×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 12) / الصفحات: ٦١ - ٨٠

ويشكل عليهم بأنّ المسلمين كلّهم صدّقوا ذلك ، فيلزم أن يكونوا كلّهم صدّيقين . ثمّ لازم ذلك عدم تصديق الخليفة الثاني ، والثالث لإسرائه إلى بيت المقدس ، وكان إ سراؤه قبل هجرته بسنة ، وقد نطق بإ سرائه القرآن ، فيلزم أن يكونا كافرين .

مع أنّ في خبرهم : أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال لجبرائيل (عليه السلام) : «إنّ قومي لا يصدّقوني» ، فقال جبرائيل : «يصدّقك أبو بكر وهو الصدّيق»(١) .

فأيّ فائدة لتصديق أبي بكر له ، ومن الواضح أن الجواب ـ جواب جبرائيل (عليه السلام) ـ لا يرتبط بكلام النبيّ (صلى الله عليه وآله) ; إذ أن مراده (صلى الله عليه وآله) من «قومي» : قريش الكفّار وهو أحد أصحابه .

والدليل على أنّ المراد بقومه : قريش الكفّار : قوله تعالى : ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾(٢) ، وقوله تعالى : ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيل﴾(٣) ، وقوله تعالى : ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾(٤) .

فإن كانت الألقاب جزافاً ، كألقاب العبّاسيّة : المتوكل على الله ، والمعتصم بالله ، وغير ذلك فلا مشاحّة ; فكم اسم ليس تحتهُ مسمّىً ، بل كم اسم مسمّاه بالضدّ .

وإن كانت عن حقيقة ، فلابدّ أن يعاين في الملقَّب علائم المعنى ، كما قال الذي نجا من صاحبي يوسف (عليه السلام) له لمّا كان شاهد في السجن صدقه في أعماله وأقواله : ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَات﴾(٥) .

١- الطبقات الكبرى ١ : ٢١٥ ، المعجم الأوسط ٧ : ١٦٦ ، عمدة القاري ١٦ : ١٧٢ .

٢- الفرقان -٢٥- : ٣٠ .

٣- الأنعام -٦- : ٦٦ .

٤- الزخرف -٤٣- : ٥٧ .

٥- يوسف -١٢- : ٤٦ .

٦١
موسوعة من حياة المستبصرين المجلد الثاني عشر » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ٦١ - ص ٩٠)

والرجل لم يكن صادقاً ، فضلاً عن كونه صدّيقاً ، فللصادق أوصاف ذكرها الله تعالى في قوله : ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَومِ الآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ الْسَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوْا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾(١) .

ونحن نتحدّاهم أن يثبتوا وجود واحد من هذه الأوصاف فيه بالدليل والبرهان ، لا بما بذل أئمّة الجورِ من الأموالِ في الوضع والجعل له ولصاحبه ; تضعيفاً لأمر حجّة الله .

وكيف ؟ ! وفقدانه لكثير منها ثابت بالعيان ; فلم يصبر في البأساءِ والضرّاءِ ، إذ كان في الغارِ حتى نهاهُ النبيّ (صلى الله عليه وآله) عن الجزع ، وبقي مضطرباً خائفاً لم يهدأ ; لتخصيص الله تعالى إنزالَ السكينةِ بنبيّهِ (صلى الله عليه وآله) . .

قال الشيخ الطوسي : «وقوله : ﴿فَأَنْزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ ، قيل : فيمن تعود الهاء إليه قولان :

أحدهما : قال الزجّاج : إنّها تعود إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله) .

والثاني : قال الجبائي : تعود إلى أبي بكر ; لأنّه كان الخائف واحتاج إلى الأمن ، لأنّ من وعد بالنصر فهو ساكن القلب .

والأول أصح ، لأنّ جميع الكنايات قبل هذا وبعده راجعة إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، ألاترى أنّ قوله : ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ﴾ الهاء راجعة إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله) بلا خلاف .

وقوله : ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ الله﴾ فالهاء أيضاً راجعة إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله) .

وقوله : ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ﴾ يعني النبيّ (صلى الله عليه وآله) : ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ يعني صاحب

١- البقرة -٢- : ١٧٧ .

٦٢

النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، ثم قال : ﴿فَأَنْزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ وقال بعده : ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُود﴾ يعني النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، فلا يليق أن يتخلّل ذلك كلّه كناية عن غيره ، وتأييد الله إيّاه بالجنود ما كان من تقوية الملائكة لقلبه بالبشارة بالنصر من ربّه ، ومن إلقاء اليأس في قلوب المشركين حتى انصرفوا خائبين(١) .

إضافة إلى ذلك فقد ذكرت المصادر التاريخية فرار أبي بكر في أكثر من مشهد ، وفراره في خيبر وحنين والخندق معروف .

