×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 12) / الصفحات: ٥٠١ - ٥٢٠

ثانياً من باب الإرث ؟ ! أم كيف يجتمع ذلك مع ما رواه من حديث : لا نورّث ، وما تركناه صدقة ؟ !

الآيات الدالّة على توريث الأنبياء :

هناك نوعان من الآيات في هذا المجال :

النوع الأوّل : الآيات الخاصّة :

الآية الأُولى : قوله تعالى حاكياً عن النبي زكريا (عليه السلام) : ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً﴾(١) .

لفظ الإرث في اللغة والعُرف :

لفظ «الميراث» متى ما استعمل لغةً وعُرفاً يراد منه : المال ، وكذلك لفظ «الإرث» ; فإنّ له ظهوراً عرفياً في إرث المال ، لا إرث العلم والمعرفة ، فلو قيل : فلان وارث فلان ، أُريد : إنّه وارثه في المال ، لا أنّه وارثه في علمه ، إلا مع القرينة، كما في قوله تعالى : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾(٢)، وقوله تعالى : ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ الله ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾(٣)، وقوله (صلى الله عليه وآله): (إنّ العلماء ورثة الأنبياء)(٤).

فلو كان سؤال زكريا من الله تعالى أن يرزقه وارثاً في علمه ونبوّته لزم أن يقول هكذا : يرثني في علمي ويرث من آل يعقوب النبوة ، وذلك لعدم تمامية المجاز بلا قرينة . .

١- مريم -١٩- : ٥ ـ ٦ .

٢- غافر -٤٠- : ٥٣ .

٣- فاطر -٣٥- : ٣٢ .

٤- مسند أحمد ٥: ١٩٦.

٥٠١

وإطلاق الكلام شاهد على أنّ السؤال من الله تعالى الذرّية والنسل ليقوموا من بعده في ماله ; لقوله : ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي﴾ ، والموالي هم : بنو عمّه ، فخاف منهم أن يتصرّفوا في أمواله ، ويصرفوها في خلاف المشروع ، ولذا قال الفخر الرازي : «إنّ المراد بالميراث في الموضعين هو : وراثة المال ، وهذا قول ابن عبّاس والحسن والضحّاك»(١) .

وهو الظاهر المعقول الوارد في الشرع :

أمّا كونه هو الظاهر ; فلأنّ الصحابة وغيرهم لم يفهموا من الحديث الذي تفرّد به أبو بكر سوى : وراثة المال ، دون وراثة العلم ، وإن كان عندهم تأويل لا يصار إليه ، وأمّا أنّه هو المعقول فلأنّ العلم والنبوّة لا يكونان من الأوصاف التي تحصل للإنسان بالإرث ، وإلاّ لزم أن يكون جميع أولاد آدم (عليه السلام) علماء أنبياء ، وكذلك أولاد خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله) ، وليس كذلك بالبداهة .

أضف إلى ذلك : أنّ زكريا دعا ربّه أن يجعل المسؤول رضيّاً ، يرضاه الله تعالى ويرضاه عباده ، وهذا الدعاء يوافق كلام من أخذ الميراث على ظاهره من المال دون العلم; لأنّه متى سأل ربّه أن يهب له وارثاً في علمه ونبوّته أدخل في سؤاله كونه رضيّاً; لأنّ من يرث النبوة لا يكون غير رضي ، فلا معنى لتكرار طلبه من الله تعالى هذه الخصلة لوارثه ثانياً ، فهذا السؤال حينئذ نظير من يقول : اللهم ابعث لنا نبيّاً كاملاً بالغاً عاقلاً .

فإن قالوا : إنّ يحيى (عليه السلام) قُتل قبل زكريا; فلو حُمل الإرث على المال لما استجاب الله تعالى دعاء زكريا ، والحال أنّه سبحانه استجاب دعاءه; إذ يقول : ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَم اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً﴾(٢) .

١- تفسير الرازي ٢١ : ١٨٤ .

٢- مريم -١٩- : ٧ .

٥٠٢

قلنا : إنّ ذلك الإشكال بعينه متوجّه في صورة إرادة وراثة العلم والنبوة ; لأنّ يحيى (عليه السلام) قتل قبل زكريا ، فلم تصل النبوة البعدية إليه بالوراثة ، ولو مجازاً ، من أبيه زكرياً (عليه السلام) .

وأمّا أنّه الوارد في الشرع ; فعن الحسن ، قال : قال رسول الله (عليه السلام) : رحم الله أخي زكريا ، ما كان عليه من ورثة ماله حين يقول : فهب لي من لدنك ولّياً ، يرثني ويرث من آل يعقوب(١) . أي : ما يضرّه إرث ورثته لماله .

الآية الثانية : قوله تعالى حاكياً عن النبي داود (عليه السلام) : ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَـانُ دَاوُدَ﴾(٢) .

