×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 13) / الصفحات: ٢١ - ٤٠

(٢) جانجيا تمبو (إبراهيم) (شافعي / مالاوي)

[image] - مركز الأبحاث العقائدية

تمّت الإشارة إلى مقتطفات من سيرته، وكيفية استبصاره، في (١: ١٥) من هذه الموسوعة، ونشير هنا إلى ما لم يذكر سابقاً.

قبل الاستبصار لم يكن يرَ «جانجيا» للحياة أيّة ثمرة عندما كان يواجه المصاعب والمصائب; فعندما كان يصاب بأذى من أحد، أو يغضب منه، سريعاً ما كانت تبدو على وجهه مشاعر اليأس من هذه الحياة، وكان يتساءل مع نفسه: ما هي الغاية من وجودي، ولِمَ أنا موجود؟ وهل يجب علَيّ تحمّل كلّ هذه المصائب؟!

ولكنّه لم يجد لتلك الأسئلة جواباً مقنعاً..

فلمّا بلغ رشده وبدأ يميّز بين المبادىء والرؤى الموجودة، وجد دينَين سماويّين معروفَين بين أهله وأصدقائه: الإسلام والمسيحية.

وبما أنّه كان يعدّ نفسه مسلماً، مع بُعده عن حقيقة الإسلام وجوهر العقيدة، كان يميل إلى قراءة القرآن الكريم، وكان يجد راحة في نفسه عند تلاوته، ورغبة في معرفته وفَهم معانيه.

ولكنّه من جهة أُخرى بدا متحيّراً لما كان يراه من المخاصمة بين المسلمين أنفسهم; فكلّ منهم يدّعي أنّ ما يتّبعه الحقّ، وما هو أحقّ بأن يؤخذ ويُتّبع، فقرّر العكوف على دراسة اللغة العربية والعقائد عند مختلف فرق المسلمين، ليرى: هل ما

٢١

يدين الله به (وهو المذهب الشافعي) هو المذهب الذي يسير بصاحبه إلى الجنّة والرضوان ونيل السعادة في الدارين، أم لا؟

وبعد فترة ليست بالقصيرة من البحث والتحقيق توصّل «جانجيا» إلى أنّ ما يتعبّد الله به لم يكن هو الحقّ المطابق للعقل والنقل، بل إنّ مذهب أهل البيت (عليهم السلام)هو ما أراده النبي (صلى الله عليه وآله) للمسلمين من بعده.

يرى «جانجيا» أنّ أهمّ ما توصّل إليه بعد مراجعة أدلّة المذاهب الإسلامية هو:

١ ـ كون أُصول الدين منطقية في مذهب أهل البيت (عليهم السلام).

٢ ـ كون مذهب أهل البيت (عليهم السلام) هو المنصوص عليه في القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة.

٣ ـ كون هذا المذهب هو الحقّ، وهو الإسلام الأصيل الذي ينبغي أن يُتّبع(١)..

١- ما ذكر هنا مقتطفات من رسالة المستبصر التي بعثها لمركز الأبحاث العقائدية (بتصرف يسير).

٢٢

(٣) خليل عثمان (شافعي / مالاوي)

[image] - مركز الأبحاث العقائدية

ولد عام ١٤٠٠ هـ (١٩٨٠م) في مدينة «ماشينغا» المالاوية لأُسرة سنّية شافعية المذهب.

نشأ «خليل» في هذه الأُسرة على أنّ المذهب الذي ينتمي إليه هو المذهب الحقّ الذي أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) باتّباعه، إلى أن سمع بمجموعة من المسلمين ينتمون إلى المذهب الشيعي.

يقول «خليل»: كنت في مدينة زومبا، وسمعت هناك بوجود فرقة تسمّى الشيعة، فحصل عندي رغبة في التعرّف عليهم والبحث عن معتقداتهم، وكانت الشبهات التي تطرح ضدّهم تحفّزني لمواصلة البحث والتحقيق.

وكان أن سمع «خليل» بعد ذلك بمدرسة للشيعة في العاصمة المالاوية «ليلونغو»، فذهب إليها ليتعرّف على مذهب أهل البيت (عليهم السلام) من قريب، ويسمع من أتباع المذهب الشيعي أدلّتهم على أحقّية هذا المذهب، وما يدينون الله به دون الرجوع إلى مناوئيهم ومعاديهم، الذين يحاولون ليلاً ونهاراً النيل منهم، بإلقاء مختلف التهم والافتراءات.

حديث الثقلين وعدم افتراقهما:

يعدّ حديث الثقلين من أهمّ الأدلّة التي يستدلّ بها أتباع مدرسة أهل

٢٣

البيت (عليهم السلام) على أحقّية هذا المذهب، ولهذا نجد محاولات حثيثة من الوهّابية للادّعاء بأنّ مقطعاً من حديث الثقلين ـ وهو: قوله (صلى الله عليه وآله): «إنّهما لن يفترقا حتّى يردا علَيّ الحوض»، أي: الكتاب والعترة أهل البيت (عليهم السلام) ـ لم يثبت بسند صحيح، ولا يمكن الاحتجاج به.

