×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 11) / الصفحات: ٤١ - ٦٠

فأقسمت بكلّ المقدسات أن لا أذكر ذلك لأحد.

فقال: إنّه اسم من أسماء نبيّ المسلمين، ويعني «أحمد»، و«محمّد».

ثمّ أعطاني مفتاح الغرفة وقال: افتح الصندوق الفلاني، وهات الكتابين اللذين فيه.

جئت إليه بالكتابين وكانا مكتوبين باليونانية والسريانية على جلد، ويعودان إلى عصر ما قبل الإسلام. الكتابان ترجما «فارقليطا» بمعنى أحمد ومحمّد، ثمّ أضاف الأُستاذ: علماء النصارى كانوا مجمعين قبل ظهوره أنّ «فارقليطا» بمعنى «أحمد ومحمّد»، ولكن بعد ظهور محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) غيّروا هذا المعنى; حفظاً لمكانتهم ورئاستهم وأوّلوه، واخترعوا له معنىً آخر لم يكن على الإطلاق هدف صاحب الإنجيل.

سألته عمّا يقوله بشأن دين النصارى؟

قال: لقد نُسخ بمجيء الإسلام. وكرّر ذلك ثلاثاً.

ثمّ قلت: ما هي طريقة النجاة والصراط المستقيم في زماننا هذا؟

قال: إنّما هي باتّباع محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم).

قلت: وهل التابعون له ناجون؟

قال: إي والله. وكرّر ذلك ثلاثاً.

ثمّ بكى الأُستاذ وبكيت كثيراً.

ثمّ قال: إذا أردت الآخرة والنجاة فعليك بدين الحقّ... وأنا أدعو لك دائماً شرط أن تكون شاهداً لي يوم القيامة أنّي كنت في الباطن مسلماً، ومن أتباع محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وما من شك أنّ الإسلام هو دين الله اليوم على ظهر الأرض(١).

١- الأمثل في تفسير كتاب اللّه المنزل ١: ١٨٨ ـ ١٩٠، نقلاً عن أنيس الاعلام في نصرة الاسلام.

٤١

وكما يلاحظ فإنّ هذه الوثيقة المهمّة تصرّح بما فعله علماء أهل الكتاب بعد ظهور نبيّ الإسلام(صلى الله عليه وآله وسلم) من تحريف لتفسير اسم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وعلاماته; تحقيقاً لمصالحهم الشخصية.

فتكون كلّ هذه الأُمور تأييداً لِما جاء في القرآن الكريم، وتتطابق تماماً مع قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُول يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾(١).

فعيسى(عليه السلام) يقول لأنصاره أنّه رسول من الله إليهم، ويدعوهم إلى شريعة التوراة ومنهاجها، ويبشّر بشريعة إلهية سيكملها الله ببعث نبيٍّ يأتي من بعده، اسمه: أحمد.

فدعوته تتضمّن الأُمور التالية:

الأوّل: كونه رسول من قبل الله تعالى، وذلك قوله: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ﴾، فهو يحمل رسالة من الله إليهم.

الثاني: أنّه أُرسل إليهم لأجل تكميل ما جاء به موسى(عليه السلام)، وذلك قوله: ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾.

الثالث: أنّ دعوته لا تغاير دين التوراة، ولا تناقض شريعتها بل تصدّقها، ولم تنسخ من أحكامها إلاّ اليسير: ﴿وَلاُِحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾(٢).

الرابع: أنّه لم يبيّن لهم إلاّ بعض ما يختلفون فيه، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلاُِبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾(٣).

١- الصف -٦١-: ٦.

٢- آل عمران -٣-: ٥٠.

٣- الزخرف -٤٣-: ٦٣.

٤٢

الخامس: أنّ من مهامّ رسالته التبشير بمجيء رسول من بعده اسمه أحمد: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُول يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾.

فالقران الكريم يشير إلى ضرورة الإيمان بهذا النبيّ الذي أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحقّ، وبشّر به عيسى بن مريم بني إسرائيل، فعلى المؤمنين أن يشدّوا العزم على طاعته، وامتثال ما يأمرهم به من الجهاد ونصرة الله في دينه كي يسعدهم في أُخراهم وينصرهم ويؤيدهم على أعدائهم في هذه الدنيا.

ومن الواضح أنّ الإسلام لا يعدّ نفسه ديناً جديداً مقابل سائر الأديان، كالمسيحية واليهودية أو غيرهما من الديانات السماوية، بل يرى نفسه مكمّلاً للأديان الصحيحة التي دعى إليها الأنبياء السابقون من لدن آدم إلى ما قبل مجي الإسلام، فهم من دعوا إلى الوحدانيّة المطلقة، ونفي الشرك، وتصديق الرسالات السابقة.