وقد قال ابن أبي الحديد المعتزلي ـ المعترف بخلافة أبي بكر ـ عن فراره وعمر في غزوة خيبر :


وما أنْسَ لا أنْسَ اللذين تقدّما وفرّهما والفر قد علما حوب

وللراية العظمى وقد ذهبا بها ملابس ذل فوقها وجلابيب

إلى أن قال :


أحضرهما أم حضر أخرج خاضب وذان هما أم ناعم الخد مخضوب

عذرتكما إن الحمام لمبغض وإن بقاء النفس للنفس محبوب

ليكره طعم الموت والموت طالب فكيف يلذ الموت والموت مطلوب(٢)

وقال أيضاً :


وليس بنكر في حنين فراره ففي أحد قد فرّ قدما وخيبرا(٣)

وجَبُن في الخندق عن مبارزة عمرو بن عبد ودّ . وفرّ أيضاً في حنين : إذ لم يبق معه (صلى الله عليه وآله) سوى عليّ (عليه السلام) ، والعبّاس ، وأبي سفيان بن الحارث ، وابن مسعود(٤) .

١- التبيان ٥ : ٢٢١ .

٢- الروضة المختارة لابن أبي الحديد : ٩٢ .

٣- الروضة المختارة لابن أبي الحديد : ١٠٨ .

٤- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٣ : ٢٩٣ ، السيرة الحلبية ٣ : ٦٧ .

٦٣

والخلاصة : إنّ أبا بكر قد شهد المشاهد كلّها ، وليس فقط لم تؤثر عنه أية بادرة تدلّ على شجاعة وإقدام ، ولم يبارز ، ولم يقتل ، ولا جرح أحداً ، بل ثبت عنه ما يدلّ على عكس ذلك تماماً ، وهو الفرار في أكثر من موقف . وكان يجبّن الناس باستمرار ، ويشير بترك الحرب وبعد هذا ، فهل يعقل أن يكون رجل له هذه المواصفات شجاعاً ؟

وإذا كان له عذر في بدر ; إذ جعلوه مع النبيّ (صلى الله عليه وآله) في العريش ـ المكذوب ! ـ لا يفارقه ، فأين كان عنه في أُحُد ، وحنين ، وخيبر ، وغيرها ؟ حينما كان النبيّ (صلى الله عليه وآله) يجد نفسه محاطاً بالمشركين ، الذين يريدون إطفاء نور الله عزّ وجلّ ، فهل كان أبو بكر في تلك الوقائع في عريش رئاسته ، وكان النبيّ (صلى الله عليه وآله) هو الجندي المحارب بين يدي رئيسه أبي بكر ، الذي ينهزم الجيش بانهزامه ؟

وأين كان في خيبر حينما كشف يا سر اليهودي المسلمين ، حتى انتهى إلى موقف النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، وقاتل (صلى الله عليه وآله) بنفسه ، وأرسل إلى عليّ (عليه السلام) الذي كان في المدينة لرمد عينيه ، فجاءه . وقتل مرحباً ، وفتح الله على يديه خيبراً ، وكان ما كان ممّا هو معروف ومشهور .

وفي أُحُد خلص العدو إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فدثّ بالحجارة حتى وقع لشقّه ، وشجّ في وجهه ، إلى آخر ما جرى . . . إلى غير ذلك من أُمور .

وأمّا قولهم : إنّه (صلى الله عليه وآله) كان يمنعه من القتال . فهل منعه في أُحُد وحنين ، وخيبر ، وسائر المشاهد ؟

وهل كان يمنعه ، ثمّ يبا شر هو بنفسه القتال ، حتى يتعرّض للإصابة بجسده الشريف ؟ ! .

كلّ ذلك دفاعاً عن الرئيس ، أبي بكر ابن أبي قحافة ؟ ! .

وأخيراً ، فقد قال ابن أبي الحديد عنه : إنّه «لم يرمِ قط بسهم ، ولا سلّ سيفاً ،

٦٤

ولا أراق دماً ، وهو أحد الأتباع ، غير مشهور ولا معروف ، ولا طالب ولا مطلوب»(١) .

ويوم حنين قال : «لا نغلب اليوم من قلة»(٢) ، ثمّ انهزم في من انهزم . فأنزل الله تعالى فيه : ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَة وَيَوْمَ حُنَيْن إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ﴾(٣) .

والصدّيق في الحقيقة هو أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ، كونه أوّل من صدّق النبيّ (صلى الله عليه وآله) بالعيان ، وهو ما روي عن عبّاد بن عبد الله الأسدي ; قال : سمعت عليّاً (عليه السلام) يقول : «أنا عبد الله وأخو رسوله ، وأنا الصدّيق الأكبر ، لا يقولها غيري إلاّ كذّاب ، ولقد صلّيت قبل الناس سبع سنين»(٤) .

كما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال : إنَّ هذا أوّل من آمن بي ، وهو أوّل من يصافحني يوم القيامة ، وهو الصدّيق الأكبر ، وهذا فاروق الأمة يفرق بين الحقّ والباطل(٥) .

وعن أبي ليلى الغفاري أنّه قال : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول : ستكون بعدي فتنة ، فاذا كان ذلك فالزموا علي بن أبي طالب ، فانّه أوّل من يراني وأوّل من يصافحني يوم القيامة ، هو الصدّيق الأكبر وفاروق هذه الأُمّة(٦) .

١- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٣ : ٢٨١ .

٢- راجع : الطبقات الكبرى ٢ : ١٥٠ ، البداية والنهاية ٤ : ٣٦٩ ، السيرة النبوية لابن كثير ٣ : ٦١٠ ، تاريخ الإسلام ٢ : ٥٧٤ .

٣- التوبة -٩- : ٢٥ ـ ٢٦ .

٤- راجع : سنن ابن ماجة ١ : ٤٤ ، المستدرك على الصحيحين ٣ : ١١٢ ، المصنّف لابن أبي شيبة ٧ : ٤٩٨ ، الآحاد والمثاني ١ : ١٤٨ ، السنن الكبرى للنسائي ٥ : ١٠٧ .

٥- المعجم الكبير للطبراني ٦ : ٢٦٩ ، كنز العمّال ١١ : ٦١٦ ، فيض القدير ٤ : ٤٧٢ .

٦- الاستيعاب ٤ : ١٧٤٤ .

٦٥

أحببتنا فأحببناك :

بعد أنْ تبيّن لـ «خيري» مسير الحقّ والحقيقة واطّلع على التزييف الذي لحق بالتاريخ قرّر الاستبصار والالتحاق بركب أتباع أهل البيت (عليهم السلام) .

وبعد استبصاره قام بتأليف كتاب سمّاه «أحببتنا فأحببناك» ، ذكر فيه مراحل استبصاره وما تلى هذه المرحلة(١) .

١- قصة الاستبصار منقولة عن إحدى الكلمات التي ألقاها المستبصر ، ويوجد لدى المركز تسجيل هذه الكلمة .

٦٦

(١٠) دلال السلطي (سُنّية / فلسطين)

[image] - مركز الأبحاث العقائدية

ولدت عام ١٣٧٤ هـ (١٩٥٥م) في أُ سرة فلسطينية الجنسية ، أنهت دراستها الثانوية وتخرّجت من الجامعة ، كلّيّة الطب البشري عام ١٤٠٠ هـ (١٩٨٠م) ، فمارست مهنة الطب في بعض الدوائر الطبّية ثم في العيادة الخاصة .

تقول «دلال» عن مرحلة ما قبل الاستبصار : كنت ملتزمة منذ الصغر بحضور الحلقات الدينية بالمساجد ، وما إن رجعت إلى سكني ثانية ـ بعد إنهاء الثانوية في السعودية ـ حتى استأنفت الدرس الديني ضمن الحلقات النسائية ، وعكفت على قراءة كتب عقائدية وفقهية كثيرة .

وأمّا عن مبدأ تأثّرها بأهل البيت (عليهم السلام) فتقول : يحاولون في السعودية أنْ يفهموك أنّ الإسلام هو الوهّابية لا غير ، فلا يُدرَّس غير فقه وعقيدة محمد بن عبد الوهّاب كلّيّاً ، لكن رغم كلّ ذلك فإنّ دراستي للدين في السعودية ساهمت بشكل كبير في تشيّعي لأهل البيت الأطهار (عليهم السلام) ، وبالرغم من التغييب والتعتيم الشديد الذي يمارسوه بشأن حقيقة وأحقيّة أهل البيت (عليهم السلام) استطعت أن أُدركها وأُؤمن بها من خلال قراءة نصوصها وفق المنهج العلمي الذي يقرّوه هم أنفسهم .

ومن الملاحَظ للباحثين في هذا المجال الهجمة الشرسة ـ وبشتّى الطرق والوسائل ـ لردّ الأحاديث التي تثبت فضائل ومناقب أهل البيت (عليهم السلام) ، أو ضرورة

٦٧

تصدّيهم للإمامة بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) ; إذ يرى الباحث بين الحين والآخر محاولات جديدة قديمة لردّ هذه الأدلّة الصريحة من قِبَل بعض المخالفين ; تبعاً لأسلافهم .

محاولات لردّ حديث الغدير :

١ ـ لا يسلّم الفخر الرازي بصحة حديث الغدير بدعوى أنّ الإمام علي (عليه السلام) لم يكن في حجّة الوداع ، بل كان في اليمن آنذاك .

والجواب :

أ ـ إنّ الرازي كذّب بذلك كلّ حديث ورد فيه أنّ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أخذ بيد علي (عليه السلام) ، وجعل يعرّفه إلى الناس ويقول : (من كنت مولاه فهذا علي مولاه)(١) .

ب ـ لقد ردّ عليه قومه ، كما يقول ابن حجر الهيتمي في الصواعق : ولا التفات لمن قدح في صحّته ، ولا لمن ردّه بأنّ عليّاً كان باليمن ; لثبوت رجوعه منها ، وإدراكه الحجّ مع النبيّ (صلى الله عليه وآله)(٢) .

