×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 12) / الصفحات: ٤٨١ - ٥٠٠

(٦٤) سميح علي الأسعد (شافعي / لبنان)

ولد عام ١٣٧٧ هـ (١٩٥٨م) في منطقة «يارين» في جنوب لبنان ، ونشأ في أُ سرة شافعية المذهب .

واصل «سميح» دراسته الأكاديمية حتّى حصل على شهادة البكالوريوس في مجال إدارة الأعمال .

المقارنة بين أمير المؤمنين (عليه السلام) ومعاوية :

يقول «سميح» عن سبب استبصاره : . . . عندما بدأ تديّني وجدت أن هناك فروقاً بين الشيعة والسنّة ، قلت في نفسي : لابدّ من معرفة أيّهما على الحقّ ، وبدأت رحلتي مع كتب الفريقين .

ولا يتسنّى للباحث الوقوف على الفوارق بين الفريقين إلاّ بالوقوف على سيرة قائد كلّ منهما ، فالإمام علي (عليه السلام) يمثّل مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ومعاوية رأس الإسلام الأُموي .

والفروق بينهما كثيرة ، فعلي ومعاوية قطبان متنافران لا يلتقيان أبداً ، فهذا يسير نحو المشرق وذاك نحو المغرب .

هذا يسير نحو الله ، والآخر يسير نحو الشيطان ، هذا يسير نحو الدين ، وذاك يسير نحو الدنيا ، هذا يسير نحو المبادىء والقيم ، وذاك يسير نحو المنافع والفوائد .

٤٨١
موسوعة من حياة المستبصرين المجلد الثاني عشر » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ٤٨١ - ص ٥١٠)

علي رجل الله ، ومعاوية رجل الشيطان .

علي رجل الإسلام ، ومعاوية رجل الجاهلية .

علي مع الحقّ ، ومعاوية مع الباطل .

علي يؤثِر الصدق حيث يضر ، ومعاوية يختار الكذب حيث ينفع .

علي مجموعة قيم الإسلام وتعاليمه ، ومعاوية مجموعة سقطات الجاهلية ورذائلها .

علي أحبّ الإسلام وآمن به واتّبعه وضحّى من أجله ، ولم يتنازل عن حكم من أحكامه وإن كان فيه منفعة له وثمرة تعود إليه ، ومعاوية لم يؤمن بالإسلام ولم يتبعه إلاّ لمصلحته ، فلذا يستخدمه في سبيل تحقيق أغراضه ، ولا يقف حكم محرّم أمامه ، ولا يعجز عن إلغائه إن أخّره عن هدفه ، فكيف إذا منعه عنه ؟ !

ومن هنا كانت الأبواب مفتوحة أمام معاوية !

كلّ الأبواب بدون استثناء ، فليس في قائمته شيء محرّم ، أو غير جائر ، أو ممنوع ، بينما الإمام في قائمته ، بل على رأسها ، حكم الله وتحريمه ، وما يجوز وما لا يجوز .

بين علي ومعاوية تنافر ، علي يرى بإلزام الشرع له ، وأن يكون دائماً عند قواعد الحلال والحرام ، ومعاوية أسقط كلّ المحرّمات من قاموسه وسياسته وحركته .

ولكن سياسة معاوية تبيّن عقمها اليوم ، لقد فشلت سياسته على كلّ المستويات ، فلا الحكم ولا الرشاوي ولا المناصب ولا المال ولا غيرها استطاع أن يضعه في صفّ الإمام وفي مرتبته .

لقد حكم العقلاء بحياة علي (عليه السلام) في سياسته ، وأصحاب كلّ المبادىء والقيم يترسّمون عليّاً فيها ، بينما مات معاوية في مكره وغدره ، وأضحى عنواناً لكلّ الانتهازيين الساقطين .

٤٨٢

عليّ في ضمير الأحرار وعلى ألسنة الثوار ، ومعاوية وصمة ذل وعار .

معاوية أحبّ الدنيا والسيطرة جزء من طبيعته وكيانه ، والناس كلّهم قطيع لعظمته وسلطانه ، لا شيء لمن يعترض ويقاوم إلا السيف ، أو السم في العسل ، أمّا حديث الآجلة فخرافة ، أو لا يهم ما دامت العاجلة تاج وعرش .

وبكلمة : إنّ معاوية لا يرى في الوجود إلا معاوية وابنه يزيد ، ومن رأى غير هذين فله الموت ، وحكاية : «إن مات هذا فهذا ، ومن أبى فهذا»(١) أشهر من تذكر ، والإشارة الأُولى إلى معاوية ، والثانية إلى يزيد ، والأخيرة إلى السيف .

وقد يكون معاوية مهذّباً مع الآخرين ، بل وسخيّاً ، ولكن على شرطه ، وهو : أن تتّفق أعمالهم مع أهدافه ، أو لا تتصادم معها ـ على الأقل ـ .

قال العقّاد : «كلّ دهاء يذكر لمعاوية فإنّما يذكر إلى جانبه رفد أو عطاء وولاية يستفيد منها من ينصره ولا ينخدع عنها في مبادلة النفع بينه وبينه ، ولا جرم كان العطاء عماد هذا الدهاء»(٢) .