قال ابن تيمية: إنّ لفظ الحديث الذي في صحيح مسلم... فحثّ على... وهذا اللفظ يدلّ على أنّ الذي أمرنا بالتمسّك به وجعل المتمسّك به لا يضلّ هو: كتاب الله(١).

ومن المعاصرين: الأرنؤوط; قال: قلنا: وقد ورد التصريح بأنّ المراد من قوله: وعترتي، هو: وجوب مراعاتهم ومحبّتهم، واجتناب ما يسوؤهم، والاحتراز عمّا يؤذيهم في حديث زيد بن أرقم عند مسلم(٢).

إذاً كلّهم يؤكّدون أنّ الصحيح: ما ورد في صحيح مسلم، حتّى يضيّعوا على الأُمّة مقطع: «ما إن تمسّكتم، أو: ما إن أخذتم، و: لن تضلّوا، و: لن يتفرقا حتّى يردا علَيّ الحوض».

والمتابع يجد بأنّ هناك طريقين أشار إليهما الطبراني في المعجم الكبير، وكلا الطريقين صحيح من الدرجة العالية جدّاً; إذ لم يختلف أحد في وثاقة رجال السندين.

عن زيد بن أرقم، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يتفرقا حتّى يردا علَيّ الحوض»(٣).

ونص هذه الرواية أيضاً ورد في كتاب آخر لأبي يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي، المتوفّى سنة ٢٧٧ هـ ; قال: (حدّثنا يحيى، حدّثنا جرير، عن الحسن بن

١- منهاج السنة ٤: ٣٠٠.

٢- مسند أحمد، بتعليق الأرنؤوط ١٧: ١٧٥.

٣- المعجم الكبير للطبراني ٥: ١٦٩ و١٧٠.

٢٤

عبيد الله، عن أبي الضحى، عن زيد بن أرقم، قال: قال النبي: «إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا: كتاب الله ـ عزّ وجلّ ـ وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يتفرقا حتّى يردا علَيّ الحوض»(١).

وهذا هو السند نفسه من جرير وحسن بن عبيد الله وأبي الضحى وزيد بن أرقم، وكلّهم ثقات.

وأمّا الفسوي، فيقول عنه الذهبي: يعقوب بن سفيان أبو يوسف الفسوي الحافظ، عن: أبي عاصم وأبي نعيم، وعنه: النسائي والترمذي وعبد الله بن درستويه، ثقة مصنّف خيّر صالح(٢).

وأمّا شيخه يحيى، فقال عنه الذهبي: يحيى بن يحيى بن بكر التميمي النيسابوري أبو زكريا، أحد الأعلام، عن: مالك وزهير بن معاوية، وعنه: البخاري ومسلم وداود بن الحسين البيهقي، قال أحمد: ما أخرجت خراسان بعد ابن المبارك مثله، وقال ابن راهويه: ما رأيت مثله... ثَبْت فقيه، صاحب حديث، وليس بالمكثر جداً.... نقل عنه البخاري ومسلم والترمذي(٣).

والمهم في هذا النص: أنّ فيه أيضاً: «ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا: كتاب الله عزّ وجلّ، وعترتي» فالتمسّك هنا لا يريد منه: «أذكّركم الله في أهل بيتي»، كما في مسلم، وتوهّم الوهّابية بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله) كان مراده ذلك.

وبهذا يتبيّن أنّ ما ذكر عن المعجم الكبير للطبراني، وما جاء في المعرفة والتاريخ للفسوي روايات صحيحة السند لا مجال للتشكيك في سندها.

بل إنّ الألباني يقول: إنّ الرواية ـ التي فيها عطية العوفي، والذي ناقشوا فيه وقالوا: إنّه ضعيف; لأنّه شيعي ـ أيضاً حسنة يمكن الاستناد عليها، قال: وشاهد آخر

١- المعرفة والتاريخ ١: ٢٩٥.

٢- الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستّة ٢: ٣٩٤.

٣- الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستّة ٢: ٣٧٨.

٢٥

من حديث عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري، يقول: «إنّي تارك... ألا وإنّهما لن يتفرقا حتّى يردا علَيّ الحوض» ... وهو إسناد حسن في الشواهد(١).

مع العلم بأنّ النصوص التي جاءت في المعجم الكبير للطبراني والمعرفة والتأريخ للفسوي لا يوجد فيها عطية العوفي.

بل إنّ الألباني صحّح هذه الرواية في موارد متعدّدة ـ وهي التي فيها مقطع: «وإنّهما لن يتفرقا حتّى يردا علَيّ الحوض»، كما صرّح بذلك في كتاب صحيح الجامع الصغير; قال: «ولن يتفرقا حتّى يردا علَيّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما. صحيح»(٢).

وصحّحها الألباني في كتاب صحيح سُنن الترمذي; قال: قال رسول الله: «إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم فيه لن تضلّوا أبداً، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي... ولن يتفرقا حتّى يردا علَيّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما. صحيح»(٣).