ولذا نرى الإسلام يمضي أحكام التوراة إلاّ ما نسخه الله تعالى من الأحكام الشاقّة المكتوبة على اليهود، وأمّا الإنجيل فلا يحتوي إلاّ على مجموعة من الحكم والأخلاق، ولا يتطرّق إلى أحكام الشريعة.

وقد روي عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام): (أنزل على عيسى(عليه السلام) في الإنجيل مواعظ وأمثال وحدود، ليس فيها قصاص ولا أحكام حدود ولا فرض مواريث، وأنزل عليه تخفيف ما كان نزل على موسى(عليه السلام) في التوراة، وهو قوله تعالى حكاية عن عيسى(عليه السلام) أنّه قال لبني إسرائيل: ﴿وَلاُِحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾(١)، وأمر عيسى(عليه السلام) من معه ممّن تبعه من المؤمنين أن يؤمنوا بشريعة التوراة وشرائع جميع النبيين والإنجيل...)(٢).

١- آل عمران -٣-: ٥٠.

٢- راجع: تفسير العياشي ١: ١٧٥، بحار الأنوار ١٤: ٢٥١ ـ ٢٥٢، الحديث ٤٣.

٤٣

قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم﴾(١).

فأنزل الله تعالى قرآناً مصدِّقاً للكتب السماوية السابقة عليه، مُهيمناً على جميع الكتب والديانات السماوية، ولكنّه في الوقت نفسه جاء رقيباً وحاكماً على ما فيها من ضلالات، ومشتملاً على الحقّ الصريح، والتعليم العالي، والهداية التامّة، وهدىً ورحمةً وبرهاناً ونوراً مبيناً، وجعله تبيّاناً لكلّ شيء، وتحدّى به الجنّ والإنس، وحفظه من تحريف المبطلين، وجعله معجزاً باقياً خالداً ببقاء الدنيا.

الاستبصار:

عندما وجد «جلز» المسلمين وهم يحتجّون على غيرهم بكتابي التوراة والإنجيل، ويستندون بالبشارات الواردة فيهما بشأن رسول من الله تعالى، بادر إلى اعتناق الإسلام، وذلك لكي ينال رضى الله تعالى، وجنّته، فلم يبالِ بما فقده من الأُمور الدنيوية الفانية، وصمد إزاء التيّارات المعاكسة له; حفاظاً على مبادئه السامية التي اكتسبها من الإسلام: ﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾(٢)، وقد تسمّى «جلز» بعد استبصاره بلقب الوصيّ الثامن لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام)(٣).

١- المائدة -٥-: ٤٨.

٢- التوبة -٩-: ١١١.

٣- راجع: معرفة تحليليلة عن الإسلام وبعض الأديان والمذاهب: ٦٥٧.

٤٤

(٤) دوج آلواية (محمّد)

(مسيحي / فرنسا)

من مواليد فرنسا وأُصول أفريقية، نشأ في أُسرة تعتنق الديانة المسيحية، ودرس في المدارس الأكاديمية.

كان يحبّ الاطّلاع على القضايا السياسية في الشرق الأوسط، كما كان يهوى مطالعة الدين الإسلامي، فتعرّف عليه ومنّ الله عليه بالهداية واعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، فاعلن استبصاره سنة ١٤٢٢هـ (١٩٩٢ م)(١).

دواعي البحث:

يقول «دوج»: كنت منذ صغري أحترم أُصول ومبادئ الدين المسيحي، ولكنّني وانطلاقاً من حبّ الاستطلاع ومتابعة الأحداث السياسية في الشرق الأوسط، توجّهت إلى مطالعة الدين الإسلامي.

دعوة الإسلام:

إنّ القرآن الكريم يدعو أهل الكتاب إلى كلمة سواء ومشتركة بين الأديان الإلهية; يقول تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَة سَوَآء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ

١- للمستبصر ملف خاص في المركز.

٤٥

بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾(١).

تعدُّ هذه الآية نداء «الوحدة والاتّحاد» إلى أهل الكتاب; فهي تقول لهم: إنّكم تزعمون ـ بل تعتقدون ـ أنّ التثليث (أي: الاعتقاد بالآلهة الثلاثة) لا ينافي التوحيد، لذلك تقولون بـ «الوحدة في التثليث».

وهكذا اليهود يدّعون التوحيد وهم يتكلّمون بكلام فيه شرك، ويعدّون «العزير» ابن الله.

