×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 13) / الصفحات: ٤١ - ٦٠

وقال محمّد بن عبد الوهّاب: هذه الطائفة التي تنتسب إلى أبي الحسن الأشعري وصفوا ربّ العالمين بصفات المعدوم والجماد; فلقد أعظموا الفرية على الله، وخالفوا أهل الحقّ من السلف والأئمّة وأتباعهم، وخالفوا من ينتسبون إليه; فإنّ أبا الحسن الأشعري صرّح في كتابه (الإبانة والمقالات) بإثبات الصفات، فهذه الطائفة المنحرفة عن الحقّ قد تجرّدت شياطينهم لصدّ الناس عن سبيل الله، فجحدوا توحيد الله في الإلهية، وأجازوا الشرك الذي لا يغفر الله، ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾(١)، فجوّزوا أن يعبد غيره من دونه، وجحدوا توحيد صفاته بالتعطيل..

فالأئمّة من أهل السُنّة وأتباعهم لهم المصنّفات المعروفة في الردّ على هذه الطائفة الكافرة المعاندة كشفوا فيها كلّ شبهة لهم، وبيّنوا فيها الحقّ الذي دلّ عليه كتاب الله وسُنّة رسوله، وما عليه سلف الأمّة وأئمّتها من كلّ إمام، رواية ودراية(٢).

فمحمّد بن عبد الوهّاب يرى أنّ علماء الأشاعرة شياطين، وهم معاندون; فالطائفة التي تنتسب إلى أبي الحسن الأشعري كافرة ومعاندة.

وأمّا من المعاصرين، فقد قال فوزان، وهو عضو اللجنة الدائمة للإفتاء، وعضو هيئة كبار العلماء: منهج أهل السُنّة والجماعة في الردّ على أهل البدع منهجهم في ذلك مبنيّ على الكتاب والسُنّة، وهو المنهج المقنع المفحم; حيث يوردون شبه المبتدعة وينقضونها، ويستدلّون بالكتاب والسُنّة على وجوب التمسّك بالسُنن والنهي عن البدع والمحدثات، وقد ألّفوا المؤلّفات الكثيرة في ذلك، وردّوا في كتب العقائد على الشيعة والخوارج والجهمية والمعتزلة والأشاعرة في مقالاتهم المبتدعة في أُصول الإيمان والعقيدة، وألّفوا كتباً في الردّ على ذلك(٣).

ويعني الفوزان بهذه الكتب: كتب ابن تيمية، وتلميذه ابن القيّم، وكتب محمّد

١- النساء -٤-: ٤٨.

٢- الدرر السنية في الأجوبة النجدية ٣: ٢١٠.

٣- محاضرات في العقيدة والدعوة ١: ١٠٩.

٤١

بن عبد الوهّاب، فهي الكتب التي أُلّفت للردّ على جمهور المسلمين من شيعة ومعتزلة وخوارج وأشاعرة وغيرهم.

وقال الألباني: الذي يشغلني عنه في كثير من الأحيان ردود تنشر في رسائل وكتب ومجلات من بعض أعداء السُنّة من المتمذهبة والأشاعرة والمتصوّفة(١).

هنا أضاف الألباني «المتصوّفة» إلى الأشاعرة والمعتزلة والخوارج، والمتصوّفة هم عشرات الملايين في العالم الإسلامي، وكثير منهم من أهل السُنّة والجماعة وليسوا من أتباع الشيعة الإمامية الاثني عشرية، ولكن لأنّهم لم يتّفقوا مع ابن تيمية فصاروا أعداء السُنّة، أخرجوهم عن النهج القويم والصراط المستقيم وصاروا أهل بدعة وأعداء للسُنّة!

وأمّا في ما يتعلّق بمواقفهم من الشيعة أتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام) فتتّضح من خلال الإشارة إلى مجموعة من النصوص:

قال ابن تيمية: وأشهر الناس بالردّة خصوم أبي بكر الصديق وأتباعه، كـ : مسيلمة الكذّاب وأتباعه، وغيرهم، وهؤلاء تتولاهم الرافضة(٢).