هذا مضافاً إلى أنّ هناك طرقاً أخرى متعدّدة لتصحيح هذا الحديث، منها: ما ذكره الطحاوي، المتوفّى سنة ٣٢١ هـ ; يقول: ... عن زيد بن أرقم، قال: لمّا رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن حجّة الوداع ونزل بغدير خم أمر بدوحات... «فإنّهما لن يتفرقا حتّى يردا علَيّ الحوض». قال أبو جعفر: هذا الحديث صحيح الإسناد، لا طعن لأحد في أحد من رواته(٤).

وكذلك نقله ابن كثير، المتوفّى سنة ٧٧٤ هـ قال: «فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا علَيّ الحوض»، قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي: وهذا

١- سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤: ٣٥٦ و٣٥٧.

٢- صحيح الجامع الصغير ١: ٤٨٢.

٣- صحيح سنن الترمذي ٣: ٥٤٣.

٤- شرح مشكل الآثار ٥: ١٨.

٢٦

حديث صحيح(١)، ولم يعلّق عليه ابن كثير، فابن كثير يسلم بصحّة هذا الحديث.

وممّن أشاروا إلى ذلك: علاّمة بغداد الآلوسي، في ذيل هذه الآية من سورة الأحزاب: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله﴾(٢); يقول: وأنت تعلم أنّ ظاهر ما صحّ من قوله (صلى الله عليه وآله): «إنّي تارك فيكم خليفتين ـ وفي رواية ثقلين ـ : كتاب الله، حبل ممدود ما بين السماء والأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا علَيّ الحوض»(٣)، فلا مجال للريب فيه.

فحديث الثقلين المشتمل على قوله: «وإنّهما لن يفترقا، أو يتفرقا، حتّى يردا علَيّ الحوض» صحيح إلاّ عند الوهّابية.

ولكن مع كلّ هذا تجد أنّ ابن تيمية عندما يأتي إلى هذا الحديث بهذا المقطع يقول: وأمّا قوله: «وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا علَيّ الحوض»، فهذا رواه الترمذي، وقد سُئل عنه أحمد، فضعّفه، وضعّفه غير واحد من أهل العلم، وقالوا: لا يصحّ(٤).

فهو وعلى طريقته المعهودة يحاول أن يوهم القارىء بأنّ هذا الحديث لا أصل له!

وهذا إن دلّ على شيء فإنّه يدلّ على نصب العداء من هذا الشخص ومن يتبعه لأهل البيت (عليهم السلام) والبغض لهم، فمع تصحيح كلّ هولاء الأعلام ولكنّهم عندما يصلون إلى هذه الرواية يقولون: بأنّ هذا المقطع فيها غير صحيح.

وهناك عدّة شواهد تثبت بأنّ النص الذي ورد عن زيد بن أرقم، وذكره الطحاوي أو الفسوي أو الطبراني أو الحاكم أو الذهبي أو ابن كثير أو الألباني

١- البداية والنهاية ٧: ٦٦٨.

٢- الأحزاب -٣٣-: ٣٣.

٣- روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ٢٢: ١٦.

٤- منهاج السنّة ٤: ٤٠٠.

٢٧

وغيرهم، أدقّ وأصحّ ممّا ورد في صحيح مسلم.

أوّلاً: إنّ الواقعة واحدة وليست متعدّدة، كما أنّ الراوي واحد; فإنّه تكلّم في غدير خم ولم يتكلّم رسول الله(صلى الله عليه وآله) في غدير خم في عمره إلاّ مرة واحدة، فلا يمكن القول بأنّ زيد بن أرقم نقل الرواية عن واقعتين.

ثانياً: إنّ هذه الواقعة بالنصوص الصحيحة لم يسمعها زيد بن أرقم فقط، بل سمعها العشرات، وبتعبير بعض الروايات: ثلاثون، وبعض الروايات: ناس كثير. وهو ما تشير له الرواية التي ينقلها الألباني; قال: جمع عليّ (رضي الله عنه) الناس في الرحبة ثم قال لهم: «أنشد الله كلّ امرىء مسلم سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم غدير خم ما سمع لَما قام». فقام ثلاثون من الناس، فشهدوا حين أخذ بيده، فقال للناس: أتعلمون أنّي أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: نعم، يا رسول الله. قال: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللّهمّ والِ من والاه وعاد من عاداه». قال: فخرجت وكأنّ في نفسي شيئاً، فلقيت زيد بن أرقم، فقلت له: إنّي سمعت عليّاً يقول كذا وكذا. قال: فما تنكر؟ قد سمعت رسول الله يقول ذلك(١).

وهنا يظهر بشكل واضح أنّ زيد بن أرقم يروي واقعة واحدة وليست متعدّدة.

وعند المقارنة بين نص مسلم الذي يقول فيه: كبرت سنّي وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعيه، والنصوص الأُخرى نجد أنّ النصوص الأُخرى أدقّ; إذ يقول: فقلت لزيد: سمعته من رسول الله؟ يعني: أنّه قال لعلي، فقال: ما كان في الدوحات أحد إلاّ رآه بعينه وسمعه بأُذنيه، يعني: هؤلاء الثلاثون لا أقل، هؤلاء الناس الكثيرون الذين وصل إليهم صوت رسول الله(صلى الله عليه وآله).

