×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 11) / الصفحات: ٦١ - ٨٠


قد حالفتك المنايا إذ صمدت لها وأصبحت لجميع الخلق بالرصد
إنّ المهلّب حبّ الموت أورثكم وما ورثت اختيار الموت عن أحد
لو أنّ لي مهجة أُخرى لجدت بها لكنّها خلقت فرداً فلم أجد
فضحك وأعفاني(١).

ثالثاً: ما أشار إليه(عليه السلام) بقوله: «وَأَكْرَهَ لِلاِْنْصَافِ»، لزيادة أطماعهم في الدنيا على العامّة، ومن أمثلة ذلك:

ما روي من أنّ أبا دلامة شهد بشهادة لجارة له عند ابن أبي ليلى على أتان نازعها فيها رجل، فلمّا فرغ من الشهادة قال: اسمع ما قلت قبل أن آتيك ثم اقضِ ما شئت.

قال: هات.

فأنشده:

إنّ الناس غطّوني تغطّيت عنهم وإن بحثوا عنّي ففيهم مباحث
وإن حفروا بئري حفرت بئارهم ليعلم يوماً كيف تلك النبائث
فقال ابن أبي ليلى للمرأة: أتبيعيني الأتان؟ قالت: نعم. قال: بكم. قالت: بمائة درهم. قال: ادفعوها إليها، ففعلوا، وأقبل على الرجل فقال: قد وهبت الأتان لك، وقال لأبي دلامة: قد أمضيت شهادتك ولم أبحث عنك، وابتعت ممّن شهدت له ووهبت ملكي لمن رأيت، أرضيت؟

قال: نعم. وانصرف(٢).

رابعاً: ما أشار إليه(عليه السلام) بقوله: «وَأَسْأَلَ بِالاِْلْحَافِ» ; لأنّهم عند الحاجة إلى السؤال أشدّ جرأة على الوالي، وأطمع في إلانة جانبه، ومن ذلك:

١- الأغاني ١٠: ٤١٢ ـ ٤١٣.

٢- الأغاني ١٠: ٤٠٩.

٦١
موسوعة من حياة المستبصرين ج ١١ » مركز الابحاث العقائدية » (ص ٦١ - ص ٩٠)

ما روي من أنّ مروان بن أبي حفصة أنشد الهادي:

تشابه يوماً بأسه ونواله فما أحد يدري لأيّهم الفضل
فقال له: أيّهما أحبّ إليك: أثلاثون ألفاً معجّلة أم مائة ألف تدوّن في الدواوين؟

فقال: له: أنت تحسن ما هو خير من هذا ولكنك نسيته، أفتأذن لي أن أُذكّرك.

قال: نعم.

قال: تعجّل لي الثلاثين ألفاً وتدوّن لي المائة ألف في الدواوين.

فضحك وقال: بل يعجّلان جميعاً. فحمل المال إليه أجمع(١).

خامساً: ما أشار إليه(عليه السلام) بقوله: «وَأَقَلَّ شُكْراً عِنْدَ الاِْعْطَاءِ» ; لا عتقادهم زيادة فضلهم على العامّة، وأنّهم أحقّ بما يعطونه، واعتقادهم حاجة الوالي إليهم وتخوّفه منهم. قال ابن قتيبة: ودخل الحطيئة على عتيبة بن النهاس العجلي، فسأله فقال: ما أنا في عمل فأُعطيك من غدده، وما في مالي فضل عن قومي.

فلمّا خرج قال له رجل من قومه: أتعرفه؟ قال: لا.

قال: هذا الحطيئة.

فأمر بردّه، فلمّا رجع قال: إنّك لم تسلّم تسليم الإسلام، ولا استأنست استئناس الجار، ولا رحّبت ترحيب ابن العم.

قال: هو ذلك.

قال: اجلس، فلك:

ومن يجعل المعروف من دون عرضه يفره ومن لايتّقِ الشتم يشتم
قال: ثم من.

١- الأغاني ١٠: ٢٩٧.

٦٢

قال: أنا.

فقال عتيبة لغلامه: اذهب به إلى السوق فلا يُشيرنّ إلى شيء إلا اشتريته له.

فانطلق به الغلام، فجعل يعرض عليه الحبرة واليمنة وبياض مصر وهو يشير إلى الكرابيس والأكسية الغلاظ، فاشترى له بمائتي درهم، وأوقر راحلته برّاً وتمراً، فقال له الغلام: هل من حاجة غير هذا؟

قال: لا، حسبي.

قال: إنّه قد أمرني أن لا أجعل لك علّة فيما تريد.

قال: لا حاجة بي أن يكون لهذا يد على قومي أكثر من هذه.. ثم ذهب فقال:

سئلت فلم تبخل ولم تعط طائلاً فسيّان لا ذمّ عليك ولا حمد
وأنت امرؤ لا الجود منك سجيّة فتعطي وقد يعدو على النائل الوجد(١)
سادساً: ما أشار إليه(عليه السلام) بقوله: «وَأَبْطَأَ عُذْراً عِنْدَ الْمَنْعِ» ، أي: أنّهم أقلّ مسامحة له إن اعتذر إليهم في أمر; لاعتقادهم فضيلة أنفسهم، وكونهم واجبي قضاء الحقوق.

سابعاً: ما أشار إليه(عليه السلام) بقوله: «وَأَضْعَفَ صَبْراً عِنْدَ مُلِمَّاتِ الدَّهْرِ» ; لتعوّدهم الترفّه، وجزعهم على ما في أيديهم من الدنيا.

