×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 12) / الصفحات: ٤١ - ٦٠

روايتها ، وذلك يرجع لكثرة ملازمته لكعب الأحبار اليهودي ، الذي تظاهر باعتناقه الإسلام .

وعن دخول الجنة ، رُوي عن أبي هريرة قوله : «سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول : يدخل الجنّة من أُمّتي زمرة هي سبعون ألفاً تضيء وجوههم إضاءة القمر . فقام عكاشة بن محصن الأسدي يرفع نمرة عليه ، قال : ادع الله لي يا رسول الله أن يجعلني منهم ، فقال : اللّهمّ اجعله منهم . ثم قام رجل من الأنصار ، فقال : يا رسول الله ، ادع الله لي أن يجعلني منهم . فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : سبقك عكاشة»(١) .

وعن أبي هريرة أيضاً ، قال : «بينما نحن عند النبي (صلى الله عليه وآله)إذ قال : بينما أنا نائم ، رأيتني في الجنّة فإذا امرأة تتوضّأ إلى جانب قصر ، فقلت : لمن هذا القصر ؟ فقالوا : لعمر بن الخطّاب ، فذكرت غِيرته فولّيت مدبراً . فبكى عمر وقال : أعليك أغار يا رسول الله (صلى الله عليه وآله)»(٢)(٣) .

صورتان للإسلام :

بعد مرور ما يقارب عاماً كاملاً من البحث والتحقيق ودراسة الخلاف المذهبي بين الشيعة والسُنّة توصّل «أسعد» إلى أحقّية المذهب الشيعي ، فأعلن استبصاره ، وكان ذلك عام ١٤٠٨ هـ (١٩٨٨ م) في الفلبين .

يعتقد «أسعد» أنَّ الإسلام بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) تبلور عند المسلمين بصورتين ، إمّا إ سلام ظاهري موروث مملوء بالشعائر الفارغة والتعصّب الأعمى ، وإمّا إ سلام واقعي ، يكون أتباعه مستسلمين بالروح والقلب لكلّ ما هو حقّ ، ويعملون به بكلّ إخلاص ، ولا يعرفون للتعصّب طريقاً ، وهذه هي السيرة التي سار عليها أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم الخلّص .

١- صحيح البخاري ٧ : ٤٠ .

٢- صحيح البخاري ٤ : ٨٦ .

٣- مقتطفات من كتاب «حقيقة الشيعة الاثنى عشرية» : ١١٤ ـ ١١٩ بتصرف يسير .

٤١

(٦) باسل محمد خضراء (حنفي / فلسطين)

مرّت ترجمته في (٢ : ١٦٥) من هذه الموسوعة ، ونشير هنا إلى ما لم يذكر سابقاً .

قام «باسل» بعد استبصاره بتأليف عدّة مؤلّفات في مجال التاريخ والعقائد الإسلامية ، ومنها :

ـ «ومن النهاية كانت البداية» ، وقد قام المركز بنشره ضمن : «سلسلة الرحلة إلى الثقلين» ، العدد ١٠ .

ـ المارقون الجدد ـ مخطوط .

ـ حروب التكفير ـ مخطوط .

ـ مجتمعات إ سلامية ـ مخطوط .

ـ درب الحسين (عليه السلام) ، آلام وعبرات ـ مخطوط .

وقد أورد «باسل» في كتابه «ومن النهاية كانت البداية» العديد من التجارب التي مرّ بها حتى ترسّخت العقيدة الشيعية في صميم كيانه ، فاطمأنّ بكونه على الهدى ، وأنّ المسير الذي ارتآه هو المسير نفسه الذي اختاره رسول الله (صلى الله عليه وآله) للأمّة الإسلامية . .

٤٢

ومن تلك المواضيع التي ذلّل «باسل» وقته للبحث فيها : موضوع «عدالة الصحابة» ، واختلاف رؤى المسلمين من الشيعة والسنّة في ذلك .

الصحابة عند أهل السنّة :

في اللقاء الذي جمع «باسل» بـ «الشيخ زكريا جاويش» (خطيب أحد مساجد ضواحي حلب) دار الحوار بشأن عدالة الصحابة ، وأثناء البحث سمع الشيخ يقول بأنّ : المسلمين يعتقدون بعدالة الصحابة .

فبادر إليه «باسل» مستفسراً عمّا يعني به من أنّ : المسلمين يعتقدون بعدالتهم ؟ وهل معنى ذلك : أنّ الشيعة الذين يطعنون ببعضهم ليسوا من المسلمين ؟

فقال الشيخ : ليس هذا المقصود تماماً ، لكن هناك تحفّظ عليهم في هذا الأمر ، والنبي (صلى الله عليه وآله) قال : «أصحابي كالنجوم ، بأيهم اقتديتم اهتديتم» ، وبشّر بعشرة منهم إلى الجنة ، وهم لا يقولون بذلك .

يقول «باسل» : قلت : أعتقد أنّ كلامك فيه بعض اللبس ; فالشيعة أوّلاً : مسلمون وبنصّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أنّ : كلّ من أقرّ لله بالوحدانية ، وصدّق أنبياءه ورسله وملائكته ، وشهد الشهادتين ، وصلّى وصام وحجّ وأدّى الزكاة ، فهو مسلم ، وهم يؤمنون بذلك قولاً وعملاً ; فالقبلة التي نتوجّه إليها في الصلاة واحدة ، والفروض واحدة ، وكتاب الله واحد .

