب يدرّس في بعض الحوزات العلميّة ، ولذا كثرت عليه الشروح والحواشي من علماء الشيعة والسنّة ، وحتّى إنّ كتاب المواقف للقاضي الإيجي ، وكتاب المقاصد للسعد التفتازاني ، هذان الكتابان أيضاً إنّما أُلّفا نظراً إلى ما ذكره الخواجه نصير الدين في كتاب التجريد ، ويحاولون أن يردّوا عليه آراءه وأفكاره ، ولربّما يذكرون اسمه بصراحة ، وقد عثرنا على مورد في إحدى تلك الكتب حيث جاء التصريح باسم الشيخ نصير الدين الطوسي مع التهجّم عليه والسب له ، وهو كتاب شرح المقاصد .

وأمّا ابن تيميّة ، فإنّما يتعرّض للخواجة نصير الدين الطوسي بمناسبة أنّ العلاّمة الحلّي ـ تلميذ الخواجة ـ ينقل عن أُستاذه استدلالاً لدعم المذهب الشيعي وإثبات عقيدة الاماميّة ، على أساس حديثين صحيحين واردين في كتب الفريقين .

ينقل العلاّمة رحمه الله عن أُستاذه أنّه سئل عن المذهب الحقّ بعد رسول الله ، فأجاب بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أخبر في الحديث المتفق عليه بأنّ الأُمّة ستفترق من بعده على ثلاث وسبعين فرقة ، وهذا الحديث متّفق عليه .

قال : فمع كثرة هذه الفرق قال رسول الله : فرقة ناجية والباقي في النار .

٤٧٢

ثمّ إنّ رسول الله عيّن تلك الفرقة الناجية بقوله : « إنّما مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا » .

وهذا الاستدلال لا يمكن لأحد أن يناقش فيه ، لا في الحديث الأوّل ، ولا في الحديث الثاني ، ولا في النتيجة المترتبة على هذين الحديثين .

وحينئذ نرى ابن تيميّة العاجز عن إظهار أيّ مناقشة وإبداء أيّ إيراد علمي في مقابل هذا الاستدلال ، نراه يتهجّم على الشيخ نصير الدين ، ويسبّه بما لا يتفوّه به مسلم بالنسبة الى فرد عادي من أفراد الناس .

ولا بأس بأن أقرأ لكم نصّ ما قاله ابن تيميّة في الشيخ نصير الدين الطوسي :

نص ما قاله ابن تيميّة :

يقول ابن تيمية : هذا الرجل قد اشتهر عند الخاص والعام أنّه كان وزيراً الملاحدة الباطنية الإسماعيليّة في الألموت ، ثمّ لمّا قدم الترك المشركون إلى بلاد المسلمين ، وجاؤوا إلى بغداد دار الخلافة ، كان هذا منجّماً مشيراً لملك الترك المشركين هولاكو ، أشار عليه بقتل الخليفة وقتل أهل العلم والدين ، واستبقاء أهل الصناعات والتجارات الذين ينفعونه في الدنيا ، وأنّه استولى على الوقف الذي للمسلمين ، وكان يعطي منه ما شاء الله لعلماء المشركين وشيوخهم من البخشية السحرة وأمثالهم .

وأنّه لمّا بنى الرصد الذي بمراغة على طريقة الصابئة المشركين ، كان أبخس الناس نصيباً منه من كان إلى أهل الملل أقرب ، وأوفرهم نصيباً من كان أبعدهم عن الملل ، مثل الصابئة المشركين ومثل المعطلة وسائر المشركين .

ومن المشهور عنه وعن أتباعه الاستهتار بواجبات الإسلام ومحرّماته ، لا يحافظون على الفرائض كالصلوات ، ولا ينزعون عن محارم الله من الفواحش والخمر وغير ذلك من المنكرات ، حتّى أنّهم في شهر رمضان يذكر منهم من إضاعة الصلوات وارتكاب الفواحش وشرب الخمور ما يعرفه أهل الخبرة بهم .