اذاً الرافضة لا يتولّون رسول الله، وإنّما يتولّون مسيلمة الكذّاب!

كما يقول ابن تيمية: سُئل أيضاً الشيخ محمّد بن عبد اللطيف: رجلان تنازعا في السلام على الرافضة والمبتدعين، ومن ضاهاهم من المشركين، وفي مواكلتهم ومجالستهم؟ فقال أحدهما: جائز.. وقال الآخر: لا يجوز... أمّا بعد، فقد سألني من لا تسع مخالفته... فالواجب على من أحبّ نجاة نفسه وسلامة دينه أن يعادي من أمره الله ورسوله بعداوته، ولو كان أقرب قريب; فإنّ الإيمان لا يستقيم إلاّ بذلك(٣).

١- سلسلة الأحاديث الصحيحة ٦: القسم الأوّل، ص٦٧٦.

٢- منهاج السُنّة ٢: ٥٠١.

٣- الدرر السَنية في الأجوبة النجدية ٨: ٤٣٧ ـ ٤٣٨.

٤٢

فالشيعة إذاً في عداد المشركين، فهل توجد دعوة أوضح من هذه الدعوة للكراهية والتباغض بين المسلمين؟ فلابدّ من عداوتهم; لأنّه من أهمّ المهمّات وآكد الواجبات.

وفي موضع آخر من الكتاب يقول: ونسوا دينهم الصحيح المقرّر، فعميت البصائر، واستحكمت غربة الدين، وعمّت الفتن وانتشرت، حتّى اجتمع الصالح والفاسق بالعابد، واختلط الحابل بالنابل، وخالط المسلمون الكفّار والمشركين والرافضة والملحدين(١).

فالشيعة الإمامية الذين يتشهّدون الشهادتين، ويقيمون الفرائض الإلهية من صلاة وصوم وحجّ وجهاد وزكاة، هؤلاء في عداد الكفّار والمشركين والملحدين.

وهناك أبعاد عملية لهذه الفتاوى، ومن أخطرها: ما ورد عن ابن باز; فقد سُئل: هل طريقة الشيعة الإمامية من الإسلام، ومن الذي اخترعها؟ لأنّهم، أي: الشيعة، ينسبون مذهبهم لسيّدنا عليّ كرّم الله وجهه، وإذا لم يكن مذهب الشيعة من الإسلام، ما الخلاف بينهم وبين الإسلام؟

فأجاب: مذهب الشيعة الإمامية مذهب مبتدع(٢).

ومعنى هذا الكلام أنّ ابن باز يعتقد: أنّ بينه وبين النصارى وبين اليهود توجد مشتركات، ولكن بينه وبين الشيعة الإمامية لا يوجد أي مشترك، لا أُصول ولا فروع; لأنّه من أُصولنا: التوحيد، والشيعة لا توحيد لهم، ومن أُصولنا: النبوّة، والشيعة لا نبوّة لهم، وكذا المعاد والصلاة والصوم!

١- الدرر السَنية في الأجوبة النجدية ١٥: ٤٦٣.

٢- فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ٢: ٢٦٨.

٤٣

موقف أعلام مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) من المسلمين على مختلف مذاهبهم:

إنّ الشيعة تعدّ مسألة الإمامة من الدعائم المهمّة والأساسية في منظومتها العقدية، يقول الشيخ المفيد:

(اجتمعت الشيعة على الحكم بكفر محاربي عليّ، ولكنّهم لم يخرجوهم بذلك عن حكم ملّة الإسلام; إذ كان كفرهم من طريق التأويل كفر ملّة، ولم يكفروا كفر ردّة عن الشرع مع إقامتهم على الجملة منه وإظهار الشهادتين، والاعتصام بذلك عن كفر الردّة المخرج عن الإسلام، وإن كانوا بكفرهم خارجين من الإيمان مستحقّين اللعنة والخلود في النار)(١).

فتبيّن أنّه يتكلّم عن كفر غير الكفر الاصطلاحي، فهو كفر في قبال الإسلام، فإذا كان كافراً فليس بمسلم، ولكنّه هنا يصرّح بأنّه عندما أقول: هؤلاء كفّار، ليس مرادي: الكفر في مقابل الإسلام، فهؤلاء ليسوا كفّاراً بحسب الشرع، نعم في الآخرة يعامَلون ككفّار.