النص الثاني: قوله(عليه السلام): «ثُمَّ إِنَّ لِلْوَالِي خَاصَّةً(٢) وبِطَانَةً(٣) فِيهِمُ اسْتِئْثَارٌ(٤)وَتَطَاوُلٌ(٥) وَقِلَّةُ إِنْصَاف فِي مُعَامَلَة»(٦).

١- خزانة الأدب ٢: ٣٦٢ ـ ٣٦٣.

٢- الخاصّه: الذي اختصصته لنفسك. كتاب العين ٤: ١٣٤.

٣- بطانة الرجل: خاصّته. لسان العرب ١٣: ٥٥.

٤- استأثر فلان بالشيء، أي: استبدّ به. الصحاح ٢: ٥٧٥.

٥- وتطاول: إذا علاه وترفّع عليه. النهاية في غريب الحديث ٣: ١٤٥.

٦- نهج البلاغة ٣: ١٠٤، الكتاب: ٥٣.

٦٣

من أصعب نواحي العدالة للولاة والحكّام والسلاطين والزعماء: العدالة في خصوص الأولياء، والأحبّاء والأقرباء والأرحام من حيث منعهم عن الظلم بالرعيّة; اعتماداً على تقرّبهم بالحاكم ومن بيده الأمر والنهي، وقد اهتمّ النبيّ (صلى الله عليه وآله)بذلك فمنع بني عبد المطّلب من تصدّي العمل في جمع الصدقات لئلاّ يختلسوا منها شيئاً بتزلّفهم إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله).

ففي صحيحة عيص بن القاسم، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: إنّ أُناساً من بني هاشم أتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسألوه أن يستعملهم على صدقات المواشي، وقالوا: يكون لنا هذا السهم الذي جعله الله للعاملين عليها; فنحن أوْلى به. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا بني عبدالمطّلب! إنّ الصدقة لا تحلّ لي ولا لكم، ولكنّي قد وعدت الشفاعة.

ثم قال أبو عبد الله(عليه السلام): والله لقد وعدها (صلى الله عليه وآله)، فما ظنّكم يا بني عبد المطّلب إذا أخذت بحلقة باب الجنّة، أتروني مؤثراً عليكم غيركم؟!(١)

وقد حفظت هذه السيرة النبويّة المقدّسة في صدر الإسلام شيئاً ما حتّى وصلت النوبة إلى عثمان، فحكّم ذوي قرابته من بني أُميّة على رقاب المسلمين، وسلّطهم على أموالهم، فكان يعطي العطايا الجزيلة لهم من بيت مال المسلمين، ويقطع الأقطاع لهم من أراضي المسلمين، وهتك حجاب العدل، فأقطع مروان بن الحكم من فدك الّتي أخذها أبوبكر من فاطمة (عليها السلام) بحجّة مختلقة من أنّها فيء لجميع المسلمين وصدقة مرجوعة إليهم.

ثمّ شاع أمر الأقطاع في حكّام الجور إلى أن أعطى المنصور العبّاسي جمعاً من بطانته قطائع من أراضي بغداد، أكثرهم حظّاً من ذلك: الربيع الحاجب، المتهالك في خدمته، والفاتك بأعدائه وأهل ريبته كائناً من كان، حتّى بالنسبة إلى

١- الكافي ٤: ٥٨.

٦٤

الأئمّة المعصومين(عليهم السلام).

وقد أكثر حكّام بني أُميّة أيّام إمارتهم من أقطاع القطائع وغصب أراضي المسلمين إلى حيث ملؤوا صدور المسلمين غيظاً وكرهاً على حكومتهم.

والسؤال: ما هي الطريقة المثلى التي جعلها الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)للتعامل مع الخاصّة؟

يتضح الجواب في قوله(عليه السلام): «فَاحْسِمْ(١) مَادَّةَ(٢) أُولئِكَ بِقَطْعِ أَسْبَابِ(٣) تِلْكَ الاَْحْوَالِ، وَلاَ تُقْطِعَنَّ(٤) لاَِحَد مِنْ حَاشِيتِكَ وَحَامَّتِكَ(٥) قَطِيعةً، وَلاَ يَطْمَعَنَّ مِنْكَ فِي اعْتِقَادِ عُقْدَة(٦) تَضُرُّ بِمَنْ يَلِيهَا مِنَ النَّاسِ فِي شِرْب(٧) أَوْ عَمَل مُشْتَرَك، يَحْمِلُونَ مَؤُونَتَهُ عَلَى غَيْرِهِمْ فَيَكُونَ مَهْنَأُ ذلِكَ لَهُمْ دُونَكَ، وَعَيْبُهُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ»(٨).

إنّ الإمام عليّ(عليه السلام) ينبّه الوالي في تعاليمه إلى أن يقطع سبب طمع الخاصّة والبطانة، فلا يقطعنّ لأحد منهم أرضاً تضرّ بمصالح المسلمين ومنافعهم، فإنّ الحاشية والخواصّ يطمعون في أحسن الأراضي وأخصبها، وأشدّها منفعة ودرّاً، وإن كان في ذلك مضرّة على المسلمين، فإنّ الوالي إذا فعل ذلك يكون آثماً ومعيباً عليه في الدنيا والآخرة.

١- حسمت الأمر: أي: قطعته حتّى لم يظفر منه بشيء، ومنه سمّي السيف: حساماً; لأنّه يحسم العدو عمّا يريد، أي: يمنعه. كتاب العين ٣: ١٥٣.

٢- المّادة: كلّ شيء يكون مدداً لغيره، ويقال: دعوا في الضرع مادّة اللبن، والمتروك في الضرع هو: الداعية، وما اجتمع إليه هو: المادة. كتاب العين ٨: ١٦.

٣- السبب: الطريق; لأنّك تصل به إلى ما تريد. كتاب العين ٧: ٢٠٤.

٤- أقطعه نهراً: أباحه له. لسان العرب ٨: ٢٨٠.

٥- الحامّة: خاصّة الرجل من أهله وولده وذوي قرابته. كتاب العين ٣: ٣٣.

٦- عقدة كلّ شيء: إبرامه. وعقدة النكاح: وجوبه. وعقدة البيع: وجوبه. والعقدة: الضيعة، ويجمع على: عقد. كتاب العين ١: ١٤٠.

٧- الشرب بالكسر: الماء بعينه، وهو الحظ والنصيب. ترتيب إصلاح المنطق: ٢١٠.

٨- نهج البلاغة ٣: ١٠٤، الكتاب: ٥٣.

٦٥

وقد عرف(عليه السلام) ما لحق من الأضرار بالاسلام من استئثار خاصّة الوالي وبطانته وأن فيهم تطاول وقلّة إنصاف، فأمر الوالي بقطع مادّة الفساد، ونهاه مؤكّداً عن إقطاع الأراضي لحاشيته وقرابته، وأضاف إليه أن لا يسلّطهم على ما يمسّ بالرعيّة، بواسطة عقد إجارة، أو تقبّل زراعة الأراضي ونحوهما، لئلاّ يظلمهم، وأشار إلى أنّ ذلك صعب، فأمره بالصبر وانتظار العاقبة المحمودة، لإجراء هذه العدالة الشاقّة عليه.

تقديم رضى الرعية على مصلحة الخواص:

وهو ما أشار اليه(عليه السلام) بقوله: «وَلْيَكُنْ أَحَبَّ الاُْمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ، وَأَعَمُّهَا فِي الْعَدْلِ، وَأَجْمَعُهَا لِرِضَا الرَّعِيَّةِ، فَإِنَّ سُخْطَ الْعَامَّةِ يُجْحِفُ بِرِضَا الْخَاصَّةِ، وَإِنَّ سُخْطَ الْخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ رِضَا الْعَامَّةِ»(١).

هناك صنف آخر وهم العامّة الذين يشكّلون الصفوف البشرية الموّاجة، الذين لا ينعمون بهذه الأُمور، ولا يلحقهم كلّ ذلك الخير والإحسان، وإنّما يطالهم القانون العام والرحمة العامّة، من شقّ الطرقات، وفتح المدارس، وإنشاء المستشفيات، وغيرها من المشتركات، وهذا الصنف من الناس يكون أشدّ وفاءً للحاكم، وأخلص له من الخاصّة ـ إذا كان الحاكم عادلاً مخلصاًـ لأنّ إخلاصه ووفاءه إنّما ينبع من إخلاص الحاكم ووفائه..

فهذه الجماهير ـ أو العامّة ـ يجب أن يكون همّ الحاكم إحراز رضاها، وتحقيق رفاهيتها وسعادتها، وإن غضبت الحاشية ولم ترضَ بذلك; فإنّ رضا العامّة يجبر سخط الخاصّة، بينما رضا الخاصّة ـ باعتبارهم انتهازيين نفعيين ـ لا يفيد مع سخط العامّة.

١- تحف العقول: ١٢٨.

٦٦

فالحاكم يجب أن يكون نظره متوجّهاً نحو هذا الصنف; فإنهّم السدّ المنيع في وجه الأعداء; والقوّة الضاربة لكلّ شرّ وفساد، وما اكتسب سلطان ودّهم وعطفهم إلا ظفر وانتصر.

المفاهيم السامية في الإسلام:

عندما اتضحت لـ «دومينيكو» مفاهيم الإسلام السامية، والتي تمثّلت في سيرة ومنهج أمير المؤمنين(عليه السلام) اعتنقت الإسلام ومذهب أهل بيت العصمة والطهارة(عليهم السلام)(١).

١- راجع: معرفة تحليلية عن الإسلام وبعض الأديان والمذاهب: ٦٦٠.

٦٧

(٦) سيلفا جاك (إبراهيم)

(مسيحي / فرنسا)

ولد في «فرنسا»، ودرس في المدارس الأكاديمية حتّى حاز شهادة الليسانس، واجه في حياته كثيراً من الشبهات الاعتقادية، فتوجّه إلى البحث في هذه الأمور في مختلف الديانات، بما فيها الإسلام، ما أدّى إلى التعرّف على مبانيه، وانفتاح آفاقه، وانجذابه إليه، واعتناق هذا الدين الحنيف(١).

أسباب البحث:

نشأ «سيلفا» في أُسرة مسيحية، فاعتنق هذه الديانة، كبقية المسيحيين، تقليداً لآبائه، إلاّ أنّه كانت تحدث بين الحين والآخر صراعات في داخله، بسبب شبهات وجدها في مذهبه وديانته. فالشبهات التي تُلقي بظلالها على الباحث المسيحي تارة تكون حول المسيح نفسه ; ماذا يقول المسيحيون عنه؟ أهو بشر؟ أم ملك؟ أم هو ابن الله؟ أم هو الله نفسه، وأُخرى في ما يقوم به المسيحيون من أعمال، من غسل التعميد، وكرسي الاعتراف، وصكوك الغفران، وثالثة في رفع بعض المسائل الأخلاقية، كحلّيّة الربا، وشرب النبيذ.. إلى غير ذلك من الشبهات الكثيرة التي تتوارد في نفس الباحث حتّى تتراكم عليه، فيتوجّه إلى البحث

١- نقلاً عن: معرفة تحليلية عن الإسلام وبعض الأديان والمذاهب: ٦٥٦.

٦٨

والتحقيق في إطار عقيدته، وعندما لم يجد فيها سوى ما يزيده حيرة واضطراباً يوسّع دائرة بحثه ويتوجّه إلى دراسة الأديان الأخرى.

التثليث عند المسيح:

عرّف المسيحيون قانون الإيمان بقاعدة التثليث بقولهم: «نؤمن بإله واحدالأب والابن والروح القدس، إله واحد، جوهر واحد، متساوين في القدرة والمجد».

في طبيعة هذا الإله الواحد تظهر ثلاثة خواص في صورة شخصيات (أقانيم) متساوية(١).

فالحقيقة إنّ المسيحيين يعتقدون: أنّ الآلهة الثلاث (الله، المسيح، الروح القدس) هذه الثلاثة يشكّلون حقيقة واحدة، فالله هو المسيح ابن مريم، والمسيح ابن مريم هو الله، وإنّ هذين الاثنين يشكّلان مع روح القدس حقيقة واحدة في ذوات ثلاثة متعدّدة، فهم في الوقت الذي يعتقدون حقّاً بتثليث الأرباب، يؤمنون أيضاً بالوحدة الحقيقيّة، قائلين أنّ ثلاثة حقيقيين يؤلّفون حقيقة واحدة، مع تعدّدهم الحقيقي هم واحد، ويعبّرون عن ذلك أحيانا بـ «الوحدة في التثليث».

والظاهر أنّ هذه النظرية المسيحية - وهي الاعتقاد بالتثليث - عامة بين المسيحيين كافّة في زماننا هذا; وذلك أنّ تاريخ المسيحية يشهد بوضوح على مدى الاختلاف الذي حصل بعد المسيح(عليه السلام) فيما يرتبط به، وبمسألة التوحيد، هذه الاختلافات التي ازدادت حدّتها خلال سنوات قليلة من بعد السيد المسيح(عليه السلام)، وقد جمع الإمبراطور الروماني قسطنطين مجمعاً من الأساقفة، وهو أحد المجامع الثلاثة الشهيرة، بلغ عدد أعضائه ألفين ومائة وسبعين أُسْقُفاً، وعندما طرحت مسألة المسيح للبحث أظهر العلماء الحاضرون وجهات نظر مختلفة تماماً، وكان

١- قاموس الكتاب المقدّس، مجمع الكنائس الشرقية: ٢٣٢.

٦٩

لكلّ مجموعة عقيدتها، فاختلفوا في عيسى اختلافاً شديداً، وقالت كلّ فرقة فيه قولاً:

قال بعضهم: هو الله هبط إلى الأرض، فأحيا مَن أحيا، وأمات مَن أمات، ثمّ صعد إلى السماء!

وقال بعضهم: هو ابن الله!

وقال بعضهم: هو أحد الأقانيم الثلاثة: الأب والابن والروح القدس!

وقال بعضهم: هو ثالث ثلاثة: الله إله، وهو إله، وأُمّه إله.

وقال بعضهم: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته.

وقالت فرق أُخرى أقوالاً أُخرى، ولم يجتمعوا على مقالة واحدة، ولم تتّفق الآراء على أيّ من هذه العقائد، وقد حازت إحدى الآراء على العدد الأكبر من الأصوات حيث بلغت أصواتهم أكثر من ثلاثمائة وثمانية أصوات اتّفقوا على قول واحد، فمال إليه الإمبراطور، وقبله كرأي حصل على أكثرية نسبية، ونصر أصحابه، ودافع عنه باعتباره الدين الرسمي، وطرح الباقي جانباً، وطرد الآخرين، وشرّد المعارضين، وخاصّة الموحّدين، الذين صاروا في الأقلّية; لقلّة ناصريهم(١).

وكلمة «التثليث» أو «الثالوث» لم ترد في الكتاب المقدس، ويُظنّ أنّ أوّل من صاغها واخترعها واستعملها هو «ترتليان» في القرن الثاني للميلاد.

ثمّ ظهر «سبيليوس» ببدعته في منتصف القرن الثالث، وحاول أن يفسر هذه العقيدة بقوله: «إنّ التثليث ليس أمراً حقيقاً في الله، لكنّه مجرّد إعلان خارجي، فهو حادث مؤقّت وليس أبدياً».

ثمّ ظهرت بدعة «أريوس» الذي نادى بأنّ الأب وحده هو الأزلي بينما

١- راجع: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ٤٥٢.

٧٠

الابن والروح القدس مخلوقان متميزان عن سائر الخليقة.

وأخيراً ظهر «أثناسيوس» داحضاً هذه النظريات، وواضعاً أساس العقيدة التي قبلها واعتمدها مجمع نيقية عام ٣٢٥ ميلادية.

ولقد تبلور قانون الإيمان «الأثناسيوسي» على يد «أغسطينوس» في القرن الخامس، وصار القانون عقيدة الكنيسة الفعلية من ذلك التاريخ إلى يومنا هذا. ولا يستطيع دارس هذه العقيدة أن ينسى «جون كلفن»، الذي عاش في القرن السادس عشر، ونبر على التساوي التام بين الأقانيم الثلاثة في هذه العقيدة، التي يلزمها مثل هذا التنبير من وقت إلى آخر على مرّ الزمن(١).

عقيدة التثليت من منظار عقلي:

عقيدة التثليث من المسائل الأساسية التي تبنى عليها عقيدة المسيحيين، ولا مناص لأيّ مسيحي من الاعتقاد بها; لأنّها ـ على حدّ زعمهم ـ من المسائل التعبّدية التي لا تدخل في نطاق التحليل العقلي، وأنّ التصورات البشرية عاجزة عن الوصول إلى فهمها، وبعبارة أخرى إن المقاييس التي تنبع من العالم هي مقاييس مادية تمنع من إدراك حقيقة التثليث; إذ حقيقته فوق المقاييس المادية، والإدراك البشري; كونها ليست وليدة التفكير البشري بل إعلان سماوي يقدمه الوحي المقدس، والتجارب البشرية مقصورة بالمحدود، فإذا قال الله بأنّ طبيعته غير المحدودة تتألف من ثلاثة أشخاص، لزم قبول ذلك; إذ لا مجال للمناقشة في ذلك، وإن لم يكن هناك أيّ مقياس لمعرفة معناه، بل يكفي في ذلك ورود الوحي على أنّ هؤلاء الثلاثة يؤلِّفون بصورة جماعية «الطبيعة الإلهية اللامحدودة»!!

وأنّهم رغم تشخّص كلّ واحد منهم وتميّزه عن الآخرين غير منفصلين ولا يتميز أحدهم عن الآخر رغم أنّه ليست بينهم أيّة شركة في الإلوهية، بل كلّ واحد

١- راجع: قاموس الكتاب المقدّس: ٢٣٢ - ٢٣٣.

٧١

منهم إله مستقلّ بذاته، ومالك بانفراده لكامل الإلوهية!!!

فالأب مالك ـ بانفراده ـ لتمام الإلوهية، وكاملها متحقّق فيه دون نقصان، والابن كذلك مالك ـ بانفراده ـ لتمام الإلوهية، وكامل الإلوهية متحقّق فيه دون نقصان، وروح القدس هو أيضاً مالك ـ بانفراده ـ لكامل الإلوهية، وإنّ الإلوهية بتمامها متحقّقة فيه دون نقصان.

هذه العبارات وما يشابهها من التوجيهات للتثليث المسيحي توحي بأنّهم يعدّون مسألة التثليث فوق الاستدلال والبرهنة العقلية، وأنّها بالتالي «منطقة محرّمة» على العقل، فلا يمكن الاستدلال الصحيح عليها، بل مستند ذلك هو الوحي والنقل ليس إلاّ.

ولهذا ينبغي ـ قبل أي شيء ـ أن نبحث أوّلاً في الأدلّة النقلية، فانهم وإن كانوا يستندون في هذه الفكرة إلى النقل، ولكن ليس للتثليث أيّ مستند نقلي معتبر..

أمّا «الأناجيل» الأربعة الفعلية فليست بمعتبرة إطلاقاً; إذ لا تشبه الوحي بل تدلّ طريقة كتابتها على أنّها من بقايا أدب القرن الأوّل والثاني الميلاديين، وهذا يعني عدم كونها متعلّقة بفجر المسيحية حقيقةً.

ثمّ إنّ عالم ما وراء الطبيعة وإن كان لا يمكن أن يقاس بالأُمور المادّية المألوفة، ولكنّه ليس بمعنى أنّ ذلك العالم فوضى وخلوّ من المعايير، بل لكلٍّ مقياسه الخاص، والدليل على ذلك: أنّ هناك سلسلة من القضايا العقلية التي لا تقبل النقاش والجدل تحكم ـ على حد سواء ـ في عالم المادة، وعالم ما وراء المادة، كمسألة احتياج كلّ معلول إلى علّة، ومسألة امتناع اجتماع النقيضين، إلى غير ذلك من القواعد العامة الحاكمة في عالمي المادة والمعنى.

وعلى ذلك إذا أبطلت البراهين العقلية مسألة التثليث لم يعد مجال للاستناد

٧٢

بالأدلّة النقلية، بل يتعيّن أن نقرّ ببطلان النصوص هذه، ونذعن بأنّها ليست من كلام الله ووحيه; إذ كيف يجوز للوحي أن يخالف ما هو مسلّم عقلاً؟!

إذا عرفت هذا، حان الوقت لأن نعرف حقيقة الأمر من وجهة نظر العقل.

هل يمكن أن يكون الإله واحد وثلاثة في آن واحد؟

ونحن نتساءل ما هو مقصودكم من الآلهة الثلاثة؟ والواقع أنّ للتثليث صورتين لا يناسب أيّ منهما المقام الربوبي:

١ ـ أن يكون لكلّ واحد من هذه الآلهة الثلاثة وجود مستقل عن الآخر بحيث يظهر كلّ واحد منها في تشخّص ووجود خاص، فكما أنّ لكلّ فرد من أفراد البشر وجوداً خاصّاً، كذلك يكون لكلّ واحد من هذه الأقانيم أصل مستقلٌّ، وشخصية خاصّة، متميزة عمّا سواها.

غير أنّ هذا هو «الشرك» الجاهلي الذي كان سائداً في عصر الجاهلية في صورة تعدّد الآلهة، وقد تجلّى في النصرانية في صورة التثليث! ولكن دلائل «التوحيد» قد أبطلت أي نوع من أنواع «الشرك» من الثنوية والتثليث في المقام الإلوهي والربوبي.

والعجيب ـ حقاً ـ أنّ مخترعي هذه البدعة من رجال الكنيسة يصرّون بشدّة على أن يوفّقوا بين هذا «التثليث» و «التوحيد» بالقول بأنّ الإله حال كونه ثلاثة واحد، وحال كونه واحداً ثلاثة، وهل هذا إلاّ تناقض فاضح؟! إذ لا يساوي الواحد مع الثلاثة في منطق أي مِن البشر!! وليس لهذا التأويل سبب غير أنّهم لمّا واجهوا ـ من جانب ـ أدلّة التوحيد اضطروا إلى الإذعان بوحدانية الله تعالى.

ولكنهم من جانب آخر لمّا خضعوا للعقيدة الموروثة (أي: عقيدة التثليث) التي ترسّخت في قلوبهم أيّما رسوخ، أصبحوا غير قادرين على التخلّص منها، والتملّص من حبائلها، فالتجؤوا إلى الجمع بين التوحيد والتثليث، وقالوا: إنّ الإله

٧٣

واحد في ثلاثة وثلاثة في واحد!! أقانيم ثلاثة أم شركة مساهمة؟!

هناك تفسير آخر للتثليث، وهو أن يقال: إنّ الأقانيم الثلاثة ليست بذوات لكلّ منها وجود مستقلّ، بل هي بمجموعها تؤلّف ذات إله الكون الواحد، فلا يكون أيّ واحد من هذه الأجزاء والأقانيم إله بمفرده، بل الإله هو المركّب من هذه الأجزاء الثلاثة.

ويرد على هذا التفسير أنّ معنى هذه المقالة هو كون الله «مركّباً» محتاجاً في تحقّقه وتشخّصه إلى أجزاء ذاته (أي: هذه الأقانيم الثلاثة) بحيث ما لم تجتمع لم يتحقّق وجود الله.

وعندئذ يواجه أرباب الكنيسة والنصارى إشكالات أكثر وأكبر من ذي قبل:

ألف ـ أن يكون إله الكون محتاجاً في تحقّق وجوده إلى الغير (وهو كلّ واحد من هذه الأقانيم باعتبار أنّ الجزء غير الكلّ)، في حين أنّ المحتاج إلى الغير لا يمكن أن يكون إلهاً واجب الوجود، بل يكون حينئذ ممكناً مخلوقاً محتاجاً إلى مَن يرفع حاجته كغيره من الممكنات، بل يلزم كون الأجزاء الممكنة مخلوقة لله سبحانه من جانب، والإله المتكوّن منها مخلوقاً لها من جانب آخر.

ب ـ إمّا أن تكون هذه الأجزاء ممكنة الوجود أو واجبة، فعلى الأوّل: يلزم احتياج الواجب (أعني: الكلّ) إلى الأجزاء الممكنة، وعلى الثاني: يلزم تعدّد واجب الوجود، وهو محض الشرك، وعندئد فلا مناصّ من أن يكون ذلك الإله الخالق بسيطاً غير مركّب من أجزاء وأقانيم.

ج ـ إنّ القول: بأنّ في الطبيعة الإلهية أشخاصاً ثلاثة، وأنّ كلّ واحد منها يملك تمام الإلوهية، معناه: أن يكون لكلّ واحد من هذه الثلاثة وجود مستقل، مع أنّهم يقولون: إنّ طبيعة الثالوث لا تقبل التجزئة.

٧٤

وبتعبير آخر: يوجد تناقض واضح بين هذين الكلامين، أي استقلال كلّ إقنوم بالطبيعة الإلوهية، وعدم قبول طبيعة الثالوث للتجزئة.

د ـ إذا كانت شخصية الابن إلهاً (أي أحد الآلهة) فلماذا كان يعبد الابن أباه؟ وهل يعقل أن يعبد إله إلهاً آخر مساوياً له، وأن يمدّ إليه يد الحاجة، أو يخضع أحدهما للآخر، ويخفض له جناح التذلّل والعبودية وكلاهما إلهان كاملا الإلُوهية؟!

هذا حقّ المقال بشأن التثليث، ومن العجب أنّ أحد القسّيسين القدامى وهو «أوغسطين» قال: أؤمن بالتثليث; لأنّه محال(١).

فعقيدة التثليث باطلة للوجوه التالية:

١ ـ إنّ مراتب الأعداد متضادّة، واجتماع الضدّين محال، كالواحد والثلاثة; فكيف يمكن أن يكون الثلاثة واحداً، والواحد ثلاثة؟!

٢ - عقيدة التثليث تستلزم الاعتقاد بخمسة آلهة، بل الاعتقاد بعدد غير متناه من الآلهة - كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) في ردّه أحد الزنادقة في توحيد الصدوق: «... ثمّ يلزمك إن ادّعيت اثنين، فلابدّ من فرجة بينهما حتّى يكونا اثنين، فصارت الفرجة ثالثاً بينهما، قديماً معهما، فيلزمك ثلاثة، فإن ادّعيت ثلاثة لزمك ما قلنا في الاثنين حتّى يكون بينهم فرجتان فيكون خمساً، ثمّ يتناهى في العدد إلى ما لا نهاية في الكثرة»(٢) - فلا مناصّ لهم من الالتزام بالآلهة غير المتناهية.

٣ - عقيدة التثليث تستلزم التركيب، والتركيب يحتاج إلى أجزاء، وإلى مَن يركّبها.

٤ - عقيدة التثليث تستلزم اتّصاف خالق العدد بالمخلوق; لأنّ العدد

١- مفاهيم القرآن، نقلاً عن موسوعة الأسئلة العقائدية ٢: ٥٠٤.

٢- التوحيد: ٢٤٤.

٧٥

والمعدود مخلوقان، والله تعالى منزّه عن أن يكون معدوداً حتّى بالوحدة العددية; لأنّ الواحد العددي له ثان، والله لا ثاني له(١).

فمسألة تثليث الوحدة أمر غير معقول، لكنّهم اعتذروا عنه بأنّه من المسائل الدينية التي يجب أن تُقبل تعبّداً، فكم في الأديان من مسألة تعبّدية تستحيلها العقول؟! وهو من الظنون الفاسدة المتفرّعة على أصلهم الفاسد..

وكيف يتصوّر وقوع مسألة مستحيلة في دين حقّ؟ ونحن إنّما نقبل الدين ونميّز كونه دين حقّ بالعقل!

وكيف يمكن عند العقل أن تشتمل العقيدة الحقّة على أمر يبطله العقل، ويستحيله؟! وهل هذا إلا تناقض صريح.

نعم يمكن أن يشتمل الدين على ممكن يخرق العادة الجارية والسُنّة الطبيعية القائمة، وأمّا المحال الذاتي فلا البتة(٢).

منشأ تسرّب التثليث إلى النصرانية:

إنّ التاريخ البشري يرينا أنّه طالما عمد بعض أتباع الأديان، بعد وفاة أنبيائهم أو عند غيابهم، إلى الشرك والوثنية، وبذلك كانوا ينحرفون عن جادّة التوحيد، الهدف الأساس والغاية القصوى وراء بعثهم(عليهم السلام).

إنّ عبادة بني إسرائيل للعجل في غياب موسى(عليه السلام)، أفضل نموذج لِما ذكرناه، وهو ممّا أثبته القرآن والتاريخ، وعلى هذا فلا داعي للعجب إذا رأينا تسرّب خرافة التثليث إلى العقيدة النصرانية بعد ذهاب السيّد المسيح(عليه السلام) وغيابه عن أتباعه.

إنّ تقادم الزمن رسّخ موضوع التثليث وعمّقه في قلوب النصارى وعقولهم،

١- منهاج الصالحين للشيخ الوحيد الخراساني ١: ٨٤.

٢- الميزان ٣: ٣٢٣.

٧٦

بحيث لم يستطع أكبر مصلح مسيحي، أعني: لوثر، الذي هذّب العقائد المسيحية من كثير من الأساطير والخرافات، وأسّس المذهب البروتستاني، أن يبعد مذهبه عن هذه الخرافة.

إنّ القرآن الكريم يصرّح بأنّ التثليث دخل النصرانية، من المذاهب السابقة عليها بعد رفع المسيح(عليه السلام); يقول تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾(١) وقد أثبتت الأبحاث التاريخية أنّ هذا التثليث كان في الديانة البرهمانية قبل ميلاد السيّد المسيح(عليه السلام) بمئات السنين; فقد تجلّى الربّ الأزلي الأبدي لديهم في ثلاثة مظاهر وآلهة:

١ ـ براهما (الخالق).

٢ ـ فيشنو (الواقي).

٣ ـ سيفا (الهادم).

وقد تسرّبت من هذه الديانة البراهمانية إلى الديانة الهندوكية، ويوضّح الهندوس هذه الأُمور الثلاثة في كتبهم الدينية على النحو التالي: «براهما» هو المبتدئ بإيجاد الخلق، وهو دائماً الخالق اللاهوتي، ويسمّى: الأب، «فيشنو» هو الواقي، الذي يسمّى عند الهندوكيين: الابن، الذي جاء من قبل أبيه، و «سيفا» هو المفني الهادم، المعيد الكون إلى سيرته الأولى.

وبذلك يظهر قوّة ما ذكره الفيلسوف الفرنسي «غستاف لوبون» إذ قال: «لقد واصلت المسيحية تطوّرها في القرون الخمسة من حياتها، مع أخذ ما تيسّر من المفاهيم الفلسفية والدينية اليونانية والشرقية، وهكذا أصبحت خليطاً من المعتقدات المصرية والإيرانية التي انتشرت في المناطق الأُوربية في حدود القرن

١- التوبة -٩-: ٣٠.

٧٧

الأوّل الميلادي، فاعتنق الناس تثليثاً جديداً مكوّناً من: الأب والابن وروح القدس، مكان التثليث القديم المكون من «نروبى تر» و «وزنون» و «نرو»(١).

احتجاج القرآن على مذهب التثليث:

يردّ القرآن الكريم قول المثلِّثة من طريقين، أحدهما: الطريق العام; وهو بيان استحالة الابن عليه تعالى في نفسه، أي سواء كان عيسى هو الابن أو غيره. والآخر: الطريق الخاص; وهو بيان أنّ عيسى بن مريم ليس ابناً إلهاً، بل عبد مخلوق.

الطريق الأوّل: فتوضيحه أنّ حقيقة البنوّة والتولّد هو أن يجزّء واحد من هذه الموجودات الحية المادّية، كالإنسان والحيوان بل النبات أيضاً، شيئاً من مادّة نفسه، ثمّ يجعله بالتربية التدريجية فرداً آخر من نوعه مماثلاً لنفسه، يترتّب عليه من الخواصّ والآثار ما كان يترتّب على المجزى منه، كالحيوان يفصل من نفسه النطفة، والنبات يفصل من نفسه اللقاح، ثمّ يأخذ في تربيته تدريجاً حتّى يصيّره حيواناً أو نباتاً آخر مماثلاً لنفسه، ومن المعلوم أنّ الله سبحانه يمتنع عليه ذلك:

أمّا أوّلاً: فلاستلزامه الجسمية المادّية، والله سبحانه منزّه من المادّة ولوازمها الافتقارية، كالحركة والزمان والمكان وغير ذلك.

وأمّا ثانياً: فلأنّ الله سبحانه لإطلاق إلوهيّته وربوبيّته له القيّومية المطلقة على ما سواه، فكلّ شيء سواه مفتقر الوجود إليه، قائم الوجود به، فكيف يمكن فرض شيء غيره يماثله في النوعية يستقلّ عنه بنفسه، ويكون له من الذات والأوصاف والأحكام ما له من غير افتقار إليه.

وأمّا ثالثاً: فلأنّ جواز الإيلاد والاستيلاد عليه تعالى يستلزم جواز الفعل التدريجي عليه، وهو يستلزم دخوله تحت ناموس المادّة والحركة، وهو خلف، بل

١- راجع: الإلهيّات للشيخ السبحاني: ٣٦٨ ـ ٣٦٩.

٧٨

ما يقع بإرادته ومشيته تعالى، إنّما يقع من غير مهلة وتدريج.

وهذا البيان هو الذي يفيده قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾(١).

وعلى ما قرّبناه فقوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ برهان، وقوله: ﴿لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ...﴾ برهان آخر، وقوله: ﴿بَدِيعُ...﴾ برهان ثالث.

ويمكن أن يجعل قوله: ﴿بَدِيعُ...﴾ من قبيل إضافة الصفة إلى فاعلها، ويستفاد منه أنّ خلقه تعالى على غير مثال سابق، فلا يمكن منه الإيلاد; لأنّه خلق على مثال نفسه; لأن مفروضهم العينيّة، فتكون هذه الفقرة وحدها برهاناً آخر.

ولو فرض قولهم: ﴿اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا﴾ كلاماً ملقى لا على وجه الحقيقة بل على وجه التوسّع في معنى الابن والولد بأن يراد به انفصال شيء عن شيء يماثله في الحقيقة من غير تجزٍّ مادّي أو تدريج زماني - وهذا هو الذي يرومه النصارى بقولهم المسيح ابن الله، ليتخلّصوا بذلك عن إشكال الجسمية والمادّية والتدريج - لكن يبقى إشكال المماثلة.

توضيحه: إنّ إثبات الابن والأب إثبات للعدد بالضرورة، وهو إثبات للكثرة الحقيقية، وإن فُرضت الوحدة النوعية بين الأب والابن، كالأب والابن من إلانسان فهما واحد في الحقيقة الإنسانية، وكثير من حيث أنّهما فردان من الإنسان، وعلى هذا فلو فرض وحدة الإله كان كلّ ما سواه، ومن جملتها الابن غيراً له، مملوكاً مفتقراً إليه، فلا يكون الابن المفروض إلهاً مثله، ولو فرض ابن مماثل له غير مفتقر إليه، بل مستقلّ مثله، بطل التوحيد في الإله عزّ اسمه.

وهذا البيان هو المدلول عليه بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ

١- البقرة -٢-: ١١٦ ـ ١١٧.

٧٩

إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً﴾(١).

الطريق الثاني: وهو بيان أن شخص عيسى بن مريم(عليه السلام) ليس ابناً لله، مشاركاً له في الحقيقة الإلهية; لِما كان فيه من البشرية ولوازمها.

وتوضيحه: إنّ المسيح(عليه السلام) حملت به مريم وربّته جنيناً في رحمها، ثمّ وضعته وضع المرأة ولدها، ثمّ ربّته كما يتربّى الولد في حضانة أُمّه، ثمّ أخذ في النشوء، وقطع مراحل الحياة، والارتقاء في مدارج العمر من الصبا والشباب والكهولة، وفي جميع ذلك كان حاله حال إنسان طبيعي في حياته، يعرضه من العوارض والحالات ما يعرض الإنسان من جوع وشبع، وسرور ومساءة، ولذّة وألم، وأكل وشرب، ونوم ويقظة، وتعب وراحة، وغير ذلك.

فهذا ما شوهد من حال المسيح(عليه السلام) حين مكثه بين الناس، ولا يرتاب ذو عقل أنّ من كان هذا شأنه، فهو إنسان كسائر الناس من نوعه، وإذا كان كذلك فهو مخلوق مصنوع كسائر أفراد نوعه.

وأمّا صدور الخوارق وتحقّق المعجزات على يده، كإحياء الأموات، وخلق الطير، وإبراء الأكمه والأبرص، وكذا تحقّق الخوارق من الآيات في وجوده كتكوّنه من غير أب، فإنّما هي أُمور خارقة للعادة المألوفة، والسُنّة الجارية في الطبيعة; فإنّها نادرة الوجود لا مستحيلته، فهذا آدم(عليه السلام) تذكر الكتب السماوية أنّه خلق من تراب، ولا أب له، وهؤلاء أنبياء الله صالح وإبراهيم وموسى(عليهم السلام) جرت على أيديهم آيات معجزة كثيرة، مذكورة في مسفورات الوحي من غير أن تقتضي فيهم إلوهية، ولا خروجاً عن طور الإنسانية.

وهذه الطريقة هي المسلوكة في قوله تعالى:

١- النساء -٣-: ١٧١.

٨٠