وهذا يراد منه : الإرث في المال ، أو الأعم منه من الجاه والمُلك; وذلك بدلالة قوله تعالى : ﴿وَأُوِتِينَا مِن كُلِّ شَيْء إِنَّ هذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾(٣) ، ولا يختص بالعلم والنبوّة; لأنّ سليمان (عليه السلام) كان نبيّاً على بني إسرائيل حال حياة داود (عليه السلام) من غير احتياج إلى الإرث منه ، وذلك لقوله تعالى : ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾(٤) ، وقوله تعالى حكاية عن سليمان (عليه السلام) : ﴿وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾(٥) ، إلى غير ذلك من دلائل نبوّته (عليه السلام)حال حياة داود (عليه السلام) ، نظير نبوّة هارون (عليه السلام) في زمان أخيه موسى (عليه السلام) ، وقال سبحانه : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَـانَ عِلْماً وَقَالاَ الْحَمْدُ لله الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِير مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾(٦) .

١- جامع البيان ١٦ : ٦١ .

٢- النمل -٢٧- : ١٦ .

٣- النمل -٢٧- : ١٦ .

٤- الأنبياء -٢١- : ٧٩ .

٥- النمل -٢٧- : ١٦ .

٦- النمل -٢٧- : ١٥ .

٥٠٣

وقال الفخر الرازي : «أمّا قوله تعالى : ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَـانُ دَاوُدَ﴾ ، فقد اختلفوا فيه ، فقال الحسن : المال ; لأنّ النبوة عطية مبتدأة ولا تورّث ، وقال غيره : بل النبوّة ، وقال آخرون : بل الملك والسياسة ، ولو تأمّل الحسن لعلم أنّ المال إذا ورثه الولد فهو أيضاً عطية مبتدأة من الله تعالى ، ولذلك يرث الولد إذا كان مؤمناً ولا يرث إذا كان كافراً أو قاتلاً ، لكن الله تعالى جعل سبب الإرث في من يرث الموت على شرائط ، وليس كذلك النبوّة ; لأنّ الموت لا يكون سبباً لنبوّة الولد ، فمن هذا الوجه يفترقان»(١) .

وقال تعالى : ﴿الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾(٢) ، وقال تعالى : ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ الله وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾(٣) ، فالعلم منه كسبي ، ومنه نور يقذفه الله في قلب من يشاء .

وعن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال : جاءت فاطمة إلى أبي بكر تطلب ميراثها ، وجاء العبّاس بن عبد المطّلب يطلب ميراثه ، وجاء معهما عليّ ، فقال أبو بكر : قال رسول الله (عليه السلام) لا نورّث، ما تركناه صدقة، وما كان النبي يعول، فقال علي : ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَـانُ دَاوُدَ﴾ ، وقال زكريا : ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ ، قال أبو بكر : هو هكذا ، وأنت والله تعلم مثل ما أعلم . فقال علي : هذا كتاب الله ينطق . فسكتوا وانصرفوا(٤) .

وهذه الرواية وغيرها من الحكايات والتي تشير إلى مجيء فاطمة (عليها السلام) وأمير المؤمنين (عليه السلام) والعبّاس عمّ النبي عند عمر وأبي بكر لأجل المطالبة بالإرث، تدلّ دلالة واضحة على عدم قبول التأويل في الآية الشريفة مجملها على إرادة وراثة العلم والنبوة ، ولذا لم يؤول أبو بكر ولم يرفع اليد عن نصّ القرآن وما هو ناطق به من

١- تفسير الرازي ٢٤ : ١٨٦ .

٢- الأنعام -٦- : ١٢٤ .

٣- القصص -٢٨- : ٦٨ .

٤- الطبقات الكبرى ٢ : ٣١٥ .

٥٠٤

وراثة المال ، وإنّما ردّ على أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وفاطمة (عليها السلام) ، والعبّاس بحديث تفرّد به ولم يروه غيره من قول النبي (صلى الله عليه وآله) : نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ، وأجابه أمير المؤمنين (عليه السلام) : بأنّ القرآن ينطق بما يدّعيه هو ، وأنّه إنّما يعلم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما نطق به القرآن وشهد به من توريث الأنبياء أولادهم .

فالخصوم في طول مدّة مخاصمتهم متّفقون على صريح القرآن ، وإنّما جاء التأويل من أهل التأويل الذين يقولون برأيهم ما يشاؤون في مقابل النصّ الجلي ، وأبو بكر كان أعرف بنصّ القرآن من هؤلاء المتأوّلين ، ولذا قَبِل ظهور القرآن في ما استند إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) من توريث الأنبياء أولادهم ، وإنّما دافع عنه برواية تفرّد بها بزعمه أنّها تخرج مخرج التخصيص ، والمعلوم خلافه .

توريث الأنبياء لأبنائهم :

ورث الأنبياء أبنائهم منذ آدم إلى محمّد (صلى الله عليه وآله) ، ولم يأت خبر واحد يشير إلى خلاف ذلك ، بل جاءت الروايات لتؤيّد هذا المعنى; فقد روى الزمخشري في تفسيره الكشاف في تفسير قوله تعالى : ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾(١) ، روى : أنّ سليمان (عليه السلام) غزا أهل دمشق ونصيبين فأصاب ألف فرس . وقيل : ورثها من أبيه وأصابها أبوه من العمالقة(٢) .

وروى النسفي في تفسيره ، قال : «وروي أنّ سليمان (عليه السلام) غزا أهل دمشق ونصيبين فأصاب ألف فرس ، وقيل : ورثها من أبيه وأصابها أبوه من العمالقة»(٣) .