وقال طه حسين : «جعل معاوية الخلافة مُلكاً ، وأورثها ابنه من بعده ، واستباح أشياء حرّمها القرآن . . ثمّ تتابع الخروج على الكتاب والسنّة ، لأنّ الإثم يدعو الإثم ، ولأنّ حبّ الدنيا لا يقنع صاحبه ; فالله قد حرّم مكّة في القرآن ، وحرّم النبي المدينة ، وقد استباح بنو أُمية المدينة ومكّة جميعاً ، بدأ يزيد بن معاوية فاستباح المدينة، وأنهبها ثلاثاً ، وثنّى عبد الملك بن مروان فأذن للحجّاج في أن يستبيح مكّة..

كلّ ذلك لتخضع البلاد المقدّسة لبني سفيان ومروان ، واستباح ابن زياد عن أمر يزيد قتل الحسين وأبنائه وإخوته وسبي بنات النبيّ . . وأصبح مال المسلمين مُلكاً للخلفاء ، ينفقونه كما يحبّون لا كما يحب الله»(٣) .

١- راجع : الكامل في التاريخ ٣ : ٥٠٨ .

٢- معاوية : ٥٧ .

٣- مرآة الإسلام : ٢٦٨ .

٤٨٣

وقال أيضاً : «ولست في حاجة إلى أن أذكر زياداً ، ذاك الذي أعلن في خطبته المشهورة أنّه سيأخذ البريء بالمسيء ، والصحيح في دينه بالسقيم ، ولا أذكر الحجّاج الذي أ سرف في القتل بغير الحقّ ، فقد كان زياد والحجّاج طاغيتين أطلق خلفاء بني أُمية أيديهما وأيدي غيرهما من ولاة العراق في دماء الناس وأموالهم ، فأفسدوا وأمعنوا في الفساد»(١) .

إنّ الإمام قاتل معاوية وحزبه على تأويل القرآن كما قاتل النبي (صلى الله عليه وآله) أبا سفيان من قبل على تنزيله ، ويشهد بذلك : حديث «خاصف النعل» : عن أبي سعيد الخدري ، قال : كنّا مع النبيّ (صلى الله عليه وآله) فانقطع شسع نعله ، فألقاها إلى عليّ (عليه السلام) يصلحها ، ثم قال : إنّ منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله .

فقال أبو بكر : أنا هو . قال : لا . فقال عمر : أنا هو . قال : لا ، ولكنّه خاصف النعل ـ ويد عليّ (عليه السلام) على نعل النبيّ (صلى الله عليه وآله) يصلحها ـ .

قال أبو سعيد : فأتيت عليّاً (عليه السلام) فبشّرته بذلك ، فلم يحفل به كأنّه شيء كان علمه من قبل(٢) .

وروى خبر الناكثين والقاسطين والمارقين قبل الوقوع جمع :

١ ـ عن علي (عليه السلام) ، قال : (عهد إليّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) في قتال الناكثين والقاسطين والمارقين) .

قال الهيثمي : رواه البزّار والطبراني في الأوسط ، وأحد إسنادي البزّار رجاله رجال الصحيح غير الربيع بن سعيد ، ووثّقه ابن حِبّان(٣) .

٢ ـ عن علي بن ربيعة ، قال : سمعت عليّاً على منابركم هذا يقول : عهد إليّ النبي (صلى الله عليه وآله) : (أن أُقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين) .

١- مرآة الإسلام : ٢٩٣ .

٢- مسند أحمد ٣ : ٣٣ .

٣- مجمع الزوائد ٧ : ٢٣٨ .

٤٨٤

قال الهيثمي : رواه أبو يعلى ، وفيه : الربيع بن سهل ، ولم أعرفه ، وبقية رجاله ثقات(١) .

وقد جاء أمر الله في قوله تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾(٢) .

وهذه الآية أمرت النبي (صلى الله عليه وآله) بمجاهدة الكفار والمنافقين ، فرسول الله (صلى الله عليه وآله)تكفّل بنفسه بقتال ومحاربة الكفار وتكفل علي (عليه السلام) الذي هو نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله)بمقاتلة المنافقين .

وبعبارة أخرى : إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) حارب على التنزيل وعلياً (عليه السلام) حارب على التأويل ، وذلك في قتال الناكثين والقاسطين والمارقين .

وأمّا كون علي (عليه السلام) نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد دلّ عليه قوله تعالى : ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِل فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ الله عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾(٣) ، وهي آية المباهلة ، وقد دلّت على أنّ عليّاً (عليه السلام) هو نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله) بإجماع المفسّرين ، ورواة الحديث على أنّ المراد من أنفسنا هو : علي (عليه السلام) ، كما أنّ المراد من أبنائنا : الحسن والحسين ، والمراد من نسائنا هو : الزهراء (عليها السلام) ، فجعله الله نفس رسوله (صلى الله عليه وآله) .

وهو : ما رواه عامر بن سعد ، عن أبيه ، قال : لمّا نزلت هذه الآية : ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِل فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ الله عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ ، دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً (عليهم السلام) ، فقال : اللّهم هؤلاء أهلي(٤) .

١- مجمع الزوائد ٥ : ١٨٦ .

٢- التوبة -٩- : ٧٣ ، التحريم -٦٦- : ٩ .

