×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ندوات مركز الأبحاث العقائدية ج 4 / الصفحات: ٤٢١ - ٤٤٠

الصفحة: ٤٢١ فارغة
ندوات مركز الأبحاث العقائدية » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ٤١٩ - ص ٤٤٨)

وواضح لديكم بماذا أوصاهم النبي ، وأيّ طريق اختاره لهم ، فحديث الثقلين المتواتر عند الفريقين صريحٌ في مراد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه أوصاهم بأهل بيته (عليهم السلام) ، وأن يتمسّكوا بهم كيما يتمكّنوا من السير على طريق الهداية ، وإذا لم يتمسّكوا بالثقلين معاً فلن تتحقق الهداية ، وعبارته (صلى الله عليه وآله وسلم) صريحة في ذلك لا لبس فيها ولا تحتمل التأويل أبداً ، قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما فلن تضلّوا بعدي أبداً ، وأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض»(١) .

ونحن لسنا بصدد التفصيل في ألفاظ الحديث ومدلولاته وطرقه فله محلّ آخر ، وإنّما أردنا الإشارة إلى هذه الحقيقة المتّفق على ثبوتها عند كُلّ المسلمين ، ولكنها مغيّبة عن الواقع ، وكذلك لنشير إلى أنّ التمسّك بالعترة والكتاب معاً شرط لتحصيل الهداية ولم يقتصر اشتراطه على حديث الثقلين فقط ، وإنّما جاء به القرآن أيضاً ، ومن هذه الآيات الدالّة على ذلك قوله تعالى : ﴿ إِنَّهُ لَقُرآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتاب مَكْنُون * لا يَمَسُّهُ إِلاَّ المُطَهَّرُونَ ﴾ (٢) ، وقوله تعالى : ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرّاسِخُونَ فِي العِلْمِ ﴾ (٣) ، فتلاحظ أنّ هنالك قرناً بين الكتاب والمطهّرين حيث لا يمسّه إلاّ هم ، وبين الكتاب والراسخين في العلم حيث لا يعلم تأويله إلاّ هم .

وغيرها من الآيات الدالّة على هذا القرن وأنّ أحدهما لا ينفك عن الآخر ، ومن أراد أحدهما فلابدّ له من الأخذ بقرينه وعدله كما هو مفاد حديث الثقلين

١- سنن الترمذي ٥ : ٣٣٨ ، مصنّف ابن أبي شيبة ٧ : ٤١٨ ، السنن الكبرى للنسائي ٥ : ٤٥ ، وغيرها كثير جدّاً .

٢- الواقعة : ٧٧ ـ ٧٩ .

٣- آل عمران : ٧ .

٤٢٢

الذي يأمر من يريد الهداية الحقيقية أن يأخذ بكلاّ الثقلين الكتاب والعترة ، وأنّ الأخذ بأحدهما دون الآخر لا يؤدّي إلاّ إلى الضلال ; لأنّه في الحقيقة ترك لكليهما ; لأنّ المفروض أنّهما معاً فترك أحدهما ترك لكليهما ، والأخذ الحقيقي لأحدهما ـ لا الصوري ـ لا ينفك عن الأخذ بالآخر .

وهكذا نخلص إلى أنّ أصحاب هذه العقائد الفاسدة إنّما وقعوا فيها بسبب تخلّيهم عن الأخذ بالثقلين معاً .

دور أهل البيت (عليهم السلام) في دحض هذه الانحرافات :

لأهل البيت (عليهم السلام) دور كبير في بيان زيف هذه المعتقدات وإسقاطها عن عقول الناس ، عن طريق المناظرة مع أصحاب هذه الفرق وتفنيد مزاعمهم بالأدلّة الشرعية والبراهين العقلية ، ومحاولة إيصال هذه البيانات إلى عموم الناس العاجزين عن فهم بطلان هذه المعتقدات وأنّها ليست من الدين بشيء ، فإنّك لو تأمّلت سير هذه المعتقدات في بدايتها لما وجدت أنّ القول ببطلانها كان واضحاً ، وبتلك الضرورة التي نلمسها الآن ، وإنّما حصل ذلك بجهود أهل البيت (عليهم السلام) وتفانيهم في خدمة الدين ودفع الشبهات والأباطيل عنه ، ويعدّ هذا من المسؤوليات الكبرى الملقاة على عاتق أهل البيت (عليهم السلام) ، فهم (عليهم السلام) الحصن الحصين للدين ، ودفع البدع والأباطيل عنه ، ورفع الجهل المتفشّي بين المسلمين ، فالنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) ما كان يتأتّى الوقت المحدود له أن يبيّن كُلّ معالم الدين على نحو التفصيل والوضوح التام المانع من دخول الشبهة في ثلاث وعشرين سنة فقط ، والتي كانت محفوفة بظروف ومسؤوليات جمّة في تأسيس الدعوة وإبلاغها . وعلى هذا فمن الضروري أن يتحمّل أهل البيت (عليهم السلام) تلك المسؤولية ويقوموا بنشر تلك المعالم والدفاع عنها ، ولهذا فإنّك تجد في كتب التراجم وكتب التواريخ وكتب الحديث والكتب الكلامية بصمات أئمة أهل البيت (عليهم السلام) واضحة في ردع مثل هذه المذاهب الباطلة والعقائد الخاطئة القاصرة الجاهلة ، التي لا تعلو بعلو الدين الحنيف وليست هي مواكبة للآفاق العليا له .