معرفة الحقّ والدفاع عنه :

توصّل «محمود» عن طريق دراسته المعمّقة ، وبحوثه الشمولية إلى حقّانية

١- ص -٣٨- : ٣١ .

٢- الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل ٣ : ٣٧٣ .

٣- تفسير النسفي ٤ : ٣٩ .

٥٠٥

مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، ثمّ رغب في خدمة هذا المذهب ، ولاسيّما قضية الإمام الحسين (عليه السلام) فألّف كتاباً باللغة الانجليزية بعنوان : (كربلاء في الوجدان الشيعي) ، وهو عمل إعلامي جيد ; إذ أنّ المؤلّفات باللغة الانجليزية تكون سبباً لهداية المتحدّثين بالانجليزية للإسلام والتشيّع(١) .

١- للمستبصر استبيان في «مركز الأبحاث العقائدية» ، ذكر فيه شهادته العلمية ، ما قام به بعد الاستبصار وغير ذلك .

٥٠٦

(٦٨) يوسف البيومي الموسوي (وهّابي / لبنان)

ولد عام ١٣٩٧ هـ (١٩٧٧م) في مدينة «صيدا» اللبنانية في أُ سرة سنّية المذهب يرجع نسبها إلى الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام) .

واصل «يوسف» دراسته الأكاديمية ، وكان طالباً في الجامعة اللبنانية ، قسم الحقوق .

في المجال العقائدي كان السبب في تغيير مسير حياة «يوسف» أنّه قرأ كتاباً يتحدّث عن عائلته ، ووجد أنّ نسبه يرجع إلى الإمام الحسين (عليه السلام) ، وتساءل عن حقيقة الأئمّة ؟ ولماذا لا يتّبعهم وهم من نسل النبي وأقرب إليه من مذاهب أهل السُنّة ، التي تأخّرت كثيراً عن زمان النبي (صلى الله عليه وآله) .

الوهّابية ومشروعية قتل الحسين (عليه السلام) :

من أهم الأُمور التي لفتت نظر «يوسف» الطريقة التي تعاملت بها الوهّابية مع استشهاد جدّه الإمام الحسين (عليه السلام) . .

فمن معالم فكر الوهّابية هو : إعطاء المشروعية الكاملة لحكم يزيد بن معاوية ، وأنّ من خرج على يزيد بن معاوية فقد خرج على وليّ أمره ، وأنّ من لم يبايع يزيد ابن معاوية ومات فقد مات ميتة جاهلية . . هذا ما تعتقده الوهّابية بشكل عام في حكم يزيد بن معاوية ، الذي قتل سيد شباب أهل الجنّة (عليه السلام) .

٥٠٧

وهذه القضية من القضايا المتّفق عليها في كلماتهم ; فإنّهم يعتقدون أنّ يزيد بن معاوية مسلم مؤمن ، وهو من أهل الصلاة والصيام والحج والجهاد ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وغيرها من التعابير ، ومن الكلمات التي تؤكّد على هذا المعنى :

١ ـ قال ابن تيمية : «فإن احتجّوا بما تواتر من إسلامه وهجرته وجهاده (يقصد : علياً (عليه السلام) فقد تواتر ذلك عن هؤلاء (يقصد أبا بكر وعمر) ، بل تواتر إسلام معاوية ويزيد وخلفاء بني أُمية وبني العبّاس وصلاتهم وصيامهم وجهادهم للكفّار ، فإن ادّعوا في واحد من هؤلاء النفاق أمكن لخارجي أن يدّعي النفاق (أيضاً في علي)»(١) .

فقد جعل إسلامهم على حدّ إسلام عليّ (عليه السلام) ، وأنّهم من المؤمنين ، وأنّ إسلامهم إسلام حقيقي ، وأنّ إيمانهم إيمان حقيقي .

٢ ـ قال ابن تيمية : «إنّهم يعتقدون أنّه كان ملك جمهور المسلمين وخليفتهم في زمانه ، كما كان أمثاله من خلفاء بني أُمية وبني العبّاس ، فهذا أمر معلوم لكلّ أحد ، ومن نازع في هذا كان مكابراً ; فإنّ يزيد بويع بعد موت أبيه معاوية ، وصار متوليّاً على أهل الشام ومصر والعراق وخراسان وغير ذلك من بلاد المسلمين ، والحسين استشهد يوم عاشوراء سنة ٦١ ، وهي أوّل سنة ملك يزيد ، والحسين استشهد قبل أن يتولّى على شيء من البلاد»(٢) .

وهنا دلّس ابن تيمية ; فإنّ كلمات كبار علماء أهل السنّة ومدرسة الصحابة لا يعتقدون هذا الاعتقاد ، كما أنّه أعطى المشروعية الكاملة لكلّ خلفاء بني أُمية ، وإنّ يزيد كان وليّ الأمر ، والحسين (عليه السلام) لم يكن وليّ الأمر ; فلم تكن له ولاية ، فعندما خرج على يزيد يكون خارجاً على وليّ الأمر .

١- منهاج السنّة ٢ : ٦٢ .

٢- منهاج السنّة ٤ : ٥٢٢ .