٤٧٣

ولم يكن لهم قوّة وظهور إلاّ مع المشركين الذين دينهم شرّ من دين اليهود والنصارى ، ولهذا كان كلّما قوي الإسلام في المغل وغيرهم من الترك ضعف أمر هؤلاء ، لغرض معاداتهم للإسلام وأهله . . . .

وبالجملة فأمر هذا الطوسي وأتباعه عند المسلمين أشهر وأعرف من أن يعرّف ويوصف .

ومع هذا فقد قيل : إنّه في آخر عمره يحافظ على الصلوات الخمس ، ويشتغل بتفسير البغوي وبالفقه ونحو ذلك ، فإن كان قد تاب من الإلحاد ، فالله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيّئات ، والله تعالى يقول : ﴿ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ﴾ (١) .

لكنّ ما ذكره هذا ، إن كان قبل التوبة لم يقبل قوله ، وإن كان بعد التوبة لم يكن قد تاب من الرفض ، بل من الإلحاد وحده ، وعلى التقديرين فلا يقبل قوله .

والأظهر أنّه إنّما كان يجتمع به وبأمثاله لمّا كان منجّماً للمغل المشركين ، والإلحاد معروف من حاله إذ ذاك ، فمن يقدح في مثل أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم من السابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار ، ويطعن على مثل مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وأتباعهم ويعيّرهم بغلطات بعضهم في مثل إباحة الشطرنج والغناء ، كيف يليق به أن يحتجّ لمذهبه بقول مثل هؤلاء الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ، ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ، ولا يدينون دين الحق ، من الذين أُوتوا الكتاب حتّى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ، ويستحلّون المحرّمات المجمع على تحريمها ، كالفواحش والخمر في شهر رمضان ، الذين أضاعوا الصلاة واتّبعوا الشهوات وخرقوا سياج الشرائع ، واستخفوا بمحرّمات الدين ، وسلكوا غير طريق المؤمنين . . . .

١- الزمر : ٥٣ .

٤٧٤

لكن هذا حال الرافضة دائماً يعادون أولياء الله المتقين ، من السابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار والذين اتّبعوهم بإحسان ، ويوالون الكفّار والمنافقين . . . إلى آخر كلامه(١) .

هذا جوابه على استدلال العلاّمة بكلام أُستاذه ، الاستدلال الذي ذكرناه ، لأنّ الاستدلال قوائمه حديث متفق عليه : هو « ستفرق أمّتي » وحديث آخر أيضاً متّفق عليه ، الحديث الثاني يقول : لا نجاة إلاّ بركوب سفينة أهل البيت ، والنتيجة واضحة .

وهذا جواب ابن تيميّة على هذا الاستدلال ! !

لكن علينا أن نبحث عن أصل المسألة التي طلبتم البحث عنها في هذه اللّيلة .

١- منهاج السنة ٣ : ٤٤٥ ـ ٤٥١ .

٤٧٥

الرجوع في قضية سقوط بغداد إلى كبار المؤرّخين

في مثل هذه القضيّة ، وهي قضيّة واقعة في القرن السابع ، وفي أواسط هذا القرن ، لابدّ وأنْ نرجع إلى من شهد تلك الواقعة وكان حاضراً فيها ويخبر عنها ، وأيضاً إلى المؤرّخين قريبي العهد من تلك الحادثة ، لا أقول نرجع إلى المؤرّخين الشيعة حتّى يقال بأنّ الشيعة يحاولون أن يبرّئوا ساحة علمائهم وكبرائهم من أيّ شيء يطعن فيهم به ، وإنّما أقول نرجع إلى المؤرّخين من أهل السنّة أنفسهم .

