×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ندوات مركز الأبحاث العقائدية ج 4 / الصفحات: ٤١ - ٦٠

وسيادة من عند غير الله لا تكتسب صفة الشرعية .

الولاية التي تأتي في امتداد ولاية الله لاينفيها القرآن ، وإنّما الولاية التي ينفيها القرآن هي الولاية التي تأتي من دون الله ، وإلاّ الولاية التي تأتي في امتداد ولاية الله ، يعني الشخص الذي يكتسب ولايته من عند الله ، القرآن لا ينفي شرعية هذه الولاية ، ولا ينهى المسلمين عن قبول هذه الولاية ، إنّما ينهى المسلمين عن قبول الولاية التي تأتي من دون الله ، بغير أمر الله ، بغير إذن الله : ﴿ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ أوْلِيَاءَ ﴾ (١) .

كلمة ﴿ مِنْ دُونِ ﴾ دقيقة جدّاً ، وتؤكّد بشكل دقيق النقطة التي أُريد أن أذكرها ، من أنّ مصدر شرعية الولاية هو الله تعالى ، أيّ ولاية تأتي في امتداد ولاية الله ولاية شرعية ، وأيّ ولاية تأتي في غير هذا الامتداد تنقصها الشرعية ، لله الولاية الحقّ بلا إشكال ، ولا يختلف في ذلك مسلم إطلاقاً ، هذا الأمر الذي يتّفق عليه المسلمون جميعاً ، أنّ الولاية لله ، الحاكمية والسيادة في التكوين والتشريع لله تعالى ، ولا يختلف في ذلك مسلم عن آخر .

ولكن الولاية التي في حياة الناس على قسمين ، القرآن يميّز بينهما بشكل واضح ، الولاية التي تأتي في امتداد ولاية الله ، والامتداد يعني بإذن الله ، هذه ولاية مشروعية ، لا ينهى عنها القرآن ولا ينفيها ولا يطردها .

والنوع الثاني من الولاية التي تأتي من دون الله ، هذه الولاية يطردها القرآن وينفي شرعيتها : ﴿ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ أوْلِيَاءَ ﴾ (٢) ، ﴿ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أوْلِيَاءَ ﴾

هذا الأصل الأوّل ، فالأصل الأوّل يشير إلى نقطة أساسية حسّاسة ، وهي أنّ الولاية لله ، والحاكمية والسيادة في حياة الإنسان لله تعالى فقط ، وكُلّ ولاية في

١- هود : ٢٠ .

٢- هود : ٢٠ .

٤١

حياة الناس في التاريخ في المجتمع تأتي في امتداد ولاية الله مشروعة ، وكُلّ ولاية تأتي من دون الله تعالى ولاية غير مشروعة ، هذا الأصل الأوّل .

الأصل الثاني : لكي نثبت شرعية أيّ حاكم من الحكّام ، شرعية أيّ إمام وخليفة ، نسأل : هل ولايته مستندة إلى الله أم لا ؟

إذا كانت ولايته تستند إلى الله فهي مشروعة ، وإذا كانت لا تستند إلى الله فهي ناقصة الشرعية ، ولا تصحّ ولا تكتسب الولاية والإمامة الشرعية إلاّ إذا قامت حجّة صريحة على استنادها إلى الله تعالى ، إذا لم تقم حجّة شرعية صحيحة على استنادها إلى الله تعالى لانستطيع أن ننسبها إلى الله ، يقول الله تعالى : ﴿ قُلْ أاللّهُ أذِنَ لَكُمْ أمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ ﴾ (١) ، عندما ننسب شرعية ولاية حاكم إلى اللّه ، نسأل الدليل على ذلك ، إذا كان عندنا حجّة كافية فهذه الولاية شرعية ، وإن لم تكن لدينا حجّة شرعية فيشمله قوله تعالى : ﴿ قُلْ أاللّهُ أذِنَ لَكُمْ . . . ﴾ .

ونحن عندما نطالع النصوص كتاباً وسنّةً لا نجد على الإطلاق دليلا واحداً ، وحجّة واحدة ، أقول : حجّة واحدة ; لأنّها إذا كانت حجّة واحدة فهي تكفي ، ولكن لا نجد حجّة واحدة في كُلّ الكتاب ، وما صحّ عن سنّة وحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على حجيّة انتخاب الناس واختيار الناس ولا دليلاً واحداً ، لا في أحاديثنا ولا في كتاب الله الذي يجتمع عليه المسلمون ، ولا في أحاديث أهل السنّة ، وهذا ادّعاء وعهدة إثباته عليه ، أنا فاحص فليس عندنا إطلاقاً دليل وحجّة ونصّ على شرعيّة الانتخاب ، وأنّ الانتخاب والاختيار يمنح الحاكم شرعية الولاية والحكم على الإطلاق .

إذن ، شرعية الخلفاء والحكّام ، شرعية أيّ حاكم ـ نحن نبتعد عن القضية التاريخية حتّى لا تولّد عندنا حساسيات معيّنة ـ تعرض على هذا المحك ، هل هناك من حجّة على نسبة إسناد هذه الولاية إلى الله تعالى في الكتاب في الحديث

١- يونس : ٥٩ .

٤٢

أم لا ؟ إن لم يكن هناك آية من كتاب تدل على حجّية الانتخاب والاختيار ، ولا حديث واحد من حديث رسول الله يدلّ على شرعية الانتخاب والاختيار ، فالإمام الذي يأتي بالانتخاب والاختيار تشمله هذه الآية الكريمة : ﴿ قُلْ أاللّهُ أذِنَ لَكُمْ أمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ ﴾ هذه المناقشة على نحو الإجمال .