يقول لهم القرآن: إنّكم جميعاً ترون التوحيد مشتركاً، فتعالوا نضع أيدينا يداً بيد لنحيي هذا المبدأ المشترك بدون خداع ومراوغة، ونتجنّب كلّ تفسير يؤدّي إلى الشرك والابتعاد عن التوحيد.

والملفت للنظر أنّ الآية الشريفة تؤكّد على موضوع التوحيد بثلاث تعابير مختلفة:

الأوّل: ﴿أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ﴾، وفي الجملة الثانية: ﴿وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾، وفي المرة الثالثة قالت: ﴿وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ﴾.

ولعلّ في هذه الجملة الأخيرة إشارة إلى أحد موضوعين:

الأوّل: أنّه لا يجوز تأليه المسيح، وهو بشر مثلنا، ومن أبناء نوعنا.

والثاني: أنّه لا يجوز الاعتراف بالعلماء المنحرفين، الذين يستغلّون مكانتهم ويغيّرون حلال الله وحرامه كيفما يحلو لهم، فلا يجوز اتّباع هؤلاء; لأنّ هناك بين علماء أهل الكتاب جماعات يحرّفون أحكام الله بحسب مصالحهم أو تعصّبهم.

إنّ الإسلام يرى أنّ مَن يتّبع أمثال هؤلاء دون قيد أو شرط إنّما يعبدهم بالمعنى الواسع لكلمة العبادة، والسبب لهذا الحكم واضح; فإنّ حقّ وضع القوانين

١- آل عمران -٣-: ٦٤.

٤٦

والتشريعات يعود إلى الله، فإذا قرّر أحد هذا الحقّ لغير الله فقد أشرك.

وقد ذكر المفسّرون في ذيل هذه الآية أنّ عدي بن حاتم، الذي كان نصرانياً ثمّ أسلم، عندما سمع هذه الآية فَهِم من كلمة «أرباب» أنّ القرآن يقول: إنّ أهل الكتاب يعبدون بعض علمائهم.

فقال للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): ما كنّا نعبدهم يا رسول الله.

فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «أما كانوا يحلّون لكم ويحرّمون، فتأخذون بقولهم؟».

فقال: نعم.

فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «هو ذاك»(١).

يتضح من ذلك أن الإسلام يعتبر الرقّ والاستعمار الفكري نوعاً من العبودية والعبادة لغير الله، وهو كما يحارب الشرك وعبادة الأصنام، يحارب كذلك الاستعمار الفكري الذي هو أشبه بعبادة الأصنام(٢).

والله تعالى يأمرنا باتّباع طريقة خاصّة، وهو الصراط المستقيم، ويحذّرنا عن اتّباع سائر السبل غير الإلهية; لأنّ الطرق الإلهية متكفّلة بجميع ما يحتاج إليه الناس من الأحكام والمعارف التي فيها صلاح الناس، يقول تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾(٣).

فمن سلك صراط الله المستقيم، واتّبع نوره المنير خرج من الشبهات والاختلاف، والحيرة والضلالة، وصار إلى مستقرّ الأمن.

١- الكشّاف ١: ٤٣٥.

٢- راجع: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل ٢: ٥٣٨ ـ ٥٣٩.

٣- الأنعام -٦-: ١٥٣.

٤٧

مشتركات القرآن والعهدين:

التوحيد في القرآن: نرى أنّ القرآن الكريم يوّحّد الله تعالى، وينفي عنه الشرك:

قال أيضاً: ﴿اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾(١).

وقال: ﴿لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ (٢).

وقال: ﴿وَمَا مِنْ إِلَه إِلاَّ اللّهُ﴾ (٣).

وقال: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ (٤).

وقال: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ (٥).

وقال: ﴿هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (٦).

وقال: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ (٧).

وقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٨).

وقال: ﴿لاَ شَرِيكَ لَهُ﴾ (٩).

وقال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (١٠).

١- البقرة -٢-: ٢٥٥، آل عمران -٣-: ٢، النساء -٤-: ٨٧، التوبة -٩-: ١٢٩، طه -٢٠-: ٨، النمل -٢٧-: ٢٦، التغابن -٦٤-: ١٣.

٢- الصافّات -٣٧-: ٣٥، محمّد -٤٧-: ١٩.

٣- آل عمران -٣-: ٦٢.

٤- آل عمران -٣-: ١٨.

٥- القصص -٢٨-: ٧٠.

٦- الزمر -٣٩-: ٤.

٧- الحشر -٥٩-: ٢٢، ٢٣.

٨- الإخلاص -١١٢-: ١.

٩- الأنعام -٦-: ١٦٣.

١٠- الأنبياء -٢١-: ٢٢.

٤٨

وقال: ﴿وَمَا مِنْ إِلَه إِلاَّ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (١).

وأمّا عن كلمات التوحيد في العهد القديم والجديد: فقد ورد في التوراة موارد كثيرة تنبئ عن توحيد الله، وفي ما يلي نلاحظ بعض هذه الموارد:

ففي سِفْر التثنية يحصر الإله في الله تعالى دون غيره: «إنّك قد أُريت لتعلم أنّ الربّ هو الإله. ليس آخر سواه»(٢).

وفيه أيضاً: «فاعلم اليوم وردّد في قلبك أنّ الربّ هو الإله في السماء من فوق وعلى الأرض من أسفل. ليس سواه»(٣).

وفي موضع آخر منه يقول: «اسمع يا إسرائيل! الربّ إلهنا ربّ واحد»(٤).

ونلاحظ فيه أيضاً إثبات التوحيد له تعالى، ونفي الشريك عنه: «انظروا الآن أنا أنا هو وليس إله معي. أنا أُميت وأُحيي. سحقت وإنّي أشفي وليس من يدي مخلص»(٥).

وفي صموئيل: «ليس قدّوس مثل الربّ; لأنّه ليس غيرك»(٦).

وفيه: «قد عظمت أيّها الربّ الإله; لأنّه ليس مثلك، وليس إله غيرك حسب كلّ ما سمعناه بآذاننا»(٧).

وفيه: «لأنّه من هو إله غير الربّ»(٨).

١- ص -٣٨-: ٦٥.

٢- الكتاب المقدّس (العهد القديم): التثنية ـ الإصحاح ٤، الآية ٣٥.

٣- الكتاب المقدّس (العهد القديم): التثنية ـ الإصحاح ٤، الآية ٣٩.

٤- الكتاب المقدّس (العهد القديم): التثنية ـ الإصحاح ٦، الآية ٤.

٥- الكتاب المقدّس (العهد القديم): التثنية ـ الإصحاح ٣٢، الآية ٣٩.

٦- الكتاب المقدّس (العهد القديم): صموئيل الأوّل ـ الإصحاح ٢، الآية ٢.

٧- الكتاب المقدّس (العهد القديم): صموئيل الثاني ـ الإصحاح ٧، الآية ٢٢.

٨- الكتاب المقدّس (العهد القديم): صموئيل الثاني ـ الإصحاح ٢٢، الآية ٣٢.

٤٩

وفي الملوك ورد: «ليعلم كلّ شعوب الأرض أنّ الربّ هو الله وليس آخر»(١).

وقال حزقيا: «أيّها الربّ إله إسرائيل الجالس فوق الكروبيم أنت هو الإله وحدك لكلّ ممالك الأرض»(٢).

وفيه أيضاً: «أنّك أنت الربّ الإله وحدك»(٣).

وفي نحميا: ﴿أنت هو الربّ وحدك﴾، وفي موضع آخر أيضاً يحصر الإله: «أنت هو الربّ الإله الذي اخترت»(٤).

وكما ورد في إشعيا: «أنا أنا الربّ، وليس غيري مخلِّص»(٥).

وفي مورد آخر منه: «أليس أنا الربّ ولا إله آخر غيري. إله بار ومخلص. ليس سواي * التفتوا إليّ وأخلصوا يا جميع أقاصي الأرض، لأنّي أنا الله وليس آخر»(٦).

وفي مورد ثالث ورد هكذا: «اذكروا الأوّليات منذ القديم; لأنّي أنا الله وليس آخر الإله وليس مثلي»(٧).

كما ورد في المزامير عن توحيده تعالى: «لأنّك عظيم أنت وصانع عجائب. أنت الله وحدك»(٨).

هذا، وقد جاء في العهد الجديد في توحيد الله تعالى، في ما يسمّى بـ «إنجيل يوحنّا»، انه قال: «وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك،

١- الكتاب المقدّس (العهد القديم): الملوك الأوّل ـ الإصحاح ٨، الآية ٦٠.

٢- الكتاب المقدّس (العهد القديم): الملوك الثاني ـ الإصحاح ١٩، الآية ١٥.

٣- الكتاب المقدّس (العهد القديم): الملوك الثاني ـ الإصحاح ١٩، الآية ١٩.

٤- الكتاب المقدّس (العهد القديم): نحميا ـ الإصحاح ٩، الآية ٦ و٧.

٥- الكتاب المقدّس (العهد القديم): إشعيا - الإصحاح ٤٣، الآية ١١.

٦- الكتاب المقدّس (العهد القديم): إشعيا - الإصحاح ٤٥، الآية ٢١ـ ٢٢.

٧- الكتاب المقدّس (العهد القديم): إشعيا - الإصحاح ٤٦، الآية ٩.

٨- الكتاب المقدّس (العهد القديم): المزامير ـ المزمور ٨٦، الآية ١٠.

٥٠

ويسوع المسيح الذي أرسلته * أنا مجّدتك على الأرض، العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته * والآن مجّدني أنت أيّها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم»(١).

وقد صرّح عيسى(عليه السلام) بوحدانية الله; إذ ورد في وصيّته في «إنجيل مرقس»: «فأجابه يسوع إنّ أوّل كلّ الوصايا هي: اسمع يا إسرائيل! الربّ إلهنا ربّ واحد»(٢).

وأيضاً ممّا يشترك به القرآن الكريم والعهدين هو التوحيد في العبودية، قال تعالى: ﴿لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ﴾(٣).

وقال أيضاً: ﴿أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾(٤).

وقال: ﴿أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ﴾ (٥).

وقال: ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ﴾(٦).

وهذه الحقيقة أيضاً نجدها في التوراة; إذ تدعو إلى عبادة الله تعالى وحده: «وناح كلّ بيت إسرائيل وراء الربّ. وكلّم صموئيل كلّ بيت إسرائيل قائلاً إن كنتم بكلّ قلوبكم راجعين إلى الربّ، فانزعوا الآلهة الغريبة والعشتاروث من وسطكم وأعدّوا قلوبكم للربّ واعبدوه وحده، فينقذكم من يد الفلسطينيين * فنزع بنو إسرائيل البعليم والعشتاروث، وعبدوا الربّ وحده»(٧).

وفي العهد الجديد من «إنجيل متى» أيضاً حيث يقول: «حينئذ قال له يسوع:

١- الكتاب المقدّس (العهد الجديد): يوحنا - الإصحاح ١٧، الآية ٣ ـ ٥.

٢- الكتاب المقدّس (العهد الجديد): مرقس - الإصحاح ١٢، الآية ٢٩.

٣- البقرة -٢-: ٨٢.

٤- آل عمران -٣-: ٦٤.

٥- هود -١١-: ٢، فصّلت -٤١-: ١٤، الأحقاف -٤٦-: ٢١.

٦- الكهف -١٨-: ١٦.

٧- الكتاب المقدّس (العهد القديم): صموئيل الأوّل ـ الإصحاح ٧، الآية ٣ ـ ٤.

٥١

اذهب يا شيطان; لأنّه مكتوب: للربّ إلهك تسجد، وإيّاه وحده تعبد»(١)، وقريب منه ما في «سفر لوقا»(٢).

ويقول: «لأنّهم هم يخبرون عنّا أيّ دخول كان لنا إليكم وكيف رجعتم إلى الله من الأوثان لتعبدوا الله الحيّ الحقيقي»(٣).

إلى غير ذلك من كلمات التوحيد التي وردت في العهدين، وقد ورد أيضاً في «أخبار الأيّام» ما ينفي المثل عن الله تعالى، وينفي تأليه غير الله; قال: «يا ربّ ليس مثلك، ولا إله غيرك»(٤).

يتضح ممّا ذُكر أنّ الإسلام والمسيحية كلاهما يدعو إلى التوحيد، وعبادة الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، الذي يصف نفسه في كتابه العزيز: «هُوَ الاَْوَّلُ وَالاْخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ»(٥). وما ذكر يطابق ما جاء في التوراة من قوله: «هكذا يقول الربّ ملك إسرائيل وفاديه ربّ الجنود. أنا الأوّل وأنا الآخر ولا إله غيري»(٦).

تحذيرات القرآن الكريم لأهل الكتاب:

يحذّر القرآن الكريم أهل الكتاب من الكفر بآيات الله، وإنكار الحقائق والمعارف الإلهية بعد ورودها وبيانها، ووضوح الحقّ عندهم، في ما يخصّ نبوّة نبيّنا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّ عيسى عبداً لله ورسولاً منه، وأنّ إبراهيم ليس بيهودي ولا

١- الكتاب المقدّس (العهد القديم): متّى ـ الإصحاح ٤، الآية ١٠.

٢- الكتاب المقدّس (العهد القديم): لوقا ـ الإصحاح ٤، الآية ٨.

٣- الكتاب المقدّس (العهد القديم): الرسالة الأُولى إلى أهل تسالونيكي ـ الإصحاح١، الآية ٩.

٤- الكتاب المقدّس (العهد القديم): أخبار الأيّام ـ الإصحاح ١٧، الآية ٢٠.

٥- الحديد -٥٧-: ٣.

٦- الكتاب المقدّس (العهد القديم): إشعيا ـ الإصحاح ٤٤، الآية ٦.

٥٢

نصراني، وأنّ يد الله مبسوطة، وأنّ الله غنيّ، إلى غير ذلك، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾(١)، وأنتم تشهدون بما يدلّ على صحّتها من كتابكم الذي فيه البشارة بها، أو بمثلها من آيات الأنبياء التي تقرّون بها(٢).

كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَاللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ (٣).

وكذا يحذّرهم من كتمان الحقائق، وتلبيسها بالباطل وتفسيرها بغير ما يراد منها وإلقاء الشبه والتمويه على الناس، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤).

فنجد الآيات القرآنية تحذّرهم وبشدّة، ويذّكرهم الله تعالى عواقب عملهم هذا بقوله: ﴿اِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ﴾ (٥).

فاللّه تبارك وتعالى يلعنهم، وعباد اللّه الصالحون، وملائكته المقرّبون أيضاً يلعنونهم بسبب كتمانهم للحقيقة; وهي آيات الله المودعة عندهم والمتضمّنة للبشارات بنبوّة خاتم الرسل(صلى الله عليه وآله وسلم)، وما ذلك إلاّ لأجل مصالحهم الشخصية، وتضليلهم الناس.

وقال تعالى في الذين يكتمون ما أنزل الله في التوراة والإنجيل من بعث الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) أنَّ أُولئك يشترون به ثمناً قليلاً من حطام الدنيا، وما يأكلون في بطونهم إلاّ النار: ﴿اِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً

١- آل عمران -٣-: ٧٠.

٢- التبيان ٢: ٤٩٧.

٣- آل عمران -٣-: ٩٨.

٤- آل عمران -٣-: ٧١.

٥- البقرة -٢-: ١٥٩.

٥٣

أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١).

والله سبحانه وتعالى يخاطب اليهود والنصارى الذين عصوا الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)فيما أمرهم به، ودعاهم إليه; فيقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِير قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاط مُّسْتَقِيم﴾ (٢).

فالرسول(صلى الله عليه وآله) يبيّن لأهل الكتاب كثيراً ممّا كانوا يخفون من الكتاب، كبيانه آيات النبوّة وبشاراتها، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ﴾ (٣).

وقوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ﴾ (٤).

وقوله تعالى:﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ... ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الاِْنجِيلِ﴾ (٥).

الاستسلام أمام الحقّ:

يقول «دوج آلوية»: وبمرور الزمن بدأت أشعر أنّ عقلي بدأ يستسلم للأدلّة التي يطرحها الإسلام، وأنّ العقائد الإسلامية أقرب إلى فطرتي وضميري، وأقدر على إشباع حالة افتقاري إلى إلهي وربّي، فمَن هنا وسّعت دائرة اهتمامي بالإسلام، وبدأت أنظر إليه كمنهج، بعيداً عن لحاظ مَن ينتمي إليه، فكانت نتيجة

١- البقرة -٢-: ١٧٤.

٢- المائدة -٥-: ١٥ ـ ١٦.

٣- الأعراف -٧-: ١٥٧.

٤- البقرة -٢-: ١٤٦.

٥- الفتح -٤٨-: ٢٩.

٥٤

أبحاثي الموضوعية أنّني وجدت الإرشادات الإلهية في الإسلام أكمل وأتمّ ممّا هي موجودة في المسيحية.

ثمّ بعد ذلك عمّقت صلتي بالقرآن، وبدأت أروي تربة وجودي القاحلة بماء عطائه المتدفّق; حتّى أخصبت وأينعت وأثمرت، وكان من ثمارها أن خشع قلبي، واستكانت جوارحي، فوجّهت وجهي للذي فطرني، نابذاً رداء الشرك، الذي كان أثقل كاهلي فيما سبق، فتحرّرت من أسر اتّباع الهوى، وأسلمت كياني لله سبحانه وتعالى، متّبعاً رسوله محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) ومتمسّكاً بأهل بيته(عليهم السلام).

٥٥

(٥) دومينيكو (مريم)

(مسيحية / فرنسا)

ولدت في «فرنسا»، واصلت دراستها الأكاديمية حتّى حازت شهادة الديبلوم، نشأت في عائلة تدين بالدين المسيحي، حصل لها لقاء مع مسلمين أدى الى إعجابها بالإسلام.

من خصائص الإسلام:

مما يوجب إعجاب الباحثين في الإسلام ويثير انتباههم وخاصّة الطبقة المثقّفة منهم هو: تقديم مصلحة عامّة الناس على المصالح الضيقة للطبقات المرفّهة، والذي تجسّد بكلّ أبعاده في حكومة الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام).