٣- آل عمران -٣- : ٦١ .

٤- صحيح مسلم ٧ : ١٢٠ ـ ١٢١ .

٤٨٥

وقد دلّت جملة من الروايات النبوية أنّ عليّاً بمنزلة نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث قال (صلى الله عليه وآله) عنه (عليه السلام) : «كنفسي» :

فقد روي عن عبد الرحمن بن عوف ، قال : افتتح رسول الله (صلى الله عليه وآله) مكّة ، ثم انصرف إلى الطائف فحاصرهم ثمانية أو سبعة ، ثم أوغل غدوة أو روحة ، ثم نزل ، ثم هجر ، ثم قال : (أيّها الناس ، إنّي لكم فرط ، وإنّي أُوصيكم بعترتي خيراً ، موعدكم الحوض ، والذي نفسي بيده لتقيمنّ الصلاة ولتؤتونّ الزكاة أو لأبعثنّ عليكم رجلاً منّي ، أو كنفسي ، فليضربنّ أعناق مقاتليهم وليسبينّ ذراريهم .

قال : فرأى الناس أنّه يعني : أبا بكر أو عمر ، فأخذ بيد علي ، فقال : هذا(١) .

قال الحاكم النيسابوري : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه(٢) .

وعن جابر بن عبد الله، قال: بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) الوليد بن عقبة إلى بني لهيعة وكان بينهم شحناء في الجاهلية، فلمّا بلغ بني لهيعة استقبلوه لينظروا ما في نفسه، فخشيَ القوم فرجع إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: إنّ بني لهيعة أرادوا قتلي ومنعوني الصدقة.

فلمّا بلغ بني لهيعة الذي قال الوليد عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) أتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فقالوا : يا رسول الله ! لقد كذب الوليد ، ولكن كان بيننا وبينه شحناء فخشينا أن يعاقبنا بالذي كان بيننا ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : لينتهينّ بني وليعة أو لأبعثنّ إليهم رجلاً كنفسي ، يقتل مقاتلتهم ويسبي ذراريهم ، وهو هذا . ثم ضرب بيده على كتف علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)(٣) .

وعن عبد الله بن شداد ، قال : قدم على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفد أبي سرح من اليمن ، فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) : (لتقيمنّ الصلاة ولتؤتنّ الزكاة ولتسمعنّ ولتطيعنّ أو

١- مجمع الزوائد ٩ : ١٦٣ .

٢- مستدرك الحاكم ٢ : ١٢٠ ـ ١٢١ .

٣- مجمع الزوائد ٧ : ١١٠ .

٤٨٦

لأبعثنّ إليكم رجلاً لنفسي(١) يقاتل مقاتلتكم ويسبي ذراريكم ، اللّهم أنا أو كنفسي) ، ثم أخذ بيد علي(٢) .

ومما يدلّ على كون معاوية على الباطل قوله (صلى الله عليه وآله) لعمار : «تقتلك الفئة الباغية»(٣) .

قال الحلبي : لمّا قُتل عمّار جرّد خزيمة بن ثابت رضي الله تعالى عنه سيفه وقاتل مع علي ، وكان قبل ذلك اعتزل عن الفريقين وقال سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله)يقول : تقتل عمّاراً الفئة الباغية . فقاتل معاوية حتّى قُتل . .

وكان ذو الكلاع مع معاوية ، وقال له يوماً ولعمرو بن العاص : كيف نقاتل عليّاً وعمّار بن يا سر ؟

فقالا له : إنّ عمّاراً يعود إلينا ويُقتل معنا . فقُتل ذو الكلاع قبل قتل عمّار ، ولمّا قُتل عمّار قال معاوية : لو كان ذو الكلاع حيّاً لمال بنصف الناس إلى عليّ ، أي : لأنّ ذا الكلاع كان ذووه أربعة آلاف أهل بيت ، وقيل : عشرة آلاف ، وكان عبد الله بن بديل بن ورقاء رضي الله تعالى عنه مع علي رضي الله تعالى عنه فلمّا قُتل عمّار أخذ سيفين ولبس درعين ولم يزل يضرب بسيفه(٤) .

تنوّر البصيرة ومعرفة الحقّ واتّباعه :

لما اتّضح لـ «سميح» مدى الفرق بين المدرستين والمنهجين ، اللذين سار عليهما علي (عليه السلام) ومعاوية ، عرف الحق وتنوّرت بصيرته بنور الوعي ، وقرّر اعتناق المذهب الحقّ ، مذهب الإنسانية ، مذهب علي وآل علي (عليهم السلام) عن قناعة تامّة ، وكان ذلك عام ١٤٠٧ هـ (١٩٨٧م) في جنوب لبنان(٥) .

١- الظاهر أنّه : «كنفسي» ، كما في : تخريج الآثار للزيلعي ٣ : ٣٣٢ .

٢- المصنّف لابن أبي شيبة الكوفي ٧ : ٤٩٩ .

٣- السنن الكبرى للنسائي ٥ : ٧٥ .

٤- السيرة الحلبية ٢ : ٢٦٤ .

٥- المستبصر على تواصل مع «مركز الأبحاث العقائدية» من خلال موقع المركز على الإنترنيت ، وله ملف خاص في المركز .