فهذا ليس إخراجاً عن الإسلام، وإنّما إخراج عن أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، وهو مسلم تجري عليه جميع أحكام الإسلام في الدنيا.

وممّن صرّح بهذا الرأي من أعلام الشيعة الكبار وأساطين الفقه: الشيخ محمّد حسن النجفي; فهو يقول: إذ هو إمّا البناء على كفر المخالف، وهو معلوم الفساد; للأخبار المعتبرة المنجبرة بعمل الأصحاب، وبالسيرة القاطعة الدالّة على تحقّق

١- أوائل المقالات: ١٥١.

٤٤

الإسلام بالشهادتين، من قالها فهو مسلم، تترتّب عليه جميع أحكام الإسلام(١).

عرف الحق فاستبصر:

للتعرّف على الفكر الشيعي عن قرب قرّر «رفيق» الانضمام إلى مدرسة «خاتم الأنبياء»، التي كانت تبيّن الفكر الشيعي ومبادىء أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).

عندها ازداد اطّلاعه على فكر ومنهج أهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم، الذي أساسه الرحمة، وعدم التكفير، وتحريم قتل المسلمين، فقرّر اتّباع الحقّ وتغيير عقيدته ومسلكه، فأعلن عن استبصاره، وكان ذلك عام ١٤١٦ هـ (١٩٩٦م) في مدينة «ليلونجو» عاصمة مالاوي(٢).

١- جواهر الكلام ٤: ٨٣.

٢- للمستبصر ملف خاص في المركز وقد أُجري معه حوار، ذكر فيه أهمّ أدلّة الاستبصار.

٤٥

(٦) أحمد محمّد تراوري (مالكي / مالي)

[image] - مركز الأبحاث العقائدية

ولد في مدينة «باماكو» في جمهورية مالي في عائلة مالكية المذهب، ودرس في مدينته حتّى حصل على الليسانس في مادة الحقوق، وبالإضافة إلى الدراسة الأكاديمية درس الأحكام الشرعية والقرآن الكريم في المساجد.

نظرتان في صفات الباري تعالى:

بعد تلقّيه التعاليم الدينية وفق مذهبه صار «أحمد» من المدرّسين في إحدى المدارس الدينية، ولم يكن يعرف حينها عن المذهب الشيعي إلاّ القليل، حتّى شائت الأقدار الإلهية أن يحصل على بعض الصحف والمجلات العربية والفرنسية والتي كانت تبيّن الفكر الشيعي، فأثارت انتباهه واستغرابه; إذ كان فيها معلومات دينية جديدة لم يسمع بها من قبل، فدأب على قرائتها، وبدأ بالمقارنة بين ما يعتقده أهل السنة وبين ما تتبنّاه الرؤية الشيعية.

ومن المواضيع التي تلفت نظر الباحث في المقارنة بين المذاهب: نظرة الشيعة لصفات الباري تعالى، وتتّضح تلك الرؤية بمقارنتها مع آراء الآخرين.

ومن ذلك: حديث (الأطيط) واعتباره من قبل الوهّابية; فقد قالوا بأنّه صحيح السند وتام الدلالة والمضمون. والتزموا بلوازمه التي تثبت الثقل لله عزّ وجلّ..

٤٦

فقد قال ابن تيمية، بعد أن نقل الروايات عن كعب الأحبار: فهؤلاء الأئمّة المذكورة في إسناده هم من أجلّ الأئمّة، وقد حدّثوا به هم وغيرهم ولم ينكروا ما فيه من قوله من ثقل الجبّار فوقهنّ، فلو كان هذا القول منكراً في دين الإسلام عندهم لم يحدّثوا به على هذا الوجه(١).

فهو يؤكّد هذه الحقيقة، التي هي من أخصّ وأهمّ لوازم الجسمية; فإنّ الجسم من أهمّ لوازمه وخواصّه: الثقل، الجهة، الحدّ، التحيّز والحجم.