٥٠٨

٣ ـ قال ابن تيمية : «إنّما الحديث المعروف مثل : ما روى مسلم في صحيحه عن نافع ، قال : من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجّة له ، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية ، وهؤلاء لمّا خلعوا طاعة أمير وقتهم يزيد مع أنّه كان فيه من الظلم ما كان ، فعلم أن هذا الحديث دلّ على ما دلّ عليه سائر الأحاديث الآتية من أنّه لا يخرج على ولاة أُمور المسلمين بالسيف وإنّ من لم يكن مطيعاً لولاة الأُمور مات ميتة جاهلية»(١) .

فلا ينبغي أن يخرج أحد على ولاة أُمور المسلمين بالسيف ، فإن خرج ومات فإنّ ميتته ستكون ميتة جاهلية ، ومنهم الحسين (عليه السلام) .

وقد نسب ذلك إلى أهل السنّة والجماعة ، ولكنّنا وعند الرجوع إلى كتب أئمّة أهل السنّة نجد أنّهم لا يقولون بذلك :

قال محمود الآلوسي البغدادي : وقد جزم بكفره وصرّح بلعنه جماعة من العلماء ، منهم : الحافظ ناصر السنّة ابن الجوزي ، وسبقه القاضي أبو يعلى ، وقال العلاّمة التفتازاني : لا نتوقّف في شأنه بل في إيمانه ، لعنه الله تعال عليه وعلى أنصاره وأعوانه . . وممّن صرّح بلعنه : الجلال السيوطي عليه الرحمة .

وفي تاريخ ابن الوردي وكتاب (الوافي بالوفيات) : أنّ السبي لما ورد من العراق على يزيد ، خرج فلقي الأطفال والنساء من ذرّية عليّ والحسين رضي الله تعالى عنهما ، والرؤوس على أطراف الرماح ، وقد أشرفوا على ثنية جيرون ، فلمّا رآهم نعب غراب ، فأنشأ يقول :


لما بدت تلك الحمول وأشرفت تلك الرؤوس على شفا جيرون

نعب الغراب فقلت قل أو لا تقل فقد اقتضيت من الرسول ديوني

يعني : أنّه قتل بمن قتله رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم بدر ، كـ : جدّه عتبة ، وخاله الوليد ابن عتبة ، وغيرهما ، وهذا كفر صريح ; فإذا صحّ عنه فقد كفر به .

١- منهاج السنّة ١ : ١١١ .

٥٠٩

ومثله: تمثّله بقول عبد الله بن الزبعرى قبل إسلامه : ليت أشياخي... الأبيات..

قال ابن الجوزي ـ عليه الرحمة ـ في كتابه : السرّ المصون : «من الاعتقادات العامة التي غلبت على جماعة منتسبين إلى السنّة أن يقولوا : إنّ يزيد كان على الصواب وأنّ الحسين رضي الله تعالى عنه أخطأ في الخروج عليه ، ولو نظروا في السير لعلموا كيف عقدت له البيعة وألزم الناس ، ولقد فعل في ذلك كل قبيح ، ثم لو قدّرنا صحّة عقد البيعة ، فقد بدت منه بَواد كلّها توجب فسخ العقد ، ولا يميل إلى ذلك إلا كلّ جاهل عامّي المذهب ، يظنّ أنّه يغيظ بذلك الرافضة . . .

وأنا أقول : الذي يغلب على ظنّي أنّ الخبيث لم يكن مصدّقاً برسالة النبي صلّى الله عليه وسلّم ، وأنّ مجموع ما فعل مع أهل حرم الله تعالى وأهل نبيّه عليه الصلاة والسلام وعترته الطيبين الطاهرين في الحياة وبعد الممات ، وما صدر منه من المخازي ليس بأضعف دلالة على عدم تصديقه من إلقاء ورقة من المصحف الشريف في قذر!

ولا أظنّ أنّ أمره كان خافياً على أجلّة المسلمين إذ ذاك ولكن كانوا مغلوبين مقهورين ، لم يسعهم إلا الصبر ; ليقضي الله أمراً كان مفعولاً .

ولو سلّم أن الخبيث كان مسلماً فهو مسلم جمع من الكبائر ما لا يحيط به نطاق البيان ، وأنا أذهب إلى جواز لعن مثله على التعيين ، ولو لم يتصوّر أن يكون له مثل من الفاسقين ، والظاهر أنّه لم يتب ، واحتمال توبته أضعف من إيمانه .

ويلحق به : ابن زياد ، وابن سعد ، وجماعة ، فلعنة الله عزّ وجلّ عليهم أجمعين ، وعلى أنصارهم وأعوانهم وشيعتهم ، ومن مال إليهم إلى يوم الدين ، ما دمعت عين على أبي عبد الله الحسين .

ويعجبني قول شاعر العصر ، ذو الفضل الجلي ، عبد الباقي أفندي العمري الموصلي ، وقد سئل عن لعن يزيد اللعين :


يزيد على لعني عريض جنابه فأغدو به طول المدى ألعن اللعنا»(١) .

١- تفسير الآلوسي ٢٦ : ٧٢ ـ ٧٣ .

٥١٠

ولكنّ ابن تيمية يقول إنّ من التواتر إسلام يزيد وجهاده وصلاته وصيامه .