أنتقل فيما تبقّى من الوقت في المناقشة التفصيلية لأنّ هذه المسألة حسّاسة وخطرة كما ذكرت لكم ، هذه النظرية نظرية الاختيار والانتخاب هي النظرية التي شقّت المسلمين شقّين ، ولم يلتحما إلى اليوم ، هي النظرية التي أوجدت هذا الخلاف العميق بين المسلمين ، لذلك هذه النظرية تستحق أن نتوقّف عندها أكثر .

أقول : مسألة انتخاب الحاكم واختيار الحاكم يمكن أن تعتمد على واحد من الاثنين ، أي : انتخاب الحاكم واختيار الحاكم من قبل المسلمين يعتمد على أحد الأساسين .

الأسس الشرعية في الحاكمية :

الأساس الأوّل : حقّ الإنسان في تقرير مصيره .

الأساس الثاني : التفويض من عند الله .

الأساس الأوّل يقول : الإنسان حاكم على مصيره ، لذلك هو يقرر مصيره السياسي ، هؤلاء المسلمين يحكمون مصيرهم ، فمن حقّهم أن يقرّروا مصيرهم السياسي بأنفسهم بانتخاب الحاكم ، هذا الأساس الأوّل لنظرية الانتخاب .

الأساس الثاني لنظرية الانتخاب : إذا نفينا حقّ الإنسان في تقرير مصيره السياسي وقلنا إنّ الإنسان ليس عنده الحقّ في تقرير مصيره ، والله عزّ وجلّ هو الذي يتولّى شأن الإنسان ، ولكن الله فوّض الجماعة المسلمة هذا الحقّ ، فإذن الأساس الثاني هو التفويض .

فأوّلا أناقش الأساس الأوّل ، بعد ذلك أناقش الأساس الثاني .

٤٣

الأساس الأوّل وهو حقّ تقرير المصير ، يعني الإنسان يملك حقّ تقرير المصير ، هذه النظرية المعاصرة والمعروفة بالديمقراطية ، الديمقراطية هي النظرية الوحيدة التي تمكّنت لحدّ اليوم في المدارس العلمانية أن تعطي تفسيراً لشرعية الدولة ، شرعية الدولة من أين تأتي ؟

الدولة لها السيادة ، تحكم ، تبعث الناس إلى القتال ، تأخذ من الناس الضرائب ، تفرض على الناس فروضاً ، تسجن الناس ، تسود الناس ، من أين تكتسب الدولة السيادة ؟

هذه مسألة مهمّة ، ويوجد علم خاص يسمّونه الفلسفة السياسية ، الفلسفة السياسية تبحث عن مصدر لشرعية الدولة ، الديمقراطية أفضل نظرية استطاعت لحدّ اليوم أن تقدّم تفسيراً معقولا علمياً لسيادة الدولة ، هذه النظرية قديمة ، وأوّل من أثار هذه النظرية هو عالم إنجليزي اسمه (توماس هابس) المتوفّى سنة ١٦٧٩ م ، هذا وضع اللبنة الأولى لنظرية العقد الاجتماعي ، ثُمّ بعد ذلك جاء الطبيب الإنجليزي (جان لاك) المتوفّى سنة ١٧٠٧ م ، ثُمّ اكتملت النظرية باسم نظرية العقد الاجتماعي على يد (جان جاك روسو) والّذي هو من منظّري الثورة الفرنسية ، وهي تتضمّن ثلاث نقاط :

الأسس الأوّلية للنظرية الديمقراطية :

النقطة الأولى : لا ولاية لإنسان على إنسان إطلاقاً .

النقطة الثانية : الإنسان له الولاية على نفسه .

النقطة الثالثة : الإنسان يستطيع أن يعطي هذا الحقّ الذي على نفسه للآخرين ، الأمّة تجتمع وتعطي حقّ الولاية إلى شخص ، إلى هيئة ، إلى برلمان ، إلى رئيس جمهورية ، هذه هي الديمقراطية .

الديمقراطية كما ذكرت لكم تفسّر الدولة العلمانية ، وفي الأساس الديمقراطية أو نظرية العقد الاجتماعي نظرية مادّية تنفع في توجيه وتفسير

٤٤

شرعية الحكم والسيادة للدولة العلمانية ، ولا يمكن أن نوظّف نظرية العقد الاجتماعي في تفسير الدولة الإلهية ، نحن نعتقد أنّ السيادة لله ، نحن عقيدتنا في الدولة في السياسة تختلف عن الديمقراطية في نقطتين أساسيتين :

النقطة الأولى : الديمقراطية الحديثة القائمة على نظرية العقد الاجتماعي تعتقد أنّ الشعب هو مصدر السلطة التنفيذية ، وهي من حقّ الشعب .

النقطة الثانية : تعتقد أنّ الشعب له حق التشريع ، وبتعبير آخر : نظرية العقد الاجتماعي تذهب إلى أنّ الشعب مصدر السلطات الثلاث ، السلطات الثلاث هي : السلطة التنفيذية ، والسلطة التشريعية ، والسلطة القضائية ، الشعب مصدر هذه السلطات .

نحن في الإسلام عندنا عكس ذلك تماماً ، وهو أنّ مصدر السلطات هو الله سبحانه وتعالى .

فإذن نحن والديمقراطية على مائة وثمانين درجة من الاختلاف والتباين .

