×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 13) / الصفحات: ٥٢١ - ٥٤٠

واللطيف هنا إنّما الإقرار يكون عند من له الحق على الآخرين، وعليه يكون الأنبياء أقرّوا لله تعالى ـ لأنّه هو صاحب الحقّ عليهم ـ بفضلها ومحبّتها.

أمّا عند النبي(صلى الله عليه وآله)، فإنّ مقامها رفيع، ولو أردنا أن نكتب عن مقامها عند الرسول لاحتجنا إلى مجلّدات في هذا الأمر، ولكن على ما يسعنا المقام نقول: إنّ مقامها يظهر من خلال أحاديث الرسول(صلى الله عليه وآله) نفسه، حيث تارة يقول: «فداك أبوك»(١)، ومرّة أخرى يقول لها: «أم أبيها»(٢)، وأخرى: «بضعة منّي(٣)، ولحمها لحمي(٤) ودمها دمي»، ولكن الأهم من هذا كلّه فإنّها(عليها السلام) يكفي من مقامها ومنزلتها عند الرسول(صلى الله عليه وآله) أنّه قال في حقّها: «من عرف هذه فقد عرفها، ومن لم يعرفها فهي: فاطمة بنت محمّد، وهي بضعة منّي، وهي قلبي الذي بين جنبيّ، فمن آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله»(٥).

وأيضاً قوله(صلى الله عليه وآله): «ومن أنصفك فقد أنصفني، ومن ظلمك فقد ظلمني ; لأنّك منّي وأنا منك، وأنت بضعة من روحي التي بين جنبيّ». ثمّ قال(صلى الله عليه وآله): «إلى الله أشكو ظالميك من أمُتي»(٦).

مقامها(عليها السلام) عند الأئمّة:

ورد عن الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) أنّه قال: «نحن حجج الله على خلقه، وجدّتنا فاطمة حجّة الله علينا»(٧)، وهذا الحديث من الأحاديث العظيمة فقد أعطى

١- فتح الباري ١٠: ٤٧٠.

٢- انظر: أسد الغابة ٥: ٥٢٠.

٣- صحيح البخاري ٤: ٢١٠.

٤- ينابيع المودّة ١: ٣٤٨.

٥- الفصول المهمّة ١: ٦٦٤.

٦- كشف الغمة ٢: ١٢٠.

٧- الأسرار الفاطمية: ٩٩ نقلاً عن تفسير أطيب البيان.

٥٢١

لفاطمة(عليها السلام) وعلى لسان حفيدها شهادة عظمى بحقها..

ويظهر من خلال حديث آخر عظم منزلة ومقام فاطمة عند الأئمّة ; فقد خرج من الناحية الشريفة عن الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف أنّه قال: «وفي ابنة رسول الله(صلى الله عليه وآله) لي أسُوة حسنة..»(١).. فأيّ مقام يظهر لنا من خلال هذا التوقيع الشريف؟! والذي بيّن فيه الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف أنّ له أسوة حسنة بفاطمة، أي: اتّخذها قدوة له يتأسّى بها في المعضلات والمصائب.

وهناك كثير من المقامات التي اشتركت الزهراء(عليها السلام) مع الأئمّة فيها، من حديث كونهم الصراط المستقيم واشتراكها معهم فيه.. وكذلك كونهم الكلمات التي تلقّاها آدم لتوبته..

واشتراكها معهم في المباهلة مع وفد نجران.. وهو يدلّ على أنّها كانت قطب الرحى الذي دار في المباهلة.. وكونها الشجرة الطيّبة.. واشتراكها في النور معهم. وفي التطهير في آية التطهير... الخ من المناقب والمقامات العالية لها(عليه السلام)، ولقد تضافرت الروايات الشريفة على هذه المقامات.

مقامها(عليها السلام) يوم القيامة:

إنّ أفضل مقام تعطاه فاطمة(عليها السلام) هو مقام الشفاعة الكبرى يوم القيامة، ومن خلال هذه المنزلة يظهر قدر ومقام فاطمة عند الله تعالى يوم القيامة وأمام الخلائق جميعاً ; فلقد ورد في تفسير فرات: ... فإذا صارت عند باب الجنّة تلتفت، فيقول الله عزّ وجلّ: «يا بنت حبيبي! ما التفاتك وقد أمرت بك إلى جنّتي؟

فتقول: يا رب! أحببت أن يُعرف قدري في مثل هذا اليوم.

فيقول الله: يا بنت حبيبي! ارجعي فانظري من كان في قلبه حبّ لك، أو لأحد

١- الغيبة للطوسي: ٢٨٦.

٥٢٢

من ذرّيتك، خذي بيده فأدخليه الجنّة».

قال أبو جعفر(عليه السلام): «ـ والله ـ يا جابر، إنّها ذلك اليوم لتلتقط شيعتها ومحبّيها كما يلتقط الطير الحبّ الجيد من الحب الرديء. فإذا صار شيعتها معها عند باب الجنّة يلقي الله في قلوبهم أن يلتفتوا، فإذا التفتوا، فيقول الله عزّ وجلّ:

يا أحبائي، ما التفاتكم وقد شفّعت فيكم فاطمة بنت حبيبي؟

فيقولون: يا رب! أحببنا أن يُعرف قدرنا في مثل هذا اليوم..

