×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 11) / الصفحات: ٥٢١ - ٥٤٠

(٤٨) والنتين كومز (علي رضا)

[image] - مركز الأبحاث العقائدية

(مسيحي / الفلبّين)

ولد في الفلبّين، حاصل على شهادة البكالوريوس في قسم الهندسة، نشأ في أسرة مسيحية، لكنه أحسّ في كنفها بحالة من الخلأ العقائدي والحيرة والضياع، وهذا ما دفعه إلى دراسة الأديان، فتعرف وبادر إلى دراستها بعمق لينقذ نفسه من حالة الفراغ العقائدي ومن التيه المظلم.

يا عمار تقتلك الفئة الباغية:

ومن الأمور التي تلفت نظر من يدرس التاريخ الإسلامي معاجز الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله)، والتي أنبأ من خلالها على ما سيقع على الأمة في المستقبل، ومنها التي اثبت من خلالها أحقيّة الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) ومذهب أهل البيت(عليهم السلام)، من خلال إخباره بقتال علي(عليه السلام) أهل البغي وهم العادلون عن الحق الرافضون لأمر الله وحكمه، وهم معاوية وأصحابه، فقد جاهدهم الإمام في وقعة صفين، وهو ما أخبر به النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله) في مجموعة من الروايات:

١ ـ عن حنظلة بن خويلد العنبري، قال: بينما أنا عند معاوية إذ جاء رجلان يختصمان في رأس عمار، يقول كل واحد منها: أنا قتلته، فقال عبد الله بن عمرو: وليطب به أحدكما نفسا لصاحبه، فإنّي سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: تقتله الفئة الباغية. قال معاوية: فما بالك معنا؟ قال: إنّ أبي شكاني إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فقال:

٥٢١

أطع أباك ما دام حيا ولا تعصه، فأنا معكم ولست أقاتل(١).

قال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله ثقات(٢).

وجاء في هامش تهذيب الكمال: وهو صحيح متواتر(٣).

ويجاب عبد الله هذا بأنّ قول رسول الله(صلى الله عليه وآله) يخصصه قوله تعالى: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾(٤).

قال الفخر الرازي: «يعني أنّ خدمتهما واجبة وطاعتهما لازمة ما لم يكن فيها ترك طاعة الله، أما إذا أفضى إليه فلا تطعهما»(٥).

وهل هناك معصية أعظم من تكثير سواد الفئة الباغية، قتلة عمار بن ياسر التي أمر الله تعالى بقتالها في قوله: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الاُْخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾(٦).

٢ ـ عن خالد العرفي، قال: دخلت أنا وأبو سعيد الخدري على حذيفة، فقلنا: يا أبا عبد الله! حدّثنا ما سمعت من رسول الله(صلى الله عليه وآله) في الفتنة، قال حذيفة: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): دوروا مع كتاب الله حيث ما دار، فقلنا: فإذا اختلف الناس فمع من نكون؟ فقال: انظروا الفئة التي فيها ابن سمية فالزموها، فإنه يدور مع كتاب الله. قال: قلت: ومن ابن سمية؟ قال: أوَ ما تعرفه؟ قلت: بينه لي. قال: عمار بن ياسر،

١- ومن الحوار اكتشفت الحقيقة: ٢١٧.

٢- مسند أحمد ٢: ١٦٤ ـ ١٦٥.

٣- مجمع الزوائد ٧: ٢٤٤.

٤- تهذيب الكمال ٧: ٤٣٦.

٥- لقمان -٣١-: ١٥.

٦- تفسير الرازي ٢٥: ١٤٧.

٥٢٢

سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول لعمار: يا أبا اليقظان! لن تموت حتى تقتلك الفئة الباغية عن الطريق(١).

قال الحاكم النيسابوري: هذا حديث له طرق بأسانيد صحيحة، أخرجا بعضها ولم يخرجاه(٢).

٣ ـ عن عكرمة، أن ابن عباس قال له ولعليّ بن عبد الله: انطلقا إلى أبي سعيد الخدري، فاسمعا من حديثه. قال: فانطلقا فإذا هو في حائط له، فلما رآنا أخذ رداءه فجاءنا فقعدنا، نشأ يحدثنا حتى أتى على ذكر بناء المسجد، قال: كنا نحمل لبنة لبنة وعمار بن ياسر يحمل لبنتين لبنتين، قال: فرآه رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فجعل ينفض التراب عنه ويقول: يا عمار! ألا تحمل لبنة كما يحمل أصحابك؟! قال: إني أريد الأجر من الله. قال: فجعل ينفض التراب عنه ويقول: ويح عمار، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النار، فجعل عمار يقول: أعوذ بالرحمن من الفتن(٣).