الرجوع إلى من شهد الواقعة : ابن الفوطي :

لعلّ خير كتاب يمكننا الرجوع إليه بالدرجة الأُولى كتاب الحوادث الجامعة ، وهو تأليف العلاّمة ابن الفوطي .

أذكر لكم باختصار عن بعض المصادر المعتبرة ترجمة ابن الفوطي الحنبلي البغدادي المتوفى سنة ٧٢٣ هـ :

ترجم له الذهبي قائلاً : ابن الفوطي العالم البارع المتفنّن المحدّث المفيد ، مؤرخ الآفاق ، مفخر أهل العراق ، كمال الدين أبو الفضائل عبد الرزاق بن أحمد بن محمّد بن أبي المعالي الشيباني ابن الفوطي ، مولده في المحرّم سنة ٦٤٢ ببغداد ، وأُسر في الوقعة وهو حَدَث ـ أُسر في الوقعة : وقعة بغداد ـ ثمّ صار إلى أُستاذه ومعلّمه خواجة نصير الدين الطوسي في سنة ٦٦٠ ، فأخذ منه علوم الأوائل ، ومهر على غيره في الأدب ، ومهر في التاريخ والشعر وأيام الناس ، وله النظم والنثر ، والباع الأطول في ترصيع تراجم الناس ، وله ذكاء مفرط ، وخط منسوب رشيق ، وفضائل كثيرة ، سمع الكثير ، وعني بهذا الشأن(١) .

١- تذكرة الحفاظ ٤ : ١٤٩٣ .

٤٧٦

ويعبّر عنه صاحب فوات الوفيات ابن شاكر الكتبي ، عندما يعنونه يعبّر عنه بـ : الشيخ الإمام المحدّث المؤرّخ الأخباري الفيلسوف(١) .

وأمّا ابن كثير ، فيذكر ابن الفوطي في تاريخه قائلاً : الإمام المؤرّخ كمال الدين ابن الفوطي أبو الفضل عبد الرزاق ، ولد سنة ٦٤٢ ببغداد ، وأُسر في واقعة التتار ، ثمّ تخلّص من الأسر ، فكان مشرفاً على الكتب بالمستنصريّة ، وقد صنّف تأريخاً في خمس وخمسين مجلّداً ، وآخر ـ أي كتاباً آخر ـ في نحو عشرين ، وله مصنّفات كثيرة ، وشعر حسن ، وقد سمع الحديث من محي الدين ابن الجوزي ، وتوفي في ثالث المحرّم في السنة التي ذكرناها(٢) .

فهذا العالم المؤرّخ ، الذي شاهد القضيّة ، وحضرها ، وأُسر فيها ، وهو إمام مؤرّخ معتمد ، يذكره علماء أهل السنّة بالثناء الجميل ، ويذكرون كتبه في التاريخ ، هذا الرجل له كتاب الحوادث الجامعة ، في هذا الكتاب يتعرّض لقضيّة سقوط بغداد على يد هولاكو ، وليس لخواجة نصير الدين اسم في هذه القضيّة ولا ذكر أبداً ، يذكرون أنّه قد ألّف كتابه هذا بعد الواقعة بسنة واحدة ، أي إنّ سنة ٦٥٧ تاريخ تأليف كتاب الحوادث الجامعة .

الرجوع إلى ابن الطقطقي :

ثمّ بعد ابن الفوطي ، نرى ابن الطقطقي المولود سنة ٦٦٠ والمتوفّى سنة ٧٠٩ ، هذا صاحب كتاب الفخري في الآداب السلطانيّة والدول الإسلاميّة ، يروي الحوادث ، حوادث بغداد ، بواسطة واحدة فقط ، ولا ذكر في هذا الكتاب حيث يذكر الحوادث لخواجة نصير الدين في القضيّة أصلاً ، لا من قريب ولا من بعيد .

نعم ، يذكر اسم الخواجة مرّةً واحدةً ، حيث يبيّن دخول ابن العلقمي على هولاكو .