فيقول الله: يا أحبائي! ارجعوا وانظروا من أحبّكم لحبّ فاطمة، انظروا من أطعمكم لحبّ فاطمة، انظروا من كساكم لحبّ فاطمة، انظروا من سقاكم شربة في حبّ فاطمة، انظروا من ردّ عنكم غيبة في حبّ فاطمة، خذوا بيده وأدخلوه الجنّة».

قال أبو جعفر(عليه السلام): «ـ والله ـ لا يبقى في الناس إلاّ شاك أو كافر أو منافق، فإذا صاروا بين الطبقات، نادوا كما قال الله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيق حَمِيم﴾، فيقولون: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾»(١).

قال أبو جعفر(عليه السلام): «هيهات هيهات! منعوا ما طلبوا، ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾»(٢)(٣).

الاهتداء بنور عظمة أهل البيت(عليهم السلام):

يقول «عبد العاطي»: من خلال قراءة كتب علماء الشيعة، والاطّلاع على مقامات ومنزلة أهل البيت(عليهم السلام)، والاتّصال بالمستبصرين في المغرب، والبحث معهم

١- الشعراء -٣-: ١٠٠ ـ ١٠٢.

٢- الأنعام -٦-: ٢٨.

٣- تفسير فرات الكوفي: ٢٩٩.

٥٢٣

في أمور متعدّدة، عرفت أنّ الحقّ مع مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وهم أدرى بالذي فيه، فاهتديت بهداهم، وركبت سفينة النجاة وتمسكت بالثقلين.

وكان استبصاره عام ١٤١٤هـ (١٩٩٤م)(١).

١- للمستبصر ملف خاص في «مركز الأبحاث العقائدية»، وقد أُجري معه لقاء ذكر فيه نبذة من سيرته وكيفية الاستبصار.

٥٢٤

(٧٦) عبد الله الدهدوه (سنّي / المغرب)

[image] - مركز الأبحاث العقائدية

ولد عام ١٣٨٥هـ (١٩٦٦م) في مدينة «طنجة» أكبر مراكز الصناعة والتجارة بالمغرب، وتربّى في أحضان أسرة سنيّة المذهب.

واصل «عبد الله» دراسته الأكاديمية بعد الذهاب إلى العاصمة البلجيكية «بروكسل»، فنال شهادة البكالوريوس في العلوم الطبيعية من إحدى الجامعات في بلجيكا.

على الصعيد العقائدي كان «عبد الله» ـ ومنذ بلوغه الفكري ـ يرى ضرورة البحث عن المعتقد بعيداً عن التعصّب الطائفي أو القومي، بل بدراسة شاملة للتاريخ والعقائد الإسلامية تتكفّل الوصول إلى برّ الأمان الذي وعد الله تعالى به عباده الصالحين.

وكان ممّا توصل إليه ضمن أبحاثه: أنّ بعض المباني التي ابتنى عليها المذهب السني لا تتلائم والتاريخ الإسلامي الذي ترويه لنا المصادر التاريخية، فمثلاً: يعد هذا الفكر نظرية «عدالة الصحابة» من أهم المباني والمرتكزات التي بنى عليها أفكاره، ولكن بمراجعة التاريخ يرى الباحث العديد من الوقائع التاريخية التي تفنّد صحة هذه النظرية.

٥٢٥

يقول «عبد الله» ضمن حديثه عن الوحدة بين المسلمين:.. لكن هذا لا يمنعنا من إثبات أنّ فلاناً من الصحابة قد أخطأ في المسألة الفلانية، وهذا لا نقوله حصراً على أبي بكر وعمر وعثمان، بل إنّ العديد من صحابة الرسول(صلى الله عليه وآله) قد أخطؤوا، ونحن لا نخفي ذلك عندما يتطلّب الأمر قوله، طبعاً نحن نقوله مع الدراسة الموضوعية العميقة.

مواقف للصحابة لابدّ من التأمّل فيها:

قال مالك في كتاب «الموطّأ»: عن أبي النضر، مولى عمر بن عبيد الله، أنّه بلغه أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال لشهداء أحُد: هؤلاء أشهد عليهم. فقال أبو بكر الصديق: ألسنا يا رسول الله بإخوانهم، أسلمنا كما أسلموا، وجاهدنا كما جاهدوا؟

فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «بلى، ولكن لا أدري ما تُحدثون بعدي».

فبكى أبو بكر، ثمّ بكى، ثمّ قال: أئنّا لكائنون بعدك؟(١).

والحديث صريح على أنّ حسن العاقبة موقوف على ما سيحدثه البعض بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) من أحداث.. ولم يصرّح النبي(صلى الله عليه وآله) هنا لسائله بالجنّة، مع أن السائل كان يذكر للنبي(صلى الله عليه وآله) من الإيرادات والاحتجاجات ليحظى بشهادته له بحسن العاقبة، إلا أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) لم يمنحه ذلك الوسام، واكتفى بقوله: بلى، ولكن لا أدري ما تحدِثون بعدي!!

وهذا المعنى الوارد في الحديث يتّفق تماماً مع ما جاء ذكره من أحاديث الحوض المعروفة الواردة في صحاح أهل السنّة، والتي جاء في بعضها قوله(صلى الله عليه وآله): يرد علَيّ يوم القيامة رهط من أصحابي، فيجلون عن الحوض، فأقول: يا ربّ أصحابي!! فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى(٢).

وأمّا الأحداث التي جرت بعد النبي(صلى الله عليه وآله)، والتي أحدث فيها بعض الأصحاب

١- الموطأ ٢: ٤٦٢.

٢- صحيح البخاري ٧: ٢٠٨.

٥٢٦

ماخالفوا فيه الكتاب والسنّة فهي كثيرة، ولعل أبرزها هو: الاعتداء على عترة النبي(صلى الله عليه وآله) وابتزاز حقّها، وأشد تلك المواقف هو: السعي إلى حرق بيت الزهراء فاطمة(عليها السلام) بضعة المصطفى(صلى الله عليه وآله) ووديعته في أُمّته، والتي قال فيها: «فاطمة بضعة منّي، يؤذيني ما آذاها ويغضبني ما أغضبها»(١).

وقد اعترف أبو بكر بهذه الحادثة ; فقد قال في مرض موته ـ فيما نقله المؤرخون والمحدّثون عنه ـ : أما أنّي لا آسى على شيء في الدنيا إلاّ على ثلاثة فعلتهنّ، وددت أنّي لم أفعلهن.. فوددت أنّي لم أكن كشفت بيت فاطمة وتركته وإن أُغلق على الحرب(٢).

وقد ذكر كلّ من البخاري ومسلم في صحيحيهما أنّ فاطمة(عليها السلام) غضبت على أبي بكر وهجرته عندما منعها إرثها عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ولم تزل مهاجرته حتّى توفّيت(٣).

هذا، مع أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) كان قد شهد لابنته فاطمة(عليها السلام) في هذا المورد بالذات ـ أي: مورد الرضا والغضب ـ أنّ رضاها وغضبها لا يكون إلاّ عن حق ; فقال(صلى الله عليه وآله)مخاطباً ابنته فاطمة(عليها السلام): «إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك»(٤)، ومن المسلّم ضرورة أنّ رضا الله وغضبه لا يكون إلاّ للحق وبالحق!!

١- الآحاد والمثاني ٥: ٣٦٢.

٢- المعجم الكبير ١: ٦٢، تاريخ الإسلام الذهبي ٣: ١١٧، كنز العمّال ٥: ٦٣٢، ونقلهُ المتّقي الهندي عن أبي عبيد في كتاب «الأموال»، وخيثمة بن سليمان الأطرابلسي في «فضائل الصحابة»، وعن الطبراني في «الكبير»، وابن عساكر، وعن الضياء المقدسي صاحب المختارة.

وأمّا عن التهديد بالإحراق فيمكن مراجعة: تاريخ الطبري ٢: ٤٤٣، شرح نهج البلاغة ٦: ٤٨، السقيفة وفدك: ٧٣.

٣- صحيح البخاري ٤: ٤٢، صحيح مسلم ٥: ١٥٤.

٤- المستدرك على الصحيحين ٣: ١٦٧، وقال الحاكم بعد ذكره للحديث: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه. المعجم الكبير ١: ١٠٨، كنز العمال ١٢: ١١١، ذخائر العقبى: ٣٩، سبل الهدى والرشاد ١١: ٤٤.

٥٢٧

كما روي عن النبي(صلى الله عليه وآله): «إنّما فاطمة شجنة ـ أي: قرابة مشتبكة ـ منّي، يبسطني ما يبسطها، ويقبضني ما يقبضها»(١).

وكان النبي(صلى الله عليه وآله) قبل هذا قد أوصى أُمته بأهل بيته(عليهم السلام)، وقال مكرّراً ذلك على أصحابه: «أذكركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي»(٢).

الاهتداء، ثمّ هداية المجتمع:

بعد فترة من البحث الشاقّ لم تدع الأدلّة الصريحة ـ في ضرورة اتّباع المذهب الشيعي ـ أمام «عبد الله» سوى تغيير الرؤية السابقة واعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، فأعلن عن استبصاره والتحاقه بركب شيعة النبي وآله(عليهم السلام).

ولتنمية رصيده الديني والارتواء من ينابيع معارف أهل البيت(عليهم السلام) قرّر الذهاب إلى إحدى أعرق الحوزات العلمية، يقول عن ذلك: تشيّعت وعمري ٢٣ سنة، وبعد أربع سنوات ذهبت للدراسة في مدينة قم بإيران، وهناك اطّلعت على الفكر الشيعي بعمق.

ثمّ عاد إلى بلجيكا، ولكن تعطّشه لتلقي التعاليم الدينية دفعه للرحيل إلى مدينة قم المقدسة ثانية، فأروى غليله ليعود هذه المرّة إلى بلجيكا، ولكن بأطروحة بنّاءة لهداية المجتمع إلى سبيل أهل البيت(عليهم السلام)، فقام ـ وخلال ما يقارب عشرين عاماً ـ بمواصلة نشاطه التبليغي والتثقيفي هناك، وتربّى عنده أكثر من ٢٠٠ طالب، كما أمّ الموالين في مسجد الإمام الرضا(عليه السلام) أكبر المساجد الشيعية في بروكسل.