وعلى هذا فمن يستنكر فعل يزيد ويكفّره لا ينتسب إلى السنّة! فابن الجوزي ، والتفتازاني والآلوسي صرّحوا أنّه ليس بمسلم وأنّه كافر .

هذا ، وقد ذهب بعض المتطرّفين من النواصب إلى أنّ الحسين (عليه السلام) كان على باطل وأنّه قُتل بسيف جدّه!

ولهذا قال ابن تيمية : «ومن تأمّل الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي (صلى الله عليه وآله)في هذا الباب واعتبر أيضاً اعتبار أُولي الأبصار علم أنّ الذي جاءت به النصوص النبوية خير الأُمور ، ولهذا لمّا أراد الحسين (رضي الله عنه) أن يخرج إلى أهل العراق ، لمّا كاتبوه كتباً كثيرة ، أشار عليه أفاضل أهل العلم والدين ، كـ : ابن عمر وابن عباس وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن لا يخرج ، وغلب على ظنّهم أنّه يُقتل ، حتّى أنّ بعضهم قال : استودعك الله من قتيل . وقال بعضهم : لولا الشفاعة لأمسكتك ومنعتك من الخروج . وهم في ذلك قاصدون نصيحته ، طالبون لمصلحته ومصلحة المسلمين ، والله ورسوله إنّما يأمر بالصلاح لا بالفساد»(١) .

وهذه أيضاً من تدليسات ابن تيمية ، وذلك أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) أخبر بأنّ الإمام الحسين (عليه السلام) يُقتل في كربلاء وفي الطف ، ولكنّ ابن تيمية يقول : «غلب على ظنّهم أنّه يقتل»، وكأنّه لم يُخبر الرسول الأعظم أنّه سيُقتل، مع أنّ الروايات أكدت على أنّه (صلى الله عليه وآله)بيّن خصوصيات يوم قتله ، وكيف يقتل ، والتربة الحمراء(٢) ، أو التي تتحوّل دما(٣) .

فابن تيمية يدسّ سموم أحقاده ونصبه :

في هذه الكلمات ، فهو لا يقول : أنّ خروجه خروج فساد ، ولكن يقول :

١- منهاج السنّة ٤ : ٥٣٠ .

٢- المستدرك على الصحيحين ٤ : ٣٩٨ .

٣- مجمع الزوائد ٩ : ١٨٩ .

٥١١
موسوعة من حياة المستبصرين المجلد الثاني عشر » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ٥١١ - ص ٥٤٠)

هؤلاء كانوا قاصدين لمصلحته ومصلحة الإسلام في عدم الخروج ، إذاً عندما خرج كانت المفسدة ، والله ورسوله إنّما يأمر بالصلاح لا بالفساد .

الانتماء إلى الحقّ :

بعد أن اطّلع «يوسف» على الحقائق ، وحقيقة اعتقاد الوهّابية بأهل البيت (عليهم السلام) برغم تزكية القرآن لهم في آية التطهير وغيرها ، قرّر اتّباع الحقّ والانتماء إلى المذهب الذي يعتقد بعصمتهم وطهارتهم ، وكان ذلك في سنة ١٤١٨ هـ (١٩٩٧م) في مدينة «صيدا» اللبنانية(١) .

١- للمستبصر ملف في «مركز الأبحاث العقائدية» ، وهو على تواصل دائم مع إدارة المركز من خلال موقعه على الإنترنيت www.aqaed.com .

٥١٢

(٦٩) صالح أحمد (مالكي / ليبيا)

ولد عام ١٣٩٧ هـ (١٩٧٧م) في إحدى مدن منطقة الغيران الليبية ، ونشأ في أُ سرة سنّية المذهب .

واصل «صالح» دراسته الأكاديمية حتّى نال شهادة بكالوريوس في المحاسبة .

من الناحية العقائديّة نشأ في أجواء سنّية محبّة لأهل البيت (عليهم السلام) ; نظراً لتأثرهم بالطريقة الصوفيّة ، فالعامّ الغالب من الليبيين من المالكيين ، ومن أتباع الطريقة الصوفيّة ، وهم محبّون لآل البيت (عليهم السلام) ، ومن هنا لم يكن من الصعب على «صالح» أن يتعرّف على سيرة أهل البيت (عليهم السلام) مع ما فيها من التحريفات .

من جهة أخرى ـ وفي الآونة الأخيرة ـ دخل على ليبيا الفكر الوهابيّ بشكل مكثّف ، وبدأ الوهابيّون بترويج عقائدهم بارتقاء منابر الإعلام ، والظهور على الفضائيات .

وهذا الواقع الخارجي ـ بغض النظر عن سلبياته ـ يسهّل عملية وقوف الباحث عن الحق على مختلف الآراء ، فيتعرّف من خلال ذلك على مبادىء ومعتقدات أتباع المذاهب الإسلاميّة.

عمر والسنّة النبويّة :

من المبادىء التي يدّعي سائر المسلمين ـ على اختلاف طوائفهم وانتماءاتهم ـ

٥١٣

الالتزام بها هي السنّة الشريفة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فالسنّة هي ثاني مصدر من مصادر التشريع بعد القرآن الكريم ، ولا يختلف اثنان من المسلمين على أنّ الأعلم بالسنّة يجب أن يكون إماماً وخليفة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وتعتبر مسألة اطّلاع الخلفاء الثلاثة على سنّة النبي (صلى الله عليه وآله) معياراً مهمّاً لتشخيص عدم صلاحيّتهم للخلافة ، الأمر الذي دفع الكثير نحو التحقيق حول حقيقة الخلفاء الثلاثة ومذهبهم .