فهو يركّز على مسالة الثقل، ويقول: إنّ هؤلاء الأعلام من الأئمّة ذكروا هذه الأحاديث في كتبهم، ولم ينكروا على الدليل والمضمون، ولو كان باطلاً لم يذكروه ولم يقبلوه، ولكن ذكروا وقبلوا المضمون; إذاً الحديث صحيح وليس بباطل.

ولم يكن ابن تيمية منفرداً في هذا الرأي، فهذا ابن بطّة العكبري، يقول: ذيل قوله... قال المؤلّف: إنّ الله عزّ وجلّ على العرش، وللعرش أطيط كأطيط الرحل الجديد، وحديث الأطيط معروف، ضعّفه بعض العلماء وحسّنه بعضهم، كشيخ الإسلام ابن تيمية(٢).

وقال الدشتي: وممّن احتجّ بهذا الحديث وقبله أو صرّح بصحّته من أهل العلم: محمّد بن إسماعيل البخاري، ومنهم: عثمان بن سعيد الدارمي(٣).

وأمّا أتباع ابن تيمية من تلامذته ومن الوهّابية، فقد وافقوا ابن تيمية وساروا على نهجه:

قال ابن قيّم الجوزية:

واذكر حديثاً لابن إسحاق الرضي ذاك الصدوق الحافظ الربّاني

١- راجع: بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية ٣: ٢٦٨.

٢- شرح كتاب الشرح والإبانة على أُصول السنّة والديانة ٢: ٥٧٠.

٣- إثبات الحدّ لله عزّ وجلّ وبأنّه قاعد وجالس على العرش: ١٤١.

٤٧

في قصّة استسقائهم يستشفعون إلى الرسول بربّه المنّانِ
فاستعظم المختار ذاك وقال شأن الله ربّ العرش أعظم شاني
الله فوق العرش فوق سماءه سبحان ذي الملكوت والسلطانِ
ولعرشه منه أطيط مثل ما قد أطّ رحل الراكب العجلانِ(١)
وهذا غاية التشبيه; لأنّه يقول: مثل الراكب العجلان، ومع ذلك يقولون: بلا تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف.

فابن القيّم يقبل هذا المعنى، وإلا لو لم يقبل أحاديث الأطيط سنداً أو دلالة لَما ضمّنها هذه القصيدة النونية، التي يقولون عنها: إنّها قصيدة التوحيد.

وقال محمّد عبد الوهّاب: وإنّه ليأطّ به أطيط الرحل بالراكب، إنّ عرشه على سماواته لهكذا، وقال بأصابعه مثل القبّة(٢).

وقال صالح بن فوزان العبد الله الفوزان، عضو هيئة كبار العلماء، قال في شرحه للأبيات التي شرحها ابن القيّم آنفاً: لعرشه منه أطيط مثلما قد أطّ رحل الراكب العجلان... يقول: وهذا فيه إثبات العلو لله ـ عزّ وجلّ ـ ، وفي الحديث نفسه أخبر (صلى الله عليه وآله): أنّ العرش يأطّ من عظمة الله واستوائه، كما يأطّ الرحل بالراكب.

وإنّما قال ذلك لأنّ الوهّابية لا يعتقدون بالأُمور المعنوية، ويقولون: هذا خلاف الظاهر.

والثقل أساساً لا يكون إلا بجاذبية، فأيّ جاذبية التي تجذب الحق سبحانه وتعالى وتؤثّر على وزنه وثقله ـ تعالى الله عن ذلك ـ ، لأنّهم يقولون: أنّ العرش أعظم من السموات والأرض والله جالس على هذا، فأي جاذبية تستطيع أن تجذب هذا الوزن، فهذا غير ممكن.

١- شرح القصيدة النونية ١: ٢٧٧.

٢- راجع أُصول الإيمان: ٨ .

٤٨

وأمّا أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) فقد أسّسوا أساساً وقالوا: ليس المهم أنّ الرواية صحيحة السند، أو أنّها نُقلت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، المهم: انطباقها على الضوابط والمحكمات القرآنية، فإذا لم تنطبق يضرب بها عرض الجدار وإن صحّ سندها.