٤٢٣

وهذه اليد البيضاء لأهل البيت (عليهم السلام) بنفسها دليل على إمامتهم ، وكون علومهم ليست علوماً بشرية ، أو مقتنصة من أفهام بشرية ، وظهورات لفظية . وتميّزهم بهذا العلم كان أحد المناهج التي اعتمدها الشيخ المفيد في كتابه (الإرشاد) وبقية المتقدّمين من متكلّمي الإمامية على إثبات إمامتهم (عليهم السلام) ، فالشيخ الطبرسي في (إعلام الورى)(١) ذكر ما يقارب سبعة عشر أو خمسة عشر طريقاً في إثبات إمامة أهل البيت (عليهم السلام) ، أحدها إعجازاتهم العلمية ، فإنّ الأفق العلمي الذي كان بحوزتهم لا يتعقّل أحد أنّ منبعه بشري ، فها نحن في القرن الخامس عشر الهجري نجد أنّ الذهنية البشرية عندما تقف أمام علومهم (عليهم السلام) وما روي عنهم تجد عمق وجزالة وإتقان علمي لا نظير له ، ولا يوجد فيه أيّ ثغرة يمكن أن يعثر عليها أو يستطيع إثباتها .

وهذا الإعجاز العلمي هو أحد أنوارهم الباهرة الدالّة على إمامتهم بغض النظر عن النصوص والمناهج الأُخرى العقلية الدالّة على إمامتهم ، وكذا فإنّ خصوصية علومهم وإعجازها دليل على أنّ علومهم هذه علوم لدنيّة لها ارتباط مع ربّ العزّة ، وإن كان هذا الارتباط ليس من سنخ النبوّة وإنّما هو من سنخ الإمامة .

وفي الوقت الذي تجد أهل البيت (عليهم السلام) يتمتعون بهذا الأفق العلمي المميز ، تجد التيارات الأُخرى تعيش التخبط والضياع الفكري والعقائدي والذي تمثّل في انحرافاتهم الآنفة الذكر ، والتي تصدّى لها أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) بأفق علمي تجاوز الأفق العلمي لذلك الزمن .

نصوص في التجسيم :

بعد أن أوضحنا ماهيّة التجسيم والرؤية البصرية ، ومن قال بها ، ولوازمها الباطلة ، وحكم من قال بها ، وموقف أهل البيت (عليهم السلام) منها ، نحاول الآن التوقف عند

١- ذكر ذلك الشيخ المفيد في الإرشاد في أكثر من مورد دون أن يضعه في فصل معيّن ، وانظر إعلام الورى ١ : ٤٠٨ .

٤٢٤

بعض النصوص المصرّحة بالتجسيم ، وهذه الأقوال والتصريحات معروفة عن القائلين بالتجسيم ، وهي مسطورة في كتبهم .

فمثلا نجد مؤسس المذهب الأشعري في كتابه مقالات الإسلاميين(١) ينقل تصريح بعضهم بجواز الملامسة مع الباري عزّ وجلّ وكذا المصافحة والمعانقة ، وأنّ الإنسان إذا ارتاض وأخلص يصل إلى الباري ويتّحد به ـ والعياذ باللّه ـ ، بل إنّ أحدهم وهو داود الجورابي قال : «اعفوني من الفرج واللحية واسألوني عمّا وراء ذلك»(٢) .

وقالوا أيضاً بأنّ له جسماً ودماً ولحماً وله جوارح وأعضاء ، وقالوا إنّه ـ تعالى عمّا يقولون علوّاً كبيراً ـ يضع قدمه في النار ويسألها كما في قوله تعالى : ﴿هَلِ امْتَلاَْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيد﴾ (٣)، حيث إنّهم يفسّرون هذه الآية القرآنية بما يعتقدون من تجسيم ، ثُمّ يقولون : فلا تمتلىء جهنّم حتّى يضع البارئ قدمه فيها !

وهذا الكلام ينسبونه لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في روايات ذكرها البخاري ومسلم في صحيحيهما(٤) ، وفي غيرها من كتبهم الحديثية المعتبرة عندهم .

ومن تلك الروايات التي يخجل الإنسان من ذكرها قولهم : إنّ اللّه تعالى اشتكى عينيه فعادته الملائكة(٥) ، وكذلك قولهم على لسان الباري عزّ وجلّ : إنّ العرش ليئط من تحتي كأطيط الرجل أو الرحل(٦) ، وهلم جرّاً من هذه الروايات التي لا يشكّ بوضعها ذو مسكة .

١- مقالات الإسلاميين : ٢١٤ .

٢- شرح نهج البلاغة ٣ : ٢٢٤ ، الأنساب للسمعاني ٥ : ٦٤٣ .

٣- ق : ٣٠ .

٤- صحيح البخاري ٦ : ٤٧ ـ ٤٨ ، ٧ : ٢٢٥ ، ٨ : ١٦٦ ، ١٨٧ ، صحيح مسلم ٨ : ١٥١ ـ ١٥٢ .

٥- شرح نهج البلاغة ٣ : ٢٢٦ .

٦- مجمع الزوائد ١ : ٨٤ ، ١٠ : ١٥٩ ، عون المعبود ١٣ : ١٣ ، كنز العمال ٦ : ١٥٢ ، ١٠ : ٣٦٩ ، ٣٧٤ ، وراجع : أضواء على الصحيحين : ١٨١ وما بعدها .

٤٢٥

موقف المجسمة من لوازم قولهم :

ذكرنا أنّ للتجسيم والرؤية البصرية لوازم لا شكّ في بطلانها ، ولا يختلف اثنان في منافاتها لضرورة التوحيد ، وهذه اللوازم عندما واجهها أصحاب القول بالتجسيم اضطروا إلى التوسّل بمخرج آخر ، وذلك بأن أجروا صياغة جديدة على مذهبهم وقالوا : إنّنا نقول بأنّه جسم لا كالأجسام ، أو جسم بلا كيفية ، ولحم لا كاللحوم ، ودم لا كالدماء ، وهلمّ جرّاً من التأويلات الفاسدة والتوجيهات المضحكة ، وعلى هذا يكون المراد من قوله تعالى : ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ (١) أنّ اللّه تعالى جسم لا كبقية الأجسام ، تعالى اللّه عمّا يقولون علوّاً كبيراً .