٤٨٧

(٦٥) طوني أبي غانم (حيدر) (مسيحي / لبنان)

[image] - مركز الأبحاث العقائدية

ولد عام ١٣٨٥ هـ (١٩٦٥م) في الضاحية الجنوبية لبيروت ، نشأ وترعرع في أوساط عائلة مسيحية .

دخل «طوني» مدرسة النور التكميلية وقطع فيها مراحل الدراستين الابتدائية والمتوسطة ، ثم دخل كشّافة الرسالة الإسلامية وتعلّم فيها بعض الدروس الإسلامية ، ثم دخل الصليب الأحمر لتعلّم شؤون الإسعافات الأوّلية .

من خلال معاشرة المسلمين الشيعة ، أُعجب «طوني» بأخلاقهم واطّلع على عقائدهم .

تنزيه نبيّ الله موسى (عليه السلام):

من أهم الأُمور التي تلفت نظر متتبّعي عقائد الشيعة : تنزيه الأنبياء في الفكر الشيعي ، وبالخصوص شخصية نبيّ الله موسى (عليه السلام) ، وهو أكثر نبي وقع التعرّض لاسمه ولقصّته في القرآن الكريم ; فقد ذكر في مئة وثلاثين ونيف من آيات الذكر الحكيم .

لقد فُصّلت قصصه (عليه السلام) في القرآن الكريم ، الذي لا يقصّ إلا القصص الحق ، وهذا يعني أنّ مواطن العبرة والاتّعاظ ، ومواطن الأُسوة والقدوة في قصص نبيّ الله موسى (عليه السلام) كثيرة جداً ، ولذلك تكثّر ذكره وذكر مواجهته مع أعظم طواغيت العصور ، طاغوت عصره ، فرعون ، الذي وصل به الأمر إلى أن يقول : ﴿أَنَا رَبُّكُمُ

٤٨٨

الأعْلَى﴾(١) ، ويقول : ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ﴾(٢) ، إلى هذا الحد وصل به الطغيان ، وكانت نهايته بتلك الطريقة الفظيعة ، عندما اضطرّ إلى أن يؤمن في اللحظات الأخيرة، ولم ينفعه الإيمان في تلك اللحظات; باعتبار أنّ التوبة ينسدّ بابها عند معاينة الموت في اللحظات الأخيرة .

من المواطن المهمّة في قصص موسى (عليه السلام) ، والتي تشبّث بها المخطّئة : أنّهم وصفوا موسى (عليه السلام) بأنّه نبيّ مربك ، يخاف من الدعوة إلى الله، ليس شأنه في هذا شأن بقية الأنبياء ، فالله تعالى يقول له : اذهب ، وهو يُجيب بأنّه يخاف ، مرّة يخاف من القتل ، وأخرى من التكذيب ، وثالثة على نفسه . .

من هنا : كيف يجتمع هذا مع وصف الله سبحانه له : ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾(٣) ، و :﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾(٤) ؟

كيف يجتمع هذا مع كونه من المخلَصين ؟

هذه هي الشبهة التي تشبّث بها المخطّئة ، وذهبوا بعيداً أكثر من هذا ; فقال بعضهم بأنّ موسى قال : يا ربّ ! اعفني من أن أكون أنا الداعي إليك ، أرسل إلى هارون .

يعني : أنا أخاف على نفسي ، ولا أخاف مثلاً على هارون ، إمّا لأنّه ليس لهم ذنب عليه ، أو أن أُقدّمه قرباناً وأنا أُبقي على حياتي !

هكذا قالوا . . . وانتهى الأمر ببعضهم إلى الإسفاف في التعامل إلى هذا الحد .

إنّ ما سنتعرّض له هنا يتعلّق بآيات سورة الشعراء التي تحكي بعثة نبيّ الله موسى (عليه السلام) ، وتكليفه برسالته التي دعا إليها ، وخلاصتها : أن موسى (عليه السلام) عندما نبّأه

١- النازعات -٧٩-: ٢٤.

٢- غافر -٤٠-: ٣٦.

٣- طه -٢٠-: ٤١.

٤- طه -٢٠-: ٣٩.

٤٨٩

الله سبحانه وتعالى في الواد المقدس وأمره أن يعود إلى القوم الذين خرج منهم خائفاً يترقّب قبل سنوات ، أمره أن يذهب إلى فرعون ويواجهه في عقر داره مباشرةً وجهاً لوجه . .

وموسى (عليه السلام) يعرفه فرعون جيداً ; لأنّه نُشأ ورُبّي في بيته .

فهو (عليه السلام) يذهب إلى قوم يألفونه ، وإن كانوا لا يرغبون فيه وهو الذي قتل منهم رجلاً قبل سنين ، وقضية القتل لا تنسى حتّى لو تخفّى بعدها الإنسان عشرات السنين ، لا تنسى ما دام المجتمع لم يحصل تحوّل فيه . . تحوّل عقائدي لم يحصل في ذلك المجتمع . . لازال المجتمع فرعونياً إلى ذلك الوقت . .

