×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 12) / الصفحات: ٢١ - ٤٠

(٢) أبو أُسامة المقدسي (وهّابي / فلسطين)

ولد في «فلسطين» في أُ سرة سُنّية المذهب ونشأ على هذا المعتقد تبعاً لأُسرته ، واصل «أبو أُسامة» دراسته الأكاديمية حتى نال شهادة الليسانس في الآداب .

على الصعيد العقائدي كان «أبو أُسامة» متأثّراً بالفكر الوهّابي ، إلاّ أنَّ عدم اقتناعه تماماً بالتوجّهات العقائدية السائدة آنذاك جعله دائم البحث والتحقيق في المجال العقائدي .

وممّا تأثّر به «أبو أُسامة» في تحقيقاته : موقع مركز الأبحاث العقائدية www.aqaed.com على الشبكة العنكبوتية ; حيث فيه العديد من الأسئلة والأجوبة العقائدية .

وممّا سلّط الضوء عليه في هذا الموقع : نقد نظرية عدالة الصحابة التي قامت عليها الفرق والمذاهب السُنّية ، ومن هذه الشخصيات التي كانت ولازالت مورد نقاش بين السُنّة والشيعة : شخصيّة خالد بن الوليد ، الذي قالوا فيه أنّه : سيف الله ، وحرّفوا حقائق التاريخ للتستّر على أفعاله . .

تحريفهم للتاريخ بشأن خالد بن الوليد :

قتل خالد بن الوليد مالك بن نويرة بتهمة الارتداد ، وزنا بامرأته ليلة قتله ، فترك أبو بكر الحدّ والقود عليه ! !

٢١

قال الجزري في (كامله) : لمّا قدم خالد البطاح بعث السرايا وأمرهم بداعية الإسلام ، وأن يأتوه بكلّ من لم يجب ، وإن امتنع أن يقتلوه . .

إلى أن قال بعد ذكر قتله مالكاً ووطئه امرأته ، وبلوغ خبره إلى المدينة . قال عمر لأبي بكر : إنّ سيف خالد فيه رهق . وأكثر عليه في ذلك ، فقال : يا عمر ! تأوّل خالد فأخطأ ، فارفع لسانك عنه ، فإنّي لا أشيم سيفاً سلّه الله على الكافرين . وودّى مالكاً ، وكتب إلى خالد أن يقدم عليه ، ففعل ودخل المسجد وعليه قباء ، وقد غرز في عمامته سهماً ، فقام إليه عمر ، فنزعها وحطّمها ، وقال له : قتلت امرءاً مسلماً ثمّ نزوت على امرأته ، والله لأرجمنّك بأحجارك . وخالد لا يكلّمه يظّن أنّ رأي أبي بكر مثله ، ودخل على أبي بكر . فأخبره الخبر ، واعتذر إليه ، فعذره وتجاوز عنه ، وعنّفه في التزويج الذي كانت عليه العرب من كراهته أيام الحرب .

فخرج خالد وعمر جالس ، فقال له خالد : هلّم إليّ يا ابن أمّ شملة . فعرف عمر أنّ أبا بكر رضي عنه ، فلم يكلّمه .

وقيل : إنّ المسلمين لمّا غشوا مالكاً وأصحابه ليلاً أخذوا السلاح ، فقالوا : نحن المسلمون ، فقال أصحاب مالك : ونحن المسلمون ، قالوا لهم : ضعوا السلاح ، فوضعوه ثمّ صلّوا ، وكان خالد يعتذر في قتله لمالك أنّه قال : ما أخال صاحبكم إلاّ قال كذا وكذا ، فقال له : أوما تعدّه لك صاحباً ، ثمّ ضرب عنقه .

وقدم أخوه متمّم بن نويرة على أبي بكر يطلب بدم أخيه ، ويسأله أن يردّ عليه سبيهم ، فأمر أبو بكر بردّ السبي ، وودّى مالكاً من بيت المال(١) .

ولما ولي عمر كان أوّل كتاب كتبه بتولية أبي عبيدة جند خالد ، وبعزل خالد ; لأنّه كان ساخطاً عليه في خلافة أبي بكر كلّها لوقعته بمالك بن نويرة ، وما كان يعمل في حربه ، وأوّل ما تكلّم به عزل خالد ، وقال : لا يلي لي عملاً أبداً . وكتب إلى أبي

١- تاريخ الطبري : ٢ : ٥٠٤ .

٢٢

عبيدة إنْ أكذَبَ خالد نفسه فهو الأمير على ما كان عليه ، وإن لم يكذّب نفسه ، فأنت الأمير على ما هو عليه ، انزع عمامته عن رأسه ، وقاسمه ماله .

فذكر أبو عبيدة ذلك لخالد ، فاستشار خالد أُخته ، وكانت عند الحرث بن هشام ، فقالت : والله لا يحبّك عمر أبداً ، وما يريد إلاّ أن تكذّب نفسك ثمّ ينزعك . فقبّل رأسها ، وقال : صدقت . فأبى أن يكذّب نفسه ، فأمر أبو عبيدة بنزع عمامة خالد(١) .

ومن الغريب أنّ من مسلّمات بعض الناس كون خالد سيف الله ، فلم يكن ـ في الحقيقة ـ سوى سيفاً لأبي بكر ، ذلك أنّ سيف الله ورسوله لا يزني ، ولا يقتل بغير حقّ ، ولا يمثّل بالمسلمين ، فإنّ المُثلة حرام ولو بالكلب العقور .

ومن المضحك أنّهم وضعوا له أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) وصفه بذلك ، إلاّ أنّ الله تعالى ـ الذي يخزي الكاذب ـ فضحهم بأن قالوا : لقّبه النبيّ بذلك لمّا كان بمؤتة ، وجعلوا الراوي لذلك : أبا قتادة ، فقال الطبري : قال أبو قتادة : بعث النبيّ (صلى الله عليه وآله) جيش الأُمراء . فقال : عليكم زيد بن حارثة ، فإن أُصيب فجعفر ، فإن أُصيب جعفر فعبد الله بن رواحة . فوثب جعفر فقال : يا رسول الله ! ما كنت أذهب أن تستعمل زيداً علَيّ . قال : امض فإنّك لا تدري أيّ ذلك خير . فانطلقوا . . .

إلى أن قال : فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله) : أُخبركم عن جيشكم . .

إلى أن قال بعد ذكر الأخبار عن شهادة عبد الله بن رواحة : قال النبيّ (صلى الله عليه وآله) : ثمّ أخذ اللواء خالد بن الوليد ، ولم يكن من الأمراء ، هو أمّر نفسه . ثمّ قال النبيّ (صلى الله عليه وآله) : «اللهمّ إنّه سيف من سيوفك ، فأنت تنصره . فمنذ يومئذ سمّي خالد سيف الله»(٢) .

مع أنّ خالداً لمّا رجع من مؤتة مع الجيش جعل الناس يحثّون التراب على

١- تاريخ الطبري ٢ : ٦٢٤ .

٢- تاريخ الطبري ٢ : ٣٢٢ .

٢٣

خالد وجيشه ، ويقولون : «يا فرّار في سبيل الله»(١) ، فهل يقولون لسيف الله : فرّار في سبيل الله ؟ !

وأبو قتادة كان من منكري خالد ، وعاهد الله تعالى أن لا يشهد معه حرباً(٢) ، فكيف يمكن أن يكون سمع النبيّ (صلى الله عليه وآله) سمّاه سيف الله ـ كما وضعوا على لسانه ـ ويعاهد الله تعالى ألا يشهد مع خالد حرباً ؟ !

الاقتناع بالرؤية الشيعية :

بعد الاطّلاع على كثير من مجريات التاريخ التي تثبت صحّة الرؤية الشيعية ، وبعد أنْ تبلورت قناعته الكاملة بأحقّية المذهب الشيعي توجّه «أبو أُسامة» إلى تغيير انتمائه المذهبي ، وأعلن عن استبصاره عام ١٤٢٣ هـ (٢٠٠٣م)(٣) .

١- تاريخ الطبري ٢ : ٣٢٣ .

٢- تاريخ الطبري ٢ : ٥٠٣ .

٣- بعث «المستبصر» رسالة للمركز عام ١٤٣٠ هـ ذكر فيها قصّة استبصاره وتاريخه .

٢٤

(٣) أبو تراب (شافعي / فلسطين)

ولد عام ١٤٠٢ هـ (١٩٨٢م) في مدينة «غزّة» في فلسطين المحتلّة ، ونشأ في ظلّ عائلة شافعية سنية المذهب ، واصل «أبو تراب» نشاطه الأكاديمي حتى دخل كلّية التجارة في الجامعة الإسلامية بغزّة .

كان «أبو تراب» ملتزماً بالتعاليم الدينيّة منذ صباه ، فكان يرتاد المساجد منذ السابعة من عمره ، وتربّى في حلقات تلك المساجد .

يقول «أبو تراب» عمّا لفت نظره في التعاليم التي كانت تُلقى عليه وعلى الأطفال من قِبَل المدرسين هناك : . . . . إنّني كنت أسمع عن كلّ الصحابة إلا عن آل البيت الأطهار (عليهم السلام) ، فلم أسمع عن الإمام علي (عليه السلام) أنّه نام في فراش الرسول (صلى الله عليه وآله) ، وكان الفدائي الأوّل في الإسلام يوم الهجرة .

مكانة الإمام علي (عليه السلام) ، وسبقه إلى الإيمان :

من المواضيع التي ظلّت خافية عن عموم أتباع المذهب السنّي ، فلم ترَ النور ولم تخرج من صفحات الكتب إلى الحوارات العامة والمنابر ووسائل الإعلام هي : مكانة أهل البيت (عليهم السلام) ، وخاصّة الإمام عليّ (عليه السلام) .

فمن تتبّع الكتب التاريخية رأى أنّ العديد من مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام) نسبت لغيره ; فقد روى ابن عبّاس : أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخذ بيد عليّ (عليه السلام) ، وقال : هذا أوّل

٢٥

من آمن بي ، وأوّل من يصافحني ، وهو فاروق هذه الأُمّة ، يفرق بين الحقّ والباطل ، وهو يعسوب المؤمنين ، والمال يعسوب الظلمة ، وهو الصدّيق الأكبر ، وهو بابي الذي أوتى منه ، وهو خليفتي من بعدي(١) .

وعن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : صلت الملائكة عَليَّ وعلى عليّ سبع سنين ، وذلك أنّه لم يرفع شهادة أن لا إله إلاّ الله إلاّ منّي ومن عليّ(٢) .

وروي عن الإمام علي (عليه السلام) أنّه قال : أنا الصدّيق والفاروق الأوّل ، أسلمت قبل إ سلام أبي بكر وصلّيت قبل صلاته لسبع سنين(٣) .

كما روي عنه (عليه السلام) أنّه قال : أنا أوّل من صدّقه ـ أي : الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) ـ(٤) .

إلى غير ذلك من الروايات والوقائع التاريخية التي تثبت أنّه أوّل من أسلم وآمن برسول الله (صلى الله عليه وآله) وصدّقه في دعوته .

إلاّ أنّه قد يُعترض على ذلك بأنّ إ سلام أمير المؤمنين (عليه السلام) وإيمانه وإن كان قبل إ سلام أبي بكر إلاّ أنّه ليس معتبراً ; لكونه كان دون البلوغ .

وجوابه من وجوه :

أحدها : لا نسلّم أنّه كان دون البلوغ ، ومستند هذا المنع وجوه :

أ : رواية شدّاد بن أوس ، قال : سألت خباب بن الأرتّ عن سنّ عليّ يوم أسلم ؟ فقال : أسلم وهو ابن خمس عشرة سنة ، وهو يومئذ بالغ مستحكم البلوغ(٥) .

ب : عن حذيفة بن اليمان ، قال : كنّا نعبد الحجارة ، ونشرب الخمر ، وعليّ من أبناء أربع عشرة سنة ، قائم يصلّي مع النبيّ (صلى الله عليه وآله) ليلاً ونهاراً ، وقريش يومئذ تسافه

١- الكامل لابن عدي ٤ : ٢٢٩ ، تاريخ مدينة دمشق ٤٢ : ٤٢ ، ميزان الاعتدال ٢ : ٣ .

٢- تاريخ مدينة دمشق ٤٢ : ٣٩ .

٣- تاريخ الطبري ٢ : ٥٦ ، البداية والنهاية ٣ : ٣٦ .

٤- الإمامة والسياسة ١ : ٩٩ .

٥- الاستيعاب ٢ : ٤٥٦ ، المواهب اللدنّية ١ : ٤٥ .

٢٦

رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، ما يذبّ عنه إلاّ عليّ (عليه السلام)(١) .

ج : روى ابن أبي شيبة : عن جرير بن عبد الحميد ، قال : أسلم عليّ وهو ابن أربع عشرة سنة(٢) .

الثاني : أنّ المتبادر إلى الفهم من إطلاق لفظ المسلم والكافر ، ولفظ الرجل(٣) ، إنّما هو : البالغ دون الصبي ، والمبادرة إلى الذهن دليل الحقيقة ، فالواجب أن يرجع إلى ذلك إطلاق قولهم : أسلم علي ; فإنّ ذلك يشهد بكونه بالغاً عاقلاً لما يفعله ، وخاصّة في بلاد حارّة مثل : الجزيرة العربية ، فإنّ العادة في المزاج الصحيح فيها أن يبلغ صاحبه فيما دون خمس عشرة سنة ، وربّما احتلم وهو ابن اثني عشرة سنة ، وليس ذلك ببعيد ; إذ رووا أنّ عمرو بن العاص كان يكبر ولده عبد الله باثنتي عشرة سنة فقط(٤) .

الثالث : وهو الحاسم لمادّة الإشكال : أنّه لو لم يكن أمير المؤمنين (عليه السلام) في مستوى الإسلام والإيمان لَما كان النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) قد أقدم على دعوته إلى الإسلام ، ثم قبوله منه ; فإنّ ذلك سفه ، ولا يمكن صدور السفه من الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) .

كبر وكبرت التساؤلات :

ظلّت الاستفسارات عن سبب تغييب أهل البيت (عليهم السلام) عن الجيل المسلم تدور في ذهن «أبي تراب» إلى أن كبر وكبرت تساؤلاته من غير أن تجاب

١- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٣ : ٢٣٤ .

٢- العثمانية للجاحظ : ٢٩٦ .

٣- روي عن عبد الله بن بريدة ، قال : أوّل الرجال إ سلاماً : عليّ بن أبي طالب . سيرة ابن إسحاق ٢ : ١١٩ .

٤- المعارف لابن قتيبة : ٢٨٦ .

٢٧

بإجابات تشفي الغليل .

وبعد دخوله الجامعة الإسلامية في غزّة تصوّر في نفسه بأنّ الأسئلة قد تجاب هنا ; فإنّ أجواء الجامعات غالباً ما تكون منفتحة بالنسبة لأنواع الأسئلة والمناقشات ، إلا أنّه فوجىء بأنْ لا مجال لأن تجاب أسئلته هناك فحسب ، بل إنّه ممنوع من التحدّث بمثل هذه الأُمور على الإطلاق ، إثر ذلك قرّر «أبو تراب» مواصلة بحثه عبر الإنترنيت .

يقول «أبو تراب» : . . . . وأنا أدرس في الجامعة بدأت أتبحّر في مسائل ترتبط بآل البيت (عليهم السلام) عبر الإنترنيت حتى تعرّفت على أمور كثيرة ، واستطعت التمييز بين الحقّ والباطل ، وصرت أعرف من الحقّ ، وأين الحقّ .

ثمّ اهتديت :

بعد أن قرأ عن أهل البيت (عليهم السلام) بعض ما يرتبط بسيرتهم العطرة ، شاء الله سبحانه وتعالى أن يتعرّف «أبو تراب» على أحد أتباع المذهب الشيعي ، الذي أهداه كتاب «ثمّ اهتديت» للدكتور التيجاني السماوي ، وكان لهذا الكتاب التأثير الكبير في استبصاره ، الذي أعلنه عام ١٤٢٠ هـ (٢٠٠٠ م) .

وبعد مرحلة الاستبصار أقدم «أبو تراب» على تأليفه كتاب عن أهل البيت (عليهم السلام) ، سمّاه : «الأئمّة الاثني عشر»(١) .

١- المستبصر على تواصل مع «مركز الأبحاث العقائدية» من خلال شبكة الإنترنيت ، وله ملف خاص في المركز .

٢٨

(٤) أبو عبد الله (سنّي / فلسطين)

نشأ في مدينة «الناصرة» في شمال «فلسطين» ، وفي القسم الذي استولى عليه الصهاينة .

كان «أبو عبد الله» يهوى التعمّق في التعاليم الإسلامية فبدأ بتلقّي قسم من تلك التعاليم وفق المذهب السنّي ، إلا أنّ نفسه المتعطّشة لتلقّي المعارف لم ترتوِ بهذا المقدار منها ، ولم تزل تعيش التحيّر والتأمّل .

إثر ذلك بدأ بالبحث والتحقيق بالغور في الكتب المعتبرة عند أهل السنّة ، فكثرت الحيرة عنده آنذاك ; إذ من الملاحظ لكلّ باحث أزال التعصّب عن بصيرته كم تجاهل التاريخ ومؤرّخو السلطة من الوقائع والشخصيات التي كان لها الدور الفاعل في نمو الإسلام ورفعته ؟

وكم من الأحاديث التي دسّتها يد التحريف في المصادر الحديثية ، وكم قاموا بالتلاعب بأحاديث صحيحة فحذفوها ، أو قطّعوها ، أو أوردوا معارضاً لها لتسقط بذلك عن الاستدلال بها .

حديث «كتاب الله وسنّتي» في الميزان :

من الأحاديث الدالّة على ضرورة التمسّك بالعترة الطاهرة (عليهم السلام) : قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مواطن عدّة : إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي .

٢٩

إلاّ أنّه قد أوردت بعض المصادر السنّية لفظ : «وسنّتي» ، بدل : «وعترتي» ، وبالتالي قد يدّعي بعضهم أنّ حديث : «وعترتي» معارض بحديث : «وسنّتي» ، فلا يتم الاستدلال به .

ولبطلان هذا الادّعاء ينبغي الإشارة إلى أنّ :

أوّلاً : حديث الثقلين بلفظ «وعترتي» من الأحاديث المتواترة(١) ، وحديث «سنّتي» ليس كذلك ، والمتواتر مقدّم على غيره ; فثبت تقديم حديث «وعترتي» على خبر «وسنّتي» .

ثانياً : حديث «وعترتي» حديث صحيح ، مروي بأسانيد صحيحة وحسنة ، وخبر «وسنّتي» ليس كذلك ، والصحيح مقدّم على غيره ; فوجب تقديم حديث «وعترتي» .

ومن المناسب هنا أنْ نذكر قول أحد علماء السنّة في كلام له عن حديث الثقلين بلفظيه ، يقول الحسن بن علي السقاف الشافعي : «سُئلت عن حديث : تركت فيكم شيئين لن تضلّوا بعدهما : كتاب الله و . . . . ، هل الحديث الصحيح بلفظ : «عترتي وأهل بيتي» ، أو هو بلفظ «سُنّتي» ؟ نرجو توضيح ذلك من جهة الحديث وسنده .

الجواب : الحديث الثابت الصحيح هو بلفظ «وأهل بيتي» ، والرواية التي فيها لفظ «سُنّتي» باطلة من ناحية السند والمتن ، ونوضّح هنا إن شاء الله تعالى قضية السند ; لأنّ السؤال وقع بها . فنقول :

روى الحديث مسلم في صحيحه(٢) : عن سيّدنا زيد بن أرقم رضي الله عنه ،

١- راجع : نفحات الأزهار للميلاني ١ : ٢١١ ـ ٤٩٦ ، فقد ذكر ١٨٧ مؤلّفاً ممّن روى وخرّج هذا الحديث بأسانيد يكثر فيها الحسان والصحاح ، ما يدلّ على تواتر الحديث عند أهل السنّة .

٢- صحيح مسلم ٧ : ١٢٢ .

٣٠

قال : قام رسول الله (صلى الله عليه وآله) خطيباً بماء يدعى خماً بين مكّة والمدينة ، فحمد الله وأثنى عليه ، ووعظ وذكّر ، ثم قال : (أمّا بعد : ألا أيّها الناس ! فإنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول الله ربّي فأُجيب ، وأنا تارك فيكم ثقلين ، أوّلهما : كتاب الله ، فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به) ، فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه ، ثم قال : (وأهل بيتي ، أُذكّركم الله في أهل بيتي ، أُذكّركم الله في أهل بيتي ، أُذكّركم الله في أهل بيتي) ، هذا لفظ مسلم .

ورواه أيضاً بهذا اللفظ الدارمي في سننه(١) بإسناد صحيح كالشمس ، وغيرهما . . .

أمّا لفظ «وسُنّتي» فلا شكّ بأنّه موضوع ; لضعف سنده ، ووهائه ، ولعوامل أُموية أثّرت في ذلك . وإليك إسناده ومتنه :

روى الحاكم في المستدرك(٢) الحديث بإسناده من طريق ابن أبي أُويس ، عن أبيه ، عن ثور بن زيد الديلي ، عن عكرمة ، عن ابن عبّاس ، وفيه : (أيّها الناس ، قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلّوا أبداً : كتاب الله ، وسُنّة نبيّه (صلى الله عليه وآله) . . .) .

وأقول :

في سنده : ابن أبي أويس وأبوه ; قال الحافظ المزّي في تهذيب الكمال(٣) في ترجمة الابن ـ ابن أبي أويس ـ وأنقل قول من جرحه : «معاوية بن صالح عن يحيى ـ ابن معين ـ : أبو أويس وابنه ضعيفان . وعن يحيى بن معين ـ أيضاً ـ : ابن أبي أُويس وأبوه يسرقان الحديث . وعن يحيى ـ أيضاً ـ : مخلّط يكذب ، ليس بشيء . وقال أبو حاتم : محلّه الصدق ، وكان مغفّلاً . وقال النسائي : ضعيف . وقال ـ النسائي ـ في موضع آخر : ليس بثقة . وقال أبو القاسم اللالكائي : بالغ النسائي في الكلام عليه

١- سنن الدارمي ٢ : ٤٣٢ .

٢- المستدرك على الصحيحين ١ : ٩٣ .

٣- تهذيب الكمال ٣ : ١٢٧ .

٣١
موسوعة من حياة المستبصرين المجلد الثاني عشر » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ٣١ - ص ٦٠)

إلى أن يؤدّي إلى تركه . . .

وقال أبو أحمد ابن عدي : وابن أبي أُويس هذا روى عن خاله مالك أحاديث غرائب لا يتابعه أحد عليه . . .» .

قلت : قال الحافظ ابن حجر في «مقدمة فتح الباري»(١) عن ابن أبي أُويس هذا : «وعلى هذا لا يحتجّ بشيء من حديثه غير ما في الصحيح ; من أجل ما قدح فيه النسائي وغيره . . .» .

قال الحافظ السيّد أحمد بن الصدّيق في «فتح الملك العلي»(٢) : «وقال سلمة بن شبيب : سمعت إسماعيل بن أبي أُويس يقول : ربّما كنت أضع لأهل المدينة إذا اختلفوا في شيء فيما بينهم» .

فالرجل متّهم بالوضع ، وقد رماه ابن معين بالكذب ، وحديثه الذي فيه لفظ «وسنتي» ليس في واحد من الصحيحين .

وأمّا أبوه : فقال أبو حاتم الرازي ، كما في كتاب ابنه(٣) : «يُكتب حديثه ولا يُحتجّ به ، وليس بالقوي» . ونقل في المصدر نفسه ابن أبي حاتم عن ابن معين أنّه قال فيه : «ليس بثقة» .

قلت : وسند فيه مثل هذان اللذان قدّمنا الكلام عليهما ، لا يصحّ ـ حتى يلج الجمل في سمّ الخياط ـ لاسيما وما جاءا به مخالف للثابت في الصحيح ; فتأمّل جيداً هداك الله تعالى .

أقول : ولم يتعرّض السقّاف لعكرمة البربري مع وروده في السند ، وهو مشهور بالكذب والعداء لأهل البيت (عليهم السلام) .

١- مقدمة فتح الباري لابن حجر : ٣٨٨ .

٢- فتح الملك العلي : ٣٦ .

٣- الجرح والتعديل ٥ : ٩٢ .

٣٢

وقد اعترف الحاكم بضعف الحديث ، فلذلك لم يصحّحه في المستدرك ، وإنّما جلب له شاهد ، لكنّه واه ساقط الإسناد ، فازداد الحديث ضعفاً إلى ضعفه ، وتحقّقنا أنّ ابن أبي أُويس أو أباه قد سرق واحد منهما حديث ذلك الواهي الذي سنذكره ورواه من عند نفسه ، وقد نصّ ابن معين ، وهو من هو ، على أنّهما يسرقان الحديث .

فروى الحاكم(١) ذلك ; فقال : «وقد وجدت له شاهداً من حديث أبي هريرة» ، ثمّ روى بسنده من طريق الضبّي ، ثنا صالح بن موسى الطلحي ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، مرفوعاً : «إنّي قد تركت فيكم شيئين لن تضلّوا بعدهما : كتاب الله ، وسُنّتي ، ولن يفترقا حتى يردا علَيّ الحوض» .

قلت : هذا موضوع أيضاً ، واقتصر الكلام عنا على رجل واحد في السند ، وهو : صالح بن موسى الطلحي . وإليك كلام أئمّة أهل الحديث من كبار الحفّاظ الذين طعنوا فيه ، من تهذيب الكمال : «قال يحيى بن معين : ليس بشيء . وقال أبو حاتم الرازي : ضعيف الحديث ، منكر الحديث جداً ، كثير المناكير عن الثقات . وقال النسائي : لا يكتب حديثه ، وقال في موضع آخر : متروك الحديث»(٢) .

وفي تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر : «قال ابن حبّان : كان يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات حتى يشهد المستمع لها أنّها معمولة أو مقلوبة لا يجوز الاحتجاج به . وقال أبو نعيم : متروك الحديث يروي المناكير»(٣) .

قلت : وقد حكم الحافظ عليه في التقريب بأنّه «متروك»(٤) ، والذهبي في الكاشف بأنّه : «واه»(٥) . وأورده الذهبي في «الميزان»(٦) حديثه هذا في ترجمته على أنّه من منكراته .

١- المستدرك على الصحيحين ١ : ٩٣ .

٢- تهذيب الكمال ١٣ : ٩٦ .

٣- تهذيب التهذيب ٤ : ٣٥٥ .

٤- تقريب التهذيب ١ : ٤٣٣ .

٥- الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة ١ : ٤٤٩ .

٦- راجع ترجمته في ميزان الاعتدال ٢ : ٣٠٢ .

٣٣

وقد ذكر مالك هذا الحديث في «الموطّأ»(١) بلاغاً بلا سند ، ولا قيمة لذلك بعد أن بيّنا وهاء إسناده .

وقد ذكر الحافظ ابن عبد البر في «التمهيد»(٢) سنداً ثالثاً لهذا الحديث الواهي الموضوع ، فقال : «وحدّثنا عبد الرحمن بن يحيى ، قال : حدّثنا أحمد بن سعيد ، قال : حدّثنا محمّد بن إبراهيم الديبلي ، قال : حدّثنا علي بن زيد الفرائضي ، قال : حدّثنا الحنيني ، عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جدّه» به .

قلت : نقتصر على علّة واحدة فيه ، وهي : أنّ كثير بن عبد الله هذا الذي في إسناده ، قال عنه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى : أحد أركان الكذب . قال عنه أبو داود : كان أحد الكذّابين(٣) .

وقال ابن حبّان : روى عن أبيه ، عن جدّه نسخة موضوعة ، لا يحلّ ذكرها في الكتب ، ولا الرواية عنه إلاّ على جهة التعجّب(٤) .

قال النسائي والدارقطني : متروك الحديث(٥) . وقال الإمام أحمد : منكر الحديث ليس بشيء ، وقال يحيى بن معين : ليس بشيء .

قلت : وقد أخطأ الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في التقريب عندما اقتصر على قوله فيه : «ضعيف» ، ثمّ قال : «وقد أفرط من رماه بالكذب»(٦) . . .

قلت : كلا لم يفرط بل هو واقع حاله ، كماترى من كلام الأئمّة فيه ، لا سيّما وقد قال عنه الذهبي في الكاشف : «واه» ، وهو كذلك ، وحديثه موضوع ، فلا يصلح

١- الموطّأ ٢ : ٨٩٩ .

٢- التمهيد ٢٤ : ٣٣١ .

٣- ذكر قول الشافعي وأبي داود في تهذيب التهذيب ٨ : ٣٧٧ ، وتهذيب الكمال للمزّي ٢٤ : ١٣٨ .

٤- انظر : المجروحين ٢ : ٢٢١ لابن حبّان .

٥- تهذيب الكمال ٢٤ : ١٣٩ .

٦- راجع : تقريب التهذيب ٢ : ٣٩ ، والمذكور عن ابن حجر : أفرط من نسبه إلى الكذب .

٣٤

للمتابعة ، ولا الشواهد بل يضرب عليه . والله الموفّق . .

فتبيّن بوضوح أنّ حديث : «كتاب الله وعترتي» هو الصحيح الثابت في صحيح مسلم ، وأنّ لفظ : «كتاب الله وسُنّتي» باطل من جهة السند غير صحيح . فعلى خطباء المساجد والوعّاظ والأئمّة أن يتركوا اللفظ الذي لم يرد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)وأن يذكروا للناس اللفظ الصحيح الثابت عنه في صحيح مسلم «كتاب الله وأهل بيتي» أو «عترتي»(١) .

نور أهل البيت (عليهم السلام) :

بعد فترة من البحث والتحقيق ، وبعد أن أشرق نور أهل البيت (عليهم السلام) في قلبه ، أعلن «أبو عبد الله» عن استبصاره والتحاقه بالمذهب الشيعي ، وكان ذلك عام ١٤٢١ هـ (٢٠٠١ م) .

إلا أنَّ العصبية العمياء لم تدع «أبا عبد الله» وجمع من أصدقائه المستبصرين وشأنهم ; فتعرّضوا لأنواع الاضطهاد المذهبي الذي وصل في بعض الفترات إلى حد المقاطعة والنبذ(٢) .

١- راجع : صحيح صفة صلاة النبي (صلى الله عليه وآله) للحسن بن علي السقّاف : ٢٨٩ ـ ٢٩٤ .

٢- للمستبصر ملف خاص في «مركز الأبحاث العقائدية» : وفيه عدّة مراسلات بينه وبين المركز عبر شبكة الإنترنيت .

٣٥

(٥) أسعد وحيد القاسم (حنفي / فلسطين)

[image] - مركز الأبحاث العقائدية

مرّت ترجمته في (٢ : ١٤٧) من هذه الموسوعة ، ونشير هنا إلى معلومات أُخرى لم تذكر من قبل .

من النشاطات التي قام بها «أسعد» بعد استبصاره تأليف كتاب «حقيقة الشيعة الاثنى عشرية» ، بحث فيه المواضيع العقائدية الخلافية بين الفريقين ، وأدلّة أحقّية رأي الشيعة فيها ، وذلك من المصادر المعتبرة عند أهل السُنّة .

كما تطرّق المؤلّف إلى مفاهيم وأشخاص كثر البحث عنهم في الدائرة الإسلامية ، وفي ذلك المجال أفرد فصلاً خاصّاً بأبي هريرة ، وذلك لِكثرة روايته للحديث مع قصر المدّة التي صاحب فيها الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) .

أبو هريرة وكثرة روايته للحديث :

يقول «أسعد» : نظراً لكثرة ما رواه أبو هريرة من أحاديث فقد ارتأيت إلقاء بعض الضوء على شخصيّته ; إذ أجمع رجال الحديث على أنّ أبا هريرة كان أكثر الصحابة حديثاً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، على حين أنّه لم يصاحب النبي (صلى الله عليه وآله) إلاّ عاماً وتسعة أشهر ـ أو ثلاثة أعوام حسب بعض الروايات ـ ، وقد احتوت صحاح أهل السُنّة على ٥٣٧٤ حديثاً روى منها البخاري ٤٤٦ حديثاً .

أمّا أبو هريرة نفسه فيقول : «ما من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) أحد أكثر حديثاً عنه

٣٦

منّي إلاّ ما كان من عبد الله بن عمرو فإنّه كان يكتب ولا أكتب»(١) .

وأما سبب كثرة رواية أبي هريرة عن الرسول (صلى الله عليه وآله) ، فقد أجاب هو نفسه عن ذلك عندما قال :

«يقولون أنّ أبا هريرة يكثر والله الموعد ، ويقولون ما للمهاجرين والأنصار لا يحدّثون مثل أحاديثه ؟ وإنّ إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق ، وإنّ إخوتي من الأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم ، وكنت امرءاً مسكيناً ألزم رسول الله (صلى الله عليه وآله) على ملء بطني ، فأحضر حين يغيبون ، وأعي حين ينسون»(٢) .

وقال : «إنّ الناس كانوا يقولون : أكثر أبو هريرة ، وإنّي كنت ألزم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بشبع بطني حتى لا آكل الخمير ، ولا ألبس الحرير ، ولا يخدمني فلان ولا فلانة . وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع وإن كنت لاستقرىء الرجل الآية هي معي كي ينقلب بي فيطعمني»(٣) .

وقد روي أنّ عمر بن الخطاب ضرب أبا هريرة لمّا سمعه يحدّث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)(٤) .

وروى ابن عبد البر عن أبي هريرة نفسه ، قال : لقد حدّثتكم بأحاديث لو حدّثت بها زمن عمر بن الخطّاب لضربني عمر بالدرّة(٥) .

وقال الفقيه المحدّث رشيد رضا : «لو طال عُمُر عمر حتى مات أبو هريرة لَما وصلت إلينا تلك الأحاديث الكثيرة»(٦) ، وقال مصطفى صادق الرافعي : « . . . .

١- صحيح البخاري ١ : ٣٦ .

٢- صحيح البخاري ٣ : ٢ .

٣- صحيح البخاري ٤ : ٢٠٩ .

٤- راجع على سبيل المثال شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٤ : ٦٨ .

٥- جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ٢ : ١٢١ .

٦- نقلها عنه محمود أبو رية في كتابيه : شيخ المضيرة أبو هريرة : ١٠٥ وأضواء على السُنّة المحمّدية : ٢٠١ .

٣٧

فكان بذلك ـ يعني أبو هريرة ـ أوّل راوية اتّهم في الإسلام»(١) .

وعند حدوث معركة صفّين ، تشيّع أبو هريرة لمعاوية ، وقد كوفىء على حسن روايته للحديث ، ومناصرته لهم ، بأن أغدقوا عليه ; فكان مروان بن الحكم ينيبه عنه في ولاية المدينة ، فتحوّلت أحواله من حال إلى حال .

وقد روي عن أيوب بن محمد أنّه قال : «كنّا عند أبي هريرة وعليه ثوبان ممشقان من كتان ، فتمخّط ، فقال : بخ بخ ، أبو هريرة يتمخّط في الكتان ؟ لقد رأيتني وإنّي لأخرّ فيما بين منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى حجرة عائشة مغشياً علَيّ ، فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي ويَرى أنّي مجنون ، وما بي من جنون ، ما بي إلاّ الجوع»(٢) .

وما يرتبط بتشيّعه لبني أُمية كتمانه لبعض حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) ; لأنّ روايته لها ستعرّض حياته للموت ، فعن أبي هريرة نفسه ، قال : «حفظت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)وعاءين : فأمّا أحدهما فبثثته ، وأمّا الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم»(٣) .

وأين هذا من قول أبي هريرة نفسه : «إنّ الناس يقولون : أكثر أبو هريرة ، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدّثت حديثاً» ، ثم يتلو : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ الله وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾(٤)(٥) .

ومن خلال هذه الأدلّة الدامغة تتبيّن حقيقة أبي هريرة وأمانته في رواية الحديث ، والتي تجعل منه شبيهاً بوعاظ السلاطين في زماننا ، ويتّضح سبب إعراض

١- راجع : أضواء على السُنّة المحمّدية : ٢٠٣ .

٢- صحيح البخاري ٨ : ١٥٢ .

٣- راجع : صحيح البخاري ١ : ٣٨ ، الطبقات الكبرى ٢ : ٣٢٦ ، تذكرة الحفّاظ ١ : ٣٥ ، والإصابة ٧ : ٣٥٨ .

٤- البقرة -٢- : ١٥٩ ـ ١٦٠ .

٥- صحيح البخاري ١ : ٣٧ ، مسند أحمد ٢ : ٢٤٠ .

٣٨

الشيعة عن رواياته ، وبما يصلح أن يكون ردّاً على مغالاة أهل السُنّة بقبول أحاديث أبي هريرة ، وطعنهم في كلّ من يوجّه إليه النقد .

قال ابن حنبل ، وأبو بكر الحميدي ، وأبو بكر الصيرفي : «لا نقبل رواية من كذب في أحاديث رسول الله وإن تاب عن الكذب بعد ذلك»(١) ، وقال السمعاني : «من كذب في خبر واحد وجب إسقاط ما تقدّم من حديثه»(٢) .

ونعرض فيما يلي بعضاً من روايات أبي هريرة ، التي أخرجها البخاري في صحيحه ، ونبدأ بزعم أبي هريرة بأنّ موسى (عليه السلام) قد فقأ عين ملك الموت !

فعن أبي هريرة ، قال : «أُرسل ملك الموت إلى موسى (عليه السلام) ، فلمّا جاءه صكّه ، فرجع إلى ربه ، فقال : أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت . فردّ الله عليه عينه ، وقال : فقل له يضع يده على متن ثور ، فله بكلّ شعرة سنة . قال : أي ربّ ، ثم ماذا ؟ قال : ثم الموت . قال : فالآن ، فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدّسة رمية بحجر»(٣) .

وعن أبي هريرة ، قال : «يقال لجهنم : هل امتلأت ، وتقول : هل من مزيد ؟ فيضع الربّ تبارك وتعالى قدمه عليها ، فتقول : قط قط»(٤) .

وعن أبي هريرة ، قال : «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : ينزل ربّنا تبارك وتعالى كلّ ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر ، يقول : من يدعوني فأستجيب له ؟ من يسألني فأُعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له ؟(٥) .

والرواية الأخيرة تتناقض مع ما يعتقده أهل السُنّة من استقرار الله جلّ وعلا على العرش ، فنزوله إلى السماء الدنيا في آخر الليل ـ كما يزعم أبو هريرة ـ يعني

١- راجع : شيخ المضيرة أبو هريرة : ١٥٥ .

٢- دفع شبه التشبيه بأكفّ التنزيه : ٢٩٢ .

٣- صحيح البخاري ٢ : ٩٢ .

٤- صحيح البخاري ٦ : ٤٨ .

٥- صحيح البخاري ٢ : ٤٧ .

٣٩

بقائه فيها طوال الـ ٢٤ ساعة من الليل والنهار ; لدوام وجود وقت آخر الليل على الأرض ، ولكن في بقع مختلفة ، نظراً لكروية الأرض !

ترى لو كان أبو هريرة يعلم بكروية الأرض ، فهل كان ليروي مثل هذه الروايات ؟

وعن أبي هريرة أيضاً قال : «قال النبي (صلى الله عليه وآله) : كانت بنو إ سرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض ، وكان موسى يغتسل وحده ، فقالوا : والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلاّ أنّه آدر . فذهب مرّة يغتسل ، فوضع ثوبه على حجر ، ففرّ الحجر بثوبه ، فخرج موسى في أثره يقول : ثوبي يا حجر ، ثوبي يا حجر . حتى نظرت بنو إ سرائيل إلى موسى ، فقالوا : والله ما بموسى من بأس . وأخذ ثوبه فطفق بالحجر ضرباً . فقال أبو هريرة : والله إنّه لندب بالحجر ستّة أو سبعة ضرباً بالحجر»(١) .

وعن أبي هريرة أيضاً ، قال : «إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال : إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع التأذين ، فإذا قضي النداء أقبل ، حتى إذا ثوِّب بالصلاة أدبر ، حتى إذا قضى التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه ، يقول : اذكر كذا وكذا ، لما لم يكن يذكر حتى يظلّ الرجل لا يدري كم صلّى»(٢) .

وعن أبي هريرة أيضاً ، قال : «قال النبيّ (صلى الله عليه وآله) : بينما رجل راكب على بقرة التفتت إليه فقالت : لم أُخلق لهذا ، خلقت للحراثة . قال : آمنت به «أنا» وأبو بكر وعمر . وأخذ الذئب شاة فتبعها الراعي ، فقال الذئب : من لها يوم السبع ؟ يوم لا راعي لها غيري ؟ قال : آمنت به أنا وأبو بكر وعمر . قال أبو سلمة : وما هما يومئذ في القوم»(٣) .

والحقيقة إنّ الأحاديث السابقة من الإسرائيليات التي أكثر أبو هريرة من

١- صحيح البخاري ١ : ٧٣ .

٢- صحيح البخاري ٢ : ٦٤ .

٣- صحيح البخاري ٣ : ٦٧ .

٤٠