×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ندوات مركز الأبحاث العقائدية ج 4 / الصفحات: ٤٤١ - ٤٦٠

للفهم العام أنّ الموضوع له في الألفاظ يتحدد بضابطة خذ الغايات واترك المبادئ ، وأنّ الموضوع له في الألفاظ بالدقة هو الغاية لا المبدأ ، بمعنى أنّ غاية اليد هي البطش ، أي : إنّ اليد وضعت لما يبطش به ، والكلام نفسه مع لفظة العين ، فالغاية منها هو الأبصار وما يبصر به ، وليس الجارحة الخاصّة ، وكذلك الوجه إنّما وضعت لما يتّجه إليه ، وهو الغاية منه ، بغض النظر عن طبيعة التوجّه حسّياً كان أو روحياً ، فهذا هو الأصل في وضع الألفاظ .

ومما يدلّ على صحّة هذه النظرية في وضع الألفاظ ما سطره علماء الإمامية في كتبهم في الردّ على المجسّمة والمشبّهة بالاحتجاج عليهم بما جاء في الأدب الجاهلي من استعمال العرب للفظة اليد في القوّة ، والوجه في العزّة ، والعين فيما يبصربه ، مثل قولك : ذاك عيني ، يعني إنّ ذلك الرجل ممّا يوصل لي الأخبار وما شابه ذلك .

وهذا الأمر غير مقتصر على اللغة العربية ، فكُلّ لغات البشر ليست على استعمال الألفاظ المنطبقة على أعضاء الجوارح في نفس الجوارح ، وإنّما هي تستخدم في غايات تلك الجوارح ، يعني المعنى العام أحد مصاديقه تلك الجوارح .

وهذا ردٌّ إجمالي ، وهناك ردود تفصيلية لا يسع الوقت لبيانها .

بيانات أهل البيت (عليهم السلام) :

وبودّي أن يكون مسك الختام وكلمة الفصل في بيان بطلان القول بالتجسيم لروايات أهل البيت (عليهم السلام) وما تضمّنته من بيان عقلي بديهي في إثبات بطلان التجسيم والتشبيه ، ونبدأ بما قاله سيّد الموحدين وإمام المتقين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الخطبة الأُولى من نهج البلاغة إذ قال : «ومن جهله فقد أشار إليه ] الإشارة الحسّية [ ، ومن أشار إليه فقد حدّه ] جعله محدوداً ، بينما من الصفات الضرورية حتّى عند المجسّمة والمشبّهة أنّ اللّه تعالى لا يمكن أن تكون صفاته محدودة ، أي : قدرته محدودة ، علمه محدود ، حياته محدودة ، إحاطته محدودة ،

٤٤١

غناه محدود [ ، ومن حدّه فقد عدّه ، ومن قال فيمَ ] كما يقولون بذلك [ فقد ضمَّنَهُ ] أي : محتاج إلى الضمن وإلى الظرف ، أي : يحتاج إلى الغير [ ، ومن قال علامَ ] وهو قولهم : إنّ اللّه على العرش استوى ، ويفسّرون العرش بالعرش المتعارف ، ونحن أوضحنا أنّ المراد منه معنىً آخر ، على قاعدة خذ الغايات واترك المبادئ ، فعلى هذا يكن معناه مركز قدرة الشيء ، سواء كان إنساناً أو غير إنسان [ فقد أخلى منه ] أي : إذا قلتم إنّ اللّه تعالى في جهة السماء مثلا ، فإذن جهة الأرض خلّو منه ، واللّه عزّ وجل يقول : ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلهٌ ﴾ (١) ، ويقول تعالى : ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ ﴾ ، فإذا كان معكم إينما كنتم فكيف يكون في السماء دون الأرض ؟ ! ويقول تعالى : ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ (٢) ، و﴿ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ ﴾ (٣) ، ويقول تعالى : ﴿ لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ﴾ (٤) ، ويقول تعالى : ﴿ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ (٥) [ ، كائن لا عن حدث ، موجود لا عن عدم ، مع كُلّ شيء لا بمقارنة ، وغير كلّ شيء لا بمزايلة ] هذا ما لا يمكن أن يتفطّن له المجسّمة أو الحشوية أو الظاهرية ، للخطأ المنهجي الذي ذكرناه لديهم ، فلا يفطن إلى هذا المعنى الدقيق إلاّ من نشّط عقله وفهمه وكياسته ، وأمّا من عبد صنم الحسّ والوهم والخيال فإنّه لا يفهم هذه المعارف التي يفيدها سيّد الأوصياء ، فقوله (عليه السلام) : مع كُلّ شيء لا بمقارنة ، أي : ليس بجسم ، وإلاّ لو كان جسماً فإنّه إذا قارن شيئاً فسوف لا يمكنه مقارنة كُلّ شيء [ ، فاعل لا بمعنى الحركات والآلة ، بصير إذ لا منظور إليه من خلقه ، متوحّدٌ إذ لا سكن يستأنس به ولا يستوحش لفقده» .

١- الزخرف : ٨٤ .

٢- الشورى : ١١ .

٣- الأنعام : ١٠٣ .

٤- البقرة : ١٤٢ .

٥- البقرة : ١١٥ .

٤٤٢

وهناك خطبٌ أُخرى للإمام علي (عليه السلام) بهذا المعنى قد ضمّها نهج البلاغة ، حتّى أنّ كثيراً من ناشئة المجسّمة والحشوية أنكروا أن تكون هذه المعارف التوحيدية للإمام علي (عليه السلام) وهو في ذلك الزمن الذي تنعدم فيه هذه المعارف ، ولكن تواتر نقلها في مصادرهم المعتمدة ، وهذا يكفي في ردّ دعواهم الباطلة .

ومن تلك الخطب الجليلة التي حوت بعض علومهم اللدنية ما جاء في خطبة له ، برقم (٤٩) من نهج البلاغة يقول فيها : «الحمد للّه الذي بطن خفيات الأُمور ، ودلّت عليه أعلام الظهور ، وامتنع على عين البصير ، فلا عين من لم يره تُنكرُهُ ، ولا قلبُ من أثبتهُ يُبصرُه ، سبق في العلوِّ فلا شيء أعلى منه ، وقرب في الدنوِّ فلا شيء أقرب منه ، ] فلو كان جسماً فكيف يكون قريباً وبعيداً [ ، فلا استعلاؤُه باعده عن شيء من خلقه ] فاستعلاؤه استعلاء قدرة ، لا بعداً مكانياً [ ، ولا قربهُ ساواهم في المكان به ] لأنّه ليس بقرب مكاني ، وإنّما قرب إحاطة علمية واقتدار [ ، لم يطلع العقول على تحديد صفته ، ولم يحجبها عن واجب معرفته ، فهو الذي تشهدُ له أعلام الوجود على إقرار قلب ذي الجحود ، تعالى اللّه عمّا يقول المشبّهون به والجاحدون له علوّاً كبيراً» .

ومضافاً لكتاب نهج البلاغة ، فإنّ ثقة الإسلام محمّد بن يعقوب الكليني رضوان اللّه تعالى عليه قد عقد في أُصول الكافي كتاباً خاصّاً في التوحيد اشتمل على (٣٥) باباً من أبواب شتّى في المعارف التوحيدية ونفي الجسمية ، ونفي الرؤية البصرية وفي نفس الوقت إثبات الرؤية القلبية التي هي رؤية مجردة ، كما في قول الإمام علي (عليه السلام) لأحد الأحبار عندما سأله : هل رأيت ربَّك حين عبدته ؟

فقال له (عليه السلام) : «ويلك ما كنت أعبد ربّاً لم أره» .

قال : وكيف رأيته ؟ قال : «ويلك لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان»(١) .

١- الأصول من الكافي ١ : ٩٨ ، باب في إبطال الرؤية .

٤٤٣

وأحبّ أن أنّبه إلى أنّ مذهب أهل البيت (عليهم السلام) لا يقصرون الرؤية على القلبية فقط ، بل يثبتون الرؤية العقلية أيضاً ، وهي دون الرؤية القلبية ، وهي ليست رؤية حسيّة ولا خيالية ولا وهمية ، أي : ليست رؤية مقادير وإنّما رؤية معان مجردة .