قال الحاكم النيسابوري: هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه بهذه السياقة(٤).

٤ ـ عن عمرو بن ميمون، قال: أحرق المشركون عمار بن ياسر بالنار. فكان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يمرّ به ويمرّ يده على رأسه، فيقول: يا نار كوني برداً وسلاماً على عمار كما كنت على إبراهيم، تقتلك الفئة الباغية(٥).

فقد أخبر النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله) أن ما قام به المشركون بعمار سيكمله المنافقون

١- الحجرات -٤٩-: ٩.

٢- تاريخ بغداد ٨: ٢٦٩.

٣- مستدرك الحاكم ٢: ١٤٨.

٤- صحيح البخاري ٣: ٢٠٧.

٥- مستدرك الحاكم ٢: ١٤٩.

٥٢٣

معاوية وأصحابه، وذلك بقتله وهو ما حدث بالفعل.

٥ ـ عن أبي الغادية، قال: سمعت عماراً يقع في عثمان ويشتمه بالمدينة، فتوعدته بالقتل، فلما كان يوم صفين جعل عمار يحمل على الناس، فقيل: هذا عمار. فحملت عليه فطعنته في ركبته، فوقع فقتلته، فأُخبر عمرو بن العاص، فقال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: قاتله وسالبه في النار. فقيل لعمرو: ها أنت تقاتله، قال: إنما قال قاتله وسالبه(١).

وفي معرض التعليق على هذه الرواية ينبغي الإشارة إلى عدّة أمور:

أولاً: هل إنّ سبّ عمار لعثمان وشتمه حكمه القتل حتى يبرّر أبو الغادية قتله لعمار بذلك؟ فإذا كان الأمر كذلك فينبغي قتل جميع بني أمية وأتباعهم، لأنهم سبّوا علياً ثمانين سنة على منابر المسلمين.

ثانياً: إنَّ أبا الغادية توعد عماراً بالقتل، وكان سيقتله سواء أتى به علي(عليه السلام)كما سيأتي من أنّ معاوية نسب القتل إلى علي(عليه السلام) أو لم يأت به، فإن معاوية أمر بقتل عمار على كل حال.

ثالثاً: إنّ جواب عمرو بن العاص للناس عندما سألوه: أليس هو ممن قتل عمار؟ يذكّر الباحث بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ * في قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَـكِن لاَّ يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ

١- الطبقات الكبرى ٣: ٢٤٨.

٥٢٤

إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ * اللّهُ يَسْتَهْزِىُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾(١).

فإنّ من أوضح مصاديق هذه الآيات عمرو بن العاص، إذ أنّه كان قائد الجيش الذي أرسل أبو الغادية وأمثاله لقتل عمار وسلبه، فكيف لا يكون شريكا لهم في عملهم؟ ولكنّه يخادع الله والناس، ولم يعلم أنّه لم يكن يخدع إلا نفسه، فباء بغضب الله ورسوله، وذلك هو الخسران المبين.

وإنّ ما يكذّب ما ادعاه معاوية ـ وأنّه جاء قاصداً عامداً لقتل عمار ـ ما جاء في مجموعة من المصادر التاريخية:

١ ـ قال ابن خلدون: «... فقال شبث بن ربعي: أيسرّك يا معاوية أن تقتل عماراً؟ قال: نعم بمولاه، قال شبث: حتى تضيّق والله الأرض الفضاء عليك، فقال معاوية: لو كان ذلك لكانت عليك أضيق..»(٢).

٢ ـ قال ابن الأثير: «... فقال شبث بن ربعي: أيسرّك يا معاوية أن تقتل عماراً؟ فقال: وما يمنعني من ذلك لو تمكنت من ابن سمية لقتلته بمولى عثمان، فقال شبث: والذي لا إله غيره لا تصل إلى ذلك حتى تندر الهام عن الكواهل، وتضيّق الأرض الفضاء عليك، فقال معاوية: لو كان ذلك لكانت عليك أضيق!..»(٣).

ثم إنْ كان علي(عليه السلام) هو الذي قتل عماراً فلماذا يعطي معاوية الجائزة لقاتله ولمن احتز رأسه كما تقدم في الأخبار الصحيحة، وكما سيأتي؟

فهل الجائزة تعطى عند إغضاب الشخص أم عند إرضاءه؟

١- مسند أحمد ٤: ١٩٨.

٢- البقرة -٢-: ٨ ـ ١٥.

٣- تاريخ ابن خلدون ٢ ق٢: ١٧١.

٥٢٥

لقد سعد معاوية بقتل عمار، وإنّه بقتله قد أزال حجر عثرة أمام مخططاته اللئيمة في إقامة حكومة بني أمية الجائرة.

ومما يؤكد أنّه قتل بيد معاوية، وأنّه قتله عالماً عامداً ما روي عن مغيرة، عن ابنة هشام بن الوليد بن المغيرة، وكانت تمرض عماراً، قالت: جاء معاوية إلى عمار يعوده، فلمّا خرج من عنده، قال: اللهم لا تجعل منيته بأيدينا، فإني سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: تقتل عماراً الفئة الباغية(١).

وصدق الله تعالى حيث يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾(٢)، فلم يتقبّل من هذا المنافق دعاءه، وكان استشهاد عمار على يديه، فباء بالخزي في الدنيا وبالخلود في السعير، ولبئس مثوى المتكبرين.

ثم نسأل معاوية: هل أجبر علي(عليه السلام) عماراً أو أكرهه حتى يدّعي أنّه ألقاه بين أسيافكم ورماحكم؟ بل إنّ الروايات تصرّح بأنّ عماراً كان يعتقد بأن القتال تحت راية علي(عليه السلام) هو كالقتال تحت راية النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله)، وأنّ راية معاوية هي راية المشركين، ولم تكن هذه عقيدة عمار فحسب، بل كانت عقيدة صحابة النبي الأبرار الذي كانوا يميلون معه كيف مال، وجعلوه راية لهم.

ومما يؤيد أنّ معاوية لم يكن معتقداً بصحة كلامه ولا أصحابه ما رواه ابن الأثير، قال: إنّ ذا الكلاع خرج إلى الشام وأقام به، فلما كانت الفتنة كان هو القيّم بأمر صفين، وقتل فيها.

قيل: إنّ معاوية سرّه قتله، وذلك أنّه بلغه أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) قال لعمار بن ياسر: تقتله الفئة الباغية، فقال لمعاوية وعمرو: ما هذا، وكيف نقاتل علياً وعماراً؟ فقالوا: إنّه يعود إلينا ويقتل معنا، فلما قتل ذو الكلاع وقتل عمار، قال معاوية: لو كان ذو

١- الكامل في التاريخ ٣: ٢٩٠.

٢- مسند أبي يعلى ١٣: ٣٥٣ ـ ٣٥٤.

٥٢٦

الكلاع حيّاً لمال بنصف الناس إلى علي(١).

وقال الحلبي: «لما قتل عمار جرّد خزيمة بن ثابت سيفه، وقاتل مع علي، وكان قبل ذلك اعتزل عن الفريقين، وقال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: تقتل عماراً الفئة الباغية، فقاتل معاوية حتى قتل.

وكان ذو الكلاع مع معاوية، وقال له يوما ولعمرو بن العاص: كيف نقاتل علياً وعمار بن ياسر؟ فقالا له: إنّ عماراً يعود إلينا ويقتل معنا، فقتل ذو الكلاع قبل قتل عمار، ولما قتل عمار قال معاوية: لو كان ذو الكلاع حيّاً لمال بنصف الناس إلى علي، أي: لأن ذا الكلاع كان ذووه أربعة آلاف أهل بيت، وقيل: عشرة آلاف، وكان عبد الله بن بديل بن ورقاء مع علي ـ رضي الله تعالى عنه ـ فلما قتل عمار أخذ سيفين، ولبس درعين، ولم يزل يضرب بسيفه»(٢).

ولما قتل عمار بن ياسر قال خزيمة: قد بانت لي الضلالة، واقترب فقاتل حتى قتل، وكان الذي قتل عمار بن ياسر أبو غادية المزني، طعنه برمح فسقط، وكان يومئذ يقاتل في محفّة، فقتل يومئذ وهو ابن أربع وتسعين سنة.

فلما وقع أكب عليه رجل آخر فاحتز رأسه، فأقبلا يختصمان فيه، كلاهما يقول: أنا قتلته، فقال عمرو بن العاص: والله إن يختصمان إلاّ في النار، فسمعها منه معاوية، فلما انصرف الرجلان قال معاوية لعمرو بن العاص: ما رأيت مثل ما صنعت، قوم بذلوا أنفسهم دوننا تقول لهما: إنكما تختصمان في النار. فقال عمرو: هو والله ذاك، والله إنّك لتعلمه، ولوددت أني مت قبل هذه بعشرين سنة(٣).

ولو كان عمرو بن العاص تأوّل واعتقد أن الحقّ مع القاسطين، فلماذا يتمنى الموت قبل عشرين سنة، والأولى أن يفرح بأنه يقوم بإقامة الحق والعدل، ومن هنا

١- المائدة -٥-: ٢٧.

٢- أُسد الغابة ٢: ١٤٣.

٣- السيرة الحلبية ٢: ٢٦٤.