لكن هناك شيء أُبيّنه من قول الله عزّ وجلّ : ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾(١) ، فالإسلام شيء والإيمان شيء آخر ، وكلّ ما ذكرناه سابقاً يندرج تحت عنوان الإسلام ، أمّا الإيمان فهو : التصديق بكلّ ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله)قولاً وعملاً .

وأمّا بشأن حديث «أصحابي كالنجوم» ، فهو : منسوب إلى النبي (صلى الله عليه وآله) ،

١- الحجرات -٤٩- : ١٤ .

٤٣

واشتهر على لسان العامة ، ولا يوجد له أثر في الصحاح المعتبرة عندهم ، بل ذكره العجلوني في «كشف الخفاء»(١) نقلاً عن سنن البيهقي ، وهذا لا حجّة فيه .

وبهذا الحديث وضعوا للصحابة هالة من القداسة ، وذلك لتبرير أمور كثيرة جرت سابقاً ، وهذا من أعمال بني أمية ، حيث قلبوا الأحاديث رأساً على عقب من أجل إبعاد أهل البيت (عليهم السلام) عن كلّ فضيلة .

فمثلاً : ورد حديث عن النبي (صلى الله عليه وآله) : «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة»(٢) ، وهذا باتّفاق الطرفين ، فجاؤوا ووضعوا حديث : «أبو بكر وعمر سيّدا كهول أهل الجنّة»(٣) ! وألفت نظرك إلى أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال : «يحشر الله سبحانه الناس يوم القيامة سواسية وفي عمر واحد لا يتجاوزون الثلاث والثلاثين عاماً»(٤) ، فبرأيك بأي حديث نأخذ ؟

أضف إلى ذلك : إنّ المعروف عن كبار الصحابة ، فضلاً عن عامّتهم ، أنّهم كانوا يختلفون أحياناً ، ولعن بعضهم بعضاً ، وحارب بعضهم بعضاً ، وكلّ هذا مثبت في كتب السير والتاريخ ، فهل يجب أن نقتدي بهؤلاء جميعاً ؟ !

وبعد هذا أقول :

من هو الصحابي :

إنّ كلمة «صحابي» تطلق على كلّ الذين أسلموا مع النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، وتظاهروا بالإسلام ، والدليل على ذلك : قول ابن حجر العسقلاني في أنّ : كلّ من لقي النبي (صلى الله عليه وآله)مؤمناً به ، ومات على الإسلام ، طالت مجالسته معه أو قصرت ، غزا أو لم يغزُ ، ومن

١- كشف الخفاء ١ : ١٣٢ .

٢- أمالي الصدوق : ١١٢ ، أوائل المقالات : ١٧٨ ، الاحتجاج ١ : ٨٧ ، مسند أحمد ٣ : ٣ ، سنن الترمذي ٥ : ٣٢١ ، المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٦٧ .

٣- سنن ابن ماجة ١ : ٣٦ ، سنن الترمذي ٥ : ٢٧٣ .

٤- راجع : تاريخ مدينة دمشق ٦٢ : ٢٩ ، كنز العمال ١٤ : ٤٩٠ .

٤٤

رآه ولم يجالسه ، واعتبر أنّ النبي (صلى الله عليه وآله)إذا رأى صبي مميّز فهو صحابي(١) .

والدليل على أنّ هناك من تظاهر بالإسلام : قول عبد الله بن أُبيّ ، زعيم المنافقين ، قولاً واحداً : لعمري لنُحسنَنّ صحبته ما دام بين ظهرانينا(٢) .

كما أنّ أبا سفيان أسلم يوم الفتح ، ومعاوية ابنه ، وهما صحابيان .

وكان عبد الله بن أبي سرح يكتب لرسول الله (صلى الله عليه وآله)الوحي ، ثم افترى على الله الكذب وارتد ، فأباح الرسول (صلى الله عليه وآله) دمه ولو تعلّق بأستار الكعبة ، لكنّ عثمان في خلافته أحضره ، وولاّه ولاية مصر(٣) ، وهو صحابي شاؤوا أم أبوا .

وهذا الحكم بن العاص أيضاً طريد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، طرده إلى مرج قرب الطائف ، وحرّم عليه دخول المدينة ، وبعد وفاة النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) راجع عثمان أبا بكر في خلافته بإرجاعه ، فرفض ، وراجع عمر بعده ليدخله ، فرفض ، وعندما آلت الخلافة إليه أدخله إلى المدينة معزّزاً مكرّماً ، وأعطاه مائة ألف دينار(٤) !

الشيخ : من أين جئت بهذه الروايات ، أرجو أن تكون متيقّناً ؟ !

قلت : أنا متأكّد ، وأنقل لك هذه الروايات من كتب علماء السنّة ، كـ : ابن الأثير ، وابن كثير ، والمسعودي ، وابن قتيبة ، فمن سلالة هذا الحكم ابن العاص : مروان بن الحكم ، أبو الخلفاء الأمويين .

وأبو سفيان قاتل الإسلام بكلّ فنون القتال ، ويوم الفتح وجد نفسه محاصراً إمّا القتل ، أو الإسلام ، فأسلم ، وغيرهم كثيرون نافقوا وتظاهروا بالإسلام .

فالصحبة تشمل كلّ الذين أسلموا أو تظاهروا بالإسلام في ذلك الوقت ، وممكن أن نميّزهم بميزتين أو قسمين :

١- راجع : الأقوال في تعريف الصحابي في : الإصابة لابن حجر ١ : ٧ .

٢- راجع : الطبقات الكبرى ٢ : ٦٥ .

٣- راجع : الكامل لابن الأثير ٣ : ٨٨ .

٤- المعارف لابن قتيبة : ١٩٤ .

٤٥

فضلاء الصحابة : وهم الأخيار الذين قامت دولة الرسول (صلى الله عليه وآله) على أكتافهم .

بقيّة الصحابة : ضعاف الإيمان أو متوسّطوه ، ومنهم : الصبيان والمنافقون .

وإنّ موجز ما وصل إليه علماء السنّة أن ساووا بين أبي بكر وأبي سفيان ، وبين معاوية وعمّار ، وبين عثمان ومروان بن الحكم ، كلٌّ صحابة وعدول لا يجوز القدح بهم ، فهل هذا يعقل ؟

هل يعقل أن يكون أبو بكر مثل عبد الله بن أبي سرح ، أو عمر مثل أبي سفيان برأيكم ؟

الشيخ : لا يمكن ذلك ، ولكن نصّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)بالعشرة المبشّرين ، ماذا نفعل به ؟

قلت : وهل هذا قانون خاص إذا اختص هؤلاء العشرة بالجنّة فمعناه : أنّ غيرهم بالنار ، أم ماذا ؟ ! هذا لا يعقل .

ثمّ انظر للعشرة . . تراهم حارب بعضهم الآخر ، ومع ذلك نقول كلّهم في الجنة ! وإذا درسنا تاريخ العشرة نجد بعضهم حاربوا وبغوا على الإمام عليّ (عليه السلام) وهو كاره لذلك ، فمن بدأ الحرب بالظلم وتعتيم الأحاديث وتضليلها ، ومن بايع وتنصّل ونكث ورفع السيف بوجه الإمام ؟ ! هؤلاء ضمن العشرة المبشّرين !

هذا وقد أجمع علماء الحجاز والعراق من أهل الحديث والرأي ، منهم : مالك ، والشافعي ، والأوزاعي ، وأبو حنيفة ، بأنّ الإمام عليّ (عليه السلام) كان مصيباً في قتاله لأهل الجمل وأهل صِفّين وأهل النهروان .

ولو كان هذا الحديث صحيحاً ، لماذا لم يحتجّ به أبو بكر يوم السقيفة أمام الأنصار ؟ ولماذا لم يحتجّ به عثمان يوم حصاره بالدار ؟ وقد ثبت بالضرورة من دين الإسلام حرمة دماء أهل الجنّة .

إنّ هذا الحديث من المحال عقلاً . . إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) أخبر بعض هؤلاء العشرة بأنّه

٤٦

ظالم ، كـ الزبير ، في حربه للإمام عليّ (عليه السلام) ; إذ قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «لتقاتلنّه وأنت ظالم له»(١) ، فكيف يدخل الظالمون الجنّة ؟ !

وورد في الأحاديث : أنّ السيدة فاطمة (عليها السلام) بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) توفّيت وهي غاضبة على أبي بكر(٢) ، وقد نقل لنا في الصحيح قول النبي (صلى الله عليه وآله) لفاطمة : «إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك»(٣) ، وقال (صلى الله عليه وآله) : «من آذى فاطمة فقد آذاني(٤) ، ومن آذاني فقد آذى الله»(٥) .

الصحابي عند الإمامية :

أمّا الصحابي عند الإمامية ، فهو : من صحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحفظ شرف الصحبة ومات مؤمناً ، ولم يرتدّ على عقبه القهقرى بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

الشيخ : ها ، أنت تقول مثل قولهم : إنّ الصحابة ارتدّوا ، فكيف ذلك ؟ !

قلت : أنا لا أقول إلاّ بقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، هل تأخذون بقول النبي (صلى الله عليه وآله) أم ماذا ؟ !

الشيخ : قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) نِعْم القول ، فماذا قال الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) ؟

قلت : لقد أخرج مسلم في صحيحه حديثاً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «ألا ليُذادن رجالٌ عن حوضي كما يُذاد البعير الضالّ ، أُناديهم : ألا هلم ، فيقال : إنّهم قد بدّلوا بعدك ، فأقول : سحقاً سحقاً»(٦) .

فليس من العدل إذاً أن نحكم بعدالة كلّ الصحابة ، أو نخصّ عشرة بالجنّة ، بعد

١- المستدرك على الصحيحين ٣ : ٣٦٦ ، المصنّف للصنعاني ١١ : ٢٤١ .

٢- راجع : صحيح البخاري ٥ : ٨٢ .

٣- المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٥٤ .

٤- راجع : صحيح البخاري ٦ : ١٥٨ ، صحيح مسلم ٧ : ١٤١ .

٥- المعيار والموازنة : ٢٢٤ ، المعجم الأوسط ٤ : ٦١ .

٦- صحيح مسلم ١ : ١٥٠ .

٤٧

ما علمنا أنّ منهم الداخلين إلى الإسلام قهراً ، كأبي سفيان ، وابنه معاوية ، ومنهم من شرب الخمور وهتك الحرمات وسبى وقاتل الإمام عليّ (عليه السلام) ، ومنهم من ارتدّ ثمّ عاد ثمّ ارتدّ ، فالصحبة عند الإمامية لها معايير خاصّة .