في ذلك الجو يؤمر موسى (عليه السلام) بأن يعود إلى ذلك المجتمع ويواجههم ، ليس فقط بأن يصفحوا له عن ذنب ـ باعتقادهم ـ ارتكبه قبل عشر سنين ، بل يواجههم بدعوة يرفض بها ربوبية فرعون . . ويرفض بها كلّ حركة فرعون ودولته ، ويريد أن يقضي عليها ، يدعو من الباب الواسع لله الواحد الأحد القهّار .

والآيات التي تتحدّث عن قصص موسى (عليه السلام) في القرآن الكريم بالعشرات ، لكن محل الشاهد يبدأ بقوله تعالى : ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ هو وحده ، ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلاَ يَتَّقُونَ﴾، كأنّ فرعون ميؤوس منه ، ولذا يكون الحديث عن قومه ، ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلاَ يَتَّقُونَ﴾ ، يعني : ألا يتّقون الله ويخشونه ويخافونه ؟ ألا يستقيمون في خط الله ؟

﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾ ، وهذا هو أوّل سبب لخوفه ; فالمقام مقام المناجاة مع الله ، وما أجاب موسى (عليه السلام) : إنّي امتنع عن تنفيذ الأمر، فالأنبياء لا يتخلّفون طرفة عين ، هم ﴿عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾(١) . . لا يمكن أن يتخلّف الأنبياء عن التكليف الإلهي . . فالقضية لازالت مناجاة بين موسى وبين الله ، وحوار بين موسى وبين ربّه . .

١- الأنبياء -٢١-: ٢٦ ـ ٢٧.

٤٩٠

ربّه أمره للتو بأن يذهب إلى قوم فرعون ، ومن غادرهم قبل عشر سنين خائفاً يترقّب ، وهذا موقف طبيعي; لأنّه قتل منهم رجلاً وخرج ، وهو الآن يعود إلى ذلك البلد . . وتلك الامبراطورية ، والتي قد تكون أعظم وأكبر امبراطورية في عصره . .

هكذا يريد الله سبحانه وتعالى ، فهل يحقّق موسى هذا الهدف الإلهي ، موسى (عليه السلام) الذي له هذه السابقة في هؤلاء القوم ، إذ يطلبونه بثأر شخصي ؟

من الطبيعي جدّاً أن يخشى أن يكون هذا الثأر حاجزاً بينه وبينهم من أن يقبلوا دعوة الله سبحانه وتعالى .

وبعبارة أُخرى : هل هذا يجعل نبي الله يمتنع من امتثال الأمر الإلهي ؟

الجواب : ليس في الآية أيّ إشارة إلى أنّ موسى (عليه السلام) سيخلّف عن أمر الله تعالى إذا أمره وأصرّ وحتم عليه بل إنّ الله أفسح له في الحوار .

غاية ما هنالك : أنّ موسى (عليه السلام) خاف من أن يكون ذهابه وحده لدعوتهم مع الحاجز النفسي الموجود بينهم وبينه ، نتيجة أنّهم يطلبونه بالثأر ، خاف أن لا يؤثّر في دعوتهم إلى الله .

وبمعونة الآيات الأُخرى نجد أنّ كل ما أراده موسى (عليه السلام) هو : أن يكون معه ردءاً ووزيراً في هذه الدعوة ، لا أنّه استعفى من الذهاب ، كما صوّر بعض المخطّئة ، وهذا حرص منه على الشريعة والدين في أن لا يكون وحده ، ولعله لو كان وحده فسوف يكذّب من قبلهم لوجود الحاجز الذي أشرنا إليه آنفاً .

قال تعالى : ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلاَ يَتَّقُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾(١) ، وإلى هنا لا يوجد خوف على النفس أبداً ، ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلاَ يَنطَلِقُ لِسَانِي﴾(٢) لماذا لا ينطلق لساني ؟

١- الشعراء -٢٦- : ١٢ .

٢- الشعراء -٢٦- : ١٣ .

٤٩١

لأنّ لهم ثأر عندي ، أو: ضيق صدري هو أن لا ينطلق لساني; لأنّ موسى (عليه السلام)ـ كما ذهب إليه جملة من المفسّرين ـ كان عنده مرض خاص في لسانه ، ولعلّ سبب ضيق صدره وعدم انطلاق لسانه هو أنّه كان يُطلب بثأر منهم .

قوله تعالى : ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾ ، قال : يا ربّ! أنا قاتل منهم قتيل ، ولا ينطلق لساني بينهم ، ويضيق صدري ، فأخاف أن يكذّبوني ، وأنا أُريد مصلحة الشريعة .

من هنا كان حرص موسى على الشريعة هو الذي جعله يقترح على ربّه ، وهو عبد مصطنع لله ، كما في الآيات الأُخرى .

وهنا يوجد ايجاز بالحذف ، وهو ، أنّ الله سبحانه وتعالى قال : استجبنا لموسى ، وأرسلنا إلى هارون ، فانتجبناه ونبّأناه وجعلناه وزيراً لموسى ، كما في آيات أُخرى ، وبهذا : اذهبا معاً ، وهذا يعني : أنّ هواجس موسى (عليه السلام) قد أخذها الله سبحانه وتعالى بنظر الاعتبار ، فهي هواجس حقّة ، وإلا لو لم تكن كذلك فما معنى استجابة الله سبحانه وتعالى بالإرسال إلى هارون؟!

وما معنى بأن يؤمر موسى وهارون معاً أن يُرسلا إلى قوم فرعون؟

وبعبارة أخرى : خوف موسى (عليه السلام) بهذا الجو كان في الأساس خوفاً على الرسالة ، وأن لا يتحقّق هدفها ، فطلب ردءا ووزيراً ، واستجاب الله له ، وهذا يعني أنّ طلبه كان طلباً حقّاً .

الاستبصار . . . فالشهادة :

بعد أن اطّلع «طوني» على الحقائق ، التي أجابت على كثير من الأسئلة التي كانت تراوده بشأن ما كان يعتقده سابقاً ، عرف الحقّ والطريق المستقيم ، واقتنع به اقتناعاً تاماً ، فأسلم وتشيّع لأهل البيت الكرام عام ١٤٠١ هـ (١٩٨١م) ، وسمّى نفسه «حيدراً» حباً بأمير المؤمنين (عليه السلام) .

٤٩٢

ورغم المضايقات والمصاعب التي واجهها من قِبل ذويه فقد ثبت وصمد ، والتزم بالحضور في المساجد لأداء الصلوات ، حتّى أنّه طالما رؤي قبل صلاة الفجر في المسجد وهو يؤدي صلاة الليل .

انظم «طوني» بعد الاستبصار إلى المقاومة الإسلامية في لبنان ، وأبلى بلاءً حسناً في مواجهة الصهاينة ، وقد جازاه الله الجزاء الأوفى ، فرزق الشهادة عام ١٤١١ هـ أثناء مواجهة بطولية ضد الصهاينة في بلدة «القنطرة» الحدودية(١) .

١- ذكره البجنوري ضمن المستبصرين ، وأفرد له قسماً خاصاً في كتابه «المستبصرون» ، ومصدر المعلومات المذكورة عمّه «موريس فؤاد» ، وبعض المنشورات الصادرة عن مقاومة أمل بلبنان .

٤٩٣

(٦٦) ماهر أحمد كريدلي (حنفي / لبنان)

ولد عام ١٣٩٩ هـ (١٩٧٩م) في مدينة «صيدا» جنوب لبنان في أُ سرة سنّية تتبع المذهب الحنفي ، فنشأ متّبعاً له ; متأثراً بتلك العقيدة .

بعد أن وصل «ماهر» إلى مرحلة الرشد لفتت نظره المحاضرات التي كانت تُلقى في الحسينية التي كانت إلى جنب منزله ، ما أثّر شيئاً فشيئاً على رؤية «ماهر» للشيعة والتشيع .

ثورة الحسين (عليه السلام) :

من أهم ما سمعه «ماهر» من هذه المحاضرات هو موضوع النهضة الحسينية .

إنّ ثورة الحسين (عليه السلام) ثورة إلهية ، ثورة ربّانية ، وهناك اتّجاهان في فهم هذه الثورة :

الأوّل : اتّجاه يفسّرها على أنّها خروج بشري ، تخطيط بشري ، من شخصية صحابي رسول الله ، هو سبط رسول الله ، وهو شخصية لامعة في العالم الإسلامي ، يقرّون بهذا لكنهم يقولون : هذا الخروج هو تخطيط للانقلاب على السلطة ، تخطيط لأخذ السلطة وزمام السلطة باء بالفشل في نهاية المطاف ، وانتهى بمقتل هذا الرجل الصحابي الذي خرج .

الثاني : اتّجاه آخر ـ يمثله ـ ويقول : إنّ حركة الإمام الحسين (عليه السلام) كانت حركة

٤٩٤

إلهية ، كانت حركة ربّانية ، كانت مُخطّطة من السماء ، أخبر بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، أخبر بها صحابته ، أخبر بها الإمام الحسين (عليه السلام) وجرت المقادير باختيار من الحسين (عليه السلام)كاختيار يحيى واختيار إسماعيل (عليهما السلام) امتثالاً لأمر الله عزّ وجلّ ، هذا هو المرتكز الأساسي في حركة الإمام الحسين ، وفي النظرة لهذه الحركة المقدّسة .

وهنا حقيقة مسلّمة ، وهي : إنّه كان واضحاً عند الصحابة الكبار من صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) يخرج إلى أمر قد أخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه واقع لا محالة ، وأخبر عن بعض من الخطوط العريضة لآثار هذا الأمر .

وهذا المعنى رواه أئمّة أهل السنّة; فقد روس أحمد بسنده : عن عبد الله بن نجى ، عن أبيه ، أنّه سار مع عليّ رضي الله عنه وكان صاحب مطهّرته ، فلمّا حاذى نينوى وهو منطلق إلى صِفّين ، فنادى عليّ رضي الله عنه : اصبر أبا عبد الله! اصبر أبا عبد الله بشط الفرات . قلت : وماذا ؟ قال : دخلت على النبيّ (صلى الله عليه وآله) ذات يوم وعيناه تفيضان ، قلت : يا نبي الله! أغضبك أحد ؟ ! ما شأن عينيك تفيضان ؟ !

قال : بل قام من عندي جبريل قبل فحدّثني أنّ الحسين يُقتل بشط الفرات; قال : فقال : هل لك إلى أن أشمّك من تربته ؟ قال : قلت : نعم . فمدّ يده فقبض قبضة من تراب ، فأعطانيها ، فلم أملك عيني أن فاضتا(١) .