١- فوات الوفيات ٢ : ٣١٩ .

٢- البداية والنهاية ١٤ : ١٢٣ .

٤٧٧

ابن العلقمي كان وزير المستعصم العبّاسي ، أصبح بعد المستعصم العبّاسي من الشخصيّات المرموقة في بغداد ، وينسب إليه أيضاً من قبل بعض كتّاب السنّة ـ السابقين واللاّحقين ـ أنّ له يداً في سقوط بغداد ، لكن بحثنا الآن في خواجة نصير الدين وليس في ابن العلقمي ، وبإمكانكم أن ترجعوا إلى كتاب أعيان الشيعة للسيّد الأمين العاملي رحمه الله يذكر هناك ما يقال عن ابن العلقمي وبراءة ساحة هذا الرجل أيضاً .

ففي كتاب الفخري في الآداب السلطانيّة يذكر الشيخ نصير الدين الطوسي مرّةً واحدةً بمناسبة أنّ الشيخ نصير الدين كان واسطة في دخول هذا الوزير ، أي ابن العلقمي على هولاكو ، يقول : وكان الذي تولّى ترتيبه في الحضرة السلطانيّة الوزير السعيد نصير الدين محمّد الطوسي قدّس الله روحه(١) .

الرجوع إلى أبي الفداء :

ثمّ ننتقل إلى تاريخ أبي الفداء ، المولود سنة ٦٧٢ والمتوفى سنة ٧٣٢ ، وهذا قريب العهد بالواقعة ، لأنّ الواقعة كانت سنة ٦٥٦ ، وهذا مولود في سنة ٦٧٢ ، أي بعد سنوات قليلة ، ومتوفى في سنة ٧٣٢ .

فنراه يذكر قضيّة فتح بغداد ، واستيلاء المشركين والتتر على بغداد ، وانقراض الحكومة العبّاسيّة ، يقول : في أوّل هذه السنة ـ سنة ٦٥٦ ـ قصد هولاكو ملك التتر بغداد ، وملكها في العشرين من المحرّم ، وقتل الخليفة المستعصم بالله ، وسبب ذلك أنّ وزير الخليفة مؤيّد الدين ابن العلقمي كان رافضيّاً ، وكان أهل الكرخ أيضاً روافض ، فجرت فتنة بين السنّيّة والشيعة ببغداد على جاري عادتهم .

] دائماً هذه الفتن كانت موجودة في بغداد بين الشيعة والسنّة ، منذ زمن الشيخ المفيد والشيخ الطوسي ، وفي بعض هذه الفتن هاجر الشيخ الطوسي من بغداد إلى

١- الفخري في الآداب السلطانية : ٣٢٢ .

٤٧٨

النجف الأشرف وأسّس الحوزة العلميّة ، لذلك يقول : على جاري عادتهم ، أي هذا شيء معتاد بينهم ، محلّة الكرخ والمحلّة التي تقابلها ، هؤلاء شيعة وأُولئك أهل سنّة ، جرت فتنة [ .

فأمر أبو بكر ابن الخليفة وركن الدين الدوادار ] هذا رئيس العسكر [ العسكر ، فنهبوا الكرخ ، وهتكوا النساء ، وركبوا منهنّ الفواحش .

فعظم ذلك على الوزير ابن العلقمي ، وكاتب التتر وأطمعهم في ملك بغداد ، وكان عسكر بغداد يبلغ مائة ألف فارس ، فقطّعهم المستعصم ليحمل إلى التتر متحصل اقطاعاتهم ، وصار عسكر بغداد دون عشرين ألف فارس ، وأرسل ابن العلقمي إلى التتر أخاه يستدعيهم ، فساروا قاصدين بغداد في جحفل عظيم ، وخرج عسكر الخليفة لقتالهم ومقدّمهم ركن الدين الدوادار ، والتقوا على مرحلتين من بغداد ، واقتتلوا قتالاً شديداً ، فانهزم عسكر الخليفة ، ودخل بعضهم بغداد وسار بعضهم إلى جهة الشام .

