×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 11) / الصفحات: ٢١ - ٤٠

(٢) ترانس ماسه (كُميل)

[image] - مركز الأبحاث العقائدية

(مسيحي / فرنسا)

ولد في «فرنسا»، ونشأ في أسرة مسيحية الديانة.

كان أجداد «ترانس» من المتشدّدين في تطبيق الديانة المسيحية، إلاّ أنّ صبغتهم الدينية قلّت بمرور الزمن بعد الحرب العالميّة، ووصل الأمر إلى أن لا يسمع «ترانس» في أسرته عن الله شيئاً، ولم يَزُر دور العبادة مع انتمائه ظاهراً للديانة المسيحية.

يقول «ترانس» حول بداية التحوّل وأسبابه:

في صغري لم أسمع عن الله تعالى شيئاً، لكنّني كنت أحسّ بوجوده في سريرتي، وأبحث عنه من دون دوافع ظاهريّة، فلم أكن طالبَ دين أو طالباً جامعياً.

ودفعني ذلك إلى الذهاب إلى أحد مساجد أهل السنّة، إلاّ أنّهم لم يستقبلوني; لأنّهم لم يعرفونني، فخرجت حزيناً، فرأيت شباباً كانوا واقفين بجوار المسجد الثاني، فدخلت فيه، فكان فيه مجلساً عن الإمام الحسين(عليه السلام) في أيام شهر محرّم الحرام، وكان مسجداً شيعياً، فكانت مشاركتي في ذلك المجلس الروحاني أوّل خطوة للتعرّف على المذهب الحقّ والإسلام الأصيل اذ دخلت مباشرة إلى

٢١

التشيّع الاثني عشري، فوجدت كلّ ما أُريده في القرآن الكريم وكلمات أهل البيت(عليهم السلام)، وكان حب أهل البيت(عليهم السلام) الدور الأكبر في انجذابي إلى التشيّع.

محبّة أهل البيت في القرآن الكريم:

إنّ محبّة أهل البيت(عليهم السلام)، والولاء لهم، عنصر أساسي من عناصر العقيدة ومقوّمات الإيمان، ومرتكزات الرسالة المحمّدية الغرّاء، ولقد جاءت النصوص القرآنية واضحة وصريحة في تأصيل هذا المبدأ الولائي، وتعميق دلالاته ومعطياته.

ونذكر هنا بعض النصوص القرآنية النازلة في محبّة أهل البيت(عليهم السلام)، أو المفسَّرة بذلك، مع بيان الروايات والأخبار الموضّحة لذلك من المصادر المعتبرة.

١ ـ قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾(١) هذه هي آية المودّة التي أكّدت أغلب كتب التفسير وكثير من مصادر الحديث والسيرة والتاريخ نزولها في قربى النبيّ (صلى الله عليه وآله): عليّ والزهراء والحسن والحسين وذرّيّتهم الطاهرين(عليهم السلام).

روى السيوطي وغيره في تفسير هذه الآية بالإسناد إلى ابن عبّاس، قال: لمّا نزلت هذه الآية ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ قالوا: يا رسول الله! مَن قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم؟

قال (صلى الله عليه وآله): «عليّ وفاطمة وولداهما»(٢).

وهذه الآية تدلّ على وجوب المودّة لأهل البيت الذين نصّ الحديث على

١- الشورى -٢١-: ٢٣.

٢- الدرّ المنثور للسيوطي ٦: ٧. وقد روى هذا الخبر العيني في عمدة القاري ١٦: ١٧ وقال: ذكر في ذلك عن رسول الله، وراجع: المعجم الكبير ٣: ٤٧، ١١: ٣٥١، فتح القدير ٤: ٥٣٧، تخريج الأحاديث للزيلعي ٣: ٢٣٤، الفتح السماوي للمناوي ٣: ٩٨، الكشاف للزمخشري ٣: ٤٦٧، تفسير الرازي ٢٧: ١٦٦، تفسير القرطبي ١٦: ٢١ وغيرها.

٢٢

تحديدهم، وقد استدلّ الفخر الرازي على ذلك بثلاثة وجوه، فبعد أن روى الحديث عن الزمخشري قال: فثبت أن هؤلاء الأربعة أقارب النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وإذا ثبت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد من التعظيم، ويدلّ عليه وجوه:

الأوّل: قوله تعالى: ﴿إلاّ المودَّةَ في القُربَى﴾.

الثاني: لا شكّ أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) يحبّ فاطمة (عليها السلام)، قال (صلى الله عليه وآله): «فاطمة بضعة منّي، فمن أغضبها أغضبني»(١)، وثبت بالنقل المتواتر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه كان يحبّ عليّاً والحسن والحسين، وإذا ثبت ذلك وجب على كلّ الأُمّة مثله، لقوله تعالى: ﴿واتَّبعُوهُ لعلَّكُم تَهتَدُونَ﴾(٢)، ولقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾(٣).

الثالث: إنّ الدعاء للآل منصب عظيم، ولذلك جُعل هذا الدعاء خاتمة التشهّد في الصلاة، وهو قوله: «اللّهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد»، وهذا التعظيم لم يوجد في حقّ غير الآل، فكلّ ذلك يدلّ على أنّ حبّ محمّد وآل محمّد واجب.