أدلّة المجسّمة على الرؤية البصرية :

استدلّوا على قولهم بأنّ المؤمنين يرون اللّه عزّ وجلّ بعيونهم بآيات قرآنية جمدوا على ظاهرها اللغوي ، منها قوله تعالى : ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ﴾ (٢) ، أو قول موسى (عليه السلام) : ﴿ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ﴾ (٣) ، أو جواب اللّه تعالى لطلب موسى هذا وهو قوله في نفس الآية : ﴿ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي ﴾ .

ومن الآيات التي استدلّوا بها أيضاً قوله تعالى : ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الحُسْنى وَزِيادَةٌ ﴾ (٤) ، حيث فسّروا الزيادة الواردة في الآية المباركة برؤية اللّه عزّ وجلّ بالعين ، وكذا فسّروا المزيد في قوله تعالى : ﴿ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ ﴾ (٥) بالمعنى السابق ذاته وهو النظر للّه تعالى بالعين .

١- الشورى : ١١ .

٢- القيامة : ٢٢ ـ ٢٣ .

٣- الأعراف : ٤٣ .

٤- يونس : ٢٦ .

٥- ق : ٣٥ .

٤٢٦

وأمّا قوله تعالى : ﴿ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ ﴾ (١) ، فإنّهم فسّروا اللقاء بأنّه لقاء بصري ، وكذا فهموا من قوله تعالى : ﴿ كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذ لَمَحْجُوبُونَ ﴾ (٢) أنّ بعض أهل المحشر يحجبون عن رؤية اللّه تعالى ، وبعضهم لا يحجبون ، وقد أيّدوا تفسيراتهم هذه بكثير من الروايات المروية بطرقهم ، والعجيب أنّهم حيث جمدوا على ظواهر هذه الآيات ليستندوا إليها في إثبات قولهم إلاّ أنّهم حملوا الآيات النافية للرؤية على غير ظاهرها ، دفاعاً عن معتقدهم ، كما نرى ذلك عند الأشعري في تفسيره لقوله تعالى : ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ ﴾ (٣) ، حيث حمل قوله تعالى الظاهر في نفي الرؤية البصرية مطلقاً على نفي الرؤية في الدنيا لا في الآخرة ، أو أنّ المراد من الأبصار المنفي إدراكها هي أبصار الكافرين لا أبصار المؤمنين(٤) !

ولضحالة هذا التفسير وخروجه عن منطق العلم وكونه صريحاً في التجسيم حاول محمّد عبده أن يؤوّل قول الأشعري هذا ، كما نقل ذلك عنه محمّد رشيد رضا في تفسير المنار ، وقال بأنّ مراده كمال المعرفة لا الرؤية البصرية(٥) ! مع أنّ كلام الأشعري صريح لا يقبل التأويل بأيّ شكل من الأشكال .

ومضافاً إلى الآيات فهناك روايات متواترة عند أهل سنّة الجماعة قد رووها في صحاحهم وكتبهم الحديثية المعتبرة وهي تصرّح بالتجسيم ، وقد اعتمدوها كدليل برأسه على ما ذهبوا إليه من القول بالتجسيم والرؤية البصرية ، كالرواية التي تقول : «ترون ربّكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضارون في رؤيته» ، وهذا الحديث متواتر لديهم وقد رووه بطرق عديدة وصحيحة عندهم ،

١- الأحزاب : ٤٤ .

٢- المطففين : ١٥ .

٣- الأنعام : ١٠٣ .

٤- الإبانة عن أُصول الديانة : ٢٤ .

٥- تفسير المنار ٧ : ٥٣٩ .

٤٢٧

فقد رواه البخاري(١) ، وأحمد(٢) ، والدارمي في رسالة الردّ على الجهمية .

ومضافاً إلى الآيات والروايات حاولوا أن يصوّروا أنّ هناك أدلّة عقلية على صحّة الرؤية ، كما نجد ذلك عند الأشعري في كتابه مقالات الإسلاميين وكتابه الإبانة(٣) ، حيث ذكر بأنّ كُلّ موجود فلابدّ أن يكون مرئياً بالبصر ، وغير المرئي بالبصر معدوم ، واللّه تعالى موجود فلابدّ أن يُرى . ولكن الرجل لو عاش إلى القرن العشرين ورأى أنّ الطاقة موجودة ومع ذلك فهي غير مرئية لعرف فساد استدلاله هذا ، بل حتّى في زمانه لو تأمّل جيّداً لعرف ذلك في الأرواح فهي أيضاً غير مرئية مع أنّها موجودة .

وكذلك يقول : إنّ كُلّ راء لابدّ أن يكون مرئياً ، وحيث إنّ اللّه تعالى يرى ، كما جاء ذلك في عدّة آيات ، كقوله تعالى لموسى (عليه السلام) : ﴿ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾ (٤) ، فإذن لابدّ أن يكون اللّه تعالى مرئياً بالباصرة ، شأنه شأن غيره من الموجودات التي ترى ، فكما أنّ الموجودات التي لها قابلية الرؤية لكي ترى الأشياء فلابدّ أنّ تقابلها وتواجهها ، فاللّه تعالى أيضاً إذا أراد أن يرى الأشياء فلابدّ أن يقابلها ويواجهها ! وإذا كان يرى ما يقابله فما يقابله أيضاً لابدّ أن يراه !

أدلّة المجسّمة على حالات التجسيم الأخرى :

إنّ المجسّمة لم يكتفوا باثبات الرؤية البصرية للّه تعالى ، بل أثبتوا له ـ والعياذ باللّه ـ كُلّ ما ثبت للإنسان من جوارح وأعضاء وجهة وغيرها ممّا يلازمه النقص والحاجة والحدوث !

فمما أثبتوه للبارئ عزّ وجلّ هو المكان والجهة ، واستدلّوا على ذلك بظاهر قوله تعالى : ﴿ الرَّحْمنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوى ﴾ (٥) ، وقوله تعالى : ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ

١- صحيح البخاري ٨ :١٨١ .

٢- مسند أحمد ٢ : ٥٣٤ .

٣- الإبانة : ٢٦ ـ ٢٧ .

٤- طه : ٤٦ .

٥- طه : ٥ .

٤٢٨

الكَلِمُ الطَّيِّبُ ﴾ (١) ، وقوله تعالى في عيسى (عليه السلام) : ﴿ بَلْ رَفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ ﴾ (٢) ، وقوله تعالى : ﴿ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ ﴾ (٣) ، وقوله تعالى : ﴿ أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ ﴾ (٤) ، وقوله تعالى ﴿ يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ﴾ (٥) ، وقوله تعالى : ﴿ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ ﴾ (٦) ، وقوله تعالى : ﴿ وَجاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفّاً صَفّاً ﴾ (٧) ، وقوله تعالى : ﴿ ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى * فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْأَدْنى ﴾ (٨) ، فهذه الآيات كُلّها تدلّ بنظرهم على أنّ اللّه تعالى في جهة العلو والسماء .

وهذه الآيات استدلّ بها الأشعري في الفصل الثاني من كتابه ، واستدلّ في الفصل الثالث منه على أنّ للّه تعالى أعضاء ، بقوله تعالى : ﴿ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ وَالإِكْرامِ ﴾ (٩) ، وقوله تعالى : ﴿ كُلُّ شَيْء هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ ﴾ (١٠) ، وقال بأنّ معنى هلاك كُلّ شيء إلاّ وجهه أنّ أعضاء الباري ـ والعياذ باللّه ـ تفنى وتهلك إلاّ وجهه يبقى ! معتمدين في ذلك على نهجهم في وجوب التمسّك بحد وحرفية اللفظ وعدم الخروج عنه ، وعلى أساس هذا المنهج فسّروا قوله تعالى : ﴿ يَدُ اللّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ (١١) بأنّ للّه تعالى يدٌ والعياذ باللّه ، وكذا قوله تعالى الذي استنكر فيه على إبليس عندما أمره بالسجود لآدم حين قال له : ﴿ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ

١- فاطر : ١٠ .

٢- النساء : ١٥٧ .

٣- السجدة : ٧ .

٤- الملك : ١٦ .

٥- النحل : ٥٠ .

٦- المعارج : ٤ .

٧- الفجر : ٢٢ .

٨- النجم : ٩ .

٩- الرحمن : ٢٧ .

١٠- القصص : ٨٩ .

١١- الفتح : ١٠ .

٤٢٩

لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ﴾ (١) أو قوله تعالى : ﴿ وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْد ﴾ (٢) أو الآية الأخرى التي صال وجال بها القائلون بالتجسيم وهي قوله تعالى : ﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساق وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ (٣) ، فحملوا الساق الواردة في الآية على ساق البدن ، وأثبتوا للّه تعالى ساقاً والعياذ باللّه .

ابن تيميّة والتجسيم :

لابن تيميّة أقوال وتصريحات عديدة في التجسيم ، فهو من الداعين إلى التجسيم والمتشددين فيه ، ففي كتابه منهاج السنّة(٤) تشدد في إثبات الجهة والفوقية للّه تعالى ، ودافع عن الرؤية ، وردّ على من احتجّ بقوله تعالى : ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأَبْصارُ ﴾ بنفي الرؤية البصرية بقوله : إنّ هذه الآية لا تدلّ على نفي الرؤية البصرية ، بتقريب أنّ المنفي في الآية ليس الرؤية وإنّما هو الإدراك ، فهو لم يقل لا تراه الأبصار وإنّما قال لا تدركه ، وفرق بين الرؤية والإدراك ، فالإدراك هو الإحاطة ، والبارئ لا يمكن الإحاطة به ، ولكن هذا لا يعني أنّ كُلّ ما لا يمكنك الإحاطة به لا يمكنك رؤيته ، ومثاله أنّك لو قابلت جيشاً جرّاراً يسدّ الآفاق فإنّك لا تستطيع الإحاطة به ولكنك تراه ، وكذا الأمر في الآية المباركة فالمنفي هو إحاطة الغير للبارئ عزّ وجلّ ، وهذا لا يلزم منه نفي الرؤية لما ذكرناه من الفرق بينهما .

هذا ملخّص توجيه ابن تيميّة لمراد الآية !

لكن تفسير ابن تيميّة للآية غير تام ، وقوله بأنّ المراد من الإدراك هنا هو الإحاطة غير صحيح .

١- ص : ٧٥ .

٢- الذاريات : ٤٧ .

٣- القلم : ٤٢ .

٤- منهاج السنّة النبوية ٢ : ٣٢١ ـ ٣٤٩ ، ٥٥٨ ، ٦٤١ ـ ٦٥٠ .

٤٣٠

فالإدراك في الأصل معناه الوصول كقولك : أدركت الرجل ، أي : وصلت إليه ، أو أدركت الماء ، أو لم أدرك الجيش ، وهكذا . وأمّا إذا أردت أن تستعملها بمعنى الإحاطة فعليك أن تنصب قرينة على ذلك ، كقولك : لا تدرك جوانبه ، أو لا يدرك قراره ، أو لا يدرك آخره ، وهلمّ جرّاً من الألفاظ الدالّة على أنّ المراد هو الإحاطة .

وأمّا إذا لم يذكر معها ما يقرر معناها بالإحاطة فإنّها تبقى على معناها الأصلي وهو الوصول ، وعلى هذا يكون معنى قوله تعالى : ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأَبْصارُ ﴾ ، أي : لا تصل إليه الأبصار .

ومما يؤكّد هذا المعنى أنّ عدم الإحاطة بالبارئ لا تقتصر على الرؤية فقط ، بل كُلّ إحاطة هي ممتنعة في حقّ البارئ عزّ وجلّ ، فحتّى العقل لا يحيط بالبارئ ، فلماذا أقتصر في الآية على نفي إحاطة الرؤية فقط ؟ ممّا يؤكّد أنّ المراد هو الوصول ونفي أصل الرؤية وليس الإحاطة . مع أنّه لا فرق بين نفي الإحاطة والرؤية البصرية في المقام ; لأنّ الرؤية البصرية إذا تحققت حتّى للمثال الذي ذكره كالجيش الجرار الذي يملأ الأفق فإنّ الرؤية تحيط به ; لأنّ حدوده الجسمانية تكون مرئية للبصر فتحيط الرؤية بحدود أبعاده مآلاً ، كما هو الحال في وقوع الرؤية للسماء أو الأرض فإنّنا برؤيتنا البصرية نرى حدود أبعادها المحيطة بها ، وعلى هذا يتبيّن التلازم بين الرؤية البصرية والتحديد والتجسيم وتفرقته مصادمة مع البديهية ، مع أنّ أصل التجسيم يستلزم التركّب والتبعيض في ذات الباري والعياذ بالله تعالى . هذا من جهة .

ومن جهة أُخرى فإنّ المنفي هنا هو الأبصار وليس الإدراك ، فهي لم تقل : (لا يدرك البارئ) ليكون النفي متعلّق بالإدراك ، بل قالت : ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأَبْصارُ ﴾ ، فوقع النفي على الأبصار ، نزولا عند قاعدة البيان العربي القائمة على أنّ النفي إذا جاء في الجملة وفيها فاعل فيقع النفي على الفاعل ، وفي المقام فإنّ

٤٣١

الأبصار هو الفاعل فلزم أن يكون هو متعلّق النفي ، فيكون المنفي هو أصل الرؤية وليس الإحاطة كما يقول ابن تيميّة .

واستدلّ أيضاً بدليل آخر مفاده : إنّ نفي الرؤية عن الباري صفة نقص ! لأنّها من صفات المعدومات ، فالذي لا يمكن رؤيته هو المعدومات فقط ، فإذا منعنا الرؤية للّه تعالى فيكون وزانه وزان المعدومات ! ! وهذا مذهبه المادي الحسي من مساواة الموجود للمادي المحسوس وهو من الطامات .

الذهبي والتجسيم :

يعدُّ هذا الرجل من المجسّمة المعروفين ، وله أقوال وتصريحات بهذه العقيدة ، نذكر لكم جملة منها ، ففي كتابه سير النبلاء قال : «ومسألة النزول ] يعني نزول البارئ تعالى [ فالإيمان به واجب ، وترك الخوض في لوازمه أولى»(١) .

وقال في موضع آخر : «يجب أن يتّقى العوام من البوح بخواص مذهب التجسيم والتشبيه»(٢) . ودعوة الذهبي هذه لاتّقاء العوام نتيجة لما ذكرناه لكم من أنّ السطح الظاهر للمسلمين بحمد اللّه قائم على ضرورة بطلان التجسيم والتشبيه ، حتّى أضحى القائلون بالتجسيم يتخفون كالخفافيش لا يقدرون على البوح بما يعتقدوه .

وقال الذهبي في موضع آخر من كتابه المشار له : « العلم مباح لا يجب بثّه»(٣) . ويعني بقوله هذا أنّ العلم بالتجسيم والتشبيه مباح لا يجب بثّه ، ولا ينبغي أن يدخل فيه إلاّ خواص العلماء لا كُلّ العلماء ، فبعضهم لا يمكن مفاتحتهم بهذا الشيء.

أسباب أُخرى لظهور هذه الانحرافات :

ذكرنا لكم سابقاً أنّ لهذه الانحرافات سبباً ، وهو ترك أصحاب هذه الأقوال

١- سير أعلام النبلاء ٢٠ : ٣٣١ .

٢- سير أعلام النبلاء ١٩ : ٤٤٨ .

٣- سير أعلام النبلاء ١٠ : ٦٠٤ .

٤٣٢

للثقل الثاني وهم أهل البيت (عليهم السلام) وعدم تمسّكهم بهم . وذكرنا أنّ هناك أسباباً أُخرى تفرّعت عن هذه الأسباب لم نبيّنها ، وإنّما اقتصرنا على بيان السبب الأُم فقط ، ونريد هنا أن نشير بإيجاز إلى بعض هذه الأسباب الفرعية .

السبب الأوّل : انتشار الإسرائيليات :

كما تعلمون فإنّ التوراة المحرّفة مملوءة بالتجسيم كما سنشير إلى ذلك بعد قليل ، وتعلمون أيضاً أنّ كثيراً ممّن يحمل الثقافة التوراتية قد دخل الإسلام في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعده ، وكان لتأثّر هؤلاء الأشخاص بالتوراة وبما يحمله من أفكار تجسيمية دور كبير في بثّ عقيدة التجسيم في تراث المسلمين ، فإنّك لو لاحظت روايات التجسيم الموجودة في كتب أهل سنّة الجماعة وقارنتها مع ما موجود في التوراة لوجدت هناك تشابهاً كبيراً بين النصّين ، فمثلا هذه الرواية التي قرأتها لكم من أنّ اللّه تعالى اشتكى من عينيه فعادته الملائكة .

أو الرواية التي تقول : إنّكم ترون ربّكم كما ترون القمر ليلة البدر(١) . وهو حديث يقولون بتواتره !

أو الرواية التي تقول بأنّ العرش يئط تحت البارئ كما يئط الرحل ، وغيرها من التعابير التي على هذه الشاكلة .

وممّا يؤكّد إسرائيلية هذه الروايات مضافاً إلى تطابقها مع ما هو موجود في التوراة المحرّفة ، أنّ في طرق هذه الروايات رواة كانوا يهوداً وأهل كتاب ثُمّ أسلموا ، ككعب الأحبار ، فكثير من روايات التجسيم جاءت عن طريقه ، وقد روى عنه أعمدة الرواية عند أهل سنّة الجماعة ، وأخرج رواياته أصحاب الصحاح والمسانيد والمعاجم ، فقد روى عنه الدارمي في نفس الرسالة التي ردّ بها على الجهمية في صفحة (١٤ ، ١٧ ، ١٨ ، ٢٥) ، ومن المفارقات المعبّرة أنّ أحد رواة هذه الروايات اسمه (إسرائيل) ، وهذه الكلمة ـ كما تعرفون ـ كلمة عبرية ، ولها

١- إعانة الطالبين ١ : ٢٨ ، المبسوط للسرخسي ١ : ١٤٢ ، مسند أحمد ٤ : ٣٦٠ .

٤٣٣

مدلولها الواضح بارتباط الراوي بالثقافة التي يدلّ عليها اسمه .

والأمر نفسه في عبد اللّه بن سلام ، فهذا الرجل معروف بأنّه من أوعية الفكر التوراتي ، وله روايات في التجسيم معروفة عند أهل سنّة الجماعة .

أمّا زيد بن ثابت فكان معروفاً بتردده على كتاتيب اليهود وحمله للثقافة التوراتية ، وكان يروي عنهم ، وله في تراث أهل سنّة الجماعة الكثير من هذه الروايات ، وكذا تميم الداري فهو أيضاً معروف بثقافته التوراتية ، وروايته لروايات التجسيم ، ومن باب المثال نذكّركم بالحديث المشهور عندهم ، والذي يروونه عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري أنّ عمر بن الخطاب أتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فغضب (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال : «أمتهوكون فيها يا بن الخطاب . . .»(١) .

وروايات أُخرى كثيرة في هذا المعنى تحذّر من دخول الإسرائيليات والأفكار التوراتية المحرّفة ، والتي دخلت إلى التراث الإسلامي عن طريق اليهود الذين دخلوا الإسلام ولم يتخلّوا عن أفكارهم القديمة وإنّما بقيت فيهم ، وظهرت على رواياتهم ، ونسبوها للإسلام بعد أن أصبحوا يمثّلون رواة مسلمين .

السبب الثاني : الأخطاء المنهجية :

وهناك أخطاء منهجية كثيرة وقع فيها أصحاب هذه الأقوال سنذكر لكم اثنان منها على سبيل المثال :

الأوّل : إبعاد العقل وعدم الاعتماد عليه كمصدر من مصادر المعرفة الدينية ، وقد حكم بذلك الحشويون وأهل الظاهر من أهل سنّة الجماعة ، بينما مدرسة أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) لا تشطب على العقل ، وإنّما تعتمده كمصدر للمعرفة الدينية ضمن موازنة دقيقة بينه وبين النقل والوحي ، فهم لا يهملوه وكذا لا يعطوه دوراً على حساب النقل ، بل يوازنون بين الأمرين موازنة دقيقة ويعطون لكُلّ منبع حجمه

١- مسند أحمد بن حنبل ٣ : ٣٨٧ .

٤٣٤

ومساحته الصحيحة والخاصّة به ، فالعقل والنقل أحدهما يكمّل الآخر في تحديد هداية الشخص على أساس ما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) من أنّ مبدأ الأمور وكمالها وأصلها إنّما هو العقل ، إلاّ أنّ العاقل اللبيب علم أنّه لا يهتدي لمراضي الرب وإراداته ومشياته ونواهيه بعقله المحدود ، فعلم بضرورة الهداية من الربِّ تعالى ، وأنّ العلم بما جاء به الوحي هو مكمّل للهداية .

هذا مع كون المخاطب على الدوام في خطاب الوحي هو العقل سواء بفهم تفصيلي أم إجمالي على طبق موازين .

وبهذا المضمون جاءت روايات عدّة عن أهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام) .

وهذه الخصّيصة التي امتاز بها نهج أهل البيت (عليهم السلام) وهي إعطاؤهم الحجم المناسب للعقل ـ أي : لا إطلاق العنان له ولا طرحه ـ تعدّ بنفسها دليلاً على صوابية وحقّانية وإمامة أهل البيت (عليهم السلام) .

فقضية الاحتكام إلى محكمات العقل في بعض الأمور المعرفية ليست قضية وليدة الصدفة والاعتباط ، وإنّما نادى بها وحثّ عليها القرآن الكريم ، أو ليس هو القائل : ﴿ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ ﴾ (١) ، والقائل : ﴿ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلبابِ ﴾ (٢) ، وغيرها من الآيات التي يمتدح بها العقل وأهله ، وفي نفس الوقت يذم التاركين له : ﴿ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ﴾ (٣) ، فتجد من خلال ذلك أنّ الاستفادة من العقل مطلب قرآني وظاهرة قرآنية مسلّمة لا يشكّ فيها أحد ، ولكن في نفس الوقت لابدّ من الالتفات إلى أنّ القرآن الكريم لم يطلق العنان لمتشابه العقل في التدخل بكُلّ شؤون الدين ، وعلى كُلّ المستويات ، بل في حدود البديهيات والأمور الفطرية ، وما عدا ذلك فالعقل بحاجة إلى هداية وترشيد الوحي في تحديد المعارف الدينية ، فالعقل المحيط بكُلّ شيء هو الوحي فقط .

١- يس : ٦٧ .

٢- الرعد : ١٩ ، الزمر : ٩ .

٣- يونس : ١٠٠ .

٤٣٥

وهذا المنهج القرآني تجده متجسّداً في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) بكُلّ وضوح ، وبمنتهى الدقة والعمق ، بينما تجد المنهج الموجود لدى جماعة أهل سنّة الجماعة هو التشطيب وإلغاء دور العقل ، ومنهجهم هذا لوضوح مخالفته للفطرة لذلك لا يستطيعون البوح به إلى ناشئتهم ، فإنّنا إذا ألغينا دور العقل في تحصيل المعرفة فلا يبقى بيننا وبين العجماوات فرق .

وهذا الخطأ المنهجي في تحصيل المعارف هو الذي أوصل القائلين بالتجسيم إلى ما قالوه ، فإنّهم لو أعطوا للعقل دوراً ـ بأيّ مستوى كان ـ لما انساقوا أمام الاستظهارات الخاطئة لألفاظ القرآن كما سنوضّحه لاحقاً عند توضيحنا للخطأ المنهجي الثاني .

وإنّ من دواعي فرار أهل سنّة الجماعة من العقل ومباحثه هو قولهم إنّ العقل لا مجال ولا مسرح له في فهم خطاب الشرع . ولا ريب في أنّ المحدد والمبيّن لكُلّ تفاصيل وجزئيات الدين هو الوحي ، فهذا من الضروريات ، ولكن نسأل من الذي يفهم الوحي أهو العقل ، أم الحسّ ، أم الوهم ، أم الخيال ، أم النزوات والشهوات ؟

من المعلوم أنّ الذي يقرأ الوحي هو العقل ، وأنّ الذي خاطبه القرآن الكريم هو العقل ، فإذا وضعنا سدّاً أمام العقل فنكون بذلك قد أبطلنا الشريعة في المساحة التي يمكن للعقل أن يتحرّك فيها .

واستخدام العقل في إدراك المعارف الإلهية لا يعني تحكيم العقل فيها ، وإنّما نستخدمه كوسيلة للوصول إلى تلك المعارف وذلك بواسطة الرأسمال الثمين الذي أودعه اللّه تعالى فيه وهو البديهيات والفطريات ، فهي المساحة التي يتحرّك فيها العقل ، وهي موضع الخطاب في القرآن الكريم .

وأمّا الحسّ والوهم والظن والشهوات والأرقام التجريبية وغيرها من القوى فغير مخاطبة في القرآن ، وإنّما المخاطب العقل بقواه البديهية والفطرية .

٤٣٦

ومن المؤسف أنّ هذا الخطأ المنهجي في تحصيل المعرفة الدينية لم يؤدّ إلى التجسيم فقط ، بل أدّى إلى عقائد باطلة كثيرة ، ومنها عقيدة الجبر مثلا ، فإنّ غياب العقل هو الذي أوقعهم في هذه العقيدة الفاسدة ، مع أنّ بعض عمالقة الجبر كالفخر الرازي خاض ما خاض في العلوم العقلية ، ولكنه لم يكن يحصل له الاطمئنان بالبديهيات العقلية ، كما هو المعروف عنه برئيس المشككين (١) .

وغياب العقل هو الذي حدى بالحشويين وأهل الظاهر وغيرهم من أهل سنّة الجماعة إلى الجمود على ألفاظ الأحاديث ، وكان إلغاؤهم لأحكام العقل العملي بالذات (حسن العدل وقبح الظلم ، وحسن الفضائل وقبح الرذائل) هو السبب في قبولهم لأيّة رواية وإن كان مدلولها قبيحاً لا يقبل به العقل ، وما أكثر هذه الروايات ، ومنها حديث الغرانيق الذائع الصيت في ذيل سورة الحج الذي استغلّه أعداء الإسلام لتشويه صورة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، كما حصل ذلك مع المرتد سلمان رشدي الذي أفتى علماء الإمامية بكفره ، فإنّ هذا الرجل وكما يقول أحد الباحثين قد جمع في كتابه (الآيات الشيطانية) خلاصة ما رواه الحشوية وأهل الظاهر ، ولم يأتِ بشيء من خارج هذه الدائرة ، بل إنّ ما رواه الحشوية أكثر بكثير ممّا ذكره هذا المرتدّ الخبيث وأمثاله .

فتحصّل أنّ استخدام العقل بحدود الفطريات والبديهيات في تحصيل المعارف الدينية هو المنهج الصحيح والذي اعتمدته مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ، وعدم اعتماد هذا المنهج من قبل الكثير من فرق أهل سنّة الجماعة هو الذي أوقعهم بعقيدة التجسيم الباطلة وغيرها من العقائد المنحرفة .

الثاني : انحسار علم أصول الفقه . وهذا هو الخطأ المنهجي الثاني الذي وقع فيه أصحاب العقائد المنحرفة ، فعلم الأصول وكما أشرنا لذلك في مناسبات سابقة

١- الصورام المهرقة : ٣٠٦ ، بحار الأنوار ٣٥ : ٢٦٩ ، الأربعين للماحوزي : ٢٥٤ ، الإمام علي (عليه السلام) للرحماني الهمداني : ٢٧٦ ، ٣٣٧ ، أجود التقريرات ١ : ٩١ ، ٩٢ ، تراجم الرجال ٢ : ٦٠٨ ، الذريعة ٩ : ٨١١ .

٤٣٧

هو منطق العلوم الدينية ، واسمه دالٌ عليه ، فأصول الفقه يعني أصول الفهم ، ونحن لا ندّعي أنّ كُلّ ما فيه وحي منزل ، بل نقول : إنّ ما وصل إليه من استنتاجات وموازين علمية يصلح لأن يكون منهجاً صحيحاً لقراءة وفهم المعارف الدينية بالشكل الموافق للفطرة والموازين العلمية المتعارفة بين البشر ، لا أن يأتي الإنسان ببعض القضايا من الأدب واللغة العربية ومن ثمّ يجوّز لنفسه اقتحام المعارف الدينية وإعطاء الرأي فيها .

ومن المباحث المهمّة التي تكفّل علم الأُصول بتقنينها ووضع الموازين الصحيحة في الاستفادة منها هي مباحث اللغة ، وأبرزها مباحث علم البلاغة ، الذي له دور كبير في فهم مراد المتكلّم ومدلول ألفاظه .

وعلم أصول الفقه ، وعلم البلاغة ليست علوماً تخصّ لغة دون أُخرى كما يظن البعض ، بل هي علوم تخصّ كُلّ البشرية ; لأنّها تتعلّق بالمعاني الذهنية ، وهذه المعاني مشتركة بين كُلّ البشر لا فرق بين لغة وأُخرى ، فأنت تجد لبني البشر ألسن ولغات مختلفة ، إلاّ أنّ لغتهم في المعاني الذهنية متّحدة مشتركة ، مثل المعاني الحسيّة والوهمية والخيالية والعقلية التي تتداعى في أذهانهم ، فهذه المعاني ليست مرتبطة بالتربة أو القومية أو العرق الذي ينتمون إليه ، كما هو في اللسان واللفظ والصوت ، فما أن ينتقل الإنسان من لغة لسانه التي هي معبرٌ إلى المعاني الذهنية حتّى تتحد جميع لغة البشر وفهمهم بلغة المعاني الذهنية .

وهذه اللغة الموحّدة لها قوانين وأُصول مشتركة بين الجميع لا تختلف بين لغة وأُخرى ، فترتيب المعنى المذكور في علم الدلالات ، وأنّ له مراحل ينتقل فيها من المعنى الاستعمالي ، ثُمّ المعنى التفهيمي ، ثُمّ المعنى الجدّي ، فهو قانون لا يختص بلغة دون أُخرى ، وإنّما هو قانون يحكم كُلّ لغات البشر .

والدليل على وحدة هذه العلوم أنّك تجد كثيراً من اللغات غير العربية استفادت من المباحث العلمية التي توصّلت إليها في علم الأصول وعلم البلاغة ،

٤٣٨

كما تجد ذلك في اللغة الإنجليزية والفارسية حيث استفادتا كثيراً من بحوث علم الأصول والبلاغة في اللغة العربية ، وهذا يكشف لك أنّ علم الأُصول وعلم البلاغة علوم لا تختصّ باللغة العربية أو بلغة خاصّة ، وإنّما يتناول الموازين التي بين المعنى المرتبط باللفظ بعلقة وضعية ومراحل المعاني الأُخرى ، وتلك المراحل مشتركة بين البشر من دون اختلاف بين لغة وأُخرى .

وهذه القوانين المشتركة بين البشر في فهم معاني الألفاظ لم تلتزم بها المجسّمة والحشوية والظاهرية ، ممّا أوقعها في الخطأ المنهجي الثاني الذي أدّى بهم إلى التجسيم والتشبيه وغيرها من الانحرافات العقائدية ، فهم يرون أنّ التدين بدين اللّه تعالى يعني الوقوف والجمود عند حرفية وسطح الألفاظ ، فالمسلم لكي يكون موحّداً حقيقياً عليه أن يلتزم بسطح حرفية اللفظ ، وأمّا إذا حاول أن يتدبّر ويتعمّق فهو متأوّل أو ما شابه ذلك ، فهم يقولون وكما مرّ عن الأشعري إنّ المراد من لفظ الوجه في قوله تعالى : ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ﴾ (١) هو جارحة الوجه ، والمراد من اليد في قوله تعالى : ﴿ يَدُ اللّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ (٢) هو جارحة اليد ، وهلمّ جرّاً في جميع الألفاظ الواردة في القرآن الكريم ، والذي أوقعهم في هذه التفسيرات الخاطئة هو ابتعادهم عن المنهج الصحيح في فهم وإدراك المراد من الألفاظ حسب القوانين والموازين العلمية القائمة بين اللفظ ومعناه .

ولا يخفى أنّ توضيح هذه الأخطاء المنهجية التي وقع فيها المجسّمة وغيرهم يوقفنا على الأسباب الحقيقية وراء قولهم بالتجسيم وغيره من العقائد الباطلة ، والوقوف على هذه الأسباب الحقيقية يغنينا عن الخوض في النقاش التفصيلي لهذه العقائد واللوازم الباطلة لها ، ولا ننسى أنّ هذه الأخطاء المنهجية

١- القيامة : ٢٢ ـ ٢٣ .

٢- الفتح : ١٠ .

٤٣٩

هي أسباب وسطية متفرّعة عن السبب الرئيسي الذي أشرنا له وهو الابتعاد عن نهج أهل البيت (عليهم السلام) . فانظر إلى هذه الزلّة المنهجية كيف أوقعتهم في الانحراف في التوحيد الذي هو أصل العقيدة ومحور المعارف الدينية .

جواب إجمالي :

ويمكن الإجابة على قولهم بلزوم التقيّد بحاق وحرفية رسم اللفظ وأنّ المراد من اللفظ هو المعنى الوضعي دون المعنى التفهيمي ودون المعنى الجدّي ودون المعنى الاستعمالي ، بأنّه لو فرضنا أنّ لفظة الوجه قد وضعت لهذا العضو الجارح ، وأنّ اليد وضعت لهذه اليد الجارحة ، ولكن من قال بأنّ استعماله في الآيات هو على طبق المعنى الوضعي ، فلم لا يكون المراد هو المعنى الاستعمالي أو الجدّي أو غيره ؟ أوليس اللغة العربية هي من أكثر اللغات مجازاً وكناية ؟ فأين ذهب باب المجاز والكناية ؟ فمن الواضح في باب المجاز والكنايات أنّ المعنى الاستعمالي يغاير المعنى الوضعي والمعنى التفهيمي أو الجدّي يغاير الاستعمالي ، فقولنا : زيد كثير الرماد ، المراد به أنّ زيداً ثابتة له صفة الكرم ، وليس المراد أنّ زيد عنده رماد ، فلعل زيد ليس عنده رماد أصلا .

وهذا الاستعمال واسع ومنتشر في كُلّ التراث الأدبي العربي سواء الجاهلي منه أو الإسلامي أو غيره من العناوين والمساحات الثقافية والخطابية ، وفي كُلّ لغات العالم .

هذا مضافاً إلى أنّنا نناقش في أصل وضع اللفظ ، فمن قال إنّ اليد وضعت لليد الجارحة ؟ فربّما وضعت لمعنى عام أحد مصاديقه المادية هي اليد الجارحة ، وهو ما نريد أن نقوله هنا ، إذ هناك نظرية موجودة في علم الأدب واللغة أنّ الألفاظ موضوعة للغايات لا للمبادئ (خذ الغايات واترك المبادئ) .

وهذه النظرية قديمة ، وقد عبّر عنها الحكيم الشيعي الفيلسوف ملا صدرا رحمة اللّه عليه بأنّ الألفاظ موضوعة لأرواح المعاني ، ومراده بتعبير أدبي أقرب

٤٤٠