إضافة إلى ذلك فقد ساهم في نشر مجلة فقهية عقائدية باللغة الفرنسية باسم «شعاع الحكمة»، كما ألّف كتاباً سمّاه: «الحرّية من وجهة نظر الإسلام والغرب».

١- أخرجه الحاكم في مستدركه ٣: ١٦٨، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه.

٢- صحيح مسلم ٧: ١٢٣، مسند أحمد ٤: ٣٦٧.

٥٢٨

الاستشهاد في سبيل الله:

لم ترُق لمرتزقة الفكر الوهّابي فكرة أن يجمع أحد أتباع المدرسة الشيعية الناس في الغرب على الولاء لأهل بيت الرسول(صلى الله عليه وآله)، فقاموا بإثارة المشاكل للحيلولة دون تأثّر الناس بكلامه، وفي آخر سعي لهم قام بعض أتباعهم بهجمة شرسة على المسجد الذي كان يؤم الناس فيه وأحرقوه، الأمر الذي أدى إلى اختناق «عبد الله» فيه ليلاقي ربّه مستشهداً في سبيله عزّ وجلّ، وكان ذلك عام ١٤٣٢هـ (٢٠١٢م).

وبعد استشهاده نقل جثمانه الطاهر إلى المغرب، وشُيّع من قبل أعداد غفيرة من معتنقي الفكر الشيعي في مسقط رأسه مدينة «طنجة»، ودفن هناك.

كما أُقيمت عدّة مجالس تأبينية في بروكسل، وغيرها من المدن التي يقطن فيها أتباع أهل البيت(عليهم السلام).

فالسلام عليه يوم ولد، ويوم استُشهد، ويوم يرزق حياً(١).

١- للمستبصر ملف في «مركز الأبحاث العقائدية»، جمعت فيه بعض كلماته، وما يرتبط بسيرته وكيفية استشهاده.

٥٢٩

(٧٧) لطفي أبو بوطي (صوفي / المغرب)

ولد عام ١٣٩٢هـ (١٩٧٣م) في مدينة مكناس ـ كلمة أمازيغية تعني المحارب ـ إحدى أعرق مدن المغرب، وكانت عاصمة للمغرب منذ عام ١٦٧٢م حتّى سنة ١٧٢٧، وهي مدينة ذات تاريخ معروف، واصل «لطفي» دراسته الجامعية، والتقى ببعض الأخوة الذين هيّجوا في داخله مشاعر الولاء لأمير المؤمنين(عليه السلام)، ممّا دفعه باللحاق بركبه(عليه السلام).

الشخصية والعقيدة:

يحاول بعض الناس معرفة تواريخ الأشخاص وسيرهم، وكلّ سيرة يتأثّر بها القارئ تُبقي في نفسه نوعاً من التغيير، إلاّ أنّ عظمة صاحب السيرة قد تجعل هذا التغيير تحوّلاً على كافّة الأصعدة الفكرية، والمنهجية، ولنقل الأيديولوجية والرؤية الكونية لشخص القارئ.

بل حتّى أنّ القرآن الكريم أشار لأهمية معرفة سير الأشخاص العظام والسير على نهجهم، قال تعالى:﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾(١)، وفلان يتأسّى بفلان، أي: يرضى لنفسه ما يرضيه،

١- لأحزاب -٣٣-: ٢١.

٥٣٠

ويقتدي به، وكان في مثل حاله(١)...

وعلى كلّ حال لا يمكن التأسّي بشخص إلاّ بعد تتبّع سيرته، ومعرفة حياته.

ولعلّ من أكثر السير التي حيّرت المفكرين: سيرة أمير المؤمنين(عليه السلام)، إذ حوت العديد من المواقف منذ ولادته حتّى وفاته، والتي لم يتوقّف أحد عن نقلها وتحليلها، فولادته كانت في الكعبة وهو أوّل من أسلم، وأوّل من صلّى مع رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وهو الذي فدى رسول الله(صلى الله عليه وآله) عند هجرته، وتزوّج ابنته(عليها السلام)، كما أنّه فاتح خيبر، والقائم بأمر رسول الله(صلى الله عليه وآله) على جنازته، وخليفته، والصابر على ما جرى عليه بعد رحيله(صلى الله عليه وآله)، وهو الذي حارب الناكثين والقاسطين والمارقين.. وغيرها ممّا يُعجز عن حصرها..

فكلّما قرأ شخص عن سيرته تعلّم عن نفسه أكثر، وفهم مسيرته، وكأنّه يقرأ عن الأمير ليتعلّم عن شخصه ; لأنّ حياة أمير المؤمنين(عليه السلام) تنير الدرب لمن أراد أن يعرف الحق، ومن عُمّي على قلبه سيجد لكلّ أمر عذراً حتّى لا يهتدي...

شخصية أمير المؤمنين(عليه السلام):

لا نحاول هنا عرض شخصية أمير المؤمنين علي(عليه السلام) بقدر ما نريد مناقشة من حاول التقليل من شأنه، وسنبحث نقاط ثلاث: علم أمير المؤمنين، وشجاعته، وقرابته من رسول الله(صلى الله عليه وآله).

(أ) علمه:

قال أبو إسحاق الشيرازي في كتابه «الإشارة إلى مذهب الحقّ»، بعد ذكره أنّ الخلافة ليس فيها نصّ، وأنّ إجماع الصحابة هو الحجّة في الأمر ; لأنّهم لم يقدّموا المفضول على الفاضل، ما نصّه:

«فإن قيل: عليٌّ أوْلى بالخلافة ; لأنّه أعلم من أبي بكر وأشجع، وكان أقرب

١- لسان العرب ١٤: ٣٥.

٥٣١

إلى النبي من أبي بكر ; لأنّه كان ابن عمّه.

يقال لهم: هذا ليس بصحيح، والدليل على أنّ أبا بكر كان أعلم الصحابة بعد النبي وأشجعهم: قوله يوم الرّدة: لو منعوني عقالاً ـ أو عناقاً ـ ممّا أعطوا رسول الله لقاتلتهم عليه، ولو جلاني الناس كلهم لجاهدتهم بنفسي.

فقال عمر: سمعت النبي يقول: «أُمرت أن أُقاتل الناس حتّى يقولوا: لا إله إلاّ الله، فإذا قالوها عصموا منّي دماءهم وأموالهم».

فقال أبو بكر: سمعته يقول: «إلاّ بحقّها، والزكاة من حقّها، والله لا أُفرّق بين ما جمع الله عزّ وجلّ ; قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ﴾(١).

إلاّ أنّه لم يلتفت بأنّ هذا الدليل يثبت أعلمية أبي بكر على عمر، ولا يفيد أعلميته على جميع الصحابة، إلاّ أن يقال: أنّ عمر كان أعلم الصحابة!

والمواقف التي وقعت بين أمير المؤمنين(عليه السلام) وأبي بكر وعمر توضّح الفارق العلمي بينهم، بل وحكي جهل أبي بكر بمعرفة معاني آيات القرآن، كما حدّث محمّد بن عبيد، عن العوام بن حوشب، عن إبراهيم التيمي: (أنّ أبا بكر سئل عن: ﴿فَاكِهَةً وَأَبًّا﴾؟ فقال: أيّ سماء تظلّني وأي أرض تقلّني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم).

وفي تفسير الثعلبي: (أخبرنا عبد الله بن حامد، قال: أخبرنا محمّد بن خالد، قال: حدّثنا داود بن سليمان، قال: حدّثنا عبد بن حميد، قال: حدّثنا محمّد بن عبيد، عن العوام بن حوشب، عن إبراهيم التيمي: أنّ أبا بكر سئل...)(٢).

فكيف يناقش في أعلميته من أميرالمؤمنين الذي تخرّج من مدرسته أمثال ابن عبّاس وغيرهم؟!

وكلّ هذا يؤكّد عدم رجحان أعلمية أبي بكر على أمير المؤمنين إلا أن تثبت

١- الإشارة إلى مذهب الحق: ٢٥٦ ـ ٢٥٧.

٢- تفسير الثعلبي ١٠: ١٣٤.

٥٣٢

بدليل.. وعلى كلٍّ ما أراده لم يصبه بهذا النصّ.

وقد تسالم عند الفريقين أحاديث تثبت أعلمية الإمام علي(عليه السلام) مطلقاً، كما في حديث: «أنا مدينة العلم وعلي بابها»(١).

وقد أشكل الشيرازي على هذا الحديث بقوله: (هذا الخبر لا يخلو: إمّا أن يكون علي رواه، أو غيره، فإن كان غير علي رواه، فهذا علمٌ من العلوم علمناه من غير الباب، وإذا جاز أن يُعلم علمٌ من العلوم من غير الباب جاز أن يعلم جميعها أو أكثها من غير الباب.

وإن كان علي قد رواه، فهذه شهادته لنفسه، وشهادة الرجل لنفسه لا تقبل، فدلّ على أنّ الخبر له معنى غير ما ذهبوا إليه. وأشار إلى أنّ المعنى المقصود من علي بابها هو: علوّه ; أي: رفيع بابها وعظيم شأنها(٢).

ليت شعري! أيكذب عليٌ في حين يصدق كلّ الصحابة لعدالتهم، أو يُكذب رسول الله(صلى الله عليه وآله) لمدحه إياه؟!

وكيف ينكر كون علي(عليه السلام) باب علم الرسول، بل كيف يغفل عن أنّ الحصر المذكور حصر ادّعائي، لا حصر حقيقي على أُسس كلام أهل المنطق، فإنّ العرب كلامهم تابع لمرادهم، ويرسلون العام ويريدون الخاص، وكأنّ النبي(صلى الله عليه وآله) أشار إلى أنّ قصب السبق للإمام علي(عليه السلام) في هذا الأمر، والكمال له فيه، كما تقول: أمر الأمير الناس بكذا، وأنت تريد: من في إمارته.

ولا تخفى المغالطة في حديثه ; فالعلم الذي قصده النبي(صلى الله عليه وآله) علمٌ غير النقل.. وبصيغة أخرى: إن كان المخاطب أمير المؤمنين فقط، فلا معنى للحديث، وإن كان

١- عيون أخبار الرضا(عليه السلام) ٢: ٧١ ـ ٧٢، المستدرك على الصحيحين ٣: ١٢٦، المعجم الكبير للطبراني ١١: ٥٥، الاستيعاب لابن عبد البر ٣: ١١٠٢، نظم درر السمطين: ١١٣، الجامع الصغير للسيوطي ١: ٤١٥، وكنز العمال ١٣: ١٤٨، حديث ٣٦٤٦٣.

٢- الإشارة إلى مذهب الحق: ٢٦٠ ـ ٢٦١.

٥٣٣

المخاطب المسلمين عامّة، فكيف لا ينقلونه وهم سمعوه من رسول الله(صلى الله عليه وآله)؟!

ولا يخفى أنّ كلّ ما يُنقل من أحاديث عن غير الأئمّة أنفسهم، كأحاديث: جابر بن عبد الله، وأبي ذر، وسلمان، وغيرهم، هي عند الإمامية مقبولة ; لحجّية خبر الثقة، وكأنّ الإمام بمفاد هذه الحجّية قبِل ما فيها وقرّره، فيكون صدورها منهم مع قبول الإمام لنقلهم كصدورها منه، فلا يرد ما أورده.

شجاعته:

قال الشيرازي: (ومن الدليل على أنّ أبا بكر أشجع من علي رضي الله عنه: أنّ النبي أعلم عليّاً بموته، فقال له: «ابن ملجم يقتلك»، فكان علي رضي الله عنه إذا لقي ابن ملجم يقول: «متى تخضب هذه من هذه؟» يعني: لحيته من دم رأسه، فكان إذا دخل الحرب فلاقى الخصم، يعلم أنّ ذلك الخصم لا يقتله، فهو معه كأنّه نائم على فراشه.

وأبو بكر كان إذا دخل الحرب ولاقى الخصم لا يدري هل يقتل أم لا، فمن يدخل الحرب وهو لا يدري هل يقتل أم لا، ويقاسي من الكرّ والفرّ والجزع والفزع ما يقاسي، يكون كمن يدخل الحرب وهو نائم كأنّه على فراشه، فدلّ على أنّ أبا بكر كان أشجع.

ثمّ يقال لهم: الشجاعة ليس فيها فضل، والدليل عليه: لو أنّ الشجاع تخلّف عن الجهاد وجاهد الجبان، كان الفضل للجبان لا للشجاع المتخلّف، ثمّ لو جاهدا جميعاً وقلنا: الفضل للجبان، كان غير بعيد. لأنّ الجبان يقاسي من المشقّة ما لا يقاسيه الشجاع الذي له دربة بالحرب، فإذا قلنا: إنّ الجبان أفضل لما يناله من المشقّة في كرّه وفرّه يكون غير بعيد)(١).

لا عجب أنّ مثل هذا الفكر يقود إلى التردّي وعدم تبصّر الحق، فإنّ

١- الإشارة إلى مذهب الحق: ٥٧ ـ ٥٨.

٥٣٤

الشجاعة لا تتوقّف على معرفة نتيجة العمل ـ كما لو علمت أنّ قفزك من علوّ ألف متر لن يقتلك ; لأنّك مربوط بحبل متين، لتردّدت في القفز ألف مرة وقد لا تقفز أصلاً ـ وكذا الحال في علم علي(عليه السلام) أنّ ابن ملجم يقتله، فهو لا يعني نفي الخوف عنه من الموت، بل مجرّد توقّعه يبثّ الخوف في نفس البشر، وكان الأمير لا يهتم لهذا الأمر، لله وليس لنفسه ; حتّى أنّه دخل المسجد للصلاة يوم قُتل وهو يعلم أنّ هذا اليوم يوم شهادته؟

ولو سُلّم لقلنا: أنّه قد يخاف قطع يده، أو بتر رجله، أو فقد إحدى عينيه، وهذه كلّها تهيئ للخوف في نفس البشر، وكان أمير المؤمنين(عليه السلام) يقاتل ولا يبالي رغم احتمال حصول أحد هذه الأُمور إلاّ القتل على الفرض.

ومن قال: أنّ النائم على فراشه في القتال كالذي يقاسي الكرّ والفرّ ; فالفرار عيب في حقّ من يدّعي الشجاعة، أمّا فضل الشجاعة فهو منقبة للشجاع تميّزه عن سائر أقرانه.

وما مثّل به الشيرازي إنّما هو المدح من جهة التشجيع للمُقْدِم على الحرب مع جبنه، لا لفضله على الشجاع، ولو كان الفضل لمجرّد الإقدام كان المقدم الفارّ كالمقدم الباقي في ساحة المعركة، وهذا لا يقول به عاقل.

ولو سُلّم فإنّ فرّ وكرّ الجبان في المعركة مدعاة لوثوق المحارب في قوّته وإقدامه على الهجوم ; والمفترض أنّ المحارب وجد ليرعب عدو الله لا ليثبّت قدمه ويساعده في معرفة نقاط ضعفه، فأيّهما أفضل: الذي يرعبه بوجوده فقط، أو الذي يرعبه بفعله ووجوده؟!

ولا يخفى أنّ المشقّة الحاصلة للجبان إنّما هي مشقّة نفسانية لا علاقة لها بالمشقّة في جنب الله، وأي مشقّة أفضل: مشقة النفس ـ أقصد: خوفها ـ لأجل نفسها، أو مشقّة النفس ـ التي هي جهاده ـ لأجل الله، كالتي يفترض أن تكون في الشجاع؟

٥٣٥

وكان الأؤلى به ذكر المواقف التي دلّت على شجاعة الخلفاء، في قبال شجاعة الأمير، لتحصل المقارنة والعلم أيّهما أشجع، لا البحث في كون الشجاعة فضيلة أم لا!

(د) قرابته من رسول الله(صلى الله عليه وآله):

لم يتفرّد أبو إسحاق بهذا الإشكال، بل لعلّه من أشهر كلمات القوم في ردّ مقام ذوي القربى ; بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَر وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾(١).. وأحاديث الرسول(صلى الله عليه وآله) في إحالة آل البيت إلى العمل دون القرابة، وبدعوى أنّ والد النبي ووالدته في النار ـ والعياذ بالله ـ وغير ذلك ممّا يتمسّك به عندهم في ردّ حقوق ذوي القربى، ولم يلتفت إلى قوله تعالى: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾(٢)..

بل والعجب أنّهم لم يرضوا أن تكون قرابة آل محمّد ذات أهمية في حفظ شأنهم، ورضوا بأن تكون زوجاته محفوظات الشأن لقرابتهم، رغم الآيات الناطقة بأنّ الزوجات إذا لم يستقمن على الطريقة فلسن على شيء، وكفى مثلاً زوجة نوح وزوجة لوط.

ولا حاجة لإطالة الطريق ; فإنّ الأقربين أولى بالمعروف، وحيث لم يجدوا جواباً لذلك، فقالوا: عثمان ذو النورين، وعليّ القرابة لا تنفعه!

وقالوا: عمر حمو الرسول(صلى الله عليه وآله)، ومَن حموه الرسول لا يستفيد!

وقالوا: أبو بكر له الفضل ; لأنّه والد زوجة أحبّها رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ومن فداها رسول الله زوجها ليس له الفضل!!

والأعجب من ذلك أنّهم قالوا: لو كان ثمّة فضل بالقرابة لكان للعبّاس، فهو عم النبي(صلى الله عليه وآله)، وعليّ ابن عمه، وتناسوا أنّ الفضل لجهة القرابة بيد المتقرّب إليه، لا بيد

١- الحجرات -٤٩-: ١٣.

٢- الشورى -٤٢-: ٢٣.

٥٣٦

الناظر في الأمر، الباحث فيه، وإن شئت فقل: رسول الله هو من فضّل قرابة عليّ(عليه السلام)، فلا يحقّ لنا سلبها، ولا يحقّ لنا منعها، بل يجب علينا التسليم بحقّها.

اللحاق بركب الأمير(عليه السلام):

من أهم العوامل التي فتحت طريق النور أمام عيني «لطفي» هي: سيرة أمير المؤمنين(عليه السلام)، التي من تأمّل فيها عرف الصراط المستقيم، وعلم الحقّ، وميّز بين الزيف والصدق، وأوقدت في قبله نور الهداية ; ليعلم السبيل إلى رضا رب العالمين باتّباع من أراد الله معرفة نهجهم(١).

١- للمستبصر ملف خاص في «مركز الأبحاث العقائدية» ذكرت فيه بعض الأمور المرتبطة باستبصاره.

٥٣٧

(٧٨) ليلى جلّودي (مالكية / المغرب)

ولدت في المغرب، ثمّ انتقلت للعيش في هولندا، كانت مالكية المذهب، فتأثّرت بحركة الاستبصار في المغرب، والمستبصرين من شمال إفريقيا الذين ألّفوا عن رحلة استبصارهم.

بداية المعرفة:

إنّ مصطلح بداية المعرفة نعني به: الأسس الأوّلية التي يقيم عليها الإنسان سلسلة أفكاره ومعتقداته، وهي غالباً ما تكون مبنيّة على أحد أمور: العقل، أو النقل، أو الكشف، وقد يجتمع أمران عند شخص، أو الثلاثة معاً، فتراه يتأثّر بفكره، أو يكشف الحق بنقل وصل إليه، وربما انجذب للبحث عن الحقائق لكشف حصل له، وهذا الأخير غالباً ما يكون صعب المنال، ولذلك تجد أنّ أكثر المفكرين تدور أفكارهم حول الدائرتين الأوليتين أقصد: العقل والنقل، ولا مانع من أن يجمع بينهما..

ومن هنا نرى أنّ طرق الاستبصار تختلف عن شخص لشخص، حتّى أنّ نفس طريقة التأثير العقلي والنقلي قد تختلف، فربما اقتنع شخصّ بمسألة عقلية بسيطة تغيّر كلّ كيانه، في حال أنّ غيره يجدها غير داعية لنقل الفكر والتوسّع في الرأي وتغيّر نظرته للأُمور، وكذا الحال في النقل.

٥٣٨

وقد يجتمع الأمران فترى المحاور ينقض العقل بدليل يدّعي أنّه شرعي، وينقض الشرع بدليل يدّعي أنّه عقلي، وهذا في حد ذاته يكون شبهة ويبعد الفكر عن قبول الحقائق، لا لخطأ المنهجية بل للخطأ في المقدّمات التي أنتجت هذه الشبهة.

أمثلة حيّرت أُناساً:

لعلّنا نعرض هنا بعض الأفكار التي تحيّر بعض مريدي الاستبصار إلى الحق جامعين بين طريقي العقل والنقل، ويتجسّد ذلك بقضية خلافة رسول الله(صلى الله عليه وآله) ; فإنّ العقلاء يقولون: إنّه متى كان لقوم رئيس يمنعهم عن التغالب، ويصدّهم عن المعاصي، ويعدّهم على فعل الطاعات، كانوا إلى الصلاح أقرب، ومن الأسباب التي تمنعهم من التغالب والتهاوش وتحقّق باقي الأمور المذكورة هي: تعيين خليفة لهذا الرئيس..

وقولنا: «تعيين»، نقصد به: قبل موته ; إذ هذا التصرّف يفعله كلّ العقلاء، فلا تجد عاقلاً يترك بيته بلا قائم عليهم، ولا رئيس يترك بلده بدون من ينوب عنه، ولا حتّى راعي أغنام إلاّ وترك غنمه مع من يرعاها حال غيابه.

ثمّ قاموا وأسّسوا قاعدة شرعية في قبال هذا الفكر العقلائي، وقالوا: إنّ الرسول مات ولم يخلّف، ودليل ذلك: اجتماع الصحابة في يوم السقيفة لاختيار خليفة رسول الله(صلى الله عليه وآله) وكأنّ النتيجة: إنّ ما يلتزم به العقل ولم يلتزم به الشرع فليس بحجة!

والحقّ ـ بغضّ النظر عن مسألة الحسن والقبح العقلي ـ : إنّ ما التزموا به على أنّه دليل شرعي ليس كذلك ; فإنّا نقابلهم بأحاديث دعا فيها رسول الله(صلى الله عليه وآله) إلى خليفته، كـ : حديث الغدير، ويوم الدار، ثمّ إنّ ما حصل يوم السقيفة ليس تصرّفاً عقلائياً يبتنى عليه فعل العقلاء، بل هو تصرّف صدر من طائفة بَنت فعلها وأسّسته على أنّها تحكي الشرع، ولو كان تصرّفهم عقلائياً لنُسب إلى العقل.

وبعبارة أُخرى: نحن بحاجة لدليل يثبت أنّ هذا التصرّف شرعي خالف الدليل العقلي ; ليكون هو حجّة في المقام، أو أنّه فعل عقلائي يناهض المذكور آنفاً.

٥٣٩

ولذا قالوا: (إنّ نصب الإمام سماعي، وهو واجب على الأُمّة، وأنّ العقل لا مدخلية له في هذا الأمر)(١)، وجوابه: أنّه لو كان سماعياً لكان الأمر مأخوذاً من قول الرسول أو فعله، لا من فعل مَن تنازع في الأمر بعده.

ولو كان وجوبه على الأمّة لمَا انحصر بأفراد، ولو كانوا أهل الحلّ والعقد ; لأنّ تخصيصه بهم لا مستند عليه إلاّ عدم القدرة على تحصيل رأي كلّ الأمّة، وهو دليل عقلي يقابله قول العقلاء: ما لا يدرك كلّه لا يترك جُلّه، وكذا فهو لا يسقط التكليف عن البقية، ولا يجبرهم على الاختيار.

وأمّا عدم صلاحية العقل لذلك، فهي إمّا أن تكون مطلقة أو مقيّدة، فإن كانت مطلقة، فإنّ نفس الاختيار لا يتم إلاّ بترجيح العقل..

وإن كانت مقيّدة لم يتمّ ذلك إلاّ إذ سبق التقيّد بحكم العقل، فلزم إطلاقه، أو بحكم الشرع، فلزم إثباته، ولمّا لم يثبت الأخير، كان ترجيحاً بلا مرجح. ولا يُحتجّ بفعل الصحابة يوم السقيفة ; لأنّه محل البحث، فلا مناص من كون نصب الخليفة أمر عقلي واجب عليه تعالى ; لأنّه هو الأعلم بالأصلح لهذه الأمّة، وما الرسول إلاّ مُبلّغ لذلك.

لم أتحيّر بل عرفت طريقي:

إنّ الدفاع لاستبصار «ليلى» هو: كونها عاشت فكرة ومنهجية محدّدة، جعلتها تبصر الأُمور، فاختارت فكر آل البيت(عليهم السلام)، ومن خلاله أخذت توسّع مداركها وأفكارها في فهم الأمور من حولها، ومذهبهم الذي علمت أنّه الحقّ، وأنّه الطريق الذي يجب أن يسلك(٢).

١- راجع: المسامرة شرح المسايرة: ٢٤٧.

٢- للمستبصرة ملف خاص في «مركز الأبحاث العقائدية»، وهي على تواصل مع المركز من خلال الفاكس.

٥٤٠