وها هو عمر بن الخطاب يحدّث عن نفسه في هذا الصدد ، فيقول :

«كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أُميّة بن زيد ، وهي من عوالي المدينة ، وكنّا نتناوبُ النزولَ على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، ينزل يوماً وأنزلُ يوماً ، فإذا نزلتُ جنته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره ، وإذا نزل فعل مثل ذلك»(١) .

فقوله : كنّا نتناوبُ النزول على رسول الله ، ينزل يوماً وأنزلُ يوماً ، فيه دلالة واضحة على أنّه كان بعيد المسكن عن مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، ولذلك قسّم عمر حياته إلى يومين يوم ينزل لرؤية النبيّ ، ويومٌ لا ينزل ، ولا يكلّف نفسه عناء النزول لبعد المسافة .

أو أنّ المسافة لم تكن بعيدة ، ولكنّه ينزل إلى الأسواق ويشتغل فيها بالصفق والتجارة .

وإذا أضفنا هذا إلى قوله : «ألهاني الصفق بالأسواق عن أحاديث النبيّ» في قضية أبي موسى الأشعري(٢) ، ثمّ أردفنا بقول أُبي بن كعب له : «يا عمر إنّه كان يُلهيني القرآن ، ويُلهيكَ الصفق بالأسواق(٣) ، تأكّدنَا بأنّه لم يقض وقتاً طويلاً مع صاحب الرسالة (صلى الله عليه وآله) .

ولعلّه كان يغيبُ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتّى في المناسبات الكبرى التي يجتمع

١- صحيح البخاري ١ : ٣١ .

٢- راجع : صحيح البخاري ٨ : ١٥٧ .

٣- راجع : السنن الكبرى للبيهقي ٧ : ٦٩ ، سير أعلام النبلاء ١ : ٣٩٧ .

٥١٤

فيها المسلمون كافّة ، كيوم عيد الفطر وعيد الأضحى ، ولذلك نراه يسأل بعض الصحابة الذين لم تشغلهم تجارة ولا بيعٌ عن ذكر الله وإقام الصلاة ، يسألهم عمّا كان يقرأ به رسول الله (صلى الله عليه وآله) في عيد الفطر وعيد الأضحى!!

فقد أخرج مسلم في صحيحه في كتاب صلاة العيدين ، عن عبيد الله بن عبد الله : أنّ عمر بن الخطّاب سألَ أبا واقد اللّيثي ما كان يقرأ به رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الأضحى والفطر ؟

فقال : كان يقرأ فيها بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَـجِيدِ﴾ و﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾(١) .

وعن أبي واقد اللّيثي أنّه قال : سألني عمر بن الخطّاب عمّا قرأ به رسول الله (صلى الله عليه وآله) في يوم العيد ؟ فقلتُ : بـ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ و﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَـجِيدِ﴾(٢) .

فشهادة عبيد الله وأبو واقد الليثي على عمر بأنّه لم يكن يعرف قراءة النبيّ (صلى الله عليه وآله) في العيدين ، إذا أضفنا إليها شهادة أُبي بن كعب ، وشهادته هو على نفسه بأنّه كان يشغله عن القرآن والسنّة الصفقُ بالأسواق ; عرفنا الأسرار والألغاز التي بقيت حتّى الآن محيّرة للعلماء . .

كـ : فتواه بترك الصلاة للمجنب الذي لا يجد الماء ، وجهله بأحكام التيمّم التي جاء بها القرآن والسنّة(٣) ، وحكمه في الكلالة التي قضى فيها بعدّة أحكام متناقضة ، رغم نزولها في كتاب الله ، ورغم ما جاء فيها من التفصيل والبيان في السنّة النبويّة ; فإنّ عمر لم يفهمها إلى أن فارق الحياة(٤) .

ولو وقف عمر عند حدّه ، وحاول التعلّمَ للقضاء على جهله ، لكان خيراً له وللمسلمين ، ولكنّه أخذته العزّة بالإثمّ ، فراحَ يحرّم ما أحلّ الله ورسوله ، كـ : متعة

١- صحيح مسلم ٣ : ٢١ .

٢- صحيح مسلم ٣ : ٢١ .

٣- راجع : صحيح مسلم ١ : ١٩٣ .

٤- راجع : المعجم الأوسط ٤ : ٢٩٥ .

٥١٥

الحجّ ، ومتعة النساء ، وسهم المؤلّفة قلوبهم ، ويحلّلُ ما حرّم الله ورسولهُ ، كـ : إمضائه الطّلاق الثلاث ، والتجسّس على المسلمين ، وغير ذلك(١) .

ومن أجل ذلك عمل هو وصاحبه أبو بكر من أوّل يوم على منع أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله) ، ومنع تدوينها وكتابتها ، حتّى وصل الأمر بهما إلى حرق كلّ ما جمعه الصحابة من الأحاديث والسنن النبويّة . .