خصوصاً إذا علمنا بأن قضية الوضع وتدمير وهدم مباني العقيدة الإسلامية كانت في سلّم أوْلويات النهج الأُموي.

إنّ أهل البيت (عليهم السلام) أسّسوا أصلاً أساسياً، وهذا الأصل مستقىً من القرآن الكريم، وهو ما نقله الشيخ الصدوق، عن الإمام الرضا (عليه السلام)، قال «فكلّ ما في الخلق لا يوجد في خالقه، وكلّ ما يمكن فيه يمتنع من صانعه»(١).

فإذا كان في الخلق حدّ فلا يوجد فيه حدّ، وإذا كان في الخلق مكان فلا يوجد له مكان، وإذا كان للخلق ثقل فلا يوجد له ثقل، وإذا كان للخلق علوّ وسفل، وذهاب وإياب، وصعود ونزول، فليس له ذلك; لأنّه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾(٢).

وهذه القاعدة أهم أصل في المعارف التوحيدية لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام).

وفي رواية أُخرى: دخلنا على أبي الحسن علي بن موسى الرضا، فحكينا له أن محمّداً رأى ربّه في صورة الشاب الموفّق في سن أبناء ثلاثين. فخرّ ساجداً لله، ثم قال: «سبحانك ما عرفوك ولا وحّدوك، فمن أجل ذلك وصفوك، سبحانك كيف طاوعتهم أنفسهم أن يشبّهوك بغيرك، يا محمّد! إنّ رسول الله حين نظر إلى عظمة ربّه كان في هيئة الشاب الموفّق، ثم التفت إلينا فقال: ما توهّمتم من شيء فتوهّموا الله غيره، ما توهّمتموه من شيء فتوهّموا الله غيره»(٣).

وعن صفوان بن يحيى، قال: سألني أبو قرّة المحدّث أن أدخله على أبي الحسن

١- التوحيد للصدوق: ٤١.

٢- الشورى -٤٢-: ١١.

٣- الكافي ١: ٢٤٩.

٤٩

الرضا (عليه السلام) فاستأذنته، فأذن لي، فدخل، فسأله عن الحلال والحرام، ثم قال له: أفتقرّ أنّ الله محمول؟

فقال أبو الحسن (عليه السلام): «كلّ محمول مفعول به مضاف إلى غيره محتاج، والمحمول اسم نقص في اللفظ، والحامل فاعل وهو في اللفظ مدحة، وكذلك قول القائل: فوق وتحت وأعلى وأسفل، وقد قال الله: ﴿وَلله الأسْماءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾(١)، ولم يقل في كتبه: إنّه المحمول، بل قال: إنّه الحامل في البر والبحر، والممسك السماوات والأرض أن تزولا، والمحمول ما سوى الله، ولم يسمع أحد آمن بالله وعظمته قط قال في دعائه: يا محمول».

قال أبو قرّة: فإنّه قال: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذ ثَمَانِيَةٌ﴾(٢) وقال: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾(٣)؟

فقال أبو الحسن (عليه السلام): «العرش ليس هو الله، والعرش اسم علم وقدرة، وعرش فيه كلّ شيء، ثمّ أضاف الحمل إلى غيره: خَلْق من خَلْقه; لأنّه استعبد خلقه بحمل عرشه، وهم حملة علمه، وخلْقاً يسبّحون حول عرشه، وهم يعملون بعلمه، وملائكة يكتبون أعمال عباده.. واستعبد أهل الأرض بالطواف حول بيته، والله على العرش استوى، كما قال، والعرش ومن يحمله ومن حول العرش والله الحامل لهم، الحافظ لهم، الممسك القائم على كلّ نفس وفوق كلّ شيء، وعلى كلّ شيء، ولا يقال: محمول، ولا: أسفل، قولاً مفرداً لا يوصل بشيء فيفسد اللفظ والمعنى».