قد يحتجّ بعض الناس بأن الصحابة هم نقلة السنّة والآثار النبوية .

وأقول : لابأس ، وهناك من أحرق السنّة النبوية التي كانت مدوّنة ; فقد ورد أنّ عمر أمر الصحابة أن يجمعوا الأحاديث ويأتوا بها إليه ، فلما جاؤوا بها فأحرقها(١) ، فبذلك لم يُنقل إلاّ القليل ! بينما نجد السنّة النبوية المطهّرة موجودة ، ونقلت لنا عبر صحابة مخلصين وأهل بيت مطهّرين (عليهم السلام) .

أُكرّر لكم : إنّ الإمامية لا تكفّر أحداً ، إنّما تأخذ عليهم مآخذ قاموا بها ، كان من الواجب تركها إن كانوا مؤمنين حقّاً ، وهناك كثير من القضايا التي صدرت من الصحابة دلّت على عدم الإيمان لديهم بالمعنى المطلق ، ولم يعملوا بالسنّة المطهّرة ، حتى التابعين انقسموا إلى فرق ، كلّ فرقة حسب ميولها واعتقادها بالصحابة(٢) .

١- الطبقات الكبرى ٥ : ١٨٨ .

٢- مقتطفات من كتابه : ومن النهاية كانت البداية : ٢١٥ ـ ٢٢٤ . (بتصرّف يسير) .

٤٨

(٧) بشّار موسى حبوب (سنّي / فلسطين)

ولد في الكويت عام ١٣٨٨ هـ (١٩٦٩م) في أُ سرة سُنّية المذهب ، فلسطينية الأصل ، ثم تدرّج في الدراسة إلى أن ذهب إلى «روسيا» لإكمال دراسته في مجال «الجراحة العظمية» ، فتعرّف أثناء الدراسة على طالب لبناني من أتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، ودارت بينهما حوارات متعدّدة عن عقيدة أتباع هذا المذهب .

يقول بشّار : دارت بيننا حوارات بالتي هي أحسن ، ثم بدأت أتحسّس وأغضب ولكنّني كنت أشعر أحياناً أنّ صديقي اللبناني محقّ ، وخصوصاً أنّه كان يطرح بعض الأُمور التي كانت تثير دهشتي سابقاً وكنت أستغربها ، مثل : مسألة نسبة الخطأ والهجر للنبي (صلى الله عليه وآله) في قضية رزية يوم الخميس .

إثر ذلك قرّر «بشّار» البحث عن حقيقة هذا الموضوع الخطير .

من نسب الهجر إلى النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) في رزية يوم الخميس ؟ :

إنّ الرواية المعروفة بـ «رزيّة يوم الخميس» ـ والوصف بالرزيّة كان من راويها ابن عباس ـ إنّما هي رواية معروفة في صحاح أهل السُنّة وكتبهم الحديثية ، وهم يروونها بألفاظ مختلفة ; فقد رواها البخاري في باب مرض النبي (صلى الله عليه وآله) من «صحيحه» وفي باب : (قول المريض قوموا عنّي) ، كما أنّه رواها في باب : قول النبي (صلى الله عليه وآله) : (لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء) .

٤٩

هذا وقد رواها مسلم أيضاً في «صحيحه» في (كتاب الوصية) بأكثر من طريق . .

وأحمد في «مسنده» في عدة مواضع ، وغيرهم من محدّثي أهل السُنّة .

وإنّ الحادثة هي تُنبىء بنفسها عن نفسها ، بأنّ قائل تلك الكلمة القارصة في حقّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) لم يكن سوى عمر بن الخطاب .

وهذه جملة من صور هذه الحادثة يمكن للباحث من خلال الجمع بينها أن يصل إلى هذه النتيجة .

فقد جاء في الرواية التي يرويها البخاري ما نصّه :

«واختلف أهل البيت فاختصموا ، فمنهم مَن يقول : قرّبوا يكتب لكم رسول الله (صلى الله عليه وآله) كتاباً لن تضلّوا بعده ، ومنهم من يقول ما قال عمر ، فلمّا أكثروا اللغط والاختلاف عند النبي (صلى الله عليه وآله) قال لهم : (قوموا عنّي)(١) .

فهذه الرواية ، لم تصرّح باسم قائل مناهض في الواقعة لمسألة تقديم الكتاب ليكتبه رسول الله (صلى الله عليه وآله) سوى عمر ، وأن الذين تكلّموا في هذا الجانب إنّما كانوا يتابعون في ذلك ما قاله عمر . فالسؤال الذي ينبغي الإجابة عليه هنا هو : ماذا قال عمر ؟

والجواب : إنّ بعض الروايات ـ كرواية البخاري في (باب قول المريض قوموا عنّي)(٢) ـ تصرّح بأنّ عمر قال : إنّ النبي (صلى الله عليه وآله) غلبه الوجع ، وعندنا كتاب الله حسبنا .

وفي بعض الروايات ـ مع أنها لم تذكر بأنّ القائل هو عمر ـ تصريح بأنّ الكلمة التي قيلت في وجه النبي (صلى الله عليه وآله) هي كلمة (يهجر) ، كما في الرواية التي يرويها مسلم في

١- صحيح البخاري ٨ : ١٦١ .

٢- صحيح البخاري ٧ : ٩ .

٥٠

«صحيحه» في باب ترك الوصية ، قال :

« . . . . قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : ائتوني بالكتف والدواة (أو اللوح والدواة) أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً . فقال : إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) يهجر»(١) .

فإذا جمعنا بين هذه الرواية والرواية الآنفة الذكر عن البخاري نخرج بنتيجة ـ بلحاظ أنّه لم يكن قول هؤلاء سوى ترديد لما قاله عمر ، وقد كان من قولهم (بصريح الرواية المتقدّمة) كلمة (يهجر) ـ : إنّ ما قاله عمر امام رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنّما هي كلمة : (يهجر) لا غير . هذا هو الذي يقتضيه الجمع بين هذه الروايات ، ولا يحتاج إلى كثير عناء للوصول إلى هذه النتيجة .

ولم تكن الرواية التي ذكرت بأنّ عمر كان قد قال : إنّ النبي (صلى الله عليه وآله) غلبه الوجع إلاّ تعبيراً آخر عن كلمة (يهجر) ، وقد ذكر بعض المؤرّخين أنّ هذا التعبير إنّما كان بالمعنى عن الكلمة التي قالها عمر ، وليس باللفظ الصريح كـ : الرواية التي يرويها الجوهري ـ وهو من علماء أهل السُنّة ـ في كتابه : السقيفة وفدك(٢) ، وابن أبي الحديد ـ وهو معتزلي من أهل السُنّة أيضاً ـ في شرح نهج البلاغة(٣) :

قالا : «لمّا حضرت رسول الله (صلى الله عليه وآله) الوفاة ، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب ، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : ائتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعدي ، فقال عمر كلمة معناها : أنّ الوجع قد غلب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

وعلى أية حال ، فقد صرّح جملة علماء أهل السُنّة وأذعنوا بأنَّ من نسب الهجر إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) لم يكن إلاّ عمر بن الخطاب .

١- صحيح مسلم ٥ : ٧٦ .

٢- السقيفة وفدك : ٧٥ .

٣- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٦ : ٥١ .

٥١

وذلك كاعتراف ابن تيمية بذلك(١) ، واذعان ابن الأثير في نهايته به(٢) ، وما نقله الغزالي إذ قال : . . . قال عمر : دعوا الرجل فإنّه ليهجر(٣) ، وكذا ما نقله الخفاجي في نسيم الرياض(٤) ، وغيرهم(٥) .

وهكذا يصل الباحث إلى أنّ هذه الحادثة لم تكن من مرويّات الشيعة فحسب ، بل من مرويّات أهل السُنّة أنفسهم ، وفي أوثق كتبهم ! ، وإنّ التصريح بأنّ قائل كلمة (يهجر) عمر بن الخطاب يمكن الوصول إليه من خلال أدنى تأمّل في الألفاظ التي جاءت بها روايات الحادثة عند أهل السُنّة .

نعم ، اجتهد المصرّحون وبذلوا ما بوسعهم لتمرير هذه العثرة ـ التي لا تقال ما بقيت السماوات والأرض ـ والذبّ عن (الخليفة) ، فقالو : إنّ ما قاله عمر هو كلمة (أَهَجر) بصيغة الاستفهام ، ومعنى كلامه : هل اختلف كلامه بسبب المرض (على سبيل الاستفهام) ؟ كما صرّح بذلك ابن تيمية وابن الأثير وغيرهما .

ولكن هل تخفّ الوطأة وتقلّ البشاعة بهذا التصريح فيما لو جاء على سبيل الإنشاء دون الإخبار ؟ ! مع أنّ ابن الأثير يذكر بكلّ وضوح بأنّ المراد منها على هذا التعبير : هل تغيّر كلامه واختلط لأجل ما به من المرض ؟

(قال) : وهذا أحسن ما يقال فيه ، ولا يجعل إخباراً فيكون إمّا من الفحش أو الهذيان . والقائل كان عمر ، ولا يُظنّ به بذلك(٦) .

١- منهاج السنة النبوية ٣ : ٢١٤ .

٢- النهاية في غريب الحديث ٥ : ٢٤٦ .

٣- سرّ العالمين : ٤٠ .

٤- نسيم الرياض في شرح الشفا ٤ : ٢٧٨ .

٥- بحث الخرسان في موسوعته القيمة «عبد الله بن عباس حبر الأمّة وترجمان القرآن» ، الحلقة الأولى هذه الواقعة وذكر فيها خمسة وعشرين صورة متقاربة للحديث من كتب العامة .

٦- النهاية في غريب الحديث ٥ : ٢٤٦ .

٥٢

إلاّ أنّه لا يمكن تصوير ما رواه ابن الأثير هنا من التفريق بين الإنشاء والإخبار لكلمة (هجر) ، فهل ترى يختلف معنى الاختلاف والاختلاط في كلام المريض ، عن معنى الهذيان فيما لو قيلت هذه الكلمة بالإخبار دون الإنشاء . . . ؟ !

لا فرق في ذلك ، بل المعنى واحد ، فالذي يخلط في كلامه وهو في حال المرض يقال عنه : إنّه يهذي ، ومع تحويل هذا المعنى إلى الاستفهام نقول : ماذا به ، هل تراه يهذي ؟ فلا يوجد فرق في نسبة الهذيان من هذه الكلمة سواء قيلت إخباراً أو إنشاءً . . .

بل أنّ البخاري قد سدّ على القوم هذه التأويلات والتمحّلات وذكر رواية له في باب جوائز الوفد من كتاب السير والجهاد تفيد بأنّ هذه الكلمة قد قيلت في وجه النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) إخباراً لا إنشاءً ، فقال :

« . . اشتدّ برسول الله (صلى الله عليه وآله) وجعه يوم الخميس ، فقال : (ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً) ، فتنازعوا ، ولا ينبغي عند نبي تنازع ، فقالوا : هجر رسول الله (صلى الله عليه وآله) . .»(١) .

وقد تقدّمت رواية مسلم التي تشير بأنّ هذه اللفظة قد قيلت بالإخبار (إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليهجر) دون الإنشاء .

وعلى أية حال ، لا فرق في البشاعة والفظاعة بين أن تقال هذه الكلمة إنشاءً أو إخباراً في وجه النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) ; فهي تنافي الأدب القرآني الذي أمر الله الصحابة بأن يتأدّبوا به مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند مخاطبتهم له ، فقال سبحانه محذّراً إيّاهم : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْض أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾(٢) .

١- صحيح البخاري ٤ : ٣١ .

٢- الحجرات -٤٩- : ٢ ـ ٣ .

٥٣

وأما عن معنى الهجر في اللغة فقد قال الجوهري في الصحاح في اللغة من باب (الراء) فصل (الهاء) ، الهجر : الهذيان ، وقال : ألم تر إلى المريض إذا هجر قال غير الحقّ(١) .

وهذا المعنى ـ أي الهذيان وقول غير الحقّ ـ منفي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بدليل قوله تعالى : ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى﴾(٢) .

وجاء أيضاً في الحديث الصحيح ـ في ما رواه أهل السُنّة أنفسهم ـ : أنّ عبد الله بن عمرو بن العاص كان يكتب كلّ ما يسمعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، ورسول الله بشر يتكلم في الرضا والغضب ، فذكر ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فقال له : (اكتب فو الذي بعثني بالحقّ ما يخرج منه إلاّ الحقّ) ، وأشار إلى لسانه(٣) .

وكلامه (صلى الله عليه وآله) هنا عام ومطلق ، فلا يبقي لأهل التأويل شيء يمكنهم الاستناد إليه في تمرير العثرة المتقدمة !

بل ورد عنه (صلى الله عليه وآله) أنّه حتى في حالات الممازحة والمداعبة لا يقول إلاّ الحقّ ، قال (صلى الله عليه وآله) : (إنّي لا أقول إلاّ حقاً) ; قال الهيثمي : رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن(٤) .

وهذا الحديث كسابقه يدلّ على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) لا يعتريه ما يعتري سائر الناس من حالات الاضطراب في الكلام ، أو يكون ضحيّة لمزاجه ، أو هواه في حالات معيّنة كحالة الغضب والممازحة ، أو حالات الوجع والمرض ، مع أنَّ حالات الغضب والممازحة هي أشدّ من غيرها في تحقيق الاضطراب عند المتكلّم منها في حالة المرض ، ومع هذا فقد أخبر النبي (صلى الله عليه وآله) أنّه حتّى في هذه الحالات لا يقول إلاّ حقاً .

١- الصحاح ٢ : ٨٥١ .

٢- النجم -٥٣- : ٢ ـ ٥ .

٣- راجع : مسند أحمد ٢ : ١٩٢ ، المستدرك على الصحيحين ١ : ١٠٦ ، سنن الدارمي ١ : ١٢٥ .

٤- مجمع الزوائد ٩ : ١٧ ، وراجع : المعجم الأوسط ٨ : ٣٠٥ .

٥٤

قال المباركفوري في شرحه للحديث : (لا أقول إلاّ حقاً أي : عدلاً وصدقاً ; لعصمتي من الزلل في القول والفعل ، ولا كلّ أحد منكم قادر على هذا الحصر لعدم العصمة فيكم)(١) .

ألا يعجب الباحث من هذا الموقف والمواجهة الصريحة من عمر للنبيّ (صلى الله عليه وآله) ، ومحاولة تجريده من قواه العقليّة ونبزه بالخلط في الكلام بغية ثنيه عن كتابة الكتاب الذي أراد ، وقد أخبرهم عنه بأنّهم إن أخذوا به يعصمهم من الضلالة أبد الآبدين ، بينما يأخذ عمر بن الخطاب في موقف آخر بما ذكره أبو بكر في كتابه ـ وقد كُتب عنه وهو في حالة الإغماء ـ والذي جاء فيه الأمر باستخلاف عمر من بعده ، بل ويأمر المسلمين بالأخذ بما جاء في هذا الكتاب ، ولم يتّهم صاحبه ولا الكاتب ـ وهو عثمان ، وقد كتب مسألة الاستخلاف في حالة إغماء أبي بكر ـ بالهجر أو الهذيان أو غلبة الوجع ، بل رأى في كتابه هذا كلّ الحقّ والخير الوفير والنصيحة للمسلمين ! ! !

تخطي الحواجز ثمّ الاستبصار :

إنَّ التساؤلات التي تظهر بسيطة في بادي الأمر تكون قويّة إذا ركزّ عليها الذهن ، ولا يمكن لمس الحقيقة والوصول إليها إلاّ بعد تخطّي صعوبة المواجهة مع الأسئلة الصعبة ، وهذا ما حصل لـ «بشار» حيث تجاوز الحواجز في مجال الإجابة على تساؤلاته ووصل في نهاية المطاف إلى الحقيقة التي كان يتعطّش لها دائماً ، وكان استبصاره عام ١٤١٦ هـ (١٩٩٦م)(٢) .

١- تحفة الأحوذي ٦ : ١٠٨ .

٢- ذكر المستبصر قصة استبصاره في مساهمته للمركز عبر شبكة الإنترنيت .

٥٥

(٨) بشير رفيق (شافعي / فلسطين)

ولد عام ١٣٨٦ هـ (١٩٦٧م) في أُ سرة فلسطينية الجنسيّة شافعيّة المذهب ، واصل «بشير» دراسته الأكاديمية ، وكان يعمل في إحدى قطاعات النقل العام .

يقول «بشير» عن أجواء المحيط الذي نشأ فيه : يتمّ في هذا المحيط تربية الأجيال على أنّ مذهب أهل السنّة والجماعة هو المذهب الحقّ ، وأنّه الصراط المستقيم الموصل إلى مرضاة الله تعالى ، وأنّ باقي المذاهب والملل ما أنزل الله بها من سلطان ، كل ذلك بسبب الجهل بمذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، ونتيجة الرواسب الفكرية والقناعات والتصوّرات الخاطئة التي تراكمت عبر السنين .

إلا أنّ «بشير» قرّر عدم التتبّع الأعمى لهذه الأفكار ، ورأى أن يبحث في سائر المعتقدات لكي يتّبع الصحيح منها عن قناعة واعتقاد ، فبدأ بالبحث والتحقيق في المصادر الإسلامية ، وما لفت نظره في هذا المجال وتأثّر به : «حديث الثقلين» ، الذي كان له الدور الكبير في توصّله إلى أحقيّة مذهب أهل البيت (عليهم السلام) .

حديث الثقلين ودلالته على وجوب التمسّك بالعترة (عليهم السلام) :

من الأحاديث الدالّة على وجوب التمسّك بعترة النبي (صلى الله عليه وآله) الأئمّة من أهل البيت (عليهم السلام) ولزوم رجوع الأُمّة إليهم دون غيرهم : حديث الثقلين ، الذي أجمع الفريقين سنّة وشيعة على نقله ; فهو من الأحاديث المتواترة .

٥٦

فقد روى الحاكم النيسابوري في «المستدرك على الصحيحين» هذا الحديث بسنده : عن أبي الطفيل ، عن زيد بن أرقم ، قال : (لمّا رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله) من حجّة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات ، فقُممن ، فقال : كأنّي قد دعيت فأجبت ، إنّي قد تركت فيكم الثقلين ، أحدهما أكبر من الآخر : كتاب الله تعالى ، وعترتي ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ; فإنّهما لن يتفرّقا حتى يردا علَيّ الحوض .

ثم قال : إنّ الله عزّ وجلّ مولاي وأنا مولى كلّ مؤمن ، ثم أخذ بيد عليّ ، فقال : من كنت مولاه فهذا وليّه ، اللّهمّ والِ من والاه وعادِ من عاداه) . . وذكر الحديث بطوله .

ثمّ قال الحاكم : (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بطوله . شاهده : حديث سلمة بن كهيل ، عن أبي الطفيل ، أيضاً صحيح على شرطهما)(١) .

وأخرج الترمذي في سننه بسنده : عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، أنّه قال : (رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حجّته يوم عرفة ، وهو على ناقته القصواء يخطب ، فسمعته يقول : يا أيّها الناس ! إنّي قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي) . قال الترمذي : (وفي الباب عن : أبي ذر ، وأبي سعيد ، وزيد بن أرقم ، وحذيفة بن أسيد)(٢) .

وفي المنتخب من مسند عبد بن حميد ، أخرج بسنده : عن زيد بن ثابت ، أنّه قال : (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ; فإنّهما لن يفترقا حتى يردا علَيّ الحوض)(٣)(٤) .

١- المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٠٩ .

٢- سنن الترمذي (المعروف بالجامع الصحيح) ٥ : ٣٢٨ .

٣- المنتخب من مسند عبد بن حميد : ١٠٧ .

٤- تقوم لجنة مختصة في «مركز الأبحاث العقائدية» باستقصاء حديث الثقلين من مصادر المسلمين بكافّة انتماءاتهم ، وقد طبعت عدّة مجلّدات من هذه الموسوعة لحدّ الآن .

٥٧

وممّا يؤكّد أنّ حديث الثقلين من الأحاديث المتواترة : قول ابن حجر الهيتمي في «الصواعق المحرقة» ; إذ قال : (ثم اعلم أنّ لحديث التمسّك بذلك ـ أي : بالثقلين ـ طرقاً كثيرة ، وردت عن نيف وعشرين صحابياً ، ومرّ له طرق مبسوطة في حادي عشر الشبه ، وفي بعض تلك الطرق : أنّه قال ذلك بحجّة الوداع بعرفة ، وفي أُخرى : أنّه قال بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه ، وفي أُخرى : أنّه قال ذلك بغدير خم ، وفي أُخرى : أنّه قاله لمّا قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف ، كما مر . .

ولا تنافي ; إذ لا مانع من أنّه كرّر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها ، اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة)(١) .

ويمكن درج أهمّ ما يتناوله هذا الحديث في ما يلي :

١ ـ عصمة العترة ; فالنبي (صلى الله عليه وآله) في حديثه هذا أخبر : أنّ الكتاب والعترة لن يفترقا ، فحكم (صلى الله عليه وآله) بشكل جازم ومطلق بعدم افتراقهم عن الكتاب ، ومنه نفهم : أنّهم معصومون ; إذ لو لم يكونوا كذلك لما كان لهذا الحكم المطلق وجهاً . فمن يُحتمل منه الخطأ وفعل المعصية يُحتمل منه الافتراق عن الكتاب ، لكن لمّا جزم النبي (صلى الله عليه وآله)بعدم الافتراق من قبل العترة عن الكتاب علمنا أنّهم معصومون ; لعدم احتمال صدور الخطأ والمعصية من المعصوم ، ومن كان كذلك فهو واجب الاتّباع .

٢ ـ إنّ النبي (صلى الله عليه وآله) جعل الضلال في ترك التمسّك بالكتاب والعترة معاً والهدى والنجاة في التمسّك بهما ; فمن ترك التمسّك بهما ، أو بأحدهما ، فهو ضالّ دون أدنى شك ، ومن كان التمسّك به عاصماً من الضلال كان واجب الاتّباع ; فثبت : أنّ العترة واجبة الاتّباع كالكتاب .

٣ ـ إنّ عترة النبي (صلى الله عليه وآله) هي الأعلم بالشريعة وتعاليمها وسنّة النبي (صلى الله عليه وآله) ; إذ لو كانت جاهلة بها ، أو ببعضها ، لما كان التمسّك بها مانعاً من الضلال ، ومن كان الأعلم

١- الصواعق المحرقة ٢ : ٤٤٠ .

٥٨

بالشريعة وتعاليمها وسنّة النبي (صلى الله عليه وآله) كان اتّباعه واجب ، والعترة كذلك ، فهي إذاً واجبة الاتّباع .

٤ ـ إنّ النبي (صلى الله عليه وآله) جعل عترته عِدْل القرآن ، والقرآن الكريم واجب الاتّباع على جميع الناس ، فكذلك العترة .

٥ ـ إنّ الحديث صريح في عدم خلوّ الزمان من بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) وإلى يوم القيامة من فرد من هذه العترة يكون في التمسّك به وبالكتاب العصمة من الضلال للأُمّة ، وفي هذا دليل على وجود الإمام الثاني عشر ، وهو الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) حسب النظرية الشيعية .

يقول ابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة : (وفي أحاديث الحثّ على التمسّك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهّل منهم للتمسّك به إلى يوم القيامة ، كما أنّ الكتاب العزيز كذلك ، ولهذا كانوا أماناً لأهل الأرض ، ويشهد لذلك : الخبر : في كلّ خلف من أُمّتي عدول من أهل بيتي)(١) .

اتّباع الثقلين :

بعد البحث والتحقيق في المصادر المعتبرة عند المسلمين رَست نفس «بشير» على ضفاف مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ، فالتحق بركب المتمسّكين بالقرآن والعترة ، واهتدى بهديهم ، فتنوّر بنورهم وخرج من الظلمات إلى النور . وكان ذلك عام ١٤١٣ هـ (١٩٩٣م)(٢) .

١- راجع : الصواعق المحرقة ٢ : ٤٤٢ .

٢- المستبصر على تواصل مع المركز ، ولديه ملف خاص به هناك .

٥٩

(٩) خيري عبد الرحيم يوسف (شافعي / فلسطين)

[image] - مركز الأبحاث العقائدية

من أهالي (فلسطين) من أُ سرة شافعية المذهب .

بدأت مراحل استبصاره بالتأثر بأحد مشايخ السُنّة في أحد المساجد ; إذ تلفّظ بألفاظ نابية وقام بلعن الشيعة في خطبة صلاة الجمعة ، وهذا ما حفّز «خيري» للسعي وراء معرفة الشيعة وبمَ يتقوّم مذهبهم ، فقام بمراجعة كتب الحديث والتاريخ .

يقول «خيري» : بعد مدّة من البحث توصّلت إلى أنَّ في التاريخ الإسلامي فجوةً لم تُملأ ـ وكانت الفجوة في مجال ما يرتبط بفضائل أهل البيت (عليهم السلام) ـ ، فكان لابُدَّ لي من مراجعة التاريخ ، فقرأت كتاب «الكامل في التاريخ» وكان ابن الأثير يحاول سدّ الفراغ الذي كنت أتسائل عنه ، إلاّ أنّه وكغيره أعطى أُناساً أكثر من حقّهم وسلبها عن آخرين ، فهناك صفات كثيرة وصف بها أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) ، لكنّها نقلت إلى غيره .

تحريف الحقائق بشأن أبي بكر :

لجأت الزمرة الحاكمة الموالية للخليفة الأوّل ـ بعد التربّع على منصّة الحكم ـ إلى وضع المناقب والألقاب لأبي بكر ، لأسباب عديدة ودواع مختلفة ، ومن تلك الصفات : الصدّيق .

فقد ادّعوا أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) سمّاه : صدّيقا ; لكونه صدّق خبرَ إ سرائه إلى بيت المقدس .

٦٠