أوّلاً : لطمس حقائق عليّ وأهل البيت (عليهم السلام) التي نَطق بها الرسول (صلى الله عليه وآله) .

وثانياً : لكي لا يجدوا في النصوص النبويّة معارضة للسياسة التي تبنوّها ، والأحكام التي اجتهدوا بها بآرائهم .

وثالثاً : لأنّ عمر بن الخطّاب ما كان يعرف من سنّة النبيّ إلاّ القليل .

فقد أخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده عن ابن عبّاس : أنّ عمر بن الخطّاب تحيّر في حكم الشكّ في الصلاة ، فقال له : يا غلام! هل سمعتَ من رسول الله أو من أحد أصحابه : إذا شكّ الرجل في صلاته ماذا يصنع . .(٢) .

عجيبٌ والله أمر عمر بن الخطّاب خليفة المسلمين لا يعرف كيف يرقع صلاته ، فيسأل عن ذلك صبيانَ الصحابة ، وهو أمرٌ يعرفه عامّة المسلمين والأُمّيّون منهم حتّى في يومنا الحاضر!

والأعجب من ذلك قول «أهل السنّة والجماعة» بأنّ : عمر كان أعلم الصحابة . . فإذا كان أعلمهم على هذا النمط فظنّ خيراً ولا تسأل عن الخبر!!

فأين هذا من قول علي بن أبي طالب الذي يقول :

«كان لي مدخلٌ خاصٌ على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كلّ يوم مرّتين ، مرّة في الصباح ، وأُخرى في المساء»(٣) .

١- للمزيد راجع : كتاب النص والاجتهاد للسيد شرف الدين .

٢- مسند أحمد ١ : ١٩٠ .

٣- راجع : سنن ابن ماجة ٢ : ١٢٢٢ ، سنن النسائي ٣ : ١٢ ، المصنّف لابن أبي شيبة ٦ : ١٣٢ ، خصائص الإمام علي للنسائي : ٩٠ ، وبعضها إسناده صحيح .

٥١٦

فهذه المجالس كانت خاصّة بعليّ في كلّ صباح ومساء ، أضف إلى ذلك : حضوره دائماً مع النبيّ (صلى الله عليه وآله) في مجالسه العامّة .

فكان عليّ (عليه السلام) أقرب الناس للنبيّ (صلى الله عليه وآله) ، وأشدّهم لصوقاً به ، وأخصّهم لديه من يوم ولادته ، فقد تربّى في حجره حتّى شبّ ، فكان يتّبعه اتّباع الفصيل إثر أُمّه في كلّ مكان ، وفي غار حراء عند نزول الوحي عليه ، وقد رضع حليب الرسالة ، وترعرع على معارف السنّة النبويّة من أوّل مهدها .

فمن أوْلى بالسنّة منه ؟ ! وهل لأحد غيره أن يدّعيها لو أنصف المنصفون ، ورجع إلى الحقّ المعاندون ؟ !(١)

إتّباع أمير المؤمنين (عليه السلام) :

وهذا أكبر دليل على أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) وشيعته الذين اتّبعوه هم رمز السنّة المحمّدية وأعلامها ، أمّا غيرهم ممّن لم يهتدوا بهديه ويسيروا على دربه ، فهم أبعد ما يكونون عن السنّة النبويّة ، ولو أنّهم سمّوا أنفسهم بـ : «أهل السنّة» غفلة وتقليداً .

هذا ، وإنّ «صالح» هو أحد الذين وفّقهم الله لاتّباع أهل السنّة الحقيقيين شيعة أهل البيت (عليهم السلام)(٢) .

١- مقتطفات من كتاب الشيعة هم أهل السنّة للتيجاني : ٥٨ ـ ٦٢ .

٢- كان «صالح أحمد» أوّل من أعلن استبصاره من ليبيا عبر «مركز الأبحاث العقائدية» بتاريخ ١٢ رجب ١٤٣٣ هـ .

٥١٧

(٧٠) مريم الأمير شيوب (سنّية / ليبيا)

نشأت في ليبيا في أُ سرة سنّية المذهب ، فتلقّت انتماءها المذهبي من الأجواء المحيطة بها ، حتّى تعرّفت على مذهب أهل البيت (عليهم السلام) من خلال البحث والتحقيق .

شرعت «مريم» بإجراء مقارنة بين أدلّة عقائدها وأدلّة عقائد المذهب الشيعي ، فبيّنت لها هذه المقارنة أنّ المذهب الشيعي يمتاز عن غيره من المذاهب باتّباع أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ضرورة التمسّك بالأئمّة الاثني عشر (عليهم السلام) من بعده ، كما اتّضح لها أنّ الإمامة لها منزلة عظمى من بعد النبوّة والرسالة .

منزلة الإمامة الحقيقية :

من الأُمور التي تلفت نظر الباحثين بشأن عقائد أتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام) : الأدلّة الدالّة على أنّ الإمامة مقام عظيم من بعد النبوّة والرسالة ، وقد بيّن ذلك قوله تعالى في سورة البقرة : ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾(١) . .