قال أبو قرّة: فتكذّب بالرواية التي جاءت: أنّ الله إذا غضب إنّما يُعرف غضبه أنّ الملائكة الذين يحملون العرش يجدون ثقله على كواهلهم، فيخرّون سُجّداً، فإذا

١- الأعراف -٧-: ١٨٠.

٢- الحاقة -٦٠-: ١٧.

٣- غافر -٤٠-: ٧.

٥٠

ذهب الغضب خفّ ورجعوا إلى مواقفهم؟

فقال أبو الحسن (عليه السلام): «أخبرني عن الله تبارك وتعالى، منذ لعن إبليس إلى يومك هذا هو غضبان عليه، فمتى رضي؟ وهو في صفتك لم يزل غضبان عليه وعلى أوليائه وعلى أتباعه؟!

كيف تجترىء أن تصف ربّك بالتغيير من حال إلى حال، وأنّه يجري عليه ما يجري على المخلوقين؟!

سبحانه وتعالى، لم يزل مع الزائلين، ولم يتغيّر مع المتغيّرين، ولم يتبدّل مع المتبدّلين، ومَن دونه يده وتدبيره، وكلّهم إليه محتاج وهو غني عمّن سواه»(١).

الانطلاق في مسير الهداية:

بعد أن قارن «أحمد» بين الرؤى التي يتبنّاها الشيعة من جهة، وغيرهم من جهة أُخرى، عرف الحقّ، وعلم أنّ التوحيد الحقّ هو التوحيد الذي يحمله آل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم، فقرّر أن يتّبع الحقّ، وكان ذلك سنة ١٤٠١ هـ (١٩٨١م) في مالي.

ولتنمية رصيده الديني وفق مذهب أهل البيت (عليهم السلام) هاجر «أحمد» بعد استبصاره إلى «غانا»، ثم التحق بحوزة قمّ المقدّسة(٢).

١- الكافي ١: ١٣٠ ـ ١٣٢.

٢- للمستبصر ملف في «مركز الأبحاث العقائدية» ذكر فيه ما يتعلق باستبصاره، كما له تسجيل صوتي يذكر فيه قصّة الاستبصار.

٥١

(٧) إدريس كويتا (وهابي / مالي)

ولد في مدينة «سيكو» في جمهورية مالي سنة ١٣٩١ هـ (١٩٧١م) ونشأ فيها، وبسبب تأثّره بإعلام ودعايات التيار السلفي صار «إدريس» ذا ميول وهّابية.

واصل «إدريس» دراسته في السعودية وتخرّج من إحدى الجامعات فيها، ثمّ رجع إلى «سيكو»، وأصبح مديراً لأحد المراكز الوهّابية هناك.

سمع «إدريس» عن الشيعة والاتّهامات التي توجّه إليهم، ممّا دعاه إلى مطالعة الكتب الشيعية، فتبيّن له مدى الكذب الذي تحمله الوهّابية في أفكارها ومدّعياتها.

نسخ السنّة للقرآن:

من الشبهات التي أثارها أتباع التيار الوهّابي ضدّ المذهب الشيعي في معرض هجومهم المغرض عليه: شبهة نسخ السُنّة للقرآن الكريم، وقد تمحورت شبهتهم حول مجموعة من المسائل:

المسألة (الشبهة) الأُولى:

قالوا: اعتقادهم بأنّ قول الإمام ينسخ القرآن، ويقيّد مطلقه، ويخصّص عامّه... ومسألة النسخ والتخصيص والتقييد... ليست إلاّ جزءاً من وظيفة الأئمّة الكبرى، وهي: (التفويض في أمر الدين)، والتي يقرّرها صاحب (الكافي) في باب يعقده في هذا الشأن بعنوان: (باب التفويض إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإلى الأئمّة (عليهم السلام)

٥٢

في أمر الدين)...

ولعلّ المتأمّل لهذه المقولة، والمحلّل لأبعادها يدرك أنّ الهدف من هذه المقالة تبديل دين الإسلام، وتغيير شريعة سيّد الأنام... وهذه الدعوى تقوم على أنّ دين الإسلام ناقص ويحتاج إلى الأئمّة الاثني عشر لإكماله، وأنّ كتاب الله وسُنّة رسوله (صلى الله عليه وآله) لم يكمل بهما التشريع..