وقال الشافعي:

يا راكباً قف بالُمحصّب من منى واهتف بساكن خيفها والناهض
سَحَراً إذا فاض الحجيجُ إلى منى فيضاً كما نَظم الفراتِ الفائض
إن كان رفضاً حبّ آل محمّد فليشهد الثقلان أنّي رافضي(٤)
وأشار الشافعي إلى نزول آية المودّة في أهل البيت(عليهم السلام) بقوله:
يا أهل بيت رسول الله حبّكم فرضٌ من الله في القرآن أنزلهُ(٥)

١- راجع: صحيح البخاري ٤: ٢١٠ و٢١٩ وغيره.

٢- الأعراف -٧-: ١٥٨.

٣- النور -٢٤-: ٦٣.

٤- تفسير الرازي ٢٧: ١٦٦.

٥- الصواعق المحرقة ٢: ٥٠٧.

٢٣

الأئمّة وآية المودّة:

لقد احتجّ أئمّة الهدى المعصومون(عليهم السلام) بهذه الآية على فرض مودّتهم ووجوب محبّتهم وحقّهم على كلِّ مسلم; فقد روى زادان عن الإمام أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام)، أنّه قال: «فينا في ال حم آية، لا يحفظ مودّتنا إلاّ كلّ مؤمن»، ثمّ قرأ: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾(١).

وإلى هذا أشار الكميت الأسدي بقوله:

وجدنا لكم في ال حم آية تأوّلها منّا تقيّ ومعربُ(٢)
وروي عن الإمام زين العابدين(عليه السلام) أنّه قال: خطب الحسن بن عليّ(عليه السلام)الناس حين قُتل عليّ(عليه السلام)، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «... وأنا من أهل البيت الذي افترض الله مودّتهم على كلّ مسلم، فقال تبارك وتعالى: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً﴾، فاقتراف الحسنة مودّتنا أهل البيت»(٣).

وأخرج ابن جرير عن أبي الديلم، أنّه قال: لمّا جيء بعليّ بن الحسين(عليه السلام)أسيراً، فأقيم على درج دمشق، قام رجلٌ من أهل الشام، فقال: الحمد لله الذي قتلكم وأستأصلكم وقطع قرني الفتنة.

فقال له عليّ بن الحسين(عليه السلام): «أقرأت القرآن؟ قال: نعم. قال: أقرأت ال حم؟ قال: قرأت القرآن ولم أقرأ ال حم. قال: ما قرأت: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾؟ قال: وإنكم لأنتم هم؟ قال: نعم»(٤).

١- الصواعق المحرقة ٢: ٤٨٧.

٢- راجع: تفسير الطبري ٢٤: ٥١.

٣- المستدرك على الصحيحين ٣: ١٧٢، الصواعق المحرقة ٢: ٤٨٧، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٦: ٣٠.

٤- راجع: تفسير الطبري ٢٥: ٣٣، تفسير ابن كثير ٤: ١٢١.

٢٤

وروى إسماعيل بن عبد الخالق، عن أبي عبد الله(عليه السلام) ـ في حديث ـ قال: سمعته(عليه السلام) يقول لأبي جعفر الأحول: «ما يقول أهل البصرة في هذه الآية ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾؟ فقال: جعلت فداك، إنّهم يقولون: إنّها لأقارب رسول الله (صلى الله عليه وآله). فقال: كذبوا، إنّما نزلت فينا خاصّة، في أهل البيت، في عليّ وفاطمة والحسن والحسين أصحاب الكساء»(١).

٢ ـ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾(٢).

فقد ورد عن جابر بن عبد الله قوله: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعليّ بن أبي طالب(عليه السلام): «يا عليّ! قُل: ربِّ اقذف لي المودّة في قلوب المؤمنين، ربِّ اجعل لي عندك عهداً، ربِّ اجعل لي عندك ودّاً»، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾، فلا تلقى مؤمناً ولا مؤمنة إلاّ وفي قلبه ودّ لأهل البيت(عليهم السلام)(٣).

وروي الحديث عن سعيد بن جبير عن ابن عباس(٤). وعن أبي سعيد الخدري(٥) وغيرهم.

٣ ـ قوله تعالى: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا...﴾(٦):

روي عن الإمام أبي جعفر الباقر(عليه السلام)، أنه قال: «دخل أبو عبد الله الجدلي على أمير المؤمنين، فقال(عليه السلام) له: يا أبا عبد الله! ألا أُخبرك بقوله تعالى: ﴿مَن جَاء

١- الكافي ٨: ٩٣.

٢- مريم -١٩-: ٩٦.

٣- شواهد التنزيل ١: ٤٦٤.

٤- الدرّ المنثور ٤: ٢٨٧، ومجمع الزوائد ٩: ١٢٥.

٥- شواهد التنزيل ١: ٤٧٤.

٦- القصص -٢٨-: ٨٤.

٢٥

بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا...﴾؟ قال: بلى جعلت فداك. قال(عليه السلام): الحسنة: حبّنا أهل البيت، والسيئة: بغضنا، ثمّ قرأ الآية»(١).

وقد ورد ما يقارب هذا الحديث عن أبي عبد الله الجدلي(٢).

٤ ـ قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾(٣):

روي عن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) أنه قال: «أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا نزلت هذه الآية قال: ذاك من أحبّ الله ورسوله وأحبّ أهل بيتي صادقاً غير كاذب، وأحبّ المؤمنين شاهداً وغائباً، ألا بذكر الله يتحابّون»(٤).

هذا وقد وردت آيات كثيرة مفسَّرة في تأكيد هذا المعنى بطرق صحيحة عن أهل البيت(عليهم السلام) أعرضنا عن ذكرها للاختصار.

حبّ أهل البيت(عليهم السلام) في السُنّة المطهّرة:

أثبتت النصوص القرآنية، كما تقدّم، مبدأ المودّة لأهل البيت(عليهم السلام) بشكل صريح لا يقبل التأويل، وفي هذا المبحث سنسلّط الضوء على بعض ما ورد في السُنّة المباركة في تأكيد المودّة والولاء لأهل البيت(عليهم السلام)، وبيان فضل حبّهم وخصائصه وعلاماته.

فقد أكّدت السُنّة الشريفة على أنّ حبّ أهل البيت(عليهم السلام) أساس الإسلام، وعلامة الإيمان، وأفضل العبادة، وأنّ حبّهم حبّ الله ورسوله، والتأكيد على هذه المضامين يدلّ على أنّ حبّ أهل البيت(عليهم السلام) يجسّد عمق الولاء والمحبّة للرسالة

١- راجع: شواهد التنزيل ١: ٥٤٨.

٢- تفسير ابن أبي حاتم ٩: ٣٠٢٤، تفسير الثعلبي ٧ :٢٣٠، ينابيع المودّة ١: ٢٩١، المحاسن ١: ١٥٠، أمالي الطوسي: ٤٩٣.

٣- الرعد -١٣-: ٢٨.

٤- الدرّ المنثور ٤: ٥٨، فتح القدير ٣: ٨٢، تفسير الآلوسي ١٣: ١٤٩.

٢٦

بجميع مفرداتها، بل هو مرتكز أساس لعمق الانتماء للإسلام، وأصالة الارتباط بالعقيدة، وقوة التفاعل معها.

والقراءة المتأمّلة للنصوص الحديثية التي سنوردها في هذا المبحث تبرز لنا بوضوح أصالة العلاقة بين مبدأ المحبّة لهم(عليهم السلام)، وبين الانتماء للرسالة; فبمقدار ما يترسّخ هذا المبدأ في شعور الأُمّة ووجدانها يتعزّز المستوى الولائي للرسالة والعقيدة، وتتحدّد الهوية الإيمانية للأُمّة.

وفيما يلي نشير إلى أهمّ مضامين الحبّ والمودّة لأهل البيت(عليهم السلام) الواردة في السُنّة المطهّرة.

الحثّ على محبّتهم(عليهم السلام):

١ ـ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبّ نبيكم، وحبّ أهل بيته، وقراءة القرآن»(١).

٢ ـ قال (صلى الله عليه وآله): «أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي»(٢).

٣ ـ قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «أحسن الحسنات حبّنا، وأسوأ السيّئات بغضنا»(٣).

حبّهم حبّ الله ورسوله(صلى الله عليه وآله):

١ ـ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «أحبّوا الله لِما يغذوكم من نعمه، وأحبّوني لحبّ الله، وأحبّوا أهل بيتي لحبّي»(٤).

١- الجامع الصغير ١: ٥١، فيض القدير ١: ٢٩٢، كشف الخفاء ١: ٧٤ وغيرها.

٢- صحيح مسلم ٧: ١٢٣، مسند أحمد ٤: ٣٦٧، فضائل الصحابة للنسائي: ٢٢، السنن الكبرى للبيهقي ٧: ٣١.

٣- عيون الحكم والمواعظ: ١٢٦.

٤- سنن الترمذي ٥: ٣٢٩، الجامع الصغير ١: ٣٩، الدرّ المنثور ٦: ٧، الكامل لابن عدي ٧: ١١٢، وقال الحاكم في المستدرك على الصحيحين ٣: ١٥٠ بعد ذكر الحديث: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

٢٧

٢ ـ عن زيد بن أرقم، قال: كنت عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) فمرّت فاطمة (عليها السلام) وهي خارجة من بيتها إلى حجرة النبي (صلى الله عليه وآله) ومعها ابناها الحسن والحسين، وعليّ (عليهم السلام)في آثارهم، فنظر إليهم النبيّ (صلى الله عليه وآله) فقال:

«من أحبّ هؤلاء فقد أحبّني، ومن أبغضهم فقد أبغضني»(١).

٣ ـ وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «سمعتُ رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: أنا سيّد ولد آدم، وأنت يا عليّ والأئمّة من بعدك سادة أمّتي، من أحبّنا فقد أحبّ الله، ومن أبغضنا فقد أبغض الله، ومن والانا فقد والى الله، ومن عادانا فقد عادى الله، ومن أطاعنا فقد أطاع الله، ومن عصانا فقد عصى الله»(٢).

٤ ـ قال الإمام الصادق(عليه السلام): «من عرف حقّنا وأحبّنا، فقد أحبّ الله تبارك وتعالى»(٣).

حبّهم أساس الإسلام:

١ ـ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «أساس الإسلام حبّي وحبّ أهل بيتي»(٤).

٢ ـ قال (صلى الله عليه وآله): «لكلِّ شيء أساس، وأساس الإسلام حبّنا أهل البيت»(٥).

٣ ـ قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا عليّ، إنّ الإسلام عريان، لباسه التقوى، ورياشه الهدى، وزينته الحياء، وعماده الورع، وملاكه العمل الصالح، وأساس الإسلام حبّي وحبّ أهل بيتي»(٦).

حبّهم عبادة:

١ ـ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «حبّ آل محمّد يوماً خير من عبادة سنة، ومن مات

١- تاريخ مدينة دمشق ١٤: ١٥٤ ونقله عنه المتقي الهندي في كنز العمال ١٢: ١٠٣.

٢- أمالي الصدوق: ٥٦٣، بشارة المصطفى: ٢٣٩.

٣- الكافي ٨: ١٢٩، تحف العقول: ٣٥٧.

٤- تاريخ مدينة دمشق ٤٣: ٢٤١، كشف الخفاء ١: ٢٣، كنز العمال ١٣: ٦٤٥.

٥- المحاسن ١: ١٥٠، الكافي ٢: ٤٦، أمالي الصدوق: ٣٤١.

٦- كنز العمّال ١٣: ٦٤٥.

٢٨

عليه دخل الجنّة»(١).

٢ ـ قال (صلى الله عليه وآله): «اعلم أنّ أوّل عبادته المعرفة به.. ثمّ الإيمان بي والإقرار بأنّ الله أرسلني إلى كافّة الناس، بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، ثمّ حبّ أهل بيتي الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً»(٢).

٣ ـ قال الإمام الصادق(عليه السلام): «إنّ فوق كلّ عبادة عبادةً، وحبّنا أهل البيت أفضل عبادة»(٣).

حبّهم علامة الإيمان:

١ ـ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «لا يؤمن عبد حتّى أكون أحبُّ إليه من نفسه، وأهلي أحبُّ إليه من أهله، وعترتي أحبُّ إليه من عترته، وذاتي أحبُّ إليه من ذاته»(٤).

٢ ـ قال (صلى الله عليه وآله): «لا يحبّنا أهل البيت إلاّ مؤمن تقيّ، ولا يبغضنا إلاّ منافق شقيّ»(٥).

٣ ـ قال الإمام الباقر(عليه السلام): «حبّنا إيمان، وبغضنا كفر»(٦).

٤ ـ وقال(عليه السلام): «إنّما حبّنا أهل البيت شيء يكتبه الله في قلب العبد، فمن كتبه الله في قلبه لم يستطع أحد أن يمحوه; أما سمعت الله يقول: ﴿أولئك كتبَ في قلوبهم الإيمان وأيّدَهُم بروح مِنهُ﴾; فحّبنا أهل البيت من أصل الإيمان»(٧).

١- الفصول المهمّة لابن الصباغ ١: ١٤٤، ينابيع المودّة ٢: ٢٥٢، كشف الغمّة ١: ٥٣.

٢- أمالي الطوسي: ٥٢٦. ومكارم الأخلاق: ٤٥٩.

٣- المحاسن ١: ١٥٠.

٤- راجع: نظم در السمطين: ٢٣٣، تنبيه الغافلين: ١٥٣، أمالى الصدوق: ٤١٤، علل الشرائع ١: ١٤٠.

٥- كفاية الأثر: ١١٠، دخائر العقبى: ١٨، ينابيع المودّة ٢: ١١٦.

٦- الكافي ١: ١٨٨، والمحاسن ١: ١٥٠.

٧- شواهد التنزيل ٢: ٣٣٠.

٢٩

حبّهم علامة طيب الولادة:

١ ـ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) مشيراً إلى أمير المؤمنين(عليه السلام): «يا أيُّها الناس! امتحنوا أولادكم بحبّه; فإنّ عليّاً لا يدعو إلى ضلالة، ولا يبعد عن هدىً، فمن أحبّه فهو منكم، ومن أبغضه فليس منكم»(١).

٢ ـ روي عن أبي بكر أنّه قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) خيّم خيمة، وهو متّكئ على قوس عربية، وفي الخيمة عليّ وفاطمة والحسن والحسين، فقال: «معشر المسلمين، أنا سلم لمن سالم أهل الخيمة، وحرب لمن حاربهم، ولي لمن والاهم، لا يحبّهم إلاّ سعيد الجَدّ، طيّب المولد، ولا يبغضهم إلاّ شقيّ الجدّ رديء الولادة»(٢).

٣ ـ عن أمير المؤمنين(عليه السلام) في وصيّة النبيّ (صلى الله عليه وآله) لأبي ذرّ (رضي الله عنه)، قال: «قال النبيّ (صلى الله عليه وآله): يا أباذرّ! من أحبّنا أهل البيت فليحمد الله على أوّل النعم. قال: يا رسول الله! وما أوّل النعم؟ قال: طيب الولادة; إنّه لايحبنا إلاّ من طاب مولده»(٣).

٤ ـ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «يا عليّ! من أحبّني وأحبّك وأحبّ الأئمّة من ولدك، فليحمد الله على طيب مولده; فإنّه لا يحبّنا إلاّ من طابت ولادته، ولا يبغضنا إلاّ من خبثت ولادته»(٤).

٥ ـ قال الإمام الصادق(عليه السلام): «والله لا يحبّنا من العرب والعجم إلاّ أهل البيوتات والشرف والمعدن، ولا يبغضنا من هؤلاء وهؤلاء إلاّ كلُّ دنس ملصق»(٥).

١- تاريخ مدينة دمشق ٤٢: ٢٨٨.

٢- مناقب الخوارزمي: ٢٩٧، جواهر المطالب ١: ١٧٤.

٣- المحاسن ١: ١٣٨، أمالي الصدوق: ٥٦٢، علل الشرائع ١: ١٤١، أمالي الطوسي: ٤٥٦.

٤- أمالي الصدوق: ٥٦٢، علل الشرائع ١: ١٤١، معاني الأخبار: ١٦١.

٥- الكافي ٨: ٣١٦.

٣٠

٦ ـ قال جابر بن عبد الله: كنّا نبور(١) أولادنا بحبّ عليّ بن أبي طالب، فإذا رأينا أحداً لا يحبُّ عليّ بن أبي طالب، علمنا أنّه ليس منّا، وأنّه لغير رشدة(٢).

٧ ـ قال محبوب بن أبي الزناد: قالت الأنصار: إن كنّا لنعرف الرجل لغير أبيه ببغضه عليّ بن أبي طالب(٣).

حبّهم ممّا يُسأل عنه يوم القيامة:

١ ـ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «أوّل ما يُسأل عنه العبد حبّنا أهل البيت»(٤).

٢ ـ قال (صلى الله عليه وآله): «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتّى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيما أبلاه، وعن ماله فيما أنفقه ومن أين كسبه، وعن حبّنا أهل البيت»(٥).

٣ ـ وعنه (صلى الله عليه وآله) مثله، وزاد في آخره: فقيل: يا رسول الله! فما علامة حبّكم؟ فضرب بيده على منكب عليّ(عليه السلام)(٦).

محبّة أهل البيت تعلّق بحبل الله:

إنّ حبّ أهل البيت(عليهم السلام) مبدأ رسالي يتضمّن أبعاداً مهمّة وخطيرة، لها آثارها في حياة الفرد المسلم وحياة المجتمع الإسلامي، فحبّهم ليس مجرّد علاقة قلبية، أو ارتباط عاطفي يشد المسلم إلى أفراد معيّنين; لأنّهم قربى النبيّ (صلى الله عليه وآله) وعترته، بل إنّه تعلّق بحبل الله الممدود من السماء إلى الأرض بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله)، والذي يتحقّق من خلاله ارتباط حياة الفرد والمجتمع بتعاليم السماء وبإرادة الخالق العزيز، ذلك

١- أي: نجرّب ونختبر.

٢- راجع: شواهد التنزيل ١: ٤٤٩.

٣- إكمال الكمال ٤: ٢٠٠.

٤- عيون أخبار الرضا(عليه السلام) ١: ٦٧.

٥- راجع: المعجم الكبير ١١: ٨٤، المعجم الأوسط ٩: ١٥٥، الفصول المهمّة لابن الصباغ ١: ٥٨٤، أمالي الصدوق: ٩٣، والخصال: ٢٥٣.

٦- راجع: المعجم الأوسط ٢: ٣٤٨، أمالي المفيد: ٣٥٣، أمالي الطوسي: ١٢٤.

٣١
موسوعة من حياة المستبصرين ج ١١ » مركز الابحاث العقائدية » (ص ٣١ - ص ٦٠)

لأنّهم(عليهم السلام)يمثلون الثقل الإلهي في الأرض، وهم آيات الله والدالّون عليه، وفيهم تتجسّد الصفات والكمالات التي يريدها الله تعالى.

فحبّهم يمثّل في الواقع حبّ لله وللقيم الربانية والكمالات الإلهية، وهو يسمو بالمؤمن في مدارج الوصول إلى الكمال الذي يريده الله سبحانه.

ومن هذا المنطلق وفي ظِلّ هذه الحقائق استبصر «ترانس» وكان ذلك عام ١٤١٧هـ ١٩٩٧ م وتسمى باسم الصحابي الجليل المحب للعترة الطاهرة كُميل ابن زياد.

٣٢

(٣) جلز ميشيل بيكون (رضا)

(مسيحي / فرنسا)

ولد في «فرنسا»، ونشأ في أُسرة مسيحية، درس في المدارس الأكاديمية حتّى دخل الجامعة ونال شهادة الهندسة في قسم الكهرباء، وقد أدّت عدّة أسباب في حياته إلى مواصلته البحث والنقاش ممّا سار به إلى اعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام).

كان يرى «جلز» أنَّ المسلمين وحينما يدعون النصارى إلى الإسلام يحتجّون عليهم ببشارة المسيح(عليه السلام) بالنبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، في التوراة والإنجيل وهذا ما جعله متسائلاً عن أحقية الإسلام، فقام بالبحث بجدّية تامّة لكي يصل إلى الحقيقة.

بشائر الأنبياء السابقين بنبيّنا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم):

فقد بشّرت الكتب السماوية وكذلك الأنبياء السابقون بنبيّنا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، إلاّ أنّ أتباع تلك الديانات حرّفوا كتبهم لكي لا يبقى أثر لتلك البشارة، ومع ذلك بقي منها شيء، يمكن لنا من خلاله كشف الحقيقة إذا تأمّلنا في ذلك:

أ ـ ظهوره في جبل فاران:

جاء في التوراة، سفر التثنية، الإصحاح ٣٣: «وهذه هي البركة التي بارك بها

٣٣

موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته * فقال: جاء الربّ من سيناء، وأشرق لهم من ساعير، وتلألأ من جبل فاران، وأتى من ربوات القدس، وعن يمينه نار شريعة لهم»(١).

فاران: كلمة عبرانية معرّبة، وهي من أسماء مكّة ذكرها في التوراة، قيل: هو اسم لجبال مكّة(٢).

وذكر الحموي أنّه جاء في التوراة: «جاء الله من سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من فاران»: مجيئه من سيناء: تكليمه لموسى(عليه السلام)، وإشراقه من ساعير إشارة إلى ظهور عيسى بن مريم(عليه السلام)، وإنزال الإنجيل عليه. واستعلائه من جبال فاران: إنزاله القرآن على محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم); قالوا: وفاران: جبال مكّة(٣).

وفي مناظرة للإمام الرضا(عليه السلام) مع رأس الجالوت، كبير اليهود، قال له: «هل تنكر أنّ التوراة تقول لكم: جاء النور من جبل طور سيناء، وأضاء لنا من جبل ساعير، واستعلن علينا من جبل فاران؟».

قال رأس الجالوت: أعرف هذه الكلمات وما أعرف تفسيرها!

فقال(عليه السلام): «أنا أُخبرك به، أمّا قوله: «جاء النور من جبل طور سيناء»، فذلك وحي الله تبارك وتعالى الذي أنزله على موسى(عليه السلام) على جبل طور سيناء.

وأمّا قوله: «وأضاء لنا من جبل ساعير» فهو الجبل الذي أوحى الله عزّ وجلّ إلى عيسى بن مريم(عليه السلام) وهو عليه.

وأمّا قوله: «واستعلن علينا من جبل فاران»، فذلك جبل من جبال مكّة بينه وبينها يوم»(٤).

١- الكتاب المقدّس (العهد القديم): سفر التثنية ـ الإصحاح ٣٣، جملة ١ ـ ٢.

٢- معجم البلدان ٤: ٢٢٥، اللباب في تهذيب الأنساب ٢: ٤٠٢.

٣- راجع معجم البلدان ٣: ١٧١، و٤: ٢٢٥.

٤- التوحيد: ٤٢٧، عيون أخبار الرضا(عليه السلام) ٢: ١٢٨.

٣٤

وجاء أيضاً في التوراة في سفر حيقوق النبيّ، الإصحاح الثالث: «الله جاء من تيمان والقدوس من جبل فاران. سلاه. جلاله غطى السماوات والأرض امتلأت من تسبيحه * وكان لمعان كالنور. له من يده شعاع وهناك استتار قدرته * قدامه ذهب الرباء وعند رجليه خرجت الحمى * وقف وقاس الأرض. نظر فرجف الأُمم ودكّت الجبال الدهرية وخسفت آكام القدم. مسالك الأزل له * رأيت خيام كوشان تحت بلية. رجفت شقق أرض مديان(١).

ب ـ كونه من ولد إسماعيل:

وقد ذكر أيضاً في التوراة في سفر التثنية ـ أو تثنية الاشتراع، وهو خامسها بتسمية السبعينية، وفي العبرانية بأوّله «إله»، ويسمّى أيضاً: دباريم(٢) ـ الإصحاح الثامن عشر: «يقيم لك الربّ إلهك نبيّاً من وسطك من إخوتك مثلي. له تسمعون»(٣).

ما المراد من إقامة النبيّ؟ هل يراد منه: عيسى، كما تدّعيه النصارى من كون هذا النبيّ هو عيسى(عليه السلام)؟

نحن نعتقد أنَّ ذلك لا ينطبق إلاّ على نبيّنا الأكرم محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم); وذلك لأمور:

أوّلاً: إنّ الله خاطب بني إسرائيل بأنّه يخرج لهم نبيّاً من بينهم من إخوتهم، وليس لبني إسرائيل إخوة من الطوائف غير ولد إسماعيل، فلابدّ أن يكون هذا النبيّ من أولاد إسماعيل; لكي يصدق عليه عنوان الأُخوّة، وإلاّ فإنّ عيسى(عليه السلام)حاله حال موسى(عليه السلام); كلاهما من ولد إسحاق(عليه السلام)، فلا يتحقّق صدق كونه من إخوة الإسحاقيين، بل هو من نفس الإسحاقيين.

١- الكتاب المقدّس (العهد القديم): سفر حيقوق النبيّ الإصحاح ٣، جملة ٣ ـ ٧.

٢- الهدى إلى دين المصطفى ٢: ٣٥.

٣- الكتاب المقدّس (العهد القديم): سفر التثنية، الإصحاح ١٨، جملة ١٥.

٣٥

ولا ضير من إطلاق الإخوة على الأعمام، فقد أُطلق الإخوة في التوراة على الأعمام، وعلى الأجانب(١)، هذا من جهة، ومن جهة أُخرى إنّ اليهود اتّفقت على أنّه لا يخرج نبيّ من بني إسرائيل صاحب كتاب وشريعة بعد موسى(٢)، ولم يدّعِ أحد منهم النبوّة سوى بني إسماعيل(عليه السلام)(٣); فينحصر المراد منه بنبيّنا الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم).

ثانياً: مقتضى المثلية في قوله: «نبيّاً من وسطك من إخوتك مثلي» يكون رسالة النبيّ الذي يلي موسى رسالة شاملة، فرسالة موسى عمّت بني إسرائيل وأهل مصر، بخلاف رسالة عيسى; فإنّه لم يكن المعنيّ بها إلاّ بني إسرائيل، فتصدق الرسالة الكاملة على الرسالة المحمّدية التي كانت عامّة وشاملة لكلّ البشرية; قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾(٤)، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾(٥).

وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾(٦).

وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾(٧).

ثالثاً: إنّ رسالة موسى أتت بكتاب جديد، ولم تكن مكمّلة للرسالات والشرائع السابقة، ولم تقتبس من الكتب السماوية الأُخرى، وكذلك الرسالة المحمّدية التي أتت بالقرآن الكريم والشريعة الإسلامية السمحة، فهي أيضاً لم تقم على شرائع سابقة.

١- كشف الغطاء ٢: ٣٨٧.

٢- كشف الغطاء ٢: ٣٨٧.

٣- كشف الغطاء ٢: ٣٨٧.

٤- الأعراف -٧-: ١٥٨.

٥- سبأ -٣٤-: ٢٨.

٦- الفرقان -٢٥-: ١.

٧- الأنبياء -٢١-: ١٠٧.

٣٦

نعم، قد تجد توافقاً بين هذه الشرائع، ولكنّ هذا لا يعني أنها أُخذت من بعضها البعض، بل أنّ مصدرها واحد، وهو الله تعالى، أمّا رسالة عيسى فقد أتت لتكمل رسالة موسى، ولم تأتِ بتشريع جديد; إذ يقول: بأنّه لم يأت ليغيّر القانون بل ليطبّقه، وهو يعني بذلك قانون موسى(١).

رابعاً: إنّ موسى قد ولد لأب وأُمّ، وكذلك محمّد بن عبد الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، بخلاف عيسى الذي ولد من أمّ دون أب، مثله في ذلك مثل آدم; قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَاب ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾(٢).

ما ورد في الإنجيل من البشارات:

جاء في «إنجيل يوحنا»، الإصحاح الرابع عشر: «إن كنتم تحبّونني فاحفظوا وصاياي * وأنا أطلب من الأب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد * روح الحقّ الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنّه لا يراه ولا يعرفه»(٣).

وفيه أيضاً «وأمّا المعزي الروح القدس الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلّمكم كلّ شيء ويذكّركم بكلّ ما قلته لكم»(٤).

وفي الإصحاح الخامس عشر: «ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الأب روح الحقّ الذي من عند الأب ينبثق فهو يشهد لي»(٥).

وفي الإصحاح السادس عشر: «لكنّي أقول لكم الحقّ إنّه خير لكم أن أنطلق; لأنّه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي. ولكن إن ذهبت أُرسله إليكم * ومتى

١- الكتاب المقدّس تحت المجهر: ١٤٦.

٢- آل عمران -٣-: ٥٩.

٣- الكتاب المقدّس (العهد الجديد): إنجيل يوحنا، الإصحاح ١٤، جملة ٢٦.

٤- الكتاب المقدّس (العهد الجديد): إنجيل يوحنا، الإصحاح ١٤، جملة ٢٦.

٥- الكتاب المقدّس (العهد الجديد): إنجيل يوحنا، الإصحاح ١٥، جملة ١٥ ـ ١٧.

٣٧

جاء ذاك يبكت العالم على خطية وعلى بر وعلى دينونة»(١).

فنلاحظ أنّ عيسى(عليه السلام) يوصي بوصايا قبل رحيله منها: أنّه يبشّر بنبيّ يأتي بعده ويحمل الصفات التالية:

١ ـ «ليمكث معكم إلى الأبد» إشارة إلى خلود الشريعة التي تلي شريعة عيسى(عليه السلام).

٢ ـ «ويذكّركم بكلّ ما قلته لكم» يذكّر كلّ ما جاء به عيسى(عليه السلام)، أي يأتي بعده.

٣ ـ «فهو يشهد لي» أي يكون شاهداً على عيسى(عليه السلام)، وهو النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم); إذ يقول الله تعالى عنه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾(٢).

وقد ورد في النسخة الأصلية أنّ اسم النبيّ الذي وعدهم عيسى(عليه السلام) بأنّ ربّه سوف يرسله: (بارقليطا) أو (بركليتوس)، وترجمتها: المحمود والأحمد، ولكنّ المترجمين غيّروها إلى: (المعزي)!

وهذه الحقيقة ظهرت في «إنجيل برنابا» في عدّة مواضع:

منها ما جاء في الفصل الثاني عشر بعد المائة:

«وإذا كان يحقّ لي البكاء فاعلم يا برنابا أنّه لأجل هذا يجب علَيّ التحفّظ، وسيبيعني أحد تلاميذي بثلاثين قطعة من نقود، وعليه فإنّي على يقين من أنّ مَن يبيعني يُقتل باسمي، لأنَّ الله سيصعدني من الأرض وسيغيّر منظر الخائن حتّى يظنه كل أحد إياي، ومع ذلك فإنّه لمّا يموت شرّ ميتة أمكث في ذلك العار زمنا طويلاً في العالم، ولكن متى جاء محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم المقدّس

١- الكتاب المقدّس (العهد الجديد): إنجيل يوحنا، الإصحاح ١٦، جملة ٧.

٢- الأحزاب -٣٣-: ٤٥.

٣٨

تُزال عنّي هذه الوصمة، وسيفعل الله هذا، لأنّي اعترفت بحقيقة مسيا الذي سيعطيني هذا الجزاء، أي أن أعرف أنّي حيّ، وأنّي بريء من وصمة تلك الميتة»(١).

ومنها ما جاء في الفصل التاسع والثلاثين: «فلمّا انتصب آدم على قدميه رأى في الهواء كتابة تتألّق كالشمس، نصّها: لا إله إلاّ الله ومحمّد رسول الله، ففتح حينئذ آدم فاه، وقال: أشكرك أيّها الربّ إلهي; لأنّك تفضّلت فخلقتني، ولكن أضرع إليك أن تُنبأني ما معنى هذه الكلمات: محمّد رسول الله، فأجاب الله: مرحباً بك يا عبدي آدم، وإنّي أقول لك: إنّك أوّل إنسان خلقت، وهذا الذي رأيته إنّما هو ابنك، الذي سيأتي إلى العالم بعد الآن بسنين عديدة، وسيكون رسولي الذي لأجله خلقت كلّ الأشياء، الذي متى جاء سيعطي نوراً للعالم، الذي كانت نفسه موضوعة في بهاء سماوي ستّين ألف سنة قبل أن أخلق شيئاً. فضرع آدم إلى الله قائلاً: يا ربّ! هبني هذه الكتابة على أظفار أصابع يدي. فمنح الله الإنسان الأوّل تلك الكتابة على إبهاميه، على ظفر إبهام اليد اليمنى ما نصّه: لا إله إلا الله، وعلى ظفر إبهام اليد اليسرى ما نصّه: محمد رسول الله»(٢).

ومنها: ما جاء في الفصل الواحد والأربعين: «فلمّا التفت آدم رأى مكتوباً فوق الباب: لا إله إلاّ الله محمّدٌ رسول الله، فبكى عند ذلك وقال: أيّها الابن عسى الله أن يريد أن تأتي سريعاً، وتخلّصنا من هذا الشقاء»(٣).

ومنها: ما جاء في الفصل السادس والتسعين: «حينئذ يرحم الله العالم ويرسل رسوله الذي خلق كلّ الأشياء لأجله، الذي سيأتي من الجنوب بقوة، وسيبيد الأصنام وعبدة الأصنام، وسينتزع من الشيطان سلطته على البشر،

١- إنجيل برنابا: الفصل الثاني عشر بعد المائة، ١٧٨.

٢- إنجيل برنابا: الفصل التاسع والثلاثين، ٨٨.

٣- إنجيل برنابا: الفصل الحادي والأربعون، ٩١.

٣٩

وسيأتي برحمة الله لخلاص الذين يؤمنون به، وسيكون من يؤمن بكلامه مباركاً»(١).

ونجد هنا اعترافاً من أحد كبار قساوسة المسيحيين، والذي تتلمذ عند علمائهم حتّى حاز مراتب كبيرة في الدراسات الكنسية، يتحدّث في مقدّمة كتابه (أنيس الأعلام) عن انتقاله من المسيحية إلى الإسلام، فيقول: (... بعد بحث طويل وعناء كبير وتجوال في المدن، عثرت على قسّيس كبير متميّز في زهده وتقواه، كان يرجع إليه الكاثوليك بما فيهم سلاطينهم، تعلّمت عليه زمناً مذاهب النصارى، وكان له طلاّب كثيرون، ولكنّه كان ينظر إليّ من بينهم نظرة خاصّة، وكانت كلّ مفاتيح البيت بيدي، إلاّ مفتاحاً واحداً لغرفة صغيرة، احتفظ به عنده... وفي يوم اعتلّت صحّة القسّيس، فقال لي: قل للطلاّب إنّي لا أستطيع التدريس اليوم. حينما جئت إلى الطلاب وجدتهم منهمكين في نقاش حول معنى «فارقليطا» في السريانية، و«پريكلتوس» في اليونانية... واستمرّ بينهم النقاش، وكلّ كان يدلي برأيه... بعد أن عدت إلى الأُستاذ سألني عمّا كان يدور بين الطلاّب، فأخبرته.

فقال لي: وما رأيك؟

قلت: اخترت الرأي الفلاني.

قال القسّيس: ما قصّرت في عملك، ولكن الحقّ غير ذلك; لأنّ حقيقة هذا الأمر لا يعلمها إلاّ الراسخون في العلم، وقليل ما هم.

أكثرت في الإلحاح عليه أن يوضّح لي معنى الكلمة، فبكى بكاءً مُرّاً وقال: لم أخفِ عليك شيئاً... إنّ لفهم معنى هذه الكلمة أثراً كبيراً، ولكنّه إن انتشر فسنتعرض للقتل! فإن عاهدتني أن لا تفشيه فسأخبرك...

١- إنجيل برنابا: الفصل السادس والتسعين، ٩١.

٤٠