إنّ هذه الآية المباركة بيّنت أنّ هذه الإمامة التي أُعطيت لإبراهيم الخليل (عليه السلام)درجةً ومقاماً جديداً بعد المقامات والدرجات التي انتهى إليها الخليل (عليه السلام) ; فإنّ إبراهيم كان نبيّاً ، وكان رسولاً ، وكلا هذان المقامان كانا موجودين عنده ، وهذا

١- البقرة -٢- : ١٢٤ .

٥١٨

المقام الذي أشار الله تعالى إليه بقوله : ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ فيه إشارة إلى مقام جديد ودرجة جديدة . .

وهي منقبة إضافية انتهى إليها إبراهيم (عليه السلام) بعد تلك الابتلاءات التي مرّ بها ; لأنّ صدر الآية يقول : ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ﴾ ، فهناك ابتلاءات وقد نجح فيها (عليه السلام) ، فعند ذلك استحق إبراهيم الخليل مقام الإمامة ، فقال عزّ وجلّ : ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ ، فالإمامة التي ذكرت في هذه الآية المباركة هي مقام من بعد النبوّة ومن بعد الرسالة التي كانت للنبي إبراهيم (عليه السلام) .

والآية الواردة ، وكذلك الروايات الواردة في هذا المجال ، أشارت إلى أنّ هذا المقام أفضل من مقام النبوّة والرسالة . . وعند النظر إلى الآية المباركة نجدها تصرّح بأنّ إبراهيم الخليل (عليه السلام) كان نبيّاً ورسولاً قبل نيل ذلك المقام ; بدليل أنّ الله تعالى قال مخاطباً له : ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ﴾ ، فكان يوحي إليه ويتكلّم معه .

فإذا فرض أنّ مقام الإمامة مساو لمقام النبوّة والرسالة ، فهذه الإمامة بالضرورة لابدّ أن تكون أعلى درجة من مقام النبوّة ومقام الرسالة ، ببيان : أنّه لو كانت مساوية أو كانت أدنى من ذلك لكانت لغواً ، ولكانت تحصيل للحاصل ; إذاً لابدّ من فرضها درجة فوق درجة النبوّة والرسالة ، وهي استفادة ضمنية ; إذ لا يوجد تصريح في هذه الآية بأنّ الإمامة هنا أفضل من مقام النبوّة والرسالة .

وبما أنّ القرآن الكريم قال : ﴿مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾(١) ; لأنّه ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾(٢) فعند الرجوع إلى الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) لمعرفة ما آتانا به في هذا الشأن ، وجدناه يقول : (إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً : كتاب الله ، وعترتي)(٣) ، إذاً لابدّ أن

١- الحشر -٥٩- : ٧ .

٢- النجم -٥٣- : ٣ ـ ٤ .

٣- سنن الترمذي ٥ : ٣٢٨ .

٥١٩

نرجع إلى الثقل الآخر وعدل القرآن الكريم ، وعندما نراجع الروايات الواردة عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) نجد أنّ هذه الاستفادة الضمنية التي استفيدت من آية سورة البقرة قد صرّح أهل البيت (عليهم السلام) بها . .

فقالوا : إنّ مقام الإمامة أفضل من مقام النبوّة والرسالة ، وهذا يؤيّد أنّ الفهم المتقدّم من الآية المباركة فهم صحيح .

فعندما نفهم معنىً من القرآن الكريم ، وبما أنّ الفهم قد يكون مطابقاً وقد يكون غير مطابق ، فالذي يبعث على الاطمئنان بأنّ ما فهمناه من الآية المباركة صحيح هو : الروايات التي أكّدت هذا المعنى ; فهؤلاء هم الذين جعلهم الرسول مفسّري القرآن ، وعدل القرآن ، والذين لا يفارقون القرآن ، ولا يفارقهم القرآن ، فعند الرجوع إلى أهل البيت (عليهم السلام) ورواياتهم ، وعرفنا أنّها دلّت على هذا المعنى الذي فهمناه ، فهذا يكشف أنّ فهمنا من الآية فهم صحيح ، وفهم مطابق ، وحقيقة من الحقائق القرآنية . .

وأمّا الروايات التي دلّت على هذا المعنى ، فهي عديدة ، منها :

١ ـ صحيحة درست بن أبي منصور ; عنه ، قال : قال أبو عبد الله (عليه السلام) : الأنبياء المرسلون على أربع طبقات : فنبيّ منبّأ في نفسه لا يعدو غيرها . ونبيّ يرى في النوم ويسمع الصوت ولا يعاينه في اليقظة ، ولم يبعث إلى أحد وعليه إمام مثل ما كان إبراهيم على لوط (عليهما السلام) . ونبيّ يرى في منامه ويسمع الصوت ويعاين الملك ، وقد أُرسل إلى طائفة قلّوا أو كثروا ، كـ : يونس ; قال الله ليونس : ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْف أَوْ يَزِيدُونَ﴾(١) قال : يزيدون : ثلاثين ألفاً ، وعليه إمام . والذي يرى في نومه ويسمع ويعاين في اليقظة وهو إمام ، مثل أُولي العزم ، وقد كان إبراهيم (عليه السلام) نبيّاً وليس بإمام حتّى قال الله : ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ ، قال : ومن ذرّيتي ؟ فقال الله : ﴿لاَ يَنَالُ

١- الصافات -٣٧- : ١٤٧ .

٥٢٠