ونزل هولاكو على بغداد من الجانب الشرقي ، ونزل باجو ـ وهو مقدّم كبير ـ في الجانب الغربي ، على قرية قبالة دار الخلافة ، وخرج مؤيد الدين الوزير ابن العلقمي إلى هولاكو ، فتوثّق منه لنفسه ، وعاد إلى الخليفة المستعصم وقال : إنّ هولاكو يبقيك في الخلافة كما فعل بسلطان الروم ، فخرج إليه المستعصم في جمع من أكابر أصحابه ، وأنزل في خيمته ، ثمّ استدعى الوزير الفقهاء والأماثل ، فاجتمع هناك جميع سادات بغداد والمدرّسون ، وكان منهم محي الدين ابن الجوزي وأولاده ، وكذلك بقي يخرج إلى التتر طائفة بعد طائفة ، فلمّا تكاملوا قتلهم التتر عن آخرهم ، ثمّ مدّوا الجسر وعدا باجو ومن معه ، وبذلوا السيف في بغداد ، وهجموا على دار الخلافة وقتلوا كلّ من كان فيها من الأشراف ، ولم يسلم إلاّ من كان صغيراً ، فأُخذ أسيراً ، ودام القتل والنهب في بغداد نحو أربعين يوماً ، ثمّ نودي بالأمان .

أمّا الخليفة فإنّهم قتلوه ، ولم يقع الإطّلاع على كيفيّة قتله ، فقيل خنق ، وقيل

٤٧٩

وضع في عدل ورفسوه حتّى مات ، وقيل غرق في دجلة ، والله أعلم بحقيقة ذلك ، وكان المستعصم ضعيف الرأي ، قد غلب عليه أُمراء دولته لسوء تدبيره ، وهو آخر الخلفاء العبّاسيّين(١) .

ولا ذكر لخواجه نصير الدين الطوسي أبداً ، وأمّا ما ذكر عن ابن العلقمي ففيه نظر ، فلابدّ وأنْ يحقّق عنه .

الرجوع إلى الذهبي :

وأمّا الذهبي ، الذهبي هو تلميذ ابن تيميّة وإنْ كان يخالفه في بعض الآراء ، إلاّأنّه تلميذه ، وقد لخّص كتاب منهاج السنّة أيضاً ، فمن مؤلفات الذهبي منهاج الاعتدال وهو تلخيص منهاج السنّة .

يقول الذهبي في حوادث سنة ٦٥٦ : كان المؤيد ابن العلقمي قد كاتب التتر ، وحرّضهم على قصد بغداد ، لأجل ما جرى على إخوانه الرافضة من النهب والخزي .

فذكر الواقعة كما تقدّم عن أبي الفداء ، وليس فيها ذكر لنصير الدين الطوسي أصلاً(٢) .

الرجوع إلى ابن شاكر الكتبي :

وصاحب فوات الوفيات ابن شاكر الكتبي المولود سنة ٦٨٦ ، أي بعد الواقعة بثلاثين سنة ، والمتوفى سنة ٧٦٤ ، يترجم الخليفة العبّاسي ويترجم نصير الدين الطوسي كليهما في كتابه ، ولا يذكر شيئاً من دخل الخواجة في حوادث بغداد أبداً ، وبترجمة الخليفة يقول :

كان متيناً متمسّكاً بمذهب أهل السنّة والجماعة على ما كان عليه والده وجدّه ، ولم يكن على ما كانوا عليه من التيقّظ والهمّة ، بل كان قليل المعرفة والتدبير والتيقّظ ،

١- المختصر في أحوال البشر ٣ : ١٩٣ ـ ١٩٤ .

٢- العبر في خبر من غبر ٣ : ٢٧٧ .

٤٨٠