٥٢٧

يظهر أن عمرو بن العاص كان يعرف أنّ الحق مع أمير المؤمنين(عليه السلام)، ولكنّه باع دينه، واختار جهنم وبئس المصير في مقابل ثمن بخس وهي مصر.

قال ابن الأثير: ولما قتل عمار قال: ادفنوني في ثيابي، فإنّي مخاصم(١).

ومن الذي يخاصمه عمار؟ هل يخاصم علياً أم يخاصم معاوية؟

ثم ما معنى المخاصمة إذا كان الأمر كما يدعي البعض بأن القاتل والمقتول في الجنة؟ فتكون المخاصمة إذاً من العبث، وهو ما يبيّن أنّ المخاصمة ستكون مع من قتله وهو معاوية، وإنّ عقيدة دخول الجاني والمجني عليه والباغي والمنافق مع المؤمنين الجنة ما هي إلاّ خرافة أوجدها الأمويون ليبرروا بها جرائمهم بحق الإسلام والمسلمين.

الاستبصار بعد البحث والتحقيق حول أحقيّة الدين الإسلامي:

عندما تتّضح أدلّة أحقيّة الدين الإسلامي بالعديد من الأمور، ومنها: المعاجز الإلهيّة على لسان نبيّه الكريم يمتلىء قلب الباحث طمأنينة، ويغمر كيانه النور، فيتجلى له الحقّ بأسمى تجلّياته، وهذا ما حصل لـ «والنتين»، وأدّى به لاعتناق الدين الإسلامي ومذهب أهل البيت(عليهم السلام)(٢).

١- مستدرك الحاكم ٣: ٣٨٥ ـ ٣٨٦.

٢- أُسد الغابة ٤: ٤٧.

٥٢٨

(٤٩) ويكي لاهرا(زينب)

[image] - مركز الأبحاث العقائدية

(مسيحية / الفلبّين)

ولدت في الفلبّين، حاصلة على شهادة الليسانس أمضت فترة من حياتها معتنقة للديانة المسيحية، ولكنّها وجدت تقليدها الأعمى لأُصول هذه الديانة سيؤدّي إلى التعصّب للمفاهيم الخاطئة، وإنّ الحلّ الوحيد للتخلّص من هذه المعاناة النفسية هو التوجّه إلى البحث واكتشاف الحقيقة عن طريق الدليل والبرهان، فبذلت قصارى جهدها في البحث والتتبّع والدراسة عن الأُمور الفكرية والعقائدية حتّى توصّلت إلى أنّ الإسلام هو الدين الأكمل.

ومن المفاهيم التي تبرهن على كمال هذا الدين العظيم وتعطيه صبغة إعجازية هو أنّه لا ينحصر في زمان «معيّن»، بل لديه رؤية وإشراف على سائر الأزمنه.

ويتّضح ذلك من المغيّبات التي جاء بها النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله) والإمام أمير المؤمنين(عليه السلام).

كلام في علم الغيب:

ينقسم علم الغيب إلى قسمين:

القسم الأوّل: هو الذي انحصر في الله، وهي هذه الأُمور الخمسة:

٥٢٩

أ ـ علم الساعة ومتى تقوم القيامة.

ب ـ إنزال الغيب كمّية وكيفية، وفي أي مكان وأي زمان.

ج ـ علم ما في أرحام النساء، من ذكر أو أُنثى، أسود أو أبيض، قصير أو طويل، جميل أو دميم، شقي أو سعيد، سخي أو بخيل، وإلى غيرها من الصفات.

د ـ ماذا يكسب هذا الإنسان غداً، من خير أو شرّ، كثير أو قليل، في أي زمان ومكان.

هـ ـ أين تكون وفاة هذا الإنسان; فهو من علم الغيب أيضاً.

القسم الثاني من الغيب: هو جزء من العلم عرّفه الله لنبيّه وأطلعه عليه، وبدوره قام النبيّ بإبلاغه للإمام علي(عليه السلام) وإفهامه إياه، وقد بلّغه إيّاه النبيّ ودعا له أن يحفظه ويفهمه، فكان الإمام أصدق صورة تحكي النبيّ وتنقل عنه كلّ خصوصية وكلّ حقيقة، وقد قال المفسّرون عندما فسّروا قوله تعالى: ﴿وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾(١)، قالوا: إنّها أُذُن عليّ.

وقد قال النبيّ يومها: إنّي دعوت الله أن يجعلها أُذنك يا علي. فقال علي(عليه السلام): فما نسيت شيئاً بعد، وما كان لي أن أنسى(٢).

قد جاء في القرآن العظيم، في موارد كثيرة ذكر الغيب; قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾(٣)، وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّوَرِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾(٤)، وقال: ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ

١- راجع: معرفة تحليلية عن الإسلام وبعض الأديان والمذاهب: ٥٦٨.

٢- الحاقة -٦٩-: ١٢.

٣- تفسير الطبري: ٢٩: ٣٥.

٤- البقرة -٢-: ٣.

٥٣٠

تَعْمَلُونَ﴾(١)، وغيرها من الآيات الشريفة.

وقال تعالى في سورة الجن: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُول فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾(٢)، يظهر من هذه الآية الشريفة أنّ الله تعالى يُطلع رسوله على الغيب.. هذا عيسى بن مريم(عليه السلام) كما جاء في القرآن يقول: ﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَة مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾(٣)، أليس هذا من علم الغيب؟!

وأخبر نبيّنا محمد (صلى الله عليه وآله) ابنته فاطمة(عليها السلام) بأنّها أوّل من يلحق به; وهو ما رواه مسروق عن عائشة، قالت: أقبلت فاطمة تمشي كأنّ مشيتها مشي النبيّ (صلى الله عليه وآله)، فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله): مرحباً يا بنتي. ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم أسرّ إليها حديثاً، فبكت، فقلت لها: لم تبكين؟ ثم أسرّ إليها حديثاً فضحكت، فقلت: ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن، فسألتها عمّا قال، فقالت: ما كنت لأُفشي سرّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حتى قبض النبيّ (صلى الله عليه وآله) فسألتها، فقالت: أسرّ إليّ أنّ جبريل كان يعارضني القرآن كلّ سنة مرّة، وإنّه عارضني العام مرّتين، ولا أراه إلاّ حضر أجلي وإنَّكِ أوّل أهل بيتي لحاقاً بي، فبكيت، فقال: أما ترضين أن تكوني سيّدة نساء أهل الجنّة، أو نساء المؤمنين، فضحكت(٤).

وأخبر (صلى الله عليه وآله) عليّاً(عليه السلام) بقتاله الناكثين والقاسطين والمارقين، وهو ما رواه خليد المصري; قال: سمعت عليّاً أمير المؤمنين يقول يوم النهروان: «أمرني رسول

١- الأنعام -٦-: ٥٩.

٢- التوبة -٩-: ٩٤.

٣- الجنّ -٧٢-: ٢٧.

٤- آل عمران -٣-: ٤٩.

٥٣١

الله (صلى الله عليه وآله)بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين»(١).

وأخبر (صلى الله عليه وآله) عمّاراً بأنّه ستقتله الفئة الباغية; وهو ما روي عن أُمّ سلمة: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لعمّار: تقتلك الفئة الباغية(٢).

والإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) كان مع النبيّ (صلى الله عليه وآله) في صغره وكبره، قال: «إنّ النبيّ علّمني ألف باب من العلم»(٣)، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «أنا مدينة العلم وعليّ بابها»(٤).

قال الحاكم النيسابوري: هذا حديث صحيح الإسناد(٥).

ونظائر هذه ممّا صدر من حجج الله ورسله، لاسيّما من خاتم النبيّين وآله الطاهرين من خوارق العادات كثيرة جدّاً، نقلت في كتب الفريقين، بعضها بلغ حدّ التواتر وبعضها حدّ الشهرة.

وليعلم أنّ أهل الله لو تفوّهوا بالدعاء لقوم أو عليهم لأثّر ذلك عاجلاً; لأنّهم بلغوا في اتّصافهم بالصفات الملكوتية وتخلّقهم بالأخلاق الإلهيّة وتقرّبهم إلى المبادي العالية، لاسيّما إلى مبدأ المبادي وعلّة العلل: الله عزّ وجلّ، إلى مرتبة منيعة، ودرجة رفيعة; إذ لا فرق بينهم وبين حبيبهم في صدور كثير من الأفعال عنهم، كما جاء عن الإمام الصادق(عليه السلام): «العبودية جوهرة كنهها الربوبية، فما فُقد في العبودية وُجد في الربوبية، وما خفي عن الربوبية أُصيب في العبودية»(٦).

وتأثير القوى النفسانيّة يصير إلى حدّ معجب لمن كان بمعزل عن العلم

١- صحيح البخاري ٤: ١٩٣.

٢- البداية والنهاية ٧: ٣٣٨.

٣- صحيح مسلم ٨: ١٨٦.

٤- الخصال: ٥٧٢.

٥- المعجم الكبير ١١: ٥٥.

٦- المستدرك على الصحيحين ٣: ١٢٦.

٥٣٢

بأسرار النفس.

ثمّ إنّ ظهور الآثار الغريبة أثر تكويني لهذه الجوهرة النفيسة القدسيّة فيعمّ الكلّ، وكلّما كانت أقوى كان فعلها أشدّ، لاسيّما إذا كان حجّة الله على عباده، من نبيّ أو وصيّ; فإنّهم بسبب شدّة انسلاخهم عن النواسيت الإنسانية تدوم عليهم الإشراقات العلويّة بسبب الاستضاءة بضوء القدس والإلْف بسناء المجد، فتطيعهم مادّة الكائنات القابلة للصور المفارقة بإذن الله تعالى، فيتأثّر الموادّ عن أنفسهم كما يتأثّر أبدانهم عنها، فلهذا يكون دعاؤهم مسموعاً في العالم الأعلى والقضاء السابق، ويتمكّن في أنفسهم نور خلاّق به يقدرون على الأشياء التي يعجز عنها غيرهم; قال عزّ من قائل في الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه خطاباً لعيسى بن مريم (عليهما السلام): ﴿إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِىُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾(١).

ثمّ إنّ سفراء الله وحججه على خلقه لصفاء جوهر نفوسهم القدسيّة وشدّة صقالتها ونورانيّتها الموصِل لها إلى المبادي العالية، وشدّة الالتصاق بها من غير كسب وتعلّم، قدروا على الاطّلاع على الأُمور الغائبة من غير كسب وفكر.

وما يناسب المقام من الحديث عن الغيب عن أمير المؤمنين ورئيس الموحّدين وقدوة العارفين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام): ما أتى به نصر بن مزاحم المنقري في كتاب صِفّين، قال: حدّثني مصعب بن سلم، قال أبو حيان التميمي، عن

١- مصباح الشريعة: ٥٣٦.

٥٣٣

أبي عبيدة، عن هرثمة بن سليم، قال: غزونا مع عليّ بن أبي طالب غزوة صِفّين، فلمّا نزلنا بكربلا صلّى بنا صلاة، فلمّا سلّم رفع إليه من تربتها، فشمّها، ثمّ قال: واهاً لك أيّتها التربة! ليُحشرنّ منك قوم يدخلون الجنّة بغير حساب.

فلمّا رجع هرثمة من غزوته إلى امرأته وهي جرداء بنت سمير وكانت شيعة لعليّ، فقال لها زوجها هرثمة: ألا أُعجبك من صديقك أبي الحسن، لمّا نزلنا بكربلا رفع إليه من تربتها فشمّها، وقال: واهاً لك يا تربة! ليُحشرنّ منك قوم يدخلون الجنّة بغير حساب، وما علمه بالغيب.

فقالت له: دعنا منك أيّها الرجل، فإنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) لم يقل إلاّ حقّاً.

فلمّا بعث عبيد الله بن زياد البعث الذي بعثه إلى الحسين بن عليّ وأصحابه، قال: كنت فيهم في الخيل التي بعث إليهم، فلمّا انتهيت إلى القوم وحسين وأصحابه عرفت المنزل الذي نزل بنا عليّ(عليه السلام) فيه والبقعة التي رفع إليه من ترابها، والقول الذي قاله، فكرهت مسيري، فأقبلت على فرسي حتى وقفت على الحسين فسلّمت عليه، وحدّثته بالذي سمعت من أبيه في هذا المنزل، فقال الحسين(عليه السلام): معنا أنت أو علينا؟ فقلت: يا ابن رسول الله! لا معك ولا عليك، تركت أهلي وولدي أخاف عليهم من ابن زياد.

فقال الحسين(عليه السلام): فولِّ هرباً حتى لا ترى لنا مقتلاً، والذي نفس حسين بيده لا يرى مقتلنا اليوم رجل ولا يغيثنا إلاّ أدخله الله النار.

قال: فأقبلت في الأرض هارباً حتى خفي عَليّ مقتله(١).

ومن النماذج: ما روي أنّه لمّا عزم(عليه السلام) على حرب الخوارج(٢)، وقيل له: إنّ

١- المائدة -٥-: ١١٠.

٢- وقعة صفّين: ١٤٠ ـ ١٤١.

٥٣٤

القوم قد عبروا جسر النهروان(١)، فقال(عليه السلام): ﴿مَصَارِعُهُمْ(٢) دُونَ النُّطْفَةِ، وَاللهِ لاَ يُفْلِتُ(٣)مِنْهُمْ عَشَرَةٌ وَلاَ يَهْلِكُ مِنْكُمْ عَشَرَةٌ﴾(٤).

قال الرضي: يعني بالنطفة: ماء النهر; وهو أفصح كناية عن الماء، وإن كان كثيراً جمّاً(٥).

أقول: رواه البلاذري في أنسابه(٦)، والشيخ الصدوق في كمال الدين وتمام النعمة(٧)، وابن شهرآشوب في مناقبه(٨)، والبيهقي في سننه(٩)، وابن أبي شيبة في مصنّفه(١٠)، والدارقطني في سننه(١١)، والمتّقي الهندي في كنزه(١٢).

وروى أصحاب السيرة عن جندب بن عبد الله الأزدي، قال: شهدت مع عليّ(عليه السلام): الجمل وصِفّين لا أشكّ في قتال من قاتله، حتى نزلنا النهروان، فدخلني شكّ وقلت: قرّاؤنا وخيارنا نقتلهم؟! إن هذا لأمر عظيم.

فخرجت غدوة أمشي ومعي إداوة ماء حتى برزت عن الصفوف. فركزت رمحي ووضعت ترسي إليه واستترت من الشمس، فإنّي لجالس حتى ورد أمير

١- الخوارج من أهل الأهواء: لهم مقالة على حِدة، سُمّوا به لخروجهم على الناس. القاموس المحيط ١: ١٨٥.

٢- النهروان: ثلاثة طساسيج من سواد العراق: النهروان الأعلى، والنهروان الأوسط، والنهروان الأسفل. معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع ٤: ١٣٣٧.

٣- مصارع القوم: سقوطهم عند الموت. كتاب العين ١: ٢٩٩.

٤- الإفلات يكون بمعنى الانفلات لازماً، وقد يكون واقعاً، يقال: أفلَتّه من الهلكة، أي: خلّصته. كتاب العين ٨: ١٢٣.

٥- نهج البلاغة ١: ١٠٧، الخطبة ٥٩.

٦- نهج البلاغة ١: ١٠٧.

٧- أنساب الأشراف: ٣٧٣.

٨- كمال الدين وتمام النعمة: ١٢٠.

٩- مناقب آل أبي طالب ٢: ٩٩.

١٠- السنن الكبرى للبيهقي ٨: ١٨٥.

١١- المصنف لعبد الرزاق الصنعاني ٨: ٧٣٢.

١٢- سنن الدارقطني ٣: ٩٩.

٥٣٥

المؤمنين(عليه السلام) فقال لي: «يا أخا الأزد أمعك طهور؟» قلت: نعم، فناولته الإداوة، فمضى حتى لم أره، ثم أقبل وقد تطهّر، فجلس في ظلّ الترس، فإذا فارس يسأل عنه، فقلت: يا أمير المؤمنين! هذا فارس يريدك. قال: «فأشِر إليه». فأشرت إليه، فجاء، فقال: يا أمير المؤمنين! قد عبر القوم، وقد قطعوا النهر. فقال: «كلاّ ما عبروا»، قال: بلى والله لقد فعلوا. قال: «كلاّ ما فعلوا».

قال: فإنّه لكذلك إذ جاء آخر، فقال: يا أمير المؤمنين، قد عبر القوم. قال: «كلاّ ما عبروا». قال: والله ما جئتك حتى رأيت الرايات في ذلك الجانب والأثقال. قال: «والله ما فعلوا، وإنّه لمصرعهم ومهراق دمائهم».

ثم نهض ونهضت معه، فقلت في نفسي: الحمد لله الذي بصّرني هذا الرجل، وعرّفني أمره، هذا أحد رجلين: إمّا رجل كذّاب جريء أو على بيّنة من ربّه وعهد من نبيّه، اللهم إنّي أُعطيك عهداً تسألني عنه يوم القيامة، إن أنا وجدت القوم قد عبروا أن أكون أوّل من يقاتله، وأوّل من يطعن بالرمح في عينه، وإن كانوا لم يعبروا (أن أُقيم) على المناجزة والقتال.

فدفعنا إلى الصفوف فوجدنا الرايات والأثقال كما هي، قال: فأخذ بقفاي ودفعني، ثم قال: «يا أخا الأزد! أتبيّن لك الأمر؟»

قلت: أجل يا أمير المؤمنين.

قال: «فشأنك بعدوّك».

فقتلت رجلاً، ثم قتلت آخر، ثم اختلفت أنا ورجل آخر، أضربه ويضربني، فوقعنا جميعاً، فاحتملني أصحابي، فأفقت حين أفقت وقد فرغ القوم.

وهذا حديث مشهور شائع بين نقلة الآثار، وقد أخبر به الرجل عن نفسه في عهد أمير المؤمنين(عليه السلام) وبعده، فلم يدفعه عنه دافع، ولا أنكر صدقه فيه منكر، وفيه إخبار بالغيب، وإبانة عن علم الضمير ومعرفة ما في النفوس، والآية باهرة فيه،

٥٣٦

لايعاد لها إلا ما ساواها في معناها من عظيم المعجز وجليل البرهان(١).

وفي إخباره(عليه السلام) بما في نفس الرجل زيادة دلالة على صدقه وإمامته وأحقّيته.

ومن النماذج أيضاً: ما روي من تنبّئه(عليه السلام) بتغلّب معاوية على الخلافة، وسيطرته على الكوفة، وأنّه سيأمر أهل الكوفة من الشيعة بسبّه، والبراءة منه; فقال: ﴿أما إنَّهُ سِيَظْهَرُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي رَجُلٌ رَحْبُ الْبُلْعُومِ، مُنْدَحِقُ الْبَطْنِ، يَأْكُلُ مَا يَجِدُ، وَيَطْلُبُ مَا لاَ يَجِدُ، فَاقْتُلُوهُ، وَلَنْ تَقْتُلُوهُ، أَلاَ وَإِنَّهُ سَيَأْمُرُكُمْ بِسَبِّي وَالْبَرَاءَةِ مِنِّي، فَأَمَّا السَّبُّ فَسُبُّونِي; فَإِنَّهُ لي زَكَاةٌ، وَلَكُمْ نَجَاةٌ، وَأَمَّا الْبَرَاءَةُ فَلاَ تَتَبَرَّوْوا مِنِّي; فَإِنِّي وُلِدْتُ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَسَبَقْتُ إِلَى الاِْيمَانِ وَالْهِجْرَةِ﴾(٢).

وهذه النبوّءة تحقّقت بتمامها، والمقصود: معاوية; لأنّه كان بطيناً كثير الأكل، فقد كان يأكل فيمل، فيقول: ارفعوا، فوالله ما شبعت، ولكن مللت، وتعبت(٣)، وكان ذلك داء أصابه من دعوة رسول الله (صلى الله عليه وآله)(٤).

وقد أمر الناس بسبّ الإمام(عليه السلام)، والبراءة منه، وقتل طائفة من عظماء أصحابه; لأنّهم ثبتوا على ولائه، فلم يتبرؤوا منه، منهم: حجر بن عدي الكندي، وجماعته، وقال قوم: إنّ المعني بهذا الكلام: زياد بن أبيه، وقال قوم: إنّه المغيرة بن شعبة، وكلٌّ ولِيَ الكوفة، وأمر بالسبّ، والبراءة(٥).

اعتناق «ويكي» للإسلام ومذهب أهل البيت(عليهم السلام):

ومن هذا المنطلق تخلّت «ويكي» عن معتقداتها السابقة واعتنقت الحقيقة

١- كنز العمال ١١: ٢٨٧.

٢- الإرشاد ١: ٣١٧.

٣- نهج البلاغة ١: ١٠٦.

٤- النصائح الكافية: ٢٠٢.

٥- صحيح مسلم ٨: ٢٧.

٥٣٧

التي وجدتها في الدين الإسلامي، فأعلنت إسلامها، واندفعت بقوّة للحفاظ على هذه الجوهرة الثمينة، التي تمكّنت من الحصول عليها بعد اجتيازها العديد من العقبات التي وقفت أزاء حركتها باتّجاه معرفتها الحقيقة، وبعد استبصارها غيّرت اسمها إلى زينب، تيمّناً بعقيلة الهاشميين زينب الكبرى(عليها السلام)(١).

١- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١: ٣٥٥.

٥٣٨

٥٣٩

المصادر

* القرآن الكريم.

١ -الاحتجاج، أحمد بن علي الطبرسي (ت٥٤٨هـ)، تحقيق: محمّد باقر الخرسان، دار النعمان للطباعة والنشر ـ النجف الأشرف، طبع عام ١٣٨٦هـ .

٢ -اختيار معرفة الرجال المعروف برجال الكشي، أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (ت٤٦٠هـ)، تصحيح وتعليق: ميرداماد الاسترآبادي، تحقيق: مهدي الرجائي، مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) لإحياء التراث.

٣ -اعتقادات فِرَق المسلمين والمشركين، فخر الدين محمّد بن عمر الرّازي، ضبط، تقديم وتعليق: محمّد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي ـ بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٧هـ .

٤ -الاختصاص، محمد بن محمد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد (ت ٤١٣هـ)، تحقيق: علي أكبر الغفاري ومحمّد الزرندي، دار المفيد للطباعة والنشر، الطبعة الثانية ١٤١٤هـ .

٥ -الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (ت٤٦٠هـ)، صحّحه وعلّق عليه: حسن الموسوي الخرسان، دار الكتب الإسلاميّة ـ طهران.

٦ -الاستذكار، يوسف بن عبد الله بن عبد البرّ (ت ٤٦٣هـ)، تحقيق: سالم محمّد عطا ومحمّد علي معوّض، دار الكتب العلميّة ـ بيروت، الطبعة الأولى ٢٠٠٠ م.

٥٤٠