فكيف يمكن مع كلّ هذا أن نقول: أنّ النص الوارد في صحيح مسلم مقدّم على

١- سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤: ٣٣٠ و٣٣١.

٢٨

النص الوارد عن هؤلاء الأعلام؟!

اندفاع الشبهات والاستبصار:

بعد التعرّف على الأحاديث التي تدلّ على ضرورة اتّباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، واتّضاح الجواب عنده على كثير من الشبهات التي كان تطرح ضدّ هذا المذهب، قرّر «خليل» الاستبصار وتغيير انتماءه المذهبي، وأعلن عن اتّباعه للمذهب الشيعي عام ١٤١٦ هـ (١٩٩٦م) في مدينة «ليلونغو» في مالاوي.

يقول «خليل» عن فترة ما بعد الاستبصار:.. بعدها كنت معرّضاً للأسئلة عن الشيعة، فكنت أُدافع عنهم، وأُبيّن أنّهم ليسوا كما يقول الوهّابية.. وقد دفعني ذلك ـ أي: التعرّض للأسئلة ـ إلى المزيد من البحث عن الشيعة، وكنت أُحرّض الأصدقاء للتسجيل في المدرسة الشيعية; لأجل تقوية عقائدهم(١).

١- للمستبصر ملف صوتي في «مركز الأبحاث العقائدية»، ذكر فيه أدلّة استبصاره وكيفيته.

٢٩

(٤) داود مصطفى (شافعي / مالاوي)

[image] - مركز الأبحاث العقائدية

ولد عام ١٣٩٧ هـ (١٩٧٧م) في مدينة «مجينج» في «مالاوي»، ونشأ في أوساط عائلية تعتنق المذهب الشافعي.

لم يكن «داود» في بداية الأمر من المهتمّين بالأُمور الدينية، ولكنّه أخذ يلتفت إلى الدين لعسر وضيق مرّ به في مرحلة من مراحل حياته، وعندما بدأ بالغور في عمق المسائل الدينية والوقائع التاريخية بدأت بعض الأسئلة والاستفسارات تمرّ في ذهنه، وكثرت هذه التساؤلات يوماً فيوماً حتّى ـ وكما يقول هو ـ «اصطدم بالواقع» منذ تعرّف على الفكر الشيعي.

فبين صفحات تاريخ المسلمين ما هو الصحيح وما ليس كذلك، ومن الضروري للباحث المنصف أن يبحث عن الحقيقة، ولا يقبل كلّ ما نقله المؤرّخون إلاّ بالدليل والبرهان; فإنّ الجميع يعلم بمواقف سلاطين الجور ووعّاظهم تجاه بيان الحقائق التي تضر ـ حسب اعتقادهم ـ بهم وبسلطتهم.

وكان من أبرز الأشخاص الذين تلاعبوا بالحقائق لمصلحتهم الشخصيّة، وأشدّهم وأكثرهم تأثيراً في تزويرها: معاوية بن أبي سفيان.

هيئة كتابة التاريخ برئاسة معاوية:

ما إن استشهد أمير المؤمنين (عليه السلام) حتّى انتقل معاوية من حربه العسكرية، التي

٣٠

قاد فيها القاسطين لحرب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في معركة صِفّين، إلى حربه الإعلامية ضدّه (عليه السلام); إذ اتّخذ سلسلة من الإجراءات بهذا الصدد، ومنها:

أوّلاً: البراءة من الإمام عليّ (عليه السلام):

كان معاوية قد أوجد سنّة سبّ الإمام علي (عليه السلام) في حياته; إذ قنت عليه ولعنه بالصلاة وخطبة الجمعة، وأضاف إليه الحسن والحسين وابن عباس والأشتر النخعي(١)، ولذا كان من شروط الإمام الحسن (عليه السلام) على معاوية: عدم سبّ الإمام علي (عليه السلام); فقد جاء في وثيقة الصلح بينهما: «ألاّ يتّبع أحداً بما مضى، ولا ينال أحد من شيعة علي بمكروه، ولا يذكر علياً إلاّ بخير»(٢).

إلاّ أنّ معاوية لمّا بسط سيطرته على الحكم تجاوز الحدّ ليس فقط بسبّ الإمام علي (عليه السلام)، بل جعل البراءة من الإمام من المسائل التي تزكّي الفرد أو تتّهمه(٣).

وكان معاوية يقول في آخر خطبة الجمعة: اللهم إنّ أبا تراب ألحد في دينك، وصدّ عن سبيلك; فالعنه لعناً وبيلاً، وعذّبه عذاباً أليماً.. وإنّه كتب بذلك إلى الآفاق، فكانت هذه الكلمات يذاع بها على المنابر، واستمرّ ذلك إلى خلافة عمر بن عبد العزيز(٤).

بل إنّ لعن الإمام علي (عليه السلام) في موسم الحج أصبح من المستحبّات(٥).

وكان خالد بن عبد الله القسري، والي العراق لهشام بن عبد الملك، يقول في خطبته: اللهم العن عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، صهر رسول الله على

١- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٦: ١٣٧.

٢- مقاتل الطالبيين: ٤٣، وشرح نهج البلاغة ١٦: ٤٤.

٣- شرح نهج البلاغة ٤: ٥٦ ـ ٥٨.

٤- شرح نهج البلاغة ٤: ٥٦ ـ ٥٧.

٥- شرح نهج البلاغة ٤: ٥٧.

٣١
موسوعة من حياة المستبصرين ج ١٣ » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ٣١ - ص ٦٠)

ابنته، وأبا الحسن والحسين! ثمّ يقبل على الناس ويقول: هل كنّيت؟!(١).

وكانت جماعة من بني أُمية قالت لمعاوية بعد سنين من حكمه: إنّك قد بلغت ما أمّلت، فلو كففت عن لعن هذا الرجل! فقال: لا والله حتّى يربو عليه الصغير، ويهرم عليه الكبير، ولا يذكر له ذاكر فضلاً(٢)!

وكان هذا الأمر قد أخبر به الإمام عليّ (عليه السلام); إذ قال لأصحابه: «أما إنّه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم، مندحق البطن، يأكل ما يجد، ويطلب ما لا يجد، فاقتلوه، ولن تقتلوه، ألا إنّه سيأمركم بسبّي والبراءة منّي، فأمّا السبّ فسبّوني; فإنّه لي زكاة ولكم نجاة، وأمّا البراءة فلا تتبرؤوا منّي; فإنّي ولدت على الفطرة، وسبقت إلى الإيمان والهجرة»(٣).

وبعد ما تولّى معاوية الأمر كتب كتاباً إلى جميع الولايات جاء فيه: «أن برئت الذمّة ممّن روى شيئاً من فضل أبي تراب»(٤).

يقول المدائني (هو أحد الإخباريين ت ٢٢٤ هـ، وله مؤلّفات عدّة، فُقد أكثرها، ومن بينها: كتاب الأحداث، الذي اعتمده ابن أبي الحديد في هذا الموضوع): «فقامت الخطباء في كلّ كورة، وعلى كلّ منبر، يلعنون عليّاً، ويبرؤون منه، ويقعون فيه وفي أهل بيته»(٥).

قال أبو جعفر الاسكافي المعتزلي (ت ٢٠٤ هـ): «إنّ بني أُمية منعوا من إظهار فضائل الإمام عليّ (عليه السلام)، وعاقبوا على ذلك الراوي له، حتّى أنّ الرجل إذا روى عنه

١- شرح نهج البلاغة ٤: ٥٧.

٢- شرح نهج البلاغة ٤: ٥٧.

٣- نهج البلاغة ١: ١٠٥، وراجع: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٤: ٥٤، النهاية في غريب الحديث ٢: ١٠٥.

٤- شرح نهج البلاغة ١١: ٤٤، النصائح الكافية لابن عقيل: ٩٧.

٥- شرح نهج البلاغة ١١: ٤٤، النصائح الكافية: ٩٧.

٣٢

حديثاً لا يتعلّق بفضله بل بشرائع الدين لا يتجاسر على ذكر اسمه، فيقول: عن أبي زينب(١).

وروى أبو غسّان البصري: إنّ عبيد الله بن زياد بن أبيه بنى في البصرة أربعة مساجد تقوم على بغض الإمام عليّ (عليه السلام) والوقيعة به، وهي: مسجد بني عدي، ومسجد بني مجاشع، ومسجد كان في العلافين على فرضة البصرة، ومسجد في الأزد(٢).

ولمّا تولّى المغيرة بن شعبة الكوفة لمعاوية، أمر حجر بن عدي أن يقوم في الناس ويلعن الإمام عليّاً(عليه السلام)، فأبى ذلك، فأخذ يهدّده، فقام حجر وقال: أيها الناس، إنّ أميركم أمرني أن ألعن عليّاً، فالعنوه. ويقصد المغيرة باللعن(٣).

وقرّر زياد بن أبيه يوماً أن يستعرض أهل الكوفة أجمعين على البراءة من الإمام عليّ (عليه السلام)، وأن يقتل كلّ من امتنع من ذلك، فضربه الله ذلك اليوم بالطاعون ومات(٤).

ومن الذين عملوا بوصايا معاوية: عمرو بن ثابت أخو زيد بن ثابت، وكلاهما معاد للإمام عليّ (عليه السلام); فقد كان عمرو أيام معاوية يركب ويدور في قرى الشام، ويجمع أهلها ويقول: أيّها الناس، إنّ عليّاً كان رجلاً منافقاً، أراد أن ينخس برسول الله (صلى الله عليه وآله) ليلة العقبة، فالعنوه، فيلعنه أهل تلك القرية، ثمّ يسير إلى قرية أخرى، وهكذا(٥).

١- شرح نهج البلاغة ٤: ٧٣.

٢- شرح نهج البلاغة ٤: ٩٤ ـ ٩٥.

٣- شرح نهج البلاغة ٤: ٨٥.

٤- شرح نهج البلاغة ٤: ٨٥.

٥- شرح نهج البلاغة ٤: ١٠٣.

٣٣

ثانياً: اضطهاد أصحاب الإمام عليّ (عليه السلام):

كان من شروط الإمام الحسن (عليه السلام) على معاوية: عدم تتبّع أصحاب الإمام عليّ (عليه السلام)(١)، إلاّ أن معاوية لم يفِ بهذا الشرط; إذ كتب لولاته: (ألاّ يجيزوا لأحد من شيعة عليّ وأهل بيته شهادة)(٢).

ويبدو أنّ الكتاب الأخير ترك أثراً سلبياً على أصحاب الإمام عليّ (عليه السلام)، وكان أشدّه في الكوفة، إذ يقول المدائني: (وكان أشدّ الناس بلاءً حينئذ أهل الكوفة، لكثرة من بها من شيعة(٣) عليّ (عليه السلام)، فاستعمل عليهم زياد بن سمية، وضمّ إليه البصرة، فكان يتتبّع الشيعة وهو بهم عارف; لأنّه كان منهم أيام عليّ (عليه السلام)، فقتلهم تحت كلّ حجر ومدر، وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل، وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشرّدهم عن العراق، فلم يبقَ بها معروف منهم(٤).

ويقول المدائني: إنّ معاوية كتب كتاباً آخر جاء فيه: انظروا من قامت عليه البيّنة أنّه يحب عليّاً وأهل بيته، فامحوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه)(٥).

ولم يقتصر الأمر على أصحاب الإمام (عليه السلام) بل امتدّ إلى كلّ من يشتبه بموالاته للإمام ولأهل البيت (عليهم السلام) وأصحابه; إذ جاء في أحد كتب معاوية: (ومن اتّهمتموه بموالاة هؤلاء القوم، فنكّلوا به، واهدموا داره)(٦).

ولنا أن نتصوّر كيف كان الحال بعد هذا المرسوم، فلم يكن البلاء أشدّ ولا أكثر

١- شرح نهج البلاغة ١٦: ٤٤.

٢- شرح نهج البلاغة ١١: ٤٤، النصائح الكافية: ٩٧.

٣- ليس المقصود بلفظ الشيعة هنا من يعتقد بولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)، وإنما يقصد به من ناصر الإمام عليّاً (عليه السلام) أيام خلافته، بدليل ذكره زياداً; لأنّه كان من أنصار الإمام عليّ (عليه السلام) أيام خلافته ثمّ أصبح من أعدائه فيما بعد.

٤- شرح نهج البلاغة ١١: ٤٤.

٥- شرح نهج البلاغة ١١: ٤٥.

٦- شرح نهج البلاغة ١١: ٤٥.

٣٤

منه بالعراق، ولاسيّما الكوفة، حتّى أنّ الرجل من شيعة عليّ (عليه السلام) ليأتيه من يثق به فيدخل بيته، فيلقي إليه سرّه، ويخاف من خادمه ومملوكه، ولا يحدّثه حتّى يأخذ عليه الأيْمان الغليظة ليكتمنّ عليه(١).

وفي حديثه لأبان بن أبي عياش أجاد الإمام محمّد الباقر (عليه السلام) تصوير الحال وقتذاك بقوله: «فقتلت شيعتنا بكلّ بلدة، وقُطعت الأيدي والأرجل على الظنّة، وكان من يذكر بحبّنا والانقطاع إلينا سُجن، أو نُهب ماله، أو هُدمت داره، ثمّ لم يزل الأمر يشتدّ ويزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسين (عليه السلام)، ثمّ جاء الحجّاج فقتلهم كلّ قتلة وأخذهم بكلّ ظنّة وتهمة، حتّى أنّ الرجل ليقال له: زنديق، أو: كافر، أحبّ إليه من أن يقال: شيعة عليّ»(٢).

ثالثاً: تقريب خصوم الإمام عليّ (عليه السلام):

بعد أن أفرغ معاوية الساحة تماماً من أصحاب الإمام عليّ (عليه السلام)، ملأها بخصوم الإمام (عليه السلام); فقد جاء في أحد كتبه لولاته: أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبّيه وأهل ولايته، والذين يروون فضائله ومناقبه، فادنوا مجالسهم وقرّبوهم، وأكرموهم، واكتبوا لي بكلّ ما يروي كلّ رجل منهم، واسمه واسم أبيه وعشيرته(٣).

رابعاً: افتعال فضائل لعثمان:

لقد أحسن خصوم الإمام أداء المهمة التي أُوكلت إليهم، حتّى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه; لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع، ويفيضه في العرب منهم والموالي، فكثر ذلك في كلّ مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجيء أحد مردود من الناس عاملاً من عمّال معاوية، فيروي

١- شرح نهج البلاغة ١١: ٤٥.

٢- شرح نهج البلاغة ١١: ٤٤.

٣- شرح نهج البلاغة ١١: ٤٤.

٣٥

في عثمان فضيلة أو منقبة إلاّ كتب اسمه وقرّبه وشفّعه(١).

خامساً: افتعال فضائل لسائر الصحابة مقابل فضائل الإمام عليّ (عليه السلام):

جاءت المرحلة الأخيرة التي شكّل فيها معاوية لجنة من مجموعة من الصحابة كعمرو بن العاص وأبي هريرة، والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين عروة بن الزبير(٢)، وكانت مهمّتها:

١ ـ افتعال فضائل للصحابة.

٢ ـ وضع فضائل للصحابة مقابل فضائل الإمام عليّ (عليه السلام).

٣ ـ افتعال مثالب للإمام عليّ (عليه السلام).

ولذا كان لكلّ واحد من هؤلاء دور في تنفيذ أمر معاوية!

كما جاء في أحد كتب معاوية: (إنّ الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كلّ مصر، وفي كلّ وجه وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا، فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأوّلين، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلاّ وتأتوني بمناقض له في الصحابة، فإنّ هذا أحبّ إليّ وأقرّ لعيني، وأدحض لحجّة أبي تراب وشيعته، وأشدّ عليهم من مناقب عثمان وفضله)(٣).

لقد وجد هذا الكتاب أُكله; فقد رويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها، وجدّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتّى أشادوا بذكر ذلك على المنابر، وأُلقي إلى معلّمي الكتاتيب، فعلّموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتّى رووه وتعلّموه كما يتعلّمون القرآن، وحتّى علّموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله... فظهر حديث كثير

١- شرح نهج البلاغة ١١: ٤٤ ـ ٤٥.

٢- شرح نهج البلاغة ٤: ٦٣.

٣- شرح نهج البلاغة ١١: ٤٥.

٣٦

موضوع، وبهتان منتشر، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة(١).

وقد استغلّ ذلك القرّاء المراءون والمستضعفون، الذين يظهرون الخشوع والنسك، فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم، ويقرّبوا مجالسهم، ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل، حتّى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديّانين الذين لا يستحلّون الكذب والبهتان، فقبلوها ورووها وهم يظنون أنّها حق، ولو علموا أنّها باطلة لَما رووها ولا تدينوا بها(٢).

هذا الواقع كان ماثلاً لدى الإمام محمّد الباقر (عليه السلام) إذ قال فيه: «ووجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعاً يتقرّبون به إلى أوليائهم وقضاة السوء وعمّال السوء في كلّ بلدة، فحدّثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة، ورووا عنّا ما لم نقله، وما لم نفعله، ليبغضونا إلى الناس، وكان عظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن (عليه السلام)»(٣).

واستمر الأمر إلى أيام ولاية الحجاج الثقفي للعراق، حيث تقرّب إليه أهل النسك والصلاح والدين ببغض عليّ وموالاة أعدائه، وموالاة من يدّعي من الناس أنّهم أيضاً أعداؤه، فأكثروا الرواية في فضلهم وسوابقهم ومناقبهم، وأكثروا الغضّ من عليّ (عليه السلام) والطعن فيه والشنآن له(٤).

إنّ من يستقرىء ذلك الواقع بإمعان يستغرب كيفية وصول فضائل الإمام عليّ (عليه السلام) إلى الأجيال; إذ لم يزده هذا المنع والتعتيم على فضائله (عليه السلام) إلاّ رفعة وسموّاً، وكأنّه المسك الذي كلّما ستر انتشر، وكلّما كتم تضوع نشره، وكأنّه شمسٌ لا تستر

١- شرح نهج البلاغة ١١: ٤٥، وراجع: المعيار والموازنة للإسكافي: ١٨.

٢- شرح نهج البلاغة ١١: ٤٥ ـ ٤٦.

٣- شرح نهج البلاغة ١١: ٤٣.

٤- راجع: شرح نهج البلاغة ١١: ٤٦.

٣٧

بالراح، وكضوء النهار الذي إن حجبت عنه عين واحدة أدركته عيون كثيرة(١)، ولذا عدّ الشيخ المفيد ذلك من باب المعجزات الخارقة للعادة(٢)، وكيف لا يكون من باب المعجزات; إذ أنّ أولياء الإمام (عليه السلام) كتموا فضائله خوفاً، أمّا أعداؤه فكتموها حسداً، ومع ذلك برز ما بين هذين ما ملأ الخافقين.

قال أبو جعفر الاسكافي: (فالأحاديث الواردة في فضله لو لم تكن في الشهرة والاستفاضة وكثرة النقل إلى غاية بعيدة، لانقطع نقلها للخوف والتقيّة من بني مروان، مع طول المدّة، وشدّة العداوة، ولولا أنّ لله تعالى في هذا الرجل سرّاً يعلمه من يعلمه لم يُروَ في فضله حديث، ولا عُرفت له منقبة)(٣).

حقائق تاريخ المسلمين تدعو لاتّباع الحقّ:

بعد أن بدأ «داود» ببحثه ومتابعته لمصادر الفريقين وجد الحقائق تتجلّى أمامه كلّما تعمّق أكثر، وإذا باستفساراته وإشكالاته تنحلّ ـ بصورة عامّة ـ وفي المقابل أخذ اعتقاده بمذهبه يتزلزل، ومكانة كثير من الشخصيات التي كانت في نظره مقدّسة تتزعزع، فحقّ أهل البيت (عليهم السلام) غصبته هذه الثلة من المتظاهرين بالإسلام، وزوّروا الأحاديث الواردة فيهم (عليهم السلام) فأشركوا في فضائلهم غيرهم، أو أهملوا فضائلهم ومنعوا نشرها ظلماً وعدواناً، بل تجرّؤا أكثر من ذلك بظلمهم العترة الطاهرة (عليهم السلام) بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله).

كلّ ذلك وغيره جعل «داود» يراجع نفسه ومنهجيّته في الاعتقاد، فقرّر اعتناق مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، والتنوّر بنورهم مهما كلّف الأمر.

وكان ذلك عام ١٤١٥ هـ (١٩٩٥م) في مدينة «ليلونجو»(٤).

١- راجع: شرح نهج البلاغة ١: ١٦ ـ ١٧.

٢- راجع: الإرشاد ١: ٣٠٩.

٣- شرح نهج البلاغة ٤: ٧٣.

٤- للمستبصر ملف في «مركز الأبحاث العقائدية»، ذكر فيه أدلّة الاستبصار، كما له لقاء مع إحدى الصحف الإيرانية.

٣٨

(٥) رفيق موسى ماوا (شافعي / مالاوي)

ولد في «مالاوي»، ونشأ في أسرة شافعية المذهب.

اتّبع «رفيق» هذا المذهب كسائر الأبناء الذين يتّبعون ما حصلت القناعة لديهم بصحّته، نظراً لانتماءات الآباء.

مقارنة بين الفكر الوهّابي وفكر مدرسة أهل البيت (عليهم السلام):

عند بلوغ مرحلة الرشد سمع «رفيق» بوجود طائفة تسمّى: «الشيعة»، في مالاوي، يقولون: أنّهم يتّبعون القرآن الكريم، وما رسمه لهم الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)وأهل البيت (عليهم السلام) من بعده (صلى الله عليه وآله) لهذه الدنيا وما بعدها، في شتّى المجالات، فأثار ذلك انتباهه وجرّه إلى أن يبحث عن مدى صحّة ما يعتقده أتباع هذا المذهب.

ومن جهة أُخرى هناك فكر ونهج آخر عند جملة من الناس، يتّهمون فيه كلّ من لا يتّفق معهم ـ ولو في أيّ مفردة دينية كانت، حتّى لو كانت تلك المفردة من المفردات الثانوية والفرعية، وليست من المفردات الأساسيّة ـ بالكفر، والفسق، والبدعة، والزندقة، والشرك.

وفي الوقت نفسه يشيعون أنّ ظاهرة التكفير إنّما هي موجودة في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، وأنّ الشيعة الإمامية هم الذين يكفّرون باقي المسلمين، ويكرّرون هذه المقولة من غير دقّة وتدبّر لمضمونها.

٣٩

وبمراجعة كتب العقائد يتّضح للباحث المنصف أنّ المروّج لظاهرة التكفير هذه هم: ابن تيمية وأتباعه، الذين يحاولون أن يسوّقوا أفكاره في الزمن الحاضر، من السلفية المحدثة ومن أتباع محمّد بن عبد الوهّاب.

موقف ابن تيمية من عموم المسلمين:

إنّ ابن تيمية وأتباعه ليست مشكلتهم مع الشيعة الإمامية الاثني عشرية فحسب، بل إنّ موقفهم هذا يعمّ الأشاعرة، وهم ـ كما قال ابن حجر الهيثمي ـ : أهل السُنّة والجماعة، وهم جمهور المسلمين، وكذلك الصوفية والمعتزلة، وغيرهم من المذاهب الإسلامية.

نجد ابن تيمية يقول: ثمّ أقرب هؤلاء الجهمية الأشعرية يقولون: إنّ له صفات... وأمّا المعتزلة فإنّهم ينفون الصفات مطلقاً... وهم أقرب الناس إلى الصابئين الفلاسفة من الروم... فهؤلاء كلّهم ضُلاّل مكذّبون للرسل.

ومن رزقه الله معرفة ما جاءت به الرسل وبصراً نافذاً، وعرف حقيقة مأخذ هؤلاء، علم قطعاً أنّهم يلحدون في أسمائه وآياته... ولهذا كانوا يقولون: إنّ البدع مشتقّة من الكفر وإليه. ويقولون: إنّ المعتزلة مخانيث الفلاسفة، والأشعرية مخانيث المعتزلة(١).

ولكي يتّضح المراد من «الجهمية» لابدّ من الرجوع إلى الذهبي لكي يعرّفنا بـ «جهم»; إذ يقول: جهم بن صفوان أبو محرز الراسبي، مولاهم السمرقندي، الكاتب المتكلّم، أُسّ الضلالة(٢).

فعندما يعبّر ابن تيمية عن هذه الطوائف بأنّها «جهمية» فهو ينسبهم إلى جهم بن صفوان، الذي يعدّونه أُسّ الضلالات.

١- راجع: مجموعة الفتاوى ٦: ٢٥٨.

٢- سير أعلام النبلاء ٦: ٢٦.

٤٠