وصلّى اللّه على محمّد وآله الطاهرين .

٤٤٤

٤٤٥

الأسئلة والأجوبة

سؤال : الذي يُنقل أنّ بعض أصحاب الأئمّة كان يقول بالتجسيم ، كما ينسب ذلك لهشام بن الحكم متكلّم الشيعة الأوّل ، حتّى أنّ هناك روايات عن الأئمّة (عليهم السلام) في الكافي وغيره يذمّون فيها هشام وقوله بالتجسيم . فإذا كان كذلك فلماذا نسبتم التجسيم لأهل السنّة فقط ؟

الجواب : المعروف عن الإمامية عند كُلّ طوائف المسلمين أنّهم لا يقولون بالتجسيم ، وتراثهم الروائي وكتابات علمائهم كُلّها تصرّح بذلك ، والعدو والصديق يشهد لهم بذلك ، أمّا ما ينسب لهشام بن الحكم فغير صحيح ، وإنّما هي فرية أشاعها عليه المجسّمة أنفسهم وخصوم الشيعة ، والسيّد المرتضى ـ رحمة اللّه عليه ـ ينقل حقيقة الواقعة التي اتّخذها الخصوم ذريعة لنسبة هذه الشنيعة لهشام بن الحكم ، وذلك في كتابه الأمالي والرسائل (١) .

ويقول : إنّ حقيقة الأمر تتلخّص في أنّ هشام كان في مجلس جدلي كلامي مع بعض متكلّمي أهل سنّة الجماعة من الأشعرية وغيرهم ، ومعروف عنهم وكما أسلفنا بيانه أنّهم ينسبون للبارئ صفات يلزم منها النقص والعياذ باللّه ، وهشام عندما يبيّن لهم اللوازم الباطلة لهذه النسبة يفرّون منه بقولهم المعروف (بلا كيف) ، أي : إنّنا ننسب هذه الصفات ولكن بلا كيف بشري ، أو بلا مماثلة ، فكان من هشام ومن باب الإلزام لهم وإحجامهم أن قال لهم يلزم من قولكم بلا كيف القول بأنّ اللّه تعالى جسمٌ لا كالأجسام ، وبدأ يثبت هذا القول من باب الإلزام لهم به ، وبيان بطلان قولهم وعدم كفاية قولهم (بلا كيف) بالتفصّي من هذا اللازم الباطل ، فعمد بعض الحاضرين لهذه المجادلة إلى نسبة هذا القول لهشام وإشاعته بين الناس حتّى أصبح من المشهور الذي يعرف عن هشام ، كيداً منهم بأهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم .

١- الشافي في الإمامة ١ : ٨٣ ـ ٨٤ .

٤٤٦

وبعد أن شاعت هذه النسبة والفرية على هشام ، وعدم جدوى دفاع الأصحاب لقلّتهم وكثرة خصومهم ، حتّى خيف أن تعمّ هذه النسبة لكُلّ الشيعة ويلحق بالمذهب ما ليس فيه ، تصدّى أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) لدفع أصل عقيدة التجسيم وتكذيبها وبيان بطلانها بالبراهين العقلية والنقلية ، ولم يلتفتوا إلى تبرأة الأشخاص ; لأنّ في هكذا حالات تكون مصلحة بيان حقيقة الهدى ومنهاج المؤمنين أهم من مصلحة الفرد وإن كان بريئاً ، بل وصل الأمر بأهل البيت (عليهم السلام) حرصاً على عقائد الطائفة أن ذمّوا هشاماً ذمّاً شديداً خوفاً من أن يصدّق أحد بنسبتها لهشام فيتأثّر بها ، وما كان الذمّ لهشام وغيره من الأصحاب كزرارة إلاّ حفاظاً عليهم ، مثلهم في ذلك مثل السفينة التي خرقها العبد الصالح حفاظاً عليها من أن يأخذها السلطان .

وهذه حقيقة صرّح بها أهل البيت (عليهم السلام) في عدد من الروايات .