وهو ما أشار اليه(عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر «وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ أَثْقَلَ عَلَى الْوَالِي مَؤُونَةً فِي الرَّخَاءِ، وَأَقَلَّ مَعُونَةً لَهُ فِي الْبَلاَءِ، وَأَكْرَهَ لِلاِْنْصَافِ، وَأَسْأَلَ بِالاِْلْحَافِ، وَأَقَلَّ شُكْراً عِنْدَ الاِْعْطَاءِ، وَأَبْطَأَ عُذْراً عِنْدَ الْمَنْعِ، وَأَضْعَفَ صَبْراً عِنْدَ مُلِمَّاتِ الدَّهْرِ مِنْ أَهْلِ الْخَاصَّةِ»(١).

فالناس مع الحاكم صنفان: صنف يعيش في ظلّه ونعيمه، يتمتّع بأمجاد الدولة وشرفها، ويعلو بسموّ منزلة السلطان وهيبته، وهم الخاصّة من كتّاب وولاة

١- تحف العقول: ١٢٨، نهج البلاغة ٣: ٨٦، الكتاب: ٥٣.

٥٦

ووزراء وقضاة، ومن على شاكلتهم ممّن يعيش في هذه الساحة الملكية، وهذا الصنف من الناس يصفهم الإمام(عليه السلام) وكأنّه يقرأ نفوسهم عن قرب ويدخل إلى ضمائرهم ليعبّر عنها ضمن هذه الكلمات الموجزة، هذه الصفات يحملها هذا الصنف قديماً، كما يحملها نفس الصنف الآن، وفي هذا الزمن، ولكن على شكل أقبح وأبشع; إذ اليوم تحوّل رجال الحكم إلى تجّار سحت، وباعة ضمير، وواهبي كرامات، لم يعد للمبادىء والقيم والرسالات والمثل أي وزن أو قيمة. وهذا الصنف من الناس ـ وهم الحاشية الملكية والرئاسية ـ عند ما يكون الحاكم نافذ الكلمة مطاعاً بين الناس، مقبلة الدنيا عليه تراهم بأسرهم تحت أمره ونهيه، يخلصون له الودّ ويظهرون الحبّ والإخلاص، وتراهم تكثر شفاعاتهم لدى الوالي وتتعدّد طلباتهم عليه; لأنّ كلّ فرد في الحاشية له حاشية خاصة وزملاء وأصدقاء ومعارف وأحباب، وكلّ واحد يشفّعه في قضية ويسأله قضاء حاجة، ومن هنا يتوسّل إلى الحاكم الأعلى في قضائها وإنجازها، وهي ليست واحدة بل كثيرة وكثيرة.

وقد وصفهم أمير المؤمنين(عليه السلام) في هذه الرواية بصفات مذمومة تستلزم قلّة الاهتمام بهم:

أوّلاً: ما أشار إليه(عليه السلام) بقوله: «وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ أَثْقَلَ عَلَى الْوَالِي مَؤُونَةً فِي الرَّخَاءِ» لتكلّفه لهم ما لا يتكلّفه لغيرهم. ومن أمثلة كثرة المؤونة: ما رواه الجاحظ، قال: كان أبو دلامة بين يدي المنصور واقفاً ـ وأخبرني إبراهيم بن أيّوب، عن ابن قتيبة: أنّه كان واقفاً بين يدي السفّاح ـ فقال له: سلني حاجتك.

قال أبو دلامة: كلب أتصيّد به.

قال: أعطوه إيّاه.

قال: ودابّة أتصيّد عليها.

٥٧

قال: أعطوه.

قال: وغلام يصيد بالكلب ويقوده.

قال: أعطوه غلاماً.

قال: وجارية تصلح لنا الصيد وتطعمنا منه.

قال: أعطوه جارية.

قال: هؤلاء يا أمير المؤمنين عبيدك فلابدّ لهم من دار يسكنونها.

قال: أعطوه داراً تجمعهم.

قال: فإن لم تكن لهم ضيعة فمن أين يعيشون؟!

قال: قد أعطيتك مائة جريب عامرة ومائة جريب غامرة.

قال: وما الغامرة؟

قال: ما لا نبات فيه.

فقال: قد أقطعتك أنا يا أمير المؤمنين خمسمائة ألف جريب غامرة من فيافي بني أسد.

فضحك وقال: اجعلوها كلّها عامرة.

قال: فأئذن لي أن أقبّل يدك.

قال: أمّا هذه فدعها.

قال: والله ما منعت عيالي شيئاً أقلّ ضرراً عليهم منها.

قال الجاحظ: فانظر إلى حذقه بالمسألة ولطفه فيها: ابتدأ بكلب فسهّل القصّة به، وجعل يأتي بما يليه على ترتيب وفكاهة، حتّى نال ما لو سأله بديهة لما وصل إليه(١).

١- الأغاني ١٠: ٤٠٨.

٥٨

ثانياً: ما أشار إليه(عليه السلام) بقوله: «وَأَقَلَّ مَعُونَةً لَهُ فِي الْبَلاَءِ» لمحبّتهم الدنيا وعزّة جانبهم، ومثله:

ما رواه أحمد بن سعيد الدمشقيّ، قال: حدّثني أبو دلامة، قال: أتي بي المنصور، أو المهديّ، وأنا سكران، فحلف ليخرجني في بعث حرب، فأخرجني مع روح بن حاتم المهلّبي لقتال الشُراة. فلمّا التقى الجمعان قلت لروح: أما والله لو أنّ تحتّى فرسك ومعي سلاحك لأثّرت في عدوّك اليوم أثراً ترتضيه!

فضحك وقال: والله العظيم لأدفعنّ ذلك إليك، ولآخذنّك بالوفاء بشرطك. ونزل عن فرسه ونزع سلاحه ودفعهما إليّ، ودعا بغيرهما فاستبدل به. فلمّا حصل ذلك في يدي وزالت عنّي حلاوة الطمع، قلت له: أيّها الأمير، هذا مقام العائذ بك، وقد قلت بيتين فاسمعهما. قال: هات.

فأنشدته:

إنّي استجرتك أن أقدّم في الوغى لتطاعن وتنازل وضرابِ
فهب السيوف رأيتها مشهورة فتركتها ومضيت في الهرّاب
ماذا تقول لما يجيء وما يرى من واردات الموت في النشّاب
فقال: دع عنك هذا وستعلم.

وبرز رجل من الخوارج يدعو للمبارزة، فقال: اخرج إليه يا أبا دلامة. فقلت: أنشدك الله أيّها الأمير في دمي. قال: والله لتخرجنّ. فقلت: أيّها الأمير فإنّه أوّل يوم من الآخرة وآخر يوم من الدنيا، وأنا والله جائع ما شبعت منّي جارحة من الجوع، فمر لي بشيء آكله ثم أخرج.

فأمر لي برغيفين ودجاجة، فأخذت ذلك وبرزت عن الصفّ. فلمّا رآني الشاري أقبل نحوي عليه فرو وقد أصابه المطر فابتلّ، وأصابته الشمس فاقفعلّ، وعيناه تقدان، فأسرع إليّ. فقلت له: على رسلك يا هذا كما أنت، فوقف. فقلت:

٥٩

أتقتل من لا يقاتلك؟ قال: لا. قلت: أتقتل رجلاً على دينك؟ قال: لا. قلت: أفتستحلّ ذلك قبل أن تدعو من تقاتله إلى دينك؟ قال: لا، فاذهب عنّي إلى لعنة الله. قلت: لا أفعل أو تسمع منّي. قال: قل:

قلت: هل كانت بيننا قطّ عداوة أو تِرَة، أو تعرفني بحال تحفظك علَيّ، أو تعلم بين أهلي وأهلك وتراً؟

قال: لا والله.

قلت: ولا أنا والله لك إلا جميل الرأي، وأنّي لأهواك وأنتحل مذهبك وأدين دينك وأُريد السوء لمن أراده لك.

قال: يا هذا جزاك الله خيراً فانصرف.

قلت: إنّ معي زاداً أحبّ أن آكله معك، وأحبّ مواكلتك لتتوكّد المودّة بيننا، ويرى أهل العسكر هوانهم علينا.

قال: فافعل.

فتقدّمت إليه حتّى اختلفت أعناق دوابنا وجمعنا أرجلنا على معارفها والناس قد غلبوا ضحكاً. فلمّا استوفينا ودّعني. ثم قلت له: إنّ هذا الجاهل إن أقمت على طلب المبارزة ندبني إليك فتتعبني وتتعب. فإن رأيت ألاّ تبرز اليوم فافعل.

قال: قد فعلت. ثم انصرف وانصرفت.

فقلت لروح: أمّا أنا فقد كفيتك قرني، فقل لغيري أن يكفيك قرنه كما كفيتك، فأمسك.

وخرج آخر يدعو إلى البراز، فقال لي: اخرج إليه. فقلت:

إني أعوذ بروح أن يقدّمني إلى البراز فتخزي بي بنو أسد
إنّ البراز إلى الأقران أعلمه مما يفرّق بين الروح والجسد

٦٠