وهي رواية صحيحة السند .

وروى ابن حبّان في صحيحه : عن أنس بن مالك ، قال : استأذن ملك القطر ربّه أن يزور النبي (صلى الله عليه وآله) ، فأذن له ، فكان في يوم أُمّ سلمة ، فقال النبي (صلى الله عليه وآله) : احفظي علينا الباب لا يدخل علينا أحد . . فبينا هي على الباب إذ جاء الحسين بن علي ، فظفر ، فاقتحم ، ففتح الباب ، فدخل ، فجعل يتوثّب على ظهر النبي (صلى الله عليه وآله) ، وجعل النبي يتلثمه ويقبّله ، فقال له الملك : أتحبّه ؟ قال : نعم . قال : أما إنّ أُمّتك ستقتله ، إن شئت

١- مسند أحمد ١ : ٨٥ .

٤٩٥

أريتك المكان الذي يقتل فيه . قال : نعم . فقبض قبضة من المكان الذي يُقتل فيه ، فأراه إيّاه ، فجاءه بسهلة أو تراب أحمر ، فأخذته أُمّ سلمة فجعلته في ثوبها ، قال ثابت : كنّا نقول : إنهّا كربلاء(١) . والنصوص كثيرة في هذا المجال .

وهنا أيضاً نستقي من حديث آخر للإمام الحسين (عليه السلام) نفسه ، وهو حوار جرى بين أُمّ المؤمنين أُمّ سلمة (رضوان الله عليها) وبينه عندما قالت له : ما خروجك ؟ فذكّرها بما فعل ذلك المجتمع بأبيه من قبل والخذلان ، وما فعلوه بأخيه الإمام الحسن (عليه السلام) من قبل .

كان جوابه قول الواثق الذي يعلم المصير والمسار .

كان جوابه مختصراً مفيداً : شاء الله أن يراني مقتولاً مذبوحاً ظلماً وعدواناً .

ثم جاء السؤال الآخر عن النساء والصبية : لماذا تصطحبهم معك ؟

فكان الجواب : وقد شاء أن يرى حرمي ورهطي ونسائي مشرّدين ، وأطفالي مذبوحين مأسورين مظلومين مقيّدين ، وهم يستغيثون فلا يجدون ناصراً ولا مُعيناً(٢) .

بقول فالإمام الحسين (عليه السلام) وبقوله : شاء الله ، ينسب الأمر إلى الله بشكل جزمي ، فسواء كان معصوماً ، فلديه علم لدنّي; والحق هو ذلك ، أم كان صحابياً كبيراً جليلاً ، ابن فاطمة ، ابن علي ، وهو الذي يكون سيّد شباب أهل الجنّة ، هل يتقوّل على الله والعياذ بالله ؟

لا يمكن أن يتقوّل على الله ; فهو لا شك أخذ هذا إمّا من جدّه مباشرة ، أو من أبيه من جده ، أو على أبعد تقدير من أحد الصحابة من جدّه .

فعلى كلّ حال قالها الإمام الحسين (عليه السلام) بضرس قاطع ولم يعترض عليه أحد ،

١- صحيح ابن حبّان ١٥ : ١٤٢ .

٢- راجع : لواعج الأشجان : ٣١ .

٤٩٦

فإنّه يريد أن يقول : أنا في كلّ هذا الخروج من مكّة إلى كربلاء، إلى أينما سينتهي بي المطاف ، أنا أُنفّذ مخطّطاً إلهياً شاء الله وأراده باختياري ، ولا أختار إلاّ ما يشاء الله سبحانه وتعالى .

وهنا سؤال : لماذا شاء الله أن يراه قتيلا ؟ ولماذا شاء الله أن يراهنّ سبايا ؟

يعلم المسلمون جيّداً أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) استخدم أدبيات الإسلام المعترف بها في كلّ العالم الإسلامي في شعاراته : إنّي لم أخرج بطراً ولا أشراً ، ولا مُفسداً ولا ظالماً ، وإنّما خرجت أطلب الإصلاح في أُمّة جدّي محمّد ، أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ، أسير بسيرة جدّي وسيرة أبي عليّ بن أبي طالب ، فمن قبلني بقبول الحقّ ، فالله أوْلى بالحق ، وهو أحكم الحاكمين(١) .

فالبيعة للفاسق الفاجر... غير جائزة باتّفاق المسلمين من البداية ، ومضافاً إلى هذا وذاك قال (عليه السلام) : إنّا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة ، بنا فتح الله وبنا ختم الله ويزيد رجل فاسق ، شارب الخمر ، قاتل النفس المحرّمة ، معلن بالفسق ، ومثلي لا يبايع مثله(٢) .

فالإمام الحسين (عليه السلام) خرج على هذا الأساس ليعلنها كلمة حقّ في وجه الظالمين إلى يوم القيامة في أنّ من يحكم باسم الإسلام ـ على أقلّ تقدير حتّى لو كان منحرفاً بعيداً عن المنظومة الحقوقية الإلهية ـ فإنّه لابدّ أن يحافظ على أُسس الإسلام على أقلّ تقدير . .

وعلى هذا الأساس يزيد لا يمثّل شيئاً من هذا ، فاستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام)كان الهزّة العظيمة التي أحيت الأُمّة الإسلامية ، والتبليغ السيّار وخطابات السيّدة زينب من الكوفة إلى الشام ، وكلماتها وخطاب الإمام زين العابدين الشهير : محمّد

١- راجع : مناقب آل أبي طالب ٣ : ٢٤١ .

٢- اللهوف في قتلى الطفوف : ١٧ .

٤٩٧

جدّي أم جدّك ؟ !(١) ، هو الذي فضح السلطة وعرّاها بشكل كامل ، وصارت سلطة سياسية زمنية دنيوية لا تمت عند جميع المسلمين إلى الدين بصلة .

الثورة الحسينية تنير الطريق:

بعد ان اطّلع «ماهر» على حقيقة الثورة الحسينية، التي بقيامها بقي الإسلام محفوظاً ، وأهدافها العليا ، التي كانت تهدف إلى إقامة العدل والحقّ ، وعدم تسلّط الجبابرة على أُمّة المسلمين ، ليتّخذوا عباد الله خولاً ، وماله دولاً ، بدأ «ماهر» يسأل عن موضوع الإمامة الذي احسّ بضرورة التحقيق والبحث فيه ، فتفتّحت بصيرته وأذعن إلى الحقّ ، وأعلن استبصاره واتّباعه لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، وذلك في سنة ١٤٢٠ هـ (٢٠٠٠م)(٢) .

١- بحار الأنوار ٤٥: ١٣٩.

٢- للمستبصر ملف في المركز وقد ذُكرت فيه أدلّة الاستبصار بالتفصيل .

٤٩٨

(٦٧) محمود أيّوب (سنّي / لبنان)

نشأ في لبنان ، ودرس في المدارس والجامعات الأكاديمية حتّى حصل على شهادة الدكتوراه ، وأصبح أُستاذاً في إحدى الجامعات الأمريكية .

قام «محمود» بعدة أبحاث عن المذاهب الإسلامية وتوصّل في نهاية المطاف إلى حقّانية المذهب الشيعي .

ولعل من أهم المواضيع التي تجذب الباحث نحو هذا المذهب هو : الرؤية الواضحة عند الشيعة بالنسبة لابنة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وفلذة كبده الزهراء فاطمة (عليها السلام) ; إذ غُيِّبت معالمها عن عامة المسلمين في ظل الأجواء الحاكمة زمن بني أمية وبني العباس وأتباعهم ولم يعرفوا عنها إلاّ القليل ، وقد ظلمها التاريخ بعد وفاتها أيضاً ; إذ كانت مظلومة في حياتها بعد أبيها (صلى الله عليه وآله) .

غصب إرثها من رسول الله (صلى الله عليه وآله) :

روي في المصادر : أنّ فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) سألت أبا بكر بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يقسم لها ميراثها ممّا ترك رسول الله (صلى الله عليه وآله) ممّا أفاء الله عليه ، فقال لها أبو بكر ، فلم تزل مهاجرته حتّى توفّيت(١) .

١- صحيح البخاري ٤ : ٤٢ .

٤٩٩

وعن أبي هريرة ، قال : جاءت فاطمة إلى أبي بكر ، فقالت : من يرثك ؟

قال : أهلي وولدي .

قالت : فما لي لا أرث أبي ؟ !

فقال أبو بكر : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول : لا نورّث . ولكن أعول من كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعوله ، وأُنفق على من كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يُنفق عليه(١) .

فغضبت رضي الله تعالى عنها من أبي بكر ، وهجرته إلى أن ماتت ، أي : إنّها عاشت بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ستّة أشهر على ما تقدّم ، ومعنى هجرانها لأبي بكر : أنّها لم تطلب منه حاجة ، ولم تضطر إلى لقائه ; إذ لم ينقل أنّها رضي الله تعالى عنها لقيته ، ولم تسلّم عليه ، ولا كلّمته(٢) .

وروي : أنّ فاطمة (عليها السلام) كانت تسأل أبا بكر نصيبها ممّا ترك رسول الله (صلى الله عليه وآله) من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة، فأبى أبو بكر عليها ذلك، وقال : لست تاركاً شيئاً كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعمل به إلاّ عملت به ; إنّي أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ(٣).

وفي كلام سبط ابن الجوزي : «إنّ أبا بكر كتب لها بفدك ، ودخل عليه عمر ، فقال : ما هذا؟

فقال : كتاب كتبته لفاطمة بميراثها من أبيها.

فقال : ممّاذا تنفق على المسلمين وقد حاربتك العرب كما ترى؟ ثمّ أخذ عمر الكتاب فشقّه»(٤).

وقول أبو بكر : «كتاب كتبته لفاطمة بميراثها من أبيها» يدلّ على أنّ الذي ردّه إلى فاطمة (عليها السلام) هو ميراثها الذي منعه عنها ابتداأً ، فكيف يجتمع المنع أوّلاً ، والإعطاء

١- سنن الترمذي ٣ : ٨١ ـ ٨٢ .

٢- السيرة الحلبية ٣ : ٤٨٧ .

٣- صحيح مسلم ٥ : ١٥٥ .

٤- السيرة الحلبية ٣ : ٤٨٨ .

٥٠٠