وللأسف سرى هذا المصطلح في أجواء الإسلاميين بفعل الظروف الضاغطة كثيراً ، الديمقراطية ليست مصطلحاً ، بل هي مذهب سياسي ، وهذا المذهب السياسي له خلفية فلسفية بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة ، والخلفية السياسية ، للديمقراطية خلفية مادية بالمعنى الدقيق ، وليس بالضرورة أنّ الذين يتبنّون الديمقراطية يكونون ملحدين ، لكن بالضرورة الديمقراطية ليست قائمة على النظرية التوحيدية الإلهية ، الديمقراطية قائمة على النظرية المادّية البحتة ، من أنّ الإنسان يحكم نفسه ، والشعب مصدر السلطات الثلاث ، الشعب مصدر كُلّ سلطة .

نحن في الإسلام عندنا الشورى ، وفي الغرب الديمقراطية ، الشورى قريبة من الديمقراطية ، فلماذا نختلق الخلاف والصراع بين النظرتين ؟ الشورى والديمقراطية شيء واحد ، ونتبنّى الديمقراطية وعن طريق ذلك نحاول أن نكوّن أرضية سياسية واحدة تجمعنا والجماعات العلمانية التي نشترك معهم في ساحة المعارضة .

٤٥

هذا خطأ جدّاً كبير ، الديمقراطية ليست مصطلحاً أو مفهوماً ، الديمقراطية مذهب سياسي ، وخلف هذا المذهب فلسفة سياسية ، وهذه الفلسفة قائمة على أساس مادّي بحت ، وهذا الأساس المادي هو أنّ الشعب مصدر السلطات ، والقرآن يؤكّد أنّ الله تعالى هو مصدر كُلّ السلطات .

أنا أقرأ عليكم هذه المجموعة من الآيات ، يقول تعالى : ﴿ إن الحكمُ إلاّ لله ﴾ ، ﴿ أمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أوْلِيَاءَ فَاللّهُ هُوَ الوَلِيُّ ﴾ (١) ، الولاية التي تأتي في امتداد ولاية اللّه مشروعة ومقبولة ، ولكن الولاية المرفوضة التي يرفضها الإسلام هي الولاية التي تأتي من دون الله ، ﴿ أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أوْلِيَاءَ ﴾ (٢) ، ﴿ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ أوْلِيَاءَ ﴾ (٣) ، ﴿ قُلْ أغَيْرَ اللّهِ أتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ ﴾ (٤) ، والتشريع لله تعالى فقط في الإسلام ، ﴿ أفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ (٥) ، ﴿ اتَّبِعُوا مَا اُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أوْلِيَاءَ ﴾ (٦) .

إذن ، الديمقراطية والتوحيد يتقاطعان تماماً ، يعني عندنا حالتان فلسفيتان متقاطعتان ، الفلسفة القرآنية في السيادة والفلسفة الديمقراطية في السيادة ، هما فلسفتان متقاطعتان تماماً ، ولا نستطيع أن نجعل من الديمقراطية أساساً لشرعية الولاية والحكم أبداً .

إذن ، الولاية لله تعالى وحده ، والسلطات كُلّها لله تعالى ، وهو الذي يعيّن

١- الشورى : ٩ .

٢- الكهف : ١٠٢ .

٣- هود : ٢٠ .

٤- الأنعام : ١٤ .

٥- آل عمران : ٨٣ .

٦- الأعراف : ٣ .

٤٦

الأولياء فقط ، لاحظوا الآية المباركة من سورة الأحزاب دقيقة جدّاً : ﴿ النَّبِيُّ أوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ ﴾ (١) نحن ليس عندنا تفسير للولاية أفضل من هذا التفسير ، ليس عندنا تحديد لمعنى الولاية أفضل من هذا التحديد : ﴿ أوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ ﴾ .

الأولوية متى تأتي ؟ تأتي عند تزاحم الإرادات ، وإلاّ أنا وأنت إذا أردنا أن نخرج سوية عندنا طريق مشترك ، لا إرادتي أولى من إرادتك ، ولا إرادتك أولى من إرادتي ، نمشي على طريق مشترك ، متى نحتاج إلى الأولوية عندما تتزاحم الإرادات ، عند ذلك الإرادة الأولى هي الإرادة التي تحكم الإرادة الأُخرى ، عندما تتزاحم الإرادات الإرادة الحاكمة هي إرادة الولاية ، القرآن الكريم يقول : النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، فتثبت الولاية لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهذه الولاية هي بالذات الولاية التي انتقلت عن رسول الله في يوم غدير خم .

هذا المعنى بالذات يشير إليه رسول الله في غدير خم ، يقول : ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟

إشارة إلى آية الأحزاب ، قالوا : اللهم بلى . قال : «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه»(٢) ، فالولاية الثابتة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بنصّ من كتاب الله ينقلها رسول الله إلى أمير المؤمنين في غدير خم .

وهذه الولاية هي التي تتسلسل في الأئمّة (عليهم السلام) واحداً بعد واحد إلى الإمام الحجّة عجّل الله فرجه ، خاتم الأولياء ، وفقهاؤنا نواب ، يعني فهمنا الفقهي لولاية الفقيه في عصر الغيبة أنّ الفقيه نائب ووكيل للإمام ، وإلاّ الإمام الحجّة عجّل الله فرجه خاتم الأئمّة ، فترون أنّ هذا الفهم المتسلسل يتناسق مع الفهم التوحيدي

١- الاحزاب : ٦ .