وهذه العقائد أصبحت من أُصول الاثني عشرية; لأنّها شربت مذاهب الغلاة حتّى الثمالة... وقد أشار أبو جعفر النحّاس المتوفّى سنة ٣٣٨ هـ إلى هذه المقالة ولم ينسبها لأحد، فقال: وقال آخرون: باب الناسخ والمنسوخ إلى الإمام، ينسخ ما شاء وعدَّ ذلك من عظيم الكفر، ثم بيّن بطلانه بقوله: لأنّ النسخ لم يكن إلى النبي (صلى الله عليه وآله) إلاّ بالوحي من الله عزّ وجلّ، إمّا بقرآن مثله على قول قوم، وإمّا بوحي من غير القرآن، فلمّا ارتفع هذان بموت النبي (صلى الله عليه وآله) ارتفع النسخ(١).

وفي معرض الجواب عن هذه الشبهة نقول:

١ ـ إنّ اعتقاد الإمامية على ثلاثة أقوال:

قال الشيخ المفيد: إنّ القرآن ينسخ بعضه بعضاً، ولا ينسخ شيئاً منه السُنّة بل تُنسخ السنّة به، كما تُنسخ السُنّة بمثلها من السنّة; قال الله عزّ وجلّ: ﴿مَا نَنَسَخْ مِنْ آيَة أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْر مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيء قَدِيرٌ﴾(٢)..

وليس يصحّ أن يماثل كتاب الله تعالى غيره، ولا يكون في كلام أحد من خلقه خير منه. ولا معنى لقول أهل الخلاف: ﴿نَأْتِ بِخَيْر مِنْهَا﴾ في المصلحة; لأنّ الشيء لا يكون خيراً من صاحبه بكونه أصلح منه لغيره، ولا يُطلق ذلك في الشرع، ولا تحقيق اللغة، ولو كان ذلك كذلك لكان العقاب خيراً من الثواب، وإبليس خيراً من

١- أُصول وتاريخ الفرق: ١٧٠ ـ ١٧١.

٢- البقرة -٢-: ١٠٦.

٥٣

الملائكة والأنبياء، وهذا فاسد محال.

والقول بأنّ: (السنّة لا تنسخ القرآن) مذهب أكثر الشيعة وجماعة من المتفقّهة وأصحاب الحديث، ويخالفه كثير من المتفقّهة والمتكلّمين(١).

وقال السيد المرتضى: اعلم أنّ السنّة على ضربين: مقطوع عليها معلومة، وأُخرى واردة من طريق الآحاد; فأمّا المقطوع عليها، فإنّ الشافعي ومن وافقه يذهبون إلى أنّها لا يُنسخ بها القرآن، وخالف باقي العلماء في ذلك.

وأمّا السنّة التي لا يُقطع بها، فأكثر الناس على أنّه لا يقع بها نسخ القرآن، وخالف أهل الظاهر وغيرهم في جواز ذلك، وادّعوا ـ أيضاً ـ وقوعه.

والذي يبطل أن (يُنسخ القرآن بما ليس بمعلوم من السنّة) أنّ هذا فرع مبنيّ على وجوب العمل بـ (خبر الواحد) في الشريعة; لأنّ من يجوّز النسخ يعتمد على أنّه كما جاز التخصيص به، وترك الظاهر لأجله، والعمل به في الأحكام المبتدأة، جاز النسخ ـ أيضاً ـ به.

وأنّ دليل وجوب العمل بخبر الواحد مطلق، غير مختص، فوجب حمله على العموم، وإذا بطل العمل بخبر الواحد في الشرع، بما سنتكلّم عليه عند الكلام في الأخبار، بمشية الله تعالى، بطل النسخ; لأنّ كلّ من لم يعمل به في غير النسخ لا ينسخ به، فالقول بـ (النسخ مع الامتناع من العمل أصلاً) خارج عن الإجماع.

وهذا أوْلى مما يُمضى في الكتب من أنّ الصحابة ردّت أخبار الآحاد إذا كان فيها ترك للقرآن; لأنّ الخصوم لا يسلّمون ذلك، ولأنّه يلزم عليه أن لا يخصّص الكتاب بخبر الواحد; لأنّ فيه تركاً لظاهره.

وليس يجب من حيث تعبّدنا الله بالعمل بخبر الواحد في غير النسخ ـ إذا

١- أوائل المقالات: ١٢٣ ـ ١٢٤.

٥٤

سلّمنا ذلك وفرضناه ـ أن نعدّيه إلى النسخ بغير دليل; لأنّ العبادة لا يمتنع اختصاصها بموضع دون موضع، فمن أين إذا وقعت العبادة بالعمل به في غير النسخ، فقد وقعت في النسخ، وأحد الموضعين غير الآخر، وليس ها هنا لفظ عام يدّعى دخول الكلّ فيه؟!

وخلاف الشافعي في أنّ السنّة المعلومة لا يُنسخ بها القرآن ضعيف جدّاً، لا ندري كيف استمرّت الشبهة فيه؟!

والذي يدلّ على فساد هذا المذهب أنّ السنّة المعلومة تجري في وجوب العلم والعمل مجرى الكتاب، فكما ينسخ الكتاب بعضه ببعض، كذلك يجوز فيه نسخه بها.

ولأنّ النسخ إنّما يتناول الحكم، والسنّة في الدلالة عليه كدلالة القرآن، فيجب جواز النسخ بها.

وليس لأحد أن يقول: إنّ السنّة تدلّ كدلالة القرآن، لكنّها إذا وردت بحكم يضادّ القرآن، أنزل الله تعالى قرآناً يكون هو الناسخ.

وذلك أنّ هذه دعوى لا برهان لمدّعيها; ومن أين أنّ الأمر على ذلك؟!

ولو قدّرنا أنّه تعالى لم ينزل ذلك القرآن، كيف كان يكون حال تلك السنّة؟

فلابدّ من الاعتراف باقتضائها النسخ.

ثم إذا اجتمعا لِمَ صار الناسخ هو القرآن، دون السنّة، وحكم كل واحد من الدليلين حكم صاحبه؟

وإذا كان نسخ الحكم بحكم يضادّه، فلا فرق بين أن يكشف عن ذلك الحكم المضادّ سنّة، أو قرآن(١).

وقال الشيخ السبحاني وهو من المعاصرين: أن نسخ القرآن بأخبار الآحاد

١- الذريعة (أصول الفقه) للسيّد المرتضى ١: ٤٦٠ ـ ٤٦٣.

٥٥

ممنوع جدّاً(١).

فتبيّن من ذلك أنّ الشيعة لديهم ثلاثة آراء في الموضوع، فمنهم من منع مطلقاً، ومنهم من أجاز مطلقاً، ومنهم من ذهب إلى التفصيل بين المقطوع وخبر الواحد.

وجواز نسخ السُنّة للقرآن يذهب إليه الوهّابية أيضاً; فيقول ابن عثيمين، وهو من مقدّمي الوهّابية في عصرنا الحاضر:

وإذا سأل سائل: هل السنّة تنسخ القرآن؟

فالجواب: أنّنا نقول إذا صحّت نسخت القرآن(٢).

وقال أيضاً في معرض جوابه على سؤال: في شأن النسخ، هل نسخ شيء من القرآن بالسُنّة؟

الجواب: لا أعلم شيئاً من القرآن نسخ بالسنّة إلاّ مسألة اللوطي ـ نسأل الله العافية ـ فإنّ الله تعالى قال في القرآن: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ الله كَانَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾(٣)، فهذه الآية تدلّ على أنّ الفاعلَين يؤذيان حتّى يتوبا ويصلحا، فجاءت السنّة: من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به، فهذا يستدلّ به على أنّ السنّة تنسخ القرآن.

وعمل قوم لوط أكبر من الزنا ـ والعياذ بالله ـ وأفحش، والدليل على هذا: أنّ الله قال في القرآن: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾(٤)، أي: فاحشة من الفواحش، وأمّا اللواط، فقد قال لوط لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾(٥)، