×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 13) / الصفحات: ٥٤١ - ٥٦٠

(٧٩) هدى (سُنّية / المغرب)

نشأت في «المغرب» في أُسرة سُنيّة المذهب، إلاّ أنّها لم تكن ملتزمة تماماً بالتعاليم الإسلامية السائدة آنذاك.

بعد النضج الفكري وتأثّراً بالصحوة الإسلامية التي اجتاحت البلاد في منتصف الثمانينات فُتحت أمام «هدى» آفاق إسلامية لم تعهدها سابقاً، فقرّرت ارتداء الحجاب الإسلامي وبدأت بقراءة ما يقع في أيديها من الكتب الإسلامية، وكانت حينذاك في مرحلة الإعدادية.

تقول «هدى» عن تلك الفترة الزمنية: كان همّي في البداية أن أتعرّف على الدين وألتزم بما جاء في الشريعة، فمن الناحية الفقهية يتّبع المغربيون الفقه المالكي، أمّا نحن أبناء الصحوة الإسلامية كنّا نلتقط الفتاوى بطريقة عشوائية، فتارة عن طريق علماء مصر ودعاتهم، وتارة عن طريق علماء السعودية وفقهائها...

فكان الفكر الحركي والسياسي إخوانيّ المصدر، وكان الفقه خليطاً من المذاهب الأخرى، وعلى رأسها الفكر الوهّابي... أمّا الفكر الشيعي فلم نكن نعرف عنه إلاّ ما كانت تروّجه وسائل الإعلام أثناء الحرب العراقية ـ الإيرانية، من فساد العقيدة وغير ذلك من الافتراءات.

٥٤١
موسوعة من حياة المستبصرين ج ١٣ » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ٥٤١ - ص ٥٧٠)

وكانت «هدى» في تلك الفترة متحمّسة تجاه أفكارها ; تقول: كنت أناقش والدي بأسلوب قاس حول شرعية التوسّل بالنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) أو الصالحين، ولَكَم حاربت زيارة القبور، ونهيت عن إسدال الأيدي في الصلاة في تلك الفترة.

تساؤلات من دون إجابة:

قرّرت «هدى» وبعد التحاقها بالجامعة واختيار فرع الدراسات الإسلامية متابعة الندوات والمناظرات التي كانت تقام بين الطلبة الشيوعيين أو اليساريين من جهة وبين الإسلاميين من جهة أخرى، وذلك لتنمية رصيدها العلمي وتوسيع معارفها الدينية، إلاّ أنّها كانت تشعر بالهزيمة عند مشاهدة تلكّؤ الطلبة الإسلاميين عند الخوض فيما يرتبط بالوقائع التاريخية في صدر الإسلام الأول وما تلاه.

تقول «هدى» عن تأثّرها بتلك المناظرات: كنت أحرص على حضور تلك النقاشات، إلاّ أنّني كنت ألاحظ عجز الإسلاميين عن مناقشة بعض الأحداث التاريخية، ككيفية انتقال الحكم بين الخلفاء، كيفية تجلّي مفهوم الشورى، سبب اقتتال الصحابة فيما بينهم، الاغتيالات السياسية، كمقتل عثمان ووقعة الجمل وصِفّين وغير ذلك.

وإثر ذلك قرّرت تعميق أبحاثي التارخية إلاّ أنّني أصبت حينها بالصدمة والاكتئاب.. ربّاه... أهذا هو المجتمع الإسلامي الذي أبشَّر به؟! الصحابة ـ ومن ألقّن بأنّ كلّهم عدول ـ يقتل بعضهم بعضاً، وتاريخهم تملؤه الدماء، وها نحن نبشّر بالسلم الاجتماعي والعدالة الإسلامية!

نماذج من أفعال الصحابة:

قد يدّعي أهل السُنّة أنّ الصحابة عدول بأسرهم، ينبغي الترضّي عليهم بلا استثناء، إلاّ أنّ هذا الادّعاء ينافي المسلّمات التاريخية ولا يعدو كونه دعوى بلا دليل ; إذ أنّ من بين الصحابة: قاتل عمّار بن ياسر، الذي وعده الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله)

٥٤٢

بالنار(١)، وهو: يسار بن سبع، المعروف بـ «أبي الغادية الجهني»، الذي أطبق أهل السُنّة على كونه صحابياً(٢).

ومنهم: بسر بن أرطأة، الذي ارتكب المنكرات في مكّة والمدينة، وسبى نساء المسلمين في اليمن، وذبح ابني عبيد الله بن العبّاس وهما صغيران على يد أمّهما(٣).

ومنهم: مسلم بن عقبة(٤)، الذي غزا المدينة واستباح بنات الصحابة والتابعين ثلاثة أيام(٥)، وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): من آذى أهل المدينة آذاه الله، وعليه لعنة الله والملائكة(٦).

ومنهم: طليحة بن خويلد، الذي ارتدّ بعد النبي(صلى الله عليه وآله)، وادّعى النبوة وقتل بعض الصحابة مع أخيه(٧).

ومنهم: خالد بن الوليد، الذي قتل مالك بن نويرة، وزنى بزوجته في ليلتها(٨).

إلى غير أولئك ممن يندى جبين المسلم لانتمائهم إلى دينه.

ناهيك عن الحروب التي وقعت بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) بين الصحابة أنفسهم وقتل أثرها الآف المسلمين.

وبعد كلّ ذا هل يمكن القول بأنّ كلّ الحصابة عدول، رضي الله عنهم، وفي الجنّة هم خالدون؟!!

١- قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): قاتل عمّار وسالبه في النار. المستدرك على الصحيحين ٣: ٣٨٧، فيض القدير ٤: ٦١٣، تاريخ مدينة دمشق ٤٣: ٤٢٦.

٢- راجع: الإصابة لابن حجر ٣: ١٩٩، إكمال الكمال ٦: ١٥.

٣- راجع: تاريخ مدينة دمشق ١٠: ١٥٦، أسد الغابة ١: ١٨٠.

٤- راجع: تاريخ مدينة دمشق ٥٨: ١٠٢، الإصابة ٦: ٢٣٢.

٥- راجع: الثقات لابن حبان ٢: ٣١٤، الإصابة ٦: ٢٣٢.

٦- الجامع الصغير ٢: ٥٤٧، كنز العمّال ١٢: ٢٣٧.

٧- السنن الكبرى للبيهقي ٨: ١٧٥، تاريخ مدينة دمشق ٢٥: ١٤٩.

٨- كتاب الفتوح ١: ٢٠، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١: ١٧٩.

٥٤٣

تجلّي الحقيقة شيئاً فشيئاً:

تقول «هدى» عن التشتّت الفكري الذي سار بها في نهاية المطاف إلى الاستبصار: مرّت الأيام وأنا على هذه الحال من الضياع، هجرت الأكل والنوم، بكيت كثيراً والتجأت إلى الله تعالى، سائلة منه عزّ وجلّ: ربّاه... أين الحقيقة؟

هل العلمانية هي الحل؟

وهل السياسة هي التي تعبث في الدين فتفقده قدسيته؟

وكانت حالي هذه إلى أن جاء يومي المبارك ; إذ امتدّت يد أثناء مناقشتي لبعض الطلبة وأعطتني كتاب «ثمّ اهتديت» للدكتور التيجاني، فالتهمته التهاماً، وطلبت المزيد فكان كتاب «مع الصادقين»، ثمّ «فاجعة الطف»، «مفاتيح الجنان»، «الصحيفة السجادية» وغيرها.

وهكذا عكفت «هدى» على دراسة المذهب الشيعي بدقّة وعمق، واتّخذت قرارها النهائي، فعزمت وتوكّلت على الله وركبت سفينة أهل البيت(عليهم السلام)(١).

تقول «هدى»: وأخيراً اعتنقت الإسلام الحق، وبدأت أعرف الله عزّ وجلّ وأعرف نبيّه(صلى الله عليه وآله)، وأتأدّب في الحديث إليهما. أخيراً بدأت أعرف من هم أهل البيت(عليهم السلام) الذين كنت أصلّي عليهم في صلواتي لقلقةً باللسان.

أخيراً أصبح لليالي الجمعة وأيامها معنى، وصار لكلّ شهر أعماله.

أخيراً عرفت معنى شهر رمضان وكيف تحيى لياليه بلذيذ المناجاة.

١- تعيش المستبصرة حالياً في دولة «بلجيكا»، وهي على تواصل مع «مركز الأبحاث العقائدية» من خلال شبكة الإنترنيت.

٥٤٤

(٨٠) هند هاني الحسيني العشاني (سنّية / المغرب)

ولدت عام ١٣٩٩هـ (١٩٧٩م) في المغرب بمدينة إدريس الأكبر، حاصلة على شهادة الحقوق والإدارة والإعلام، تدارست «هند» سيرة آل البيت(عليهم السلام) حتّى عرفت مظلوميتهم وعلمت حقّهم، فأرادت نصرتهم(١).

المظلومية وتأثيرها على النفوس:

من طبيعة النفس البشرية أن تتأثّر بالأمور المعنوية المحيطة بها، فتراها تفيض بعاطفة جيّاشة لمن تحبّ، وتقابل من تكره بالتعنّت والردع، تتأثّر لسماع حادثة، وتأخذ موقف القاضي عند سماعها المظالم والشكاوي، بل وقد تصل إلى دور الجلاّد في بعض المواقف، وليس هذا إلاّ لأنّ الظلم، الذي هو: وضع الشيء في غير محله، فبيحٌ قبحاً ذاتيّا تأباه النفوس ولا يركن إليه العقل، كما حقّق ذلك في علم الكلام ; وقبحه ذاتي ليس بشرعي كما يدّعي بعض الناس.

وبغضّ النظر عن حقيقة الظلم تجد العقلاء وأهل العرف يذمّون من يصدر منه الظلم، ولو كان هذا الظلم وقع على ألدّ أعدائهم، ولا نقصد بالذمّ هنا إلا الحاصل من منشأ عقلائي لذمّ الظالم، بعيداً عن التشفّي، أو تحويل الظلم إلى جزاء لذلك الظالم،

١- للمستبصرة ملف في «مركز الأبحاث العقائدية» ذكرت فيه أدلّة الاستبصار.

٥٤٥

وكلّ من يجعل العقل حكماً في قضايا منشأها الظلم تجده ـ على أقلّ تقدير ـ يميّز بين المظلوم والظالم، ويحاول إنصاف المظلوم، ومن أسوأ حالات الظلم التي وقعت على مدى التاريخ: ظلم أصحاب الرسالات والمبلّغين لها، طلباً لهداية الأمم; فترى أنّهم يُظلمونَ لطلبهم نجاة أُممهم وخلاصهم، وإيصالهم إلى رضا الله جلّ وعلا..

ولا تذهب بعيداً فتنظر إلى ظلم عيسى وموسى(عليهما السلام)، بل توقّف في أقرب نقطة، وهي نقطة انتهاء الرسالات والنبوّة، أقصد: عصر الرسول محمّد(صلى الله عليه وآله) وما بعده ; فإنّه جسّد حالات الظلم التي وقعت على مدى التاريخ للأنبياء والرسل، بظلمه وظلم عترته وولده(عليهم السلام).

نماذج من ظلم آل محمّد(عليهم السلام):

ونماذج هذا الظلم أكثر من أن تحصى، وأوّل ظلم لحِق بآل محمّد بعده(صلى الله عليه وآله)ظلم الصديقة الشهيدة(عليها السلام)، وتصاعدت درجات هذا الظلم حتّى قتل الحسين(عليه السلام)بمرأى ومسمع من المسلمين، ولم يحرك أحد ساكناً، فصار ظلم آل محمّد سُنّة وعادة عند الحكّام، ومن أهم وسائل الدول، وأسهل الطرق لتخويف الشيعة وأنصار آل محمّد، حتّى أنّ هذا الظلم لم يتوقّف عند الرموز الأولى لآل البيت(عليهم السلام) ; كالأئمة الاثني عشر(عليهم السلام)، وزيد الشهيد مثلاً، وغيرهم ممّن كانوا رؤوس بني هاشم، بل نال كلّ بني علي وفاطمة(عليهما السلام)، وكأنّ ظلمهم لم يكن غاية مراد الظالم بل فناء ذرّيتهم وهلاكهم هو منيته ورغبته.

استشهاد الحسين صاحب فخ:

يذكر التاريخ قصصاً كثيرة عن مقتل آل أبي طالب، حتّى ألّف أبو الفرج الأصفهاني مصنّفاً في ذلك، وممّن ذكروا: الحسين، صاحب فخ، وما وقع عليه من أولاد عمر بن الخطاب وحكم بني العباس الجائر، ولا تعجب فإنّ كلّ إناء بالذي فيه

٥٤٦

ينضح، وقد كان خروجه سنة تسع وستين ومائة(١).

فهو الحسين بن علي بن الحسن المثلّث بن الحسن المثنّى بن الحسن السبط بن أمير المؤمين(عليهم السلام)، وأمّه: زينب بنت عبد الله بن الحسن المثنّى. كان رجلاً جليلاً عظيماً، عالماً فاضلاً، كريماً سخياً، جمّ الفضائل، عظيم المناقب. ويُذكر عن فضائله ما في مقاتل الطالبيين:

قال الحسن بن هذيل: (بعت للحسين بن علي، صاحب فخ، حائطاً بأربعين ألف دينار منتثرها على بابه، فما دخل إلى أهله منها حبّة ; كان يعطيني منها كفّاً كفّاً فأذهب به إلى فقراء أهل المدينة)(٢).

وقال أيضاً: إنّ الحسين بن علي، صاحب فخ، قال له: (اقترض لي أربعة آلاف درهم. فذهبت إلى صديق لي، فأعطاني ألفين، وقال لي: إذا كان غداً تعال حتّى أُعطيك ألفين. فخرجت، فوضعتها تحت حصير كان يصلّي عليه، فلمّا كان من الغداة أخذت الألفين الآخرين، ثمّ جئت للمكان الذي وضعته تحت حصيره، فلم أجده، فقلت له: يا بن رسول الله! ما فعلت بالألفين؟ قال: لا تسأل عنها، فأعذر. فقال: تبعني رجل أصفر من أهل المدينة، فقلت: ألك حاجة؟ فقال: لا، ولكنّي أحبّ أن أصل جناحك. فأعطيته إيّاه، أما إنّي أحسبني ما أجرت على ذلك ; لأنّي لم أجد لها حسناً، وقال الله تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ )(٣).

وقد قتل الحسين بن علي، صاحب فخ، بفخ، وفَخ بئر قريبة من مكّة على فرسخ، وعندما نزل رسول الله بفخ وصلّى ركعتين، بكى وبكت صحابته، وقال: «نزل علَيّ جبرئيل، وقال: يا محمّد! إنّ رجلاً من ولدك يقتل في هذا المكان وأجر

١- تاريخ الطبري ٦: ٤١٠.

٢- مقاتل الطالبيين: ٩١.

٣- مقاتل الطالبيين: ٩٠.

٥٤٧

الشهيد معه أجر الشهيدين»(١).

ونزل الصادق(عليه السلام) في رواحه إلى الحجّ من المحمل بفخ، وتوضّأ وصلّى ثمّ ركب، فقيل له: هذا من الحجّ؟ قال: «لا، ولكن يقتل ها هنا رجل من أهل بيتي في عصابة تسبق أرواحهم أجسادهم الجنّة»(٢).

وعن عبد الله بن جعفر بن إبراهيم الجعفري، قال: حدّثنا عبد الله بن المفضّل، مولى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، قال: لمّا خرج الحسين بن علي المقتول بفخ واحتوى على المدينة، دعا موسى بن جعفر إلى البيعة، فأتاه فقال له: يا ابن عم!! لا تكلّفني ما كلّف ابن عمّك عمّكَ أبا عبد الله، فيخرج منّي ما لا أريد، كما خرج من أبي عبد الله ما لم يكن يريد.

فقال له الحسين: إنّما عرضت عليك أمراً، فإن أردته دخلت فيه، وإن كرهته لم أحملك عليه، والله المستعان.

ثو ودّعه، فقال له أبو الحسن موسى بن جعفر(عليه السلام) حين ودّعه: يا ابن عم! إنّك مقتول، فأجد الضراب، فإنّ القوم فسّاق، يظهرون إيماناً ويسترون شركاً، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون، أحتسبكم عند الله من عصبة.

ثمّ خرج الحسين، وكان من أمره ما كان، قتلوا كلّهم، كما قال(عليه السلام)(٣).

وقتل في يوم التروية الثامن من ذي الحجّة ستمائة نفر من السادات وآل أبي طالب ومواليهم، وكان ذلك في خلافة الهادي رابع خلفاء بني العبّاس، وإلى هؤلاء أشار دعبل بقوله:

١- بحار الأنوار ٤٨: ١٧٠.

٢- بحار الأنوار ٤٨: ١٧٠.

٣- الكافي ١: ٣٦٦.

٥٤٨

قبورٌ بكوفان واُخرى بطيبة وأُخرى بفخٍّ نالها صلواتِ
قال الإمام محمّد بن علي الجواد(عليه السلام): «وما وقعت وقعة بعد وقعة الطف أعظم علينا من محاربة فخ، ولمّا قتل الحسين بن علي، صاحب فخ، سمعت نياح الجنّ عليه من أول الليل إلى الصباح على مياه غطفان»(١).

والسبب في خروجه: أنّ الهادي ولّى على المدينة رجلاً من ولد عمر بن الخطاب، اسمه: عمر بن العزيز بن عبد الله بن عمر، فضيّق على السادات والهاشميين وآل أبي طالب ومواليهم، وكان يؤذيهم بكلّ ما يستطيع، حتّى جرى الأمر بأن ضرب الحسن بن محمّد بن عبد الله المحض، أحد سادات بني الحسن، مائتي سوطاً لأمر، وضرب رجلين من خواصّه، ثمّ جعل الحبال في أعناقهم، وطيف بهم في المدينة مكشّفي الظهور ليفضحهم، وأشاع في الناس بأنّه وجدهم على شراب، فجاء الحسين بن علي، صاحب فخ، إلى العُمري، وقال له: قد ضربتهم ولم يكن لك أن تضربهم، فلم تطوف بهم؟!

فأمر العمري بهم فردّهم وحبسهم، ثمّ ضمن له الحسين وكفل له، فأخرجهم من الحبس، فغاب الحسن بن محمّد، فبلغ ذلك العمري، فغضب وأحضر الحسين بن علي، صاحب فخ، ويحيى بن عبد الله بن الحسن، فأغلظ لهما وتهدّدهما، وقال: لتأتياني به، أو لأحبسنّكما، فإنّ له ثلاثة أيام لم يحضر العرض. وكان اللعين يطلب بني هاشم في كلّ يوم بالعرض عليه، ليقف على أحوالهم وشؤونهم..

قال: فتضاحك الحسين في وجه العُمري، وقال: أنت مغضب يا أبا حفص؟ فقال له العُمري: أتهزأ بي وتخاطبني بكنيتي؟ فقال له: قد كان أبو بكر وعمر هما خير منك يخاطبان بالكنى فلا ينكران ذلك، وأنت تكره الكنية وتريد المخاطبة بالولاية؟

١- شجرة طوبى ١: ١٦٦.

٥٤٩

فقال له: آخر قولك أشرّ من أوّله، فإنّما أدخلتك إليّ لتفاخرني وتؤذيني. ثمّ حلف العمري أنّه لا يخلّي سبيله أو يجيئه بالحسن بن محمّد في باقي يومه وليلته، وإنّه إن لم يجئ به ليضربنّ الحسين ألف سوط، وحلف إن وقعت عينه على الحسن بن محمّد ليقتلنّه من ساعته.

فخرج الحسين من عنده ووجّه إلى الحسن بن محمّد، وقال: يا بن عمّي! قد بلغك ما كان بيني وبين هذا الفاسق، فامضِ حيث أحببت. فقال الحسن: لا والله يا بن عمّي، بل أجيء معك الساعة حتّى أضع يدي في يده. فقال الحسين: لا والله، ما كان الله ليطّلع علَيّ وأنا جاء إلى محمّد(صلى الله عليه وآله) وهو خصيمي وحجيجي في أمرك، لعلّ الله إن يقينا شرّه.

ثمّ وجّه الحسين إلى بني هاشم، فاجتمعوا ستّة وعشرون رجلاً من ولد علي، وعشرة نفر من الحاج، ونفر من الموالي، فلمّا أذّن المؤذّن بالصبح دخلوا المسجد، وصعد عبد الله بن الحسن الأفطس المنارة التي عند رأس النبي(صلى الله عليه وآله)، وقال للمؤذّن: أذّن بـ «حي على خير العمل»، فلمّا نظر المؤذّن إلى السيف في يده أذّن بها، وسمعه العُمري، فأحسّ بالشرّ ودهش، وركب بغلته وهرب من المدينة، فصلّى الحسين بالناس الصبح، ودعا بالشهود العدول الذين كان العُمري أشهدهم عليه بأن يأتي الحسن إليه، فقال للشهود: هذا الحسن قد جئت به، فهاتوا العُمري، وإلاّ والله خرجت من يميني وممّا علَيّ.

ثمّ خطب الحسين بعد صلاته، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: (أنا ابن رسول الله، على منبر رسول الله، وفي حرم رسول الله، أدعو إلى سنّة رسول الله، أيّها الناس أتطلبون آثار رسول الله في الحجر والعود، تمسّحون بذلك، وتضيّعون بضعة منه؟!).