سؤال : تفضّلتم أنّ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) سمحوا للاستفادة من العقل ، أمّا أهل السنّة فلم يسمحوا بذلك ، مع أنّنا نجد أنّ أهل السنّة استفادوا من العقل بشكل واسع جدّاً ، وتوغّلوا به حتّى في المباحث الفقهية ، فما تعليقكم على ذلك ؟

الجواب : لابدّ أن تعرفوا أنّ أهل البيت (عليهم السلام) لم يطلقوا العنان للعقل ، وإنّما حددوا مساحات خاصّة يتحرّك فيها العقل وبالحدود العلمية الصحيحة .

وأمّا أهل السنّة فلم أقل إنّه لا يوجد فيهم من يستفيد من العقل ، وإنّما قلت إنّ السطح الظاهر لهم على عدم الاستفادة منه ، كما نجد ذلك عند الحشويين والظاهريين والسلفيين والحنابلة والوهابية ، فإنّهم لا يسمحون للعقل بأيّ مستوى كان .

وأمّا الأشاعرة فلم يسمحوا للعقل إلاّ بحدوده الدنيا ، وفي مساحات غير واضحة ولا ممنهجة .

وأمّا قولكم بأنّ هناك من توغّل في العقل من أهل السنّة فنحن لا ننكر

٤٤٧

ذلك ، ولكنهم مع أنّهم لا يمثّلون السطح الظاهر لأهل السنّة ، إنّما يستعملون الظنون العقلية كالاستحسان والقياس ولا يقتصرون على البراهين العقلية .

سؤال : استدللتم على عدم صحّة ما ذهب إليه أهل السنّة ، وقولهم بثبوت الأعضاء للربّ عزّ وجلّ ، اعتماداً على ظهور بعض الآيات القرآنية ، بروايات أهل البيت (عليهم السلام) ، وهذه الطريقة في جواب القوم غير ملزمة لهم ; لأنّ تفسيرات أهل البيت (عليهم السلام) ليست حجّة عليهم ، فاللازم أن يكون جوابكم ملزماً لهم وأن تجيبوهم قرآنياً ، وبما هو مسلّم عندهم . فالآيات إذا كانت ظاهرة في ثبوت اليد وغيرها من الأعضاء للربّ تعالى ، فيلزم الأخذ بهذا الظاهر ، وتأويل الروايات المخالفة لذلك ، لا العكس ، فنأوّل القرآن بما ينسجم ومفاد الروايات .

الجواب : هذه المطالب سبق أن بيّناها مفصّلا ، ولا بأس بالتذكير بها ، فنقول : ممّا لا شكّ فيه أنّ مراد القرآن الكريم يلزم الأخذ به ، ولا يجوز العدول عنه بأيّ ملاك كان ، والروايات التي تخالف ذلك تأوّل بما ينسجم ومراد القرآن ، وإلاّ فيضرب بها عرض الجدار ، وهذا أمرٌ يعدّ من المسلّمات التي لا نقاش فيها ، وإنّما الكلام في كيفية الوصول لمراد القرآن ، وكيفية الاستفادة من القرآن ، لا في لزوم الأخذ بمراد القرآن ، وهذا هو ما دار البحث عنه في بحثنا السابق ، فلا يوجد هناك خلاف في أنّ ظهور القرآن حجّة ، ولكن أيّ ظهور هذا ؟ هل هو ظهور الحشويين والقشريين ؟

فالقرآن إنّما نزل بلغة لها موازينها وقوانينها وأساليبها ومناهجها العلمية في تحديد علاقة اللفظ بالمعنى ، وعليه لكي نحدد أيّ الظهور هو الصحيح ، وأيّ معنىً يريده القرآن الكريم لابدّ في المرحلة الأولى من تحديد الأسلوب والمنهج الصحيح في كيفية الاستفادة من القرآن الكريم وتحديد مراده ، وبدون ذلك لا نستطيع تحديد الحقّ مع مَن ، فأنا أدّعي الظهور وهو يدّعي الظهور ، أنا أدّعي التفسير وهو يدّعي التفسير ، فإلى من التخاصم ؟ ومن يحدد لنا الظهور الصحيح ؟

٤٤٨