٢ ـ يرى بعض علماء السنّة عدم تواتر حديث الغدير ، كما ينوّه على ذلك الشيخ سليم البشري المالكي في مراجعته للسيّد شرف الدين ، فيقول : ما الوجه في الاحتجاج به ـ أي حديث الغدير ـ مع عدم تواتره ؟ الشيعة متّفقون على اعتبار التواتر فيما يحتجّون به على الإمامة ; لأنّها عندهم من أُصول الدين ، فما الوجه في احتجاجكم بحديث الغدير مع عدم تواتره عند أهل السنّة ؟(٣)

والجواب عن ذلك :

أن لا ريب في تواتره من طريق أهل السُنّة ، فممّن اعترف بتواتره : الحافظ الذهبي ، وشمس الدين الجزري ، والسيوطي (كتب كتاباً في الأخبار المتواترة سمّاه :

١- على سبيل المثال راجع : ما في مسند أحمد بن حنبل ١ : ٨٤ ، ١١٨ ، ١٥٢ و٤ : ٢٨١ ، ٣٧٠ ، و٥ : ٤١٩ .

٢- الصواعق المحرقة ١ : ١٠٦ .

٣- المراجعات : ٢٦٤ .

٦٨

«الفوائد المتكاثرة في الأخبار المتواترة» ، وقد تعرّض هناك إلى جملة من الأخبار المتواترة ، منها : حديث الغدير) ، والألباني ، وغيرهم .

فقال الذهبي معقّباً على أحد طرق : (من كنت مولاه فعلي مولاه) : هذا حديث حسن عال جدّاً ، ومتنه فمتواتر(١) .

وقال شمس الدين الجزري عن أحد الطرق : هذا حديث حسن من هذا الوجه ، صحيح من وجوه كثيرة ، تواتر عن أمير المؤمنين علي ، وهو متواتر أيضاً عن النبي (صلى الله عليه وآله)(٢) .

وأمّا الألباني فبعد أن ذكر عدّة طرق لحديث (من كنت مولاه فعليّ مولاه ، اللّهمّ والِ من والاه وعادِ من عاداه) ، قال : وللحديث طرق أُخرى كثيرة ، جمع طائفة منها : الهيثمي في «المجمع» ، وقد ذكرت وخرّجت ما تيسّر لي منها ، ممّا يقطع الواقف عليها ، بعد تحقيق الكلام على أسانيدها ، بصحّة الحديث يقيناً ، وإلاّ فهي كثيرة جداً ، وقد استوجبها ابن عقدة في كتاب مفرد ; قال الحافظ ابن حجر : منها صحاح ومنها حِسان .

وجملة القول : أنّ حديث الترجمة حديث صحيح بشطريه ، بل الأوّل منه متواتر عنه (صلى الله عليه وآله) كما يظهر لمن تتبّع أسانيده وطرقه ، وما ذكرت منها كفاية(٣) .

إلا أنّ الذين في قلوبهم مرض لا يقتنعون بذلك مهما أتيت لهم بدليل ، فمثلاً : عندما يئسوا من ردّ الحديث قالوا : لو سلّمنا أنّ حديث الغدير ينصّ على إمامة علي (عليه السلام) فهذا يعني بعد عثمان !

ويرد عليه : أنّ مفاد هذا الحديث : أنّ علياً (عليه السلام) أوْلى بعثمان من نفسه أيضاً ;

١- سير أعلام النبلاء ٨ : ٣٣٥ .

٢- أسنى المطالب : ٤٨ .

٣- سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤ : ٣٤٣ ، التعليق على الحديث رقم ١٧٥٠ .

٦٩

لأنّ عمر ممّن هنّأه بالولاية على سائر المسلمين(١) ، والروايات تقول : من بعدي ، لا من بعد الثالث .

٣ ـ قال بعضهم : بلى ، إنّ حديث الغدير يدلّ على إمامة علي (عليه السلام) ، لكنّ الإمامة تنقسم إلى قسمين ، هناك إمامة باطنية ، هي : الإمامة في عرف المتصوّفة ; فعليّ (عليه السلام)إمام المسلمين بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) بلا فصل ، لكنّه إمام في المعنى ، إمام في القضايا المعنوية والباطنيّة ، والمشايخ الثلاثة هم أئمّة المسلمين في الظاهر ، ولهم الحكومة .

ويرد عليهم بـ : السؤال عن الدليل على هكذا تقسيم ; فالرسول (صلى الله عليه وآله) جعل ولاية أمير المؤمين (عليه السلام) مطلقة من دون استثناء أو قيد .

ولكنّه حبّ الرئاسة والملك ، كما قال الغزالي : ( . . . لكن أسفرت الحجّة وجهها ، وأجمع الجماهير على متن الحديث من خطبته (صلى الله عليه وآله) في يوم غدير خم باتّفاق الجميع وهو يقول : (من كنت مولاه فعلّي مولاه) . فقال عمر : بخ بخ يا أبا الحسن ، لقد أصبحت مولاّي ومولى كلّ مولى . فهذا تسليم ورضا وتحكيم .

ثمّ بعد هذا غلب الهوى لحبّ الرئاسة ، وحمل عمود الخلافة ، وعقود النبوّة ، وخفقان الهوى في قعقعة الرايات ، واشتباك ازدحام الخيول ، وفتح الأمصار ، وسقاهم كأس الهوى ; فعادوا إلى الخلاف الأوّل ، فنبذوه وراء ظهورهم ، واشتروا به ثمناً قليلاً)(٢) .

فلابدّ من التسليم والاعتراف بأنّ أهل البيت (عليهم السلام) ظُلموا وغُصب حقّهم ، وإلاّ فالعناد اتّباعٌ للهوى ، ولا فرق بين من ظلم أهل البيت (عليهم السلام) آنذاك ومن أعان عليه في زماننا .

١- راجع : تاريخ بغداد ٨ : ٢٨٤ ، البداية والنهاية ٧ : ٣٨٦ .

٢- سرّ العالمين ، المقالة الرابعة : ٣٩ .

٧٠

٤ ـ يرى الدهلوي أنّ لفظة : (مولى) لا تجيء بمعنى : الأوْلى ، بإجماع أهل اللغة(١) .

ويرد عليه :

أوّلاً : ينص حديث الغدير على أنّ : من كان الله ورسوله وليّه فهذا وليّه ، اللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه(٢) ، فلفظ «وليّه» جاء لله وللرسول (صلى الله عليه وآله) ، فولاية علي (عليه السلام) سواءً قال : «مولاه» أو «وليّه» تشابه ولاية الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) ، فهي مطلقة ولم تقيّد .

ثانياً : في الآية الكريمة من سورة الحديد : ﴿مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾(٣) ، تُفسَّر : ﴿هِيَ مَوْلاكُمْ﴾ بأنّها : (أوْلى بكم)(٤) .

ثالثاً : الأشعار العربية الفصيحة ، وكلمات اللغويين تدلّ أن لا فرق بين لفظي (مولاه) و(ووليّه) .

فقد جاء في تاج العروس : (الولي) الذي يلي عليك أمرك ، ومنه الحديث : (أيّما امرأة نكحت بغير إذن مولاها) ، ورواه بعضهم : «بغير إذن وليّها» ، وروى ابن سلام عن يونس : (أنّ المولى في الدين هو : الوليّ ، وذلك قوله تعالى : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾(٥) ، أي : لا وليّ لهم ، ومنه الحديث : (من كنت مولاه فعليّ مولاه) أي : من كنت وليّه(٦) .

رابعاً : كثيراً ما كرّر رسول الله (صلى الله عليه وآله) الولاية للإمام علي (عليه السلام) ، كقوله (صلى الله عليه وآله) : (أنت

١- التحفة الاثنى عشرية : ٤١٧ .

٢- راجع : السنن الكبرى للنسائي ٥ : ١٣٥ ، تاريخ مدينة دمشق ٤٢ : ٢٢٣ .

٣- الحديد -٥٧- : ١٥ .

٤- جامع البيان عن تأويل آي القرآن ٢٧ : ٢٩٦ .

٥- محمّد -٤٧- : ١١

٦- تاج العروس ٢٠ : ٣١١ .

٧١

وليّ كلّ مؤمن بعدي)(١) .

وقوله (صلى الله عليه وآله) : (إنّه منّي وأنا منه ، وهو وليّكم بعدي)(٢) .

وقوله (صلى الله عليه وآله) : (من كنت مولاه فعليّ مولاه) .

وقوله (صلى الله عليه وآله) : (اللهم من آمن بي وصدّقني فليتولّ علي بن أبي طالب ; فإنّ ولايته ولايتي ، وولايتي ولاية الله تعالى)(٣) .

خامساً : لقد خاطب النبي (صلى الله عليه وآله) الناس بأنّه : أوْلى بهم من أنفسهم ، ثم جعل هذه الولاية لعليّ (عليه السلام) بدون استثناء شيء من تلك الولاية ، فلو كان هناك استثناء لأوضحه (صلى الله عليه وآله) ; لأنّه يعلم بولايته المطلقة للناس ، ولكنّه لم يستثنِ شيئاً منها ، بل سأل الناس : هل هو أولى بهم من أنفسهم ؟ فلمّا قالوا : نعم . أثبت لهم أنّ عليّاً مولى لمن والاه بدون استثناء شيء من معاني الولاية المطلقة له (صلى الله عليه وآله) .

ضرورة التبليغ :

بعد أن أكملت أبحاثها في المجال العقائدي أعلنت «دلال» استبصارها مستعينة بالله سبحانه وتعالى ، ومتجاوزة كلّ المصاعب التي فرضت نفسها لتكون عائقاً في طريقها .

وترى «دلال» أنّ من واجب المستبصرين أن يبلّغوا المذهب الحقّ ، مذهب أهل البيت (عليهم السلام) إلى من ليس لهم أدنى معرفة به ، وخاصّة الأقارب ; تقول «دلال» : عندما يعرف الإنسان الحقيقة فعليه أن يبلّغها أهله وذويه .

وانطلاقاً من قوله تعالى : ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ

١- المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٣٤ ، خصائص أمير المؤمنين للنسائي : ٦٤ ، الاستيعاب ٣ : ١٠٩١ .

٢- مسند أحمد ٥ : ٣٥٦ ، تاريخ الإسلام للذهبي ٣ : ٦٢٨ .

٣- تاريخ مدينة دمشق ٤٢ : ٢٣٩ وغيرها .

٧٢

وَالْحِجَارَةُ﴾(١) فإنّي أتمنّى وأحرص على كلّ أحبائي وإخواني وأهلي وجميع الناس ـ وهم أهلنا ـ أن يصلوا إلى ما وصلت إليه ، ويكتشفوا الحقّ ويتّبعوه باتّباع مذهب الأئمّة الميامين ، الذين نصّبهم الله تعالى ، وفرض علينا طاعتهم ، وأسأله جلا وعلا أن يوفّقهم لذلك بأقرب وقت(٢) .

١- التحريم -٦٦- : ٦ .

٢- المستبصرة على تواصل مع المركز عبر شبكة الإنترنيت ، وقد أجرى موقع «١٤masom.com» لقاءً معها ذكرت فيه أدلّة الاستبصار وكيفيته .

٧٣

(١١) ديب عبد الكريم الخطيب (شافعي / فلسطين)

ولد عام ١٣٧٢ هـ (١٩٥٢م) في فلسطين المحتلّة ، وأكمل دراسته الأكاديمية هناك حتى تخرّج من الثانوية الفرع الأدبي .

كان شافعي المذهب ، ملتزماً بالتعاليم الإسلامية ، وكان يهوى قراءة الكتب إذ يراها سبيلاً لزيادة علمه ومعرفته وإنارة قلبه ودربه .

شاء الله عزّ وجلّ أن يتصادق «ديب» بأخ في الدين من شيعة أهل البيت (عليهم السلام) ، وخلال إحدى جلسات البحث أعاره كتباً من مكتبة كانت لديه .

فبدأ «ديب» بقراءة تلك الكتب ، وما أن تصفّحها حتى بدأت تراوده شكوك وتأمّلات حول ما كان يعتقده سابقاً أمام ما يراه من الأدلّة التي تدلّ على ضرورة اتّباع أهل البيت (عليهم السلام) بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

إذ من جهة يدرك ذو العقل السليم الذي أزال غشاء العصبية عن بصيرته ضرورة عصمة القائم بشؤون النبي (صلى الله عليه وآله) من بعده في كل من تنفيذ الأحكام ، وإقامة الحدود ، وحفظ الشريعة ، وما يرتبط بذلك ; عصمة كعصمة النبي (صلى الله عليه وآله) ، ومن جهة أخرى لم يثبت عن أحد المسلمين أنّه مؤهّل بهذه الصفات إلا العترة التي طهّرها الله من أنواع الذنوب والأرجاس .

٧٤

أدلّة ضرورة العصمة من القرآن الكريم :

لقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة في مجموعة من الآيات نشير إلى بعضها :

الآية الأُولى : قوله تعالى : ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾(١) .

فإنّ الظلم بكلّ ألوانه وصوره مانع عن نيل هذا المنصب الإلهي ، وإنّ الذي يقوم بذلك في شأن من الشؤونِ يستلزم الاستغراق في جانب الظلم ، وتكون النتيجة منع كلّ فرد من أفراد الظَلمة عن تولّي منصب الإمامة ، سواء أكان ظالماً في فترة من عمره ثمّ تاب وصار غير ظالم ، أم بقي على ظلمه . فالظالم عندما يرتكب الظلم يشمله قوله سبحانه : ﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ ، فصلاحيّته بعد ارتفاع الظلم تحتاج إلى دليل .

وعلى ذلك ، فكلّ من ارتكب ظلماً ، وتجاوز حدّاً في يوم من أيام عمره ، أو عبد صنماً ، أو لاذ إلى وثن ، وبالجملة : ارتكب ما هو حرام ، فضلاً عمّا هو كفر ، ينادى من فوق العرش : ﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ أي : أنتم الظلمة الكفرة المتجاوزون عن الحدّ ، لستم مؤهّلين لتحمّل منصب الإمامة ; من غير فرق بين أن يصلح حالهم بعد تلك الفترة ، أو يبقوا على ما كانوا عليه .

وهذا يستلزم أن يكون المؤهّل للإمامة طاهراً من الذنوب من لدن ولادته إلى موته ، وهذا هو معنى العصمة في مورد الإمامة .

الآية الثانية : قوله تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾(٢) .

١- البقرة -٢- : ١٢٤ .

٢- النساء -٤- : ٥٩ .

٧٥

فإنّه تعالى أوجب طاعة أُولي الأمر على الإطلاق ، كطاعته وطاعة الرسول (صلى الله عليه وآله) ، وذلك لا يتم إلاّ بعصمة أُولي الأمر ، فإنّ غير المعصوم قد يأمر بمعصية تحرم طاعته فيها ، فلو وجبت أيضاً لاجتمع الضدان : وجوب طاعته وحرمتها ، ولا يصحّ حمل الآية على إيجاب الطاعة له في خصوص الطاعات ; إذ ـ مع منافاته لإطلاقها ـ لا يجامع ظاهرها من إفادة تعظيم الرسول (صلى الله عليه وآله) وأُولي الأمر بمساواتهم لله تعالى في وجوب الطاعة ، إذ يقبح تعظيم العاصي .

فلابدّ أن يكون المراد بالآية بيان عصمة الرسول وأُولي الأمر ، وأنّهم لا يأمرون ولا ينهون إلاّ بحقّ(١) .

الآية الثالثة : قوله عزّ وجلّ : ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾(٢) .

فإنّه ـ عزّ وجلّ ـ لا يستخلف إلاّ من له نقاء السريرة ليبعد عن الخيانة ; لأنّه لو اختار من لا نقاء له في السريرة كان قد خان خلقه ، فلو أنّ دلاّلاً قدّم حمّالاً خائناً إلى تاجر ، فحمل له حملاً فخان فيه ، كان الدلاّل خائناً ، فكيف تجوز الخيانة على الله ـ عزّ وجلّ ـ وهو يقول ـ وقوله الحقّ ـ : ﴿وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾(٣) ، وأدّب محمداً (صلى الله عليه وآله) بقوله عزّ وجلّ : ﴿وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً﴾(٤) ، فكيف وأنّى يجوز أن يأتي ما ينهى عنه ، وقد عيّر اليهود بسِمَة النفاق ، وقال : ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾(٥) ؟ !

١- راجع : واستقر بي النوى : ٤٧ .

٢- البقرة -٢- : ٣٠ .

٣- يوسف -١٢- : ٥٢ .

٤- النساء -٤- : ١٠٥ .

٥- البقرة -٢- : ٤٤ .

٧٦

من هم المعصومون في أُمّة محمّد (صلى الله عليه وآله) :

لقائل أن يقول : هل أنّ الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) دلونا على المعصومين ؟

الجواب : نعم ، ومن أبرز الأدلّة على ذلك : آية التطهير ; فقد أخرج ابن مردويه ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : كان يوم أُمّ سلمة أُمّ المؤمنين ـ رضي الله عنها ـ فنزل جبرائيل (عليه السلام) على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بهذه الآية : ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾(١) : قال : فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بحسن وحسين وفاطمة وعليّ فضمّهم إليه ونشر عليهم الثوب . والحجاب على أُمّ سلمة مضروب ، ثمّ قال : «اللهمّ هؤلاء أهل بيتي ، اللهمّ أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً» .

قالت أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ : وأنا معهم يا نبيّ الله ؟

قال : «أنت على مكانك ، وأنّك على خير»(٢) .

وعن أنس بن مالك ، قال : إنّ النبي (صلى الله عليه وآله) كان يمرّ بباب فاطمة ستّة أشهر إذا خرج إلى الفجر ، فيقول : «الصلاة يا أهل البيت ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾»(٣) .

وعن صفيّة بنت شيبة قالت : قالت عائشة : خرج النبيّ (صلى الله عليه وآله) غداةً وعليه مرط مرحّل من شعر أسود ، فجاء الحسن بن علي فأدخله ، ثمّ جاء الحسين فدخل معه ، ثمّ جاءت فاطمة فأدخلها ، ثمّ جاء عليّ فأدخله ، ثمّ قال : ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾(٤) .

١- الأحزاب -٣٣- : ٣٣ .

٢- مسند أحمد ١ : ٣٣١ ، الدر المنثور ٥ : ١٩٨ ـ ١٩٩ .

٣- راجع : مسند أحمد ٣ : ٢٥٩ ، سنن الترمذي ٥ : ٣١ ، الآحاد والمثاني ٥ : ٣٦٠ ، مسند أبي يعلى ٧ : ٥٩ ، المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٥٨ ، شواهد التنزيل ٢ : ١٨ ، البداية والنهاية ٥ : ٣٤٣ ، تفسير ابن كثير ٣ : ٤٩٢ .

٤- صحيح مسلم ٧ : ١٣٠ ، السنن الكبرى للبيهقي ٢ : ١٤٩ ، المصنَّف لابن أبي شيبة الكوفي ٧ : ٥٠١ ، مسند ابن راهويه ٣ : ٦٧٨ ، تخريج الأحاديث والآثار ١ : ١٨٩ .

٧٧

وعن واثلة بن الأسقع ، قال : جئت أُريد عليّاً رضي الله عنه فلم أجده ، فقالت فاطمة : «انطلقَ إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) يدعوه ، فاجلس . فجاء مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)فدخل ودخلتُ معهما ، قال : فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) حسناً وحسيناً فأجلس كلّ واحد منهما على فخذه ، وأدنى فاطمة من حجره وزوجها ، ثمّ لفّ عليهم ثوبه ، وأنا شاهد ، فقال : «﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ، اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي»(١) .

قال الحاكم النيسابوري : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرّجاه(٢) .

وعن أُمّ سلمة ، قالت : في بيتي أُنزلت : ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ، قالت : فأرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى فاطمة وعليّ والحسن والحسين ، فقال : «هؤلاء أهل بيتي»(٣) .

أمّا حديث أبي الحمراء : فأخرجه ابن جرير وابن مردويه ، وفيه : قال : رأيت رسول الله إذا طلع الفجر جاء إلى باب عليّ وفاطمة فقال : «الصلاة الصلاة ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾(٤) .

وعن أبي سعيد الخدري في قوله عزّ وجلّ : ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ، قال : نزلت في خمسة : في رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وعليّ ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين(٥) .

١- صحيح ابن حبّان ١٥ : ٤٣٢ ، المستدرك على الصحيحين ٢ : ٤١٦ ، المعجم الأوسط ٣ : ١٦٥ ـ ١٦٦ .

٢- المستدرك على الصحيحين ٢ : ٤١٦ .

٣- المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٤٦ ، السنن الكبرى للبيهقي ٢ : ١٥٠ .

٤- راجع : تحفة الأحوذي ٩ : ٤٩ ، الاستيعاب ٤ : ١٥٤٢ ، جامع البيان ٢٢ : ٩ ، تفسير ابن كثير ٣ : ٤٩٢ .

٥- المعجم الصغير ١ : ١٣٥ ، جامع البيان ٢٢ : ٩ ، البيان في عدّ آي القرآن : ٢٥ ، أسباب نزول الآيات : ٢٣٩ ، تاريخ بغداد ٩ : ١٢٨ ، تاريخ الإسلام للذهبي ٣ : ٤٤ .

٧٨

وفي قصَة اغتيال الإمام الحسن (عليه السلام) روي أنّه بينما هو يصلّي إذ وثب عليه شخص فطعنه بخنجر وهو ساجد ، ثمّ خطب الناس فقال : «يا أهل العراق ! اتّقوا الله فينا ; فإنّا أُمراؤكم ، ونحن أهل البيت الذين قال الله فيهم : ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾» ، فمازال يقولها حتى ما بقي أحد من أهل المسجد إلاّ وهو يبكي(١) .

وقال الفخر الرازي : أكثر المفسّرين أنّها نزلت في عليّ وفاطمة والحسنين رضي الله عنهم(٢) .

وقال أيضاً : روي أنّه (عليه السلام) لمّا خرج في المرط الأسود ، فجاء الحسن رضي الله عنه فأدخله ، ثمّ جاء الحسين رضي الله عنه فأدخله ، ثمّ فاطمة ، ثمّ عليّ رضي الله عنهما ، ثمّ قال : ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ، واعلم أنّ هذه الرواية كالمتّفق على صحّتها بين أهل التفسير والحديث(٣) .

وأمّا عن معنى «الرجس» في هذه الآية فهناك أقوال :

قال ابن جرير الطبري : قال ابن زيد ، في قوله : ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ، قال : الرجس هاهنا : الشيطان ، وسوى ذلك من الرجس : الشرك(٤) .

وقال الجصّاص : المراد : طهارة الإيمان والطاعات ، وقيل : إنّ المراد : وطهّرك من سائر الأجناس من الحيض والنفاس وغيرهما(٥) .

١- راجع : تاريخ مدينة دمشق ١٣ : ٢٦٨ ، السيرة الحلبية ٣ : ٣٥٩ .

٢- نقله عنه الثعلبي في تفسيره ٨ : ٣٦ .

٣- تفسير الرازي ٨ : ٨٥ .

٤- جامع البيان ٢٢ : ٨ ـ ٩ .

٥- أحكام القرآن ٢ : ١٦ .

٧٩

وقال أيضا : يحتمل : التطهير من الذنوب ، ويحتمل : التطهير من الأحداث والجنابة والنجاسة ، كقوله تعالى : ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ﴾(١) ، وقوله تعالى : ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾(٢) ، فانتظم لطهارة الجنابة والطهارة من النجاسة ، وقوله تعالى : ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾(٣) فلمّا احتمل المعنيين ، فالواجب : حمله عليهما ، فيكون المراد : التطهير من الأحداث والتطهير به أيضاً من الذنوب(٤) .

وقال السمرقندي : يعني : من الإثم والذنوب(٥) .

وقال السُلَمي : قال أبو بكر الورّاق : ﴿الرِّجْسَ﴾ : الأهواء والبدع والضلالات ، ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ من دنس الدنيا والميل إليها .

قال بعضهم : ﴿الرِّجْسَ﴾ هو : الغلّ والغش والحسد ، ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾بالهدى والتوفيق .

وقال علي بن عبد الرحمن في قوله : ﴿لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ ، قال : البخل والطمع ، ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ بالسخاء والإيثار .

قال ابن عطاء : يذهب عن نفوسكم رجس الفواحش ويطهّر قلوبكم بالإيمان والرضا والتسليم(٦) .

وقال الثعلبي : من نجاسات الجاهلية ; وقال مجاهد : ﴿الرِّجْسَ﴾ : الشك ، ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ من الشرك(٧) .

١- المائدة -٥- : ٦ .

٢- الأنفال -٤- : ١١ .

٣- المدثر -٧٤- : ٤ .

٤- أحكام القرآن ٢ : ٤٩٠ .

٥- تفسير السمرقندي ٣ : ٥٦ .

٦- تفسير السلمي ٢ : ١٤٥ .

٧- تفسير الثعلبي ٨ : ٣٥ .

٨٠