فأتاه الناس وبايعوه على كتاب الله تعالى وسنّة نبيّه، والرضا من آل محمّد،

٥٥٠

فبلغ ذلك خالد البربري، وكان على مسلحة السلطان بالمدينة في السلاح، ومعه مائتين من الجند، وجاء العمري ومعه أناس كثيرون حتّى وافوا باب المسجد، فأراد خالد أن ينزل، فبدره يحيى بن عبد الله بن الحسن وفي يده السيف، فضربه على جبينه، وعليه البيضة والقلنسوة، فقطع ذلك كلّه وأطار مخ رأسه، وسقط عن دابّته، وحمل على أصحابه فتفرّقوا وانهزموا..

وأقام الحسين بن علي وأصحابه يتجهّزون بالمدينة أحد عشر يوماً، وفرّق ما كان في بيت المال، وهي سبعون ألفاً على الناس، وكان يقول لهم: (أبايعكم على كتاب الله وسنّة نبيّه، وعلى أن يطاع الله ولا يعصى، وأدعوكم إلى الرضا من آل محمّد، وعلى أن نعمل بينكم بكتاب الله وسنّة نبيّه، والعدل في الرعية، والقسمة بالسوية، وعلى أن تقيموا معنا وتجاهدوا عدوّنا، فإن نحن وفيناكم وفيتم لنا، وإن نحن لم نفِ لكم فلا بيعة لنا عليكم).

ثمّ خرج الحسين وأصحابه لستٍّ بقين من ذي القعدة إلى مكّة، واستخلف على المدينة رجل من خزاعة، وبلغ ذلك إلى الخليفة الهادي.

وكان قد حجّ في تلك السنة رجال من أهل بيت الخليفة، منهم: سليمان ابن أبي جعفر، عمّ الهادي، ومحمّد بن سليمان، والعبّاس بن محمّد، وموسى وإسماعيل أبناء عيسى الدوانيقي، ومبارك التركي ; ومبارك هذا قاتل مع الحسين بالمدينة أشدّ القتال إلى منتصف النهار ثمّ انهزم، وقيل: إنّ مباركاً أرسل إلى الحسين يقول له: (والله لإن أسقط من السماء فتخطفني الطير أيسر علَيّ من أن أشوكك بشوكة، أو أقطع من رأسك شعرة، فبيتني، فإنّي منهزم عنك)، فوجّه إليه الحسين قوماً، فلمّا دنوا صاحوا وكبّروا، فانهزم التركي هو وأصحابه.

ثمّ أمر الخليفة، فرجع وعاد في جيشه والتحق بهؤلاء، وهم قد ساروا بجماعة

٥٥١

وسلاحهم من البصرة لخوف الطريق، فكتب الهادي إليهم بتولية الحرب، فلمّا قرب الحسين وأصحابه من مكّة وصاروا بفخ، تلقّاهم الجيش من المسوّدة ـ يعني: بني العبّاس ـ فالتقوا يوم التروية وقت صلاة الصبح.

فعرض العباس بن محمّد على الحسين الأمان والعفو والصلة، فأبى ذلك أشدّ الإباء. ولمّا أن لقي الحسين المسوّدة أقعد رجلاً على جمله، معه سيف يلوح والحسين بن علي يملي عليه حرفاً حرفاً، يقول: ناد، فنادى: (يا معشر المسوّدة! هذا الحسين ابن رسول الله، وابن عمّه، يدعوكم إلى كتاب الله وسنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله)).

فأمر موسى بن عيسى تعبية العسكر ; فصار محمّد بن سليمان في الميمنة، وموسى في الميسرة، وسليمان بن أبي جعفر والعبّاس بن محمّد في القلب، وكان أول من بدأهم موسى، فحملوا عليه، فاستطرد لهم شيئاً حتّى انحدروا في الوادي، وحمل عليهم محمّد بن سليمان من خلفهم، فطحنهم طحنة واحدة، حتّى قتل أكثر أصحاب الحسين، وبقي الحسين في عدد يسير، وجعل يقاتل أشدّ القتال، حتّى أُثخن بالجراح.

وينقل الرواة: أنّ الحسين بن علي، صاحب فخ، رُؤي وقد دفن شيئاً ظُنّ أنّه شيء له قدر، فلمّا قتل، نظر فإذا هو قطعة من جانب وجهه قد قطع ودفنه.

وكان حمّاد التركي ممّن حضر الواقعة، فقال للقوم: أروني حسيناً. فأروه إياه، فرماه بسهم، فقتله، فوهب له محمّد بن سليمان مائة ألف درهم ومائة ثوب.

قال أبو القرن الجمال: (إنّ موسى بن عيسى دعاني وقال لي: أحضر جمالك. فجئته بمائة جمل ذكر، فختم أعناقها وقال: لا أفقد منها وبرة وإلا ضربت عنقك. ثمّ تهيأ للسير إلى الحسين، صاحب فخ، فسار حتّى أتينا بستان بني عامر، فنظر فقال لي: اذهب إلى عسكر الحسين حتّى تراه، وتخبرني بكل ما رأيت. فمضيت فدرت، فما رأيت خللاً ولا فللاً، ولا رأيت إلاّ مصلّياً أو مبتهلاً أو ناظراً في مصحف، أو معدّ

٥٥٢

للسلاح، قال: فجئته فقلت: ما أظن القوم إلاّ منصورين. فقال: وكيف ذلك يا بن الفاعلة؟

فأخبرته، فضرب يداً على يد وبكى حتّى ظننت أنّه سينصرف، وقال: هم والله أكرم خلق الله، وأحقّ بما في أيدينا منّا، ولكن الملك عقيم، لو أنّ صاحب القبر ـ يعني: رسول الله محمّد(صلى الله عليه وآله) ـ نازعنا ا لملك لضربنا خيشومه بالسيف، يا غلام! اضرب بطبلك).

ثمّ سار إليهم، فوالله ما أنثنى عن قتلهم. فلمّا قتلوهم، قطعوا رؤوسهم، وجاء الجند بالرؤوس إلى موسى والعبّاس وسليمان، وبينهم رأس الحسين وبجبهته ضربة طولاً، وعلى قفاه ضربة أخرى، وكانوا قد نادوا بالأمان، فجاء الحسن بن محمّد بن عبد الله بن أبي الوقت فوقف خلف محمّد بن سليمان والعباس بن محمّد، فأخذه موسى بن عيسى وعبد الله بن العباس بن محمّد فقتلاه، فغضب سليمان غضباً شديداً.

فلمّا أحضروا الرؤوس إلى هؤلاء، وكانت مائة رأس ونيفاً، وعندهم جماعة من ولد الحسن والحسين، منهم: موسى بن جعفر، فلمّا نظر موسى بن جعفر(عليه السلام) إلى رأس الحسين بكى، فقيل له: هذا رأس الحسين؟ قال: «نعم، إنّا لله وإنّا إليه راجعون، مضى والله مسلماً صالحاً صوّاماً، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، ما كان في أهل بيته مثله»..

ولمّا بلغ العُمري وهو بالمدينة قتل الحسين بن علي عمد إلى داره ودور أهله، فأحرقها وقبض أموالهم ونخيلهم، وجعلها في الصوافي المقبوضة..

وأحرق العُمري دار الحسين ودور بني هاشم، ولعمري فقد اقتدى بمن وقف على باب دار علي وفاطمة(عليهما السلام) وأضرم النار في الباب، وأراد أن يحرق عليّاً وفاطمة والحسن والحسين وزينب وأُمّ كلثوم بالنار.

٥٥٣

ثمّ حمل الرؤوس والأسارى إلى الهادي، فأمر بقتل بعضهم وغضب على موسى بن عيسى كيف قتل الحسين بن محمّد وقبض أمواله، ولم تزل بيده حتّى مات، ولمّا وضع رأس الحسين بن علي بين يدي الهادي غضب على الذين جاؤوا برأس الحسين وقال: (كأنّكم قد جئتم برأس طاغوت من الطواغيت، إنّ أقلّ ما أجزيكم به أحرمكم عن جوائزكم. ولم يعط لأحد شيئاً)، فرجعوا خائبين خاسرين.

كما أنّ زجر بن قيس لمّا جاء برأس الحسين(عليه السلام) إلى يزيد بن معاوية ويرجو نائلة فلم يعطه شيئاً، وقيل في رثاء الحسين بن علي صاحب فخ:

ألا يا عين ابكي بدمع منك منهتن فقد رأيت الذي لاقى بنو حسن
صرعى بفخّ تجر الريح فوقهم أذيالها وغوادي دلج المزن
حتّى عفت أعظم لو كان شاهدها محمّد ذبّ عنها ثمّ لم تهن
ماذا تقولون والماضون قبلهم على العداوة والبغضاء والإحن
لا الناس من مضر حاموا ولا ربيعة والأحياء من يمن
ماذا يقولون إذ قال النبي لهم ماذا صنعتم بنا في سالف الزمن(١)

المظلوم يجد الناصر ولو بعد حين:

لعلّك تعجب ممّن يُظلم ولا يُنصر في زمانه، ولكن الله ليس بظلاّم للعبيد ; فالناصر، وإن عاقته الأزمان عن نصرة المظلوم لم تمنعه نفسه من نصرته رغم عوائق الزمن.. إنّ مظلومية آل محمّد كان لها الأثر الكبير في تغيير مسار حياة هند التي لم ترضَ أن يكون الظُلاّم قادة لها في دينها، أو ملهمين لها في حياتها، بل رضت بنصرة المحقّ، ولو حوربت لأجله!!

١- راجع: مقاتل الطالبيين، أيام الهادي، في ذكر مقتل صاحب فخ، وشجرة طوبى ١: ١٦٦، المجلس الثالث والخمسون.

٥٥٤

(٨١) ياقين محمّد عبد القادر (سنّي / المغرب)

[image] - مركز الأبحاث العقائدية

ولد في «آسفي»، إحدى مدن المغرب، عام ١٣٦٦هـ (١٩٤٧م)، خرّيج ثانوية، استبصر في عام ١٣٨٢هـ (١٩٦٣م)، كان ميله منذ الصغر لآل محمّد(عليهم السلام) إلا أنّ ما يدور حوله كان يحيل بينه وبين الوصول إلى النور، خصوصاً عامل السن، وعندما كبر، كبر ولائه لهم بالتدبّر في آيات القرآن الدالّة على حبّهم، وكان هذا أيام دراسته، ثمّ أخذ بالمراسلة والاطّلاع على مذهب الشيعة حتّى توضّحت له الأمور، فتبعهم وصار على نهجهم(١).

التشريع بين السنّة والشيعة:

الشريعة هي منهج يتّخذه البشر بأوامر إلهية، فُرض عليهم اتّباعها، وكُلّفوا بالعمل بها ليصلوا إلى نتيجتها المرجوّة، وهي ـ بالاعتبار الأول ـ تحصيل رضا الله ودخول الجنّة، وقد تكون باعتبارات أخرى منظّمة للحياة الاجتماعية والقوانين العملية في حياة الفرد والمجتمع، ولا يدّعي أحد أنّ الحكيم ـ جلّ وعلا ـ لم يضع القانون الأكمل والطريقة المثلى في تشريعاته، إلا أنّه قد يُدّعى أنّ التشريع حوى

١- ذُكرت مقتطفات من حياة «ياقين محمّد» ضمن المستبصرين الذين عرّفهم السيد محمّد الرضي الرضوي في كتابه: «لماذا اخترنا مذهب الشيعة الإمامية».

٥٥٥

كثيراً من الأمور فلابدّ من وجود من يمكنه إيصال التشريع، وإيضاح الغامض، وإفهام المتعارض، وتبيين المشتبه!

والسؤال الذي يطرح نفسه: إنّ هذه الدعوة لها واقعية، فليس كلّ الأمور قد صدرت أحكامها في عصر النبوة، وليس كلّ الذي نعرفه هو نص، بل فيه المتشابه ; قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾(١)، فكيف عالجت المذاهب الإسلامية هذه النقطة الحسّاسة؟!

النظرة السُنّية للتشريع ومن أين يؤخذ:

يمكن تقسيم التشريع عند المذاهب السنّية إلى ثلاثة مراحل، مرحلة الرسول، ومرحلة سنّة الصحابة، ومرحلة المجتهدين، وهذه المراحل في حقيقتها تعكس مراحل الفكر السنّي في فهم النص والتعامل مع التشريع، ويحسن البدء بسنّة النبي وإن لم يكن فيها نزاع وخلاف:

(أ) السنّة النبوية:

تجد في مجريات التاريخ حادثة منع تدوين الحديث، ومنع كتابته ; تشكيكاً في حجّيته، سواء كان في زمن الرسول(صلى الله عليه وآله)، كما روي عن عبد الله بن عمر، قال: (كنت أكتب كلّ شيء أسمعه من رسول الله(صلى الله عليه وآله) أريد حفظه، فنهتني قريش، وقالوا: أتكتب كلّ شيء تسمعه ورسول الله(صلى الله عليه وآله) بشر يتكلّم في الغضب والرضا. فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله(صلى الله عليه وآله)، فأومأ بأصبعه إلى فيه، فقال: «اكتب، فو الذي نفسي بيده ما يخرج منه إلاّ حق» )(٢)..

١- آل عمران -٣-: ٧.

٢- سنن أبي داود ٢: ١٧٦.

٥٥٦

أو بعده، كما يذكر المطّلب بن عبد الله بن حنطب ; قال: (دخل زيد بن ثابت على معاوية، فسأله عن حديث، فأمر إنساناً يكتبه، فقال له زيد: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)أمرنا أن لا نكتب شيئاً من حديثه فمحاه)(١).

وقد تلاحظ التناقض بين متن الحديث الأول والثاني ; إذ أحدهما يأمر بالكتابة والثاني يمنع، وعلى الرغم من كلّ هذا استقرّت المذاهب على قبول السنّة النبوية والعمل على طبقها بالرغم من حوادث منع تدوين الحديث.

(ب) سنّة الصحابة:

معلوم من المذهب السنّي تقديم الصحابة والأخذ برأيهم، إلاّ أنّ محل الكلام هو: الأخذ العملي لما يقول الصحابة وليس أيّ أخذ، بل الأخذ في قبال النص، ولا يخفى عليك مقابلتهم نص إمامة أمير المؤمنين(عليه السلام) باجتهاد الصحابة في السقيفة، وتحريم عمر للمتعتين، كما صرّح هو: (متعتان كانتا على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنهى عنهما وأُعاقب عليهما: متعة النساء، ومتعة الحج)(٢).

وهنا لابدّ من وقفة، فقد يعتذر لعمر أنّه إنّما نهى عن المتعة التي كانت تفعل على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) ثمّ نسخت، فحرّمها ; لأنّه علم تحريم النبي لها، فليس قوله تشريع في قبال تشريع رسول الله(صلى الله عليه وآله)(٣).

وفيه:

أوّلاً: إنّه لم يُنقل استنكار أحد الصحابة على هذا الفعل غير عمر، ولو علم الصحابة أنّ الرسول قد نسخ وحرّم لأنكروا أشدّ النكران على تضييع سنّة رسول الله، وهم شهود على ذلك.

١- سنن أبي داود ٢: ١٧٦.

٢- كنز العمّال ١٦: ٥٢١.

٣- راجع: شرح معاني الأثار ٢: ١٤٦، معرفة السنن والآثار ٥: ٣٤٥.

٥٥٧

ثانياً: إنّه نسب النهي والعقاب لنفسه، وأثبت الأحكام في عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فلو صحّ التحريم في زمن النبي لكان أبلغ أن يذكر تحريم النبي، وأجدر بأن يكون مدعاة لتركهما.

ثالثاً: ما نقل من قول أمير المؤمنين: «لو لا ما سبق من رأي عمر بن الخطاب لأمرت بالمتعة، ثمّ ما زنى إلاّ شقي»(١). يؤكّد وقوع التحريم في زمانه، ولو قيل: أنّه روي أيضاً عن الأمير(عليه السلام) قوله: «نهى رسول الله(صلى الله عليه وآله) عن نكاح المتعة وعن لحوم الحُمُر الأهلية زمن خيبر»(٢). قلنا: أنّه ثمّة تناقض في زمان النهي، هل هو عام خيبر أو عام الفتح ; والحديث قد يحمل على نهي لفترة زمنية معيّنة ; إذ لم يذكر النص علّة للنهي، بل حدّه بزمن خيبر، الذي قد يكون لخصوصية فيه نهي عن هذا الأمر، وقد حكم مالك في أحد أقواله بكراهة الحمر الأهلية(٣) ; لحديث ابن عباس، فلماذا لم يكن معنى التحريم هنا الكراهة جمعّا بين الحديثين، كما يكره نكاح السرّ في مذهب العامة؟!

(ج) الاجتهاد:

وهو: بذل الجهد في تحصيل الحكم الشرعي، وللمذاهب في العمل بما يفتي به المجتهد طريقان: التخطئة والتصويب، ومذهب السنّة: التصويب، وسيأتي بيان التخطئة..

فأمّا المصوّبة فاحتجّوا بأنّه(صلى الله عليه وآله) جعل لمن اجتهد وأخطأ أجراً، ولمن اجتهد وأصاب أجرين، وأجابوا عن إطلاق الخطأ في الخبر بأنّه على: من ذهل عن النص، أو اجتهد في ما لا يسوغ الاجتهاد فيه من القطعيات، في ما خالف الإجماع ; فإنّ مثل

١- كنز العمال ١٦: ٥٢٢.

٢- كنز العمال ١٦: ٥٢٢.

٣- المجموع للنووي ٩: ٦.

٥٥٨

هذا إن اتّفق له الخطأ فيه نسخ حكمه وفتواه، ولو اجتهد بالإجماع، وهو الذي يصحّ عليه إطلاق الخطأ.

وأمّا من اجتهد في قضية ليس فيها نص ولا إجماع فلا يطلق عليه الخطأ، وكما قال المازري في تقرير ذلك، والانتصار له: (إنّ من قال: إنّ الحق في طرفين، هو قول أكثر أهل التحقيق من الفقهاء والمتكلّمين، وهو مروي عن الأئمّة الأربعة، وإن حكي عن كلّ منهم اختلاف فيه)(١).

وقد أوضح الغزالي في «مستصفيه» أنّ هذا الاختلاف إنّما في تطبيق مفاد هذه الكلّية على بعض الجزئيات ; قال: (الحكم الثاني في الاجتهاد والتصويب والتخطئة ; وقد اختلف الناس فيها، واختلفت الرواية عن الشافعي وأبي حنيفة، وعلى الجملة قد ذهب قوم إلى أنّ كلّ مجتهد في الظنيات مصيب)(٢).

امّا الحوادث التي لا حكم فيها فقد ذكر الغزالي رأي المصوّبة بصراحة، فقال:«فالذي ذهب إليه محقّقو المصوّبة أنّه ليس في الواقعة التي لا نص فيها حكم معيّن يُطلب بالظن بل الحكم يتبع الظن، وحكم الله تعالى على كلّ مجتهد ما غلب على ظنّه، وهو المختار)(٣).

وبمعنى آخر: أنّه لو اتّفق أن أفتى مفتيان في واقعة لم يُعلم حكمها، وكانت فتواهما متناقضة، فحكم الله يكون مطابق لقولهما وإن اختلفا، كأن حكم أحدهما بالوجوب، والآخر بالحرمة، وقد صرّح هو بذلك فقال: (كلّ مجتهد في الظنيات مصيب، وأنّها ليس فيها حكم معيّن لله تعالى)(٤).

فهذا أساس مذهب التصويب، وبغضّ النظر عن الجزئيات فيه إلاّ أنّك تعلم

١- فتح الباري ١٣: ٢٦٩.

٢- المستصفى: ٣٥٢.

٣- المستصفى: ٣٥٢.

٤- المستصفى: ٣٥٢.

٥٥٩

ممّا تقدّم أنّ التشريع في المذهب السنّي يُستفاد من نص النبي(صلى الله عليه وآله) وقول الصحابي، ورأي المجتهد في الظنّيات، وعليه: يُعلم أنّ الحكم الشرعي يتبدّل ويتناقض بناءً على فهم المجتهدين والصحابة.

النظرة الشيعية للتشريع ومن أين يؤخذ:

بالتمعّن في كتب الفقه الشيعية والأُصولية عندهم يمكن تقسيم مراحل معرفة التشريع إلى مرحلتين: زمن وجود الحجّة، وزمن غيبته.

(أ) زمن وجود الحجج:

وواضح أنّه في زمن وجود الحجج، أي: رسول الله(صلى الله عليه وآله) والأئمّة الاثني عشر(عليهم السلام)، لا مجال لأخذ الحكم إلا عنهم، فهم من يعرف ما يريده الله في كلّ حادثة، ويكون بيدهم نقل الحكم وتبيانه وتوضيحه، ولا يُتصوّر التناقض في نقل الحكم بين المعصومين ; فإنّ مجرد فرض العصمة لهم يعني: أنّ أفعالهم مبنية على نسق ونظم محدّد، بحيث لا يفعلوا ما يغضب الله تعالى ويخالف أوامره ; فتنبّه!

(ب) زمن غيبة الإمام(عليه السلام):

في هذه الفترة أمرنا الأئمّة(عليهم السلام) بالرجوع للعلماء العاملين، الراوين لأحاديثهم، الدارين بها، وبعبارة أخرى: أمرونا بالرجوع للمجتهدين في كلّ عصر وزمان من عصور غيبة الإمام(عليه السلام)، والكلام هنا: هل أنّ المجتهد رأيه يقابل التشريع الموجود من قبل الإمام أو لا؟

والحقّ إنّ الشيعة لا يرتضون مذهب التصويب، وهذا لا يجعل فتوى المجتهد كتشريع مقابل لحكم الله، بل هم يقولون بـ : التخطئة، التي تعني: أنّ لله حكماً واحداً في كلّ مسألة، ولذا كان مدار التكليف عندهم على الحكم الظاهري وليس الواقعي، أي: حكم الله بعينه، سواء صادف الحكم الظاهري الواقعي أو لا، وهذا استفادوه من

٥٦٠