٢- مسند أحمد ١ : ٨٤ ، ١١٨ ، ١١٩ ، ١٥٢ ، ٣٣١ ، ٤ : ٢٨١ ، ٣٦٨ ، ٣٧٠ ، ٣٧٢ ، ٥ : ٣٤٧ ، ٣٦٦ ، ٣٧٠ ، ٤١٩ ، سنن ابن ماجة ١ : ٤٥ ، سنن الترمذي ٥ : ٢٩٧ .

٤٧

لمسألة الولاية ، الولاية لله يعطيها لرسول الله لأمير المؤمنين ، وتتسلسل الولاية إلى الإمام الحجّة عجّل الله فرجه ، وفي عصر الغيبة يتصدّى الفقهاء نيابة عن الإمام الحجّة عجّل الله فرجه ، هذا الخط النازل للولاية والخط الصاعد كذلك : ﴿ وَأطِيعُوا الرَّسُولَ وَاُوْلِي الأمْرِ مِنْكُمْ ﴾ (١) .

إذن ، الفهم الأوّل ، أي : الفهم الغربي للولاية والسيادة والحاكمية كما ذكرت لكم الآن وأكرر أفضل فهم علمي قُدّم لشرعية الدولة في النطاق العلماني ، ولكن لا تستطيع الديمقراطية إطلاقاً أن تقدّم لنا تفسيراً للولاية الشرعية ، فأيّ فهم قائم في مسألة الولاية على أساس أنّ المسلمين لهم حق تقرير المصير ، ويجتمعون وينتخبون لأنفسهم حاكماً ، وهذا الحاكم يكتسب صفة الشرعية ; لأنّ أصحاب الحقّ هم الذين انتخبوه وكيلا عنهم في ولاية أمورهم ، هذا فهم غير إسلامي ، وهو الفهم القائم على أساس الديمقراطية الحديثة ، وهذا الفهم متقاطع تماماً مع الفهم التوحيدي ، عندنا نظرية أُخرى وهي نظرية التفويض ، بلى نظرية التفويض لا تتقاطع مع التوحيد ، إذا اعتبرنا أنّ الله عزّ وجل هو الذي أوكل الجماعة المسلمة في انتخاب حاكم لهم ، إذا اعتبرنا هكذا أنّ الله تعالى ـ أكرر ـ هو الذي أوكل الجماعة المسلمة في انتخاب حاكم لأنفسهم ، وانتخابهم مشروع في جانب الله ، هذا الفهم لا يتقاطع مع التوحيد ، هذا الفهم الثاني لنظريّة التفويض لا تتقاطع مع التوحيد ، ولكن نظرية حقّ المصير تتقاطع بشكل كامل مع التوحيد ، وبينها وبين التوحيد مائة وثمانين درجة من الاختلاف والتباين ، ولكن العيب في النظرية الثانية ، هو أنّه لا دليل لديناً إطلاقاً من كتاب الله ولا في ما صحّ من سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الفريقين على أنّ الله فوّض إلى المسلمين أمر انتخاب الإمام .

والحمد لله ربّ العالمين .

١- النساء : ٥٩ .

٤٨

٤٩

الأسئلة والأجوبة

سؤال : أحبّ التعليق على عبارة أنّ الديقراطية في النظرية المادية أفضل تفسير علمي ، أقول : حتّى على المستوى المادي فهي ليست تفسّر حاكمية الدولة ; وذلك لأنّ الديمقراطية في نظرهم أنّه لو ٥١% من الشعب ينتخب لصالح جهة فهي التي تحكم فمعناه أنّ الـ ٤٩% من الشعب لا يريد هذه الدولة ، إذن معناه لا يطيعون فتصبح فوضى ، فلا تفسّر حاكمية الدولة حتّى على المستوى المادي عندهم ، وإنّما قد نقول هم مضطرون إليها .

الجواب : كلامكم صحيح ، يعني هذه الشبهة في الديمقراطية ليس لها جواب إطلاقاً ، وأوّل من أثار هذه الشبهة (هارول جيم لاسكي) فيلسوف إنجليزي متخصص في فلسفة السياسة ، وأثار هذه النقطة ولم يتصدّ أحد لحلّ هذه المشكلة إطلاقاً ، أنتم ماذا تعملون تحكّمون إرادة ٥١% على ٤٩% وتلغون إرادة ٤٩% في مقابل إرادة ٥١% هذه الشبهة ليس لها جواب ، كلامكم صحيح .

سؤال : يقولون : لا يوجد أيّ نصّ قرآني يثبت نظرية الجمهور ، لكن الجمهور دائماً يحتجّ بنصّ قرآني يكاد يكون سمة مشتركة بينهم وهو قوله تعالى : ﴿ وَأمْرُهُمْ شُورَى بَـيْنَهُمْ ﴾ فهم يعتبرون أنّ هذا هو النصّ الذي يؤيّد نظرية الجمهور فما هو الجواب ؟

الجواب : أنا فكّرت بمناقشة نظرية الشورى ، عندنا في القرآن آيتان في الشورى على نحو الصراحة : ﴿ وَأمْرُهُمْ شُورَى بَـيْنَهُمْ ﴾ (١) ، ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ ﴾ (٢) وعندنا آيات أُخرى بهذا المضمون ، ولكن هاتين الآيتين صريحتان ، ليس في الآية الأولى ﴿ وَأمْرُهُمْ شُورَى بَـيْنَهُمْ ﴾ ولا في الآية الثانية :

١- الشورى : ٣٨ .

٢- آل عمران : ١٥٩ .

٥٠

﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ ﴾ أيّ دلالة على أنّ الشورى عامل إلزامي ، أمرهم شورى بينهم مطلق ، يشمل كُلّ أمر للإنسان من الحياة السياسية إلى الحياة الاجتماعية إلى الحياة الاقتصادية وإلى الحياة الشخصية ، ليس خاص في الشؤون السياسية ، ولا يوجد فقيه إلى الآن يقول بأنّ الشورى ملزمة اجتماعياً وفردياً ، مثلا : إذا أراد أحد أن يتزوج لابدّ أن يستشير ، الشورى مفضّلة ، ولكن هل الشورى ملزمة ؟

الحاكم يستشير فيما تنتابه من الأُمور ، وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يستشير ، ولكن هل الشورى ملزمة ؟

ليس عندنا دليل على أنّ الشورى ملزمة ، نعم هي لازمة ، وبين اللازمة والملزمة فرق شاسع ، لابدّ للحاكم أن يستشير ، هذا يطلقون عليه لازم ، الشورى لازمة ، إذن الشورى لازمة بالتأكيد ، ولكن هل ملزمة أيضاً ؟ هذه الآية ليس فيها دلالة : ﴿ وَأمْرُهُمْ شُورَى بَـيْنَهُمْ ﴾ ليس فيها دلالة على أنّ مخالفة الشورى حرام ، ليس فيها دلالة أنّ الحاكم يجب أن يطيع ، أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ وقد أشار إليه ابن عبّاس بأمر ـ يقول له : «عليك أن تشير فإذا خالفتك أطعني»(١) ، أنت بحكم كونك من أهل الحلّ والعقد عليك أن تشير عليّ فإذا خالفتك فأطعني .

فإذن الشورى لازمة بالتأكيد ، ولكن غير ملزمة .

ليس عندنا دليل على ذلك ، إثباتها على عهدة مدّعيها ، وإذا ثبت أنّ الشورى ملزمة ، تتغيّر كثيراً من القضايا الفقهية .

ولنفرض نحن مجموعة نريد أن ننتخب إماماً وتمخّض رأي تسعة وتسعين بالمائة على شخص وواحد خالف ، ما الذي يلزمه بطاعة هذا الإمام ؟ ليس عندنا دليل على إلزامية الشورى : ﴿ وَأمْرُهُمْ شُورَى بَـيْنَهُمْ ﴾ ، إذا كان فيها ما يشعر بالإلزام الكلام صحيح ، ولكن مادامت الآية لا تحمل إلاّ صفة لزوم الشورى دون إلزامية الشورى ، فإذا خالف جمعٌ ـ ولم يتّفق الناس جميعاً على الإمامة منذ بدء

١- تاريخ ابن خلدون ٢ : ١٥٢ .

٥١

التاريخ إلى اليوم أبداً ـ فما الذي يلزمهم على طاعة الرأي الذي تمخّض عنه الشورى ؟

على أنّ هناك إشكالاً آخراً غير هذا الإشكال لا أعتقد أنّ الفرصة كافية للبحث عنه .

تعليق أحد المستمعين : مولانا يمكن لكم الإجابة من نفس الآية المباركة حيث قال تعالى : ﴿ فَإذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ ﴾ (١) ، يعني لو كانت تلك الدعوى صحيحة لكانت الآية تقول مثلا ـ وإذا عزمتم ـ ولكن جعلت ذلك معلّقاً على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

الجواب : نعم ، يقول فتوكّل على الله في تنفيذ أمر الشورى .

سؤال : أنتم ذكرتم أنّ الولاية التي لا تكون من قبل الله تعالى مرفوضة إلاّ إذا كانت في طول الولاية الإلهية ، ونحن نستطيع أنّ نفسّر أنّ الحكم الديمقراطي قد يكون مورداً للطولية إذا ما لوحظت الإنسانية بحدّ ذاتها ، والتي أشارت إليها آية الاستخلاف في سورة البقرة : ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (٢) كإنسان لم لا يكون هذا الإنسان بإنسانيته في طول الولاية الإلهية ؟

سؤال ثان : الملاحظ أنّ الديمقراطية إلى الآن قد أثبتت نجاحها المتفوّق دائماً على مستوى الحكم ، حتّى التزم بها الكثير من الإسلاميين ، كما نلاحظ اليوم في حزب الرفاه ، جبهة الإنقاذ ، الإخوان المسلمين في مصر ، في اليمن مقتنعين بالمشاركة لانتخاب مجالس الشورى ، وما نراه اليوم بالطرح الإيراني المعاصر .

سؤال ثالث : ألسنا نلاحظ في الطرح الديمقراطي الحفاظ على الحريات الإنسانية فإنّنا لا نلاحظ ذلك في الحكومة الدينية التي تسعى دائماً إلى محاولة إلغاء الآخر ؟

١- آل عمران : ١٥٩ .

٢- البقرة : ٣٠ .

٥٢

سؤال رابع : وهو يدور تقريباً حول نظرية ولاية الفقيه التي تفضّلتم بها ، وأنّها امتداد لولاية الأئمّة (عليهم السلام) التي هي بحدّ ذاتها امتداد للولاية الإلهية ، في مسألة الإمامة نحن نرى أنّ هناك نصّاً يتوجّه إلى الإمام بالتعريف ، وهذا في النظرية الشيعية وفي الفرضية الشيعية ، وحتّى الآن يعني أربعة أخماس المسلمين لم يقبلوا ذلك ، لكن داخل الوسط الشيعي ، وداخل النظرية المعرفية الشيعية بحدّ ذاتها التي تنظّر لولاية الفقيه ، ألسنا سنعيش محنة التنصيص في ولي الفقيه ، هل نُبتلى إمّا بالديمقراطية من جديد أو نلجأ إلى مجلس الخبراء الذي هو محاولة ووجه آخر لعملة واحدة من الديمقراطية أو نؤمن بنظرية شورى الفقهاء ؟

الجواب ـ ١ ـ : آية الخلافة ليس معناها أنّ الإنسان امتداد لله تعالى في التشريع ولا في السيادة ، هذا ليس مفهوماً من آية الخلافة . إذا كان المفهوم من آية الخلافة : ﴿ إنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً ﴾ (١) أنّ الإنسان امتداد لله في الولاية والسيادة والتشريع ، كلامكم يكون صحيحاً ، عندئذ يكون الإنسان خليفة الله ، يعني كما أنّ الله يشرّع الإنسان يشرّع ، وكما أنّ الله يحكم الإنسان يحكم ، وهذا لا أعتقد أنّ أحدا يقول به ، ولا أنتم تقولون بهذا من أنّ الإنسان خليفة الله في التشريع وخليفته في السيادة والحاكمية .

فإذن هذا الامتداد يلغى ، ولا يفسّر لنا القضية التي نحن بصددها ، نحن نبحث عن قضية السيادة ، السيادة لابدّ أن تنسب إلى الله ، ومن دون الله السيادة باطلة وغير شرعية ، وبآية الخلافة لا نستطيع أن نتمسّك .

الجواب ـ ٢ ـ : نجاح الديمقراطية والممارسة الإسلامية للديمقراطية في الوقت الحاضر ، في الحقيقة الإسلاميون في الوقت الحاضر من ابتلاءاتهم الديمقراطية ، وكما ذكرت لكم يأخذون بالمساحة المشتركة بين الشورى والديمقراطية ، ولا بأس هذه المساحة المشتركة بين الشورى والديمقراطية نأخذ

١- البقرة : ٣٠ .

٥٣

بها ، الشورى تكسب لنا كُلّ مكاسب الديمقراطية ، وتجنّبنا من كُلّ مساوئ الديمقراطية ، الديمقراطية فيها مكاسب وفيها مساوئ ، المكاسب هي أنّها تشرك الناس في تقرير مصيرهم تُسهم الناس تشعر الناس ، هذه من مكاسب الديمقراطية ، والمساوئ الشرك بالله تعالى ، نجعل لله شريكاً ، الله يشرّع والإنسان يشرّع ، الله يحكم والإنسان يحكم ، الله مصدر السلطات والإنسان مصدر السلطات ، شرك صارخ ، الشورى تكسبنا كُلّ مكاسب الديمقراطية ، تشعر الإنسان المسلم : «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيّته»(١) ، أنت في مجتمع تبني نفسك ، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يحترم الشورى كثيراً ، لذلك في حرب أحد ما كان من رأي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يخرج من المدينة ، لكنه قبل برأي الشورى عندما رأى إصرار المسلمين ، كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو المعصوم يحترم رأي الشورى .

إذن فتكسب لنا كُلّ مكاسب الديمقراطية ، وتجنّبنا مساوئ الديمقراطية ، وأكبر سوء في الديقراطية الشرك بالله تعالى ، والشورى تجنّبنا هذه النقطة .

الجواب ـ ٣ ـ : الحريّات الإنسانية ، نقصد الحرية في أيّ شيء ؟ هذه من المفاهيم التي أيضاً دخلت إلى عالمنا الإسلامي في هالة من الإعلام في بريق من الغرب ، مسألة الحرية ، كما دخلت مسألة الديمقراطية في عالمنا الإسلامي ، تأمّلوا في آيات القرآن لا تجدون آية واحدة فيها حرية ، ثُمّ ابحثوا عن الآيات التي فيها العبودية ، والطاعة والتسليم والانقياد والاستسلام والدين والشريعة والحاكمية والولاية ، تجدونها كثيرة في القرآن ، القرآن مليء بالعبودية والطاعة والتسليم والولاية ، ولا تجدون مورداً واحداً في الحرية ، فالحرية من المفاهيم التي دخلت في بلادنا من دون رصيد فكري ، دخلت في هالة ، وفي ظروف الاستبداد السياسي الحاكم في عالمنا الإسلامي ، ووجود حكّام كانوا يمارسون الاستبداد السياسي

١- صحيح البخاري١ : ٢١٥ ، ٢ : ٧٩ ، ٣ : ٨٨ ، ١٢٥ ، ١٨٩ ، ٦ : ١٤٦ ، ١٥٢ ، ٨ : ١٠٤ ، صحيح مسلم ٦ : ٨ ، مسندأحمد ٢ : ٥ ، ٥٤ ، ١١١ ، ١٢١ .

٥٤

بأقبح وأبشع ألوانه ، ولذلك وجدت الحرية طريقاً واسعاً إلى قلوب المسلمين .

نحن عندنا الحرية في الإسلام لها مفهوم معاكس ، الحرية من الأهواء ، الحرية من الشهوات ، الحرية من الظالمين ، يتحرّر الإنسان من ظلم الظالم ، يتحرّر من الطاغوت ، يتحرّر من الأغلال ، يتحرّر الإنسان من الأهواء والشهوات ، وعندنا طاعة وتسليم وانقياد ، الله يقول له : تحرّك يتحرّك ، يقول له : قف يقف ، يقول له : تكلّم يتكلّم ، يقول له : اسكت يسكت ، الإسلام يساوي العبودية لله .

أنا لا أريد أنفي الحرية أبداً ، الحرية من الأهواء ، الحرية في الشهوات ، الحرية من الظالمين موجودة ، التحرّر من الظالم عظيم في الإسلام ، التحرّر من سطوة الظالم ، وإنّما أقول التركيز في الثقافة الإسلامية ليس على الحرية ، وإنّما التركيز في الثقافة الإسلامية على العبودية والتسليم والطاعة والولاية والشريعة والدين ، الدين يعني الإدانة .

الجواب ـ ٤ ـ : نظرية ولاية الفقيه ليست تجسيداً للديمقراطية ، نحن نعتقد أنّ الفقيه هو وكيل الإمام الحجّة عجّل الله فرجه ونائب عنه ، لكن عندما يتعدّد النواب عندنا مجموعة مؤهّلة لنيابة الإمام عجّل الله فرجه ، ولابدّ من توحيد الولاية ، حيث إنّ تعدّد الولاية تسبّب للمسلمين مشاكل كثيرة ، عند ذلك بطبيعة الحال العقل يحكم بشكل قطعي من أنّ الذي ينتخبه أكثر الناس هو الذي يكتسب عنوان الشرعية في ولاية الإمام الحجّة عجّل الله فرجه ، فهناك فرق بين الممارسة الفعلية في الجمهورية الإسلامية في انتخاب الولي الفقيه ، وبين الديمقراطيات الحديثة .

سؤال : إذا فاز حزب مثلا في نظام ديمقراطي في أغلبية برلمانية ومسك الحكم فهل يكون حكمه شرعياً أم لا يكون شرعياً ؟

وإذا ما كان شرعياً فما هو الحل خاصّة مع أنّنا نعرف التعقيدات للنظم والدولة العصرية التي من الصعب ارتباط هؤلاء الشيعة مع ولي الفقيه وأنّها في درجة عالية من الخطورة ؟

٥٥

ثمّ نقطة أُخرى وهي إذا لم يكن فوز هذا الحزب في بلد مثلا ديمقراطي في الأغلبية شرعياً فلماذا التباكي واتّهام الأنظمة القمعية في الدول العربية ؟ ولماذا لا يكون الخطاب الشيعي الرسمي ضدّ هذه الأحزاب في المعترك السياسي من الأساس ؟

الجواب : نحن في تاريخنا المعارضة السياسية ليست جديدة ، الشيعة كُلّ تاريخهم معارضة سياسية ، ممتدّة من عصر بني أُمية إلى نهاية العصر العثماني ، حيث انقطعت الخلافة الإسلامية ، ثمّ يشكّلون معارضة سياسية في الدول العلمانية التي توالت بعد ذلك ، فصيغة المعارضة واحدة من اثنين .

إذن نحن نعيش في هذا التاريخ في دولة غير شرعية ، يعني من بداية العصر الأموي إلى نهاية العصر العثماني نعيش حالة معارضة ، يعني نعيش في دولة لا تملك الصفة الشرعية ، وفيما توالت الدول بعد ذلك ، وعندنا حالة الجمهورية الإسلامية حالة فريدة في تاريخنا ، ليس لها نموذج ثان ، فنحن نعيش المعارضة ، المعارضة لها أحد حالتين إمّا أن تعيش حالة المقارعة وحالة المواجهة وحالة الانزواء وهي المعايشة السلبية ، كما الآن في العراق ، المعارضة تعيش معايشة سلبية مع النظام ، مواجهة وقمع وصِدام مسلّح .

وفي حالة أُخرى وهي الحالة التي ليست الصِدام المسلّح والمقارعة ، وهي حالة إيجابية ، كما كان المؤمنون يعيشون بعض العصور في العصر الصفوي مثلا ، أو مع بعض الحكومات ، يشاركون فعلا مع أنّ الحكومة غير شرعية في المقياس الشرعي ، لكن نحن نستفيد من الفرص المتاحة للمؤمنين ، ونكتسب المواقع السياسية ، المواقع الإدارية ، المواقع الثقافية المواقع الدينية ، في هذا المجتمع ، لماذا نترك هذه المواقع تفوتنا ؟ ! فبطبيعة الحال لو أنّنا وجدنا فرصة في دولة غير شرعية لاحتلال جملة من المواقع في البرلمان ، فهذا جيّد إذا استطعنا أن نحوّل المعارضة من صيغتها السلبية إلى صيغة معايشة إيجابية ، واستطعنا أن نكتسب بعض المواقع

٥٦

بعض الكراسي والحقائب الوزارية لمصلحة المذهب ، لمصلحة المضطهدين من الشيعة ، لمصلحة المؤمنين المسلمين عموماً ليس فيه بأس .

وهذا عنوان ثانوي ، وأبواب العناوين الثانوية مفتوحة ، وليس بالضرورة إذا فرضنا أنّنا تعايشنا مع نظام معايشة إيجابية ، كما كان فقهاؤنا يتعايشون معايشة إيجابية مع النظام الصفوي في إيران ، ليس بالضرورة أنّ هذا النظام يكتسب الصفة الشرعية .

سؤال : ما هو المانع أن نقول : إنّ نظام الحكم والسيادة التكوينية لا التشريعية ، كعلم الطب والفيزياء والهندسة لا ربط له بالدين في تطوّره ؟ والدليل على ذلك أنّ الشرق لم يتدخّل في عرض أطروحات ومنهجية لنظام الحكم وبقي نظام الحكم قائماً على تطوّر النظريّات العقلية وتطبيقها في المجتمع ، وإن كانت هذه النظريات ظهرت على الإسلام هذا لا يعني أنّ الإسلام جاء بها ، بل تعرض كالفلسفة ، فتكون إسلامية ثُمّ تكون مقبولة عند المجتمع ، وإذا أردنا أن نلاحظ الأضرار أيضاً فعلم الطب فيه أضرار ولكن يُطبق في المجتمع وتموت الآلاف ومع ذلك النتيجة مقبولة وتكون شرعية ؟

الجواب : المسألة لها مدخلان : المدخل الأوّل الذي أشرت له أنّ في الإسلام لا يوجد أشياء منفصلة عن النظام السياسي والنظام الاقتصادي والنظام الاجتماعي والنظام الإداري هذه خاضعة لتطورات الزمن ، فليس عندنا أشياء منفصلة في النظام الإداري مثلا ، عندنا عهد لمالك الأشتر ، عهد مالك الأشتر لا يدير دولة ، أقول مسألة الدولة الإسلامية لا تنطلق من هذا المحور ، تنطلق من محور السيادة ، يوجد شيء آخر اسمه السيادة ، السيادة لمن ؟

الجواب على هذا السؤال هو الحدّ الفاصل بين الدولة الدينية أو الدولة الإلهية نسمّيها بالدولة الإلهية أفضل من الدولة الدينية والدولة العلمانية ، الدولة الإلهية تقول السيادة لله تعالى ولمن يختاره الله : ﴿ النَّبِيُّ أوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ

٥٧

أنْفُسِهِمْ ﴾ (١) .

فإذن يوجد قانون خاص للسيادة ، امتداد للسيادة ، هذه السيادة تتم في امتداد تلك السيادة ، أساس الدولة السياسة ، ليس أساس الدولة التفاصيل ، الآن حدث انقلاب على الحكم في باكستان كان نواز شريف وبعدها جاء برويز مشرف فالذي تغيّر تفاصيل مناهج الحكم ، المناهج الاقتصادية والسياسية ، أو انقلاب للسيادة من يد إلى يد ، السيادة تحوّلت ، الانقلاب العسكري الذي قام به مشرف في باكستان ليس إلاّ تحوّل السيادة من نواز شريف إلى مشرّف ، الدولة تعني السيادة ، التفاصيل تأتي في بلورة السيادة .

إذن فإذا كانت السيادة للشعب فالدولة علمانية ، وإذا كانت السيادة لله ولأولياء الله ، فالسيادة لهذا الامتداد ، الدولة دولة دينية حسب المصطلح الغربي ، حسب مصطلحنا الدولة دولة إلهية .

المسألة الثانية : التفاصيل ليست موجودة في الشريعة ، صحيح نحن ليس عندنا الآن تفاصيل عن الوضع الإداري والاقتصادي ، والسياسي ، لكن عندنا شيء في الإسلام وهو الاجتهاد ، وفي الاجتهاد آليات قوية ، الاجتهاد يتضمّن آليات قوية تمكّن المجتهد الفقيه في تطبيق ثوابت الشريعة على متغيّرات الظروف السياسية والاجتماعية والإدارية والأوضاع المختلفة ، توجد حركة ممتدة مستمرة في واقع الحياة ، وهناك ثوابت شرعية ، الاجتهاد يمكّن للفقيه أن يطبّق ثوابت الشريعة على متغيّرات الحياة الاقتصادية والسياسية والإدارية والدبلوماسية والعلاقات الخارجية والحرب والسلم ، ويمكّن للفقيه من تغطية المتغيرات الاجتماعية والسياسية بثوابت الشريعة ، فنحن نأخذ بعامل الاجتهاد ، كما أنّ الأنظمة الأخرى أيضاً تمارس نوعاً من الاجتهاد ، اجتهادنا قائم على أسس إلهية ودينية ، واجتهادهم قائم على أسس أُخرى .

١- الأحزاب : ٦ .

٥٨

فإذن نحن عندنا الدولة الدينية ، يعني أنّ الدولة ليست بطبيعتها علمانية في الإسلام ، وإنّما يوجد اختلاف في المناهج التفصيلية .

والسلام عليكم ورحمة الله .

٥٩

بداية الندوة ٤٧

نقاش المبدأ الثاني من نظرية الاختيار

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله الطيبين الطاهرين .

قال الله تعالى : ﴿ وَإذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأتَمَّهُنَّ قَالَ إنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾ (١) .

تحدّثت عن الأساس الأوّل لمبدأ الاختيار ، وسوف أتحدّث عن الأساس الثاني لمبدأ الاختيار ومناقشته .

مبدأ الاختيار :

الأساس الثاني : التفويض لا يتقاطع مع التوحيد ، لا يشبه نظرية حقّ المصير ، نظرية حقّ المصير تتقاطع مع التوحيد بشكل كامل ، مسألة التفويض لا تتقاطع ، الله مفوّض للجماعة حقّ انتخاب الحاكم ، هذا لا ينافي التوحيد ، ولذلك فقهاء المسلمين والمتكلمين يعتمدون أساس التفويض الإلهي في مسألة الانتخاب ، يعني الله عزّ وجلّ فوّض للجماعة المسلمة حقّ انتخاب الحاكم ، يقول لهم : أنتم إذا اجتمعتم على حاكم على إمام على خليفة هذا الإمام مقبول مأذون من عند الله في الإمامة والخلافة ، لا يتنافى هذا المبدأ مع التوحيد ، ولكن الشأن كُلّ الشأن في وجود نصّ أو دليل في الإسلام على مبدأ التفويض ، هل عندنا دليل على التفويض أولا ؟

١- البقرة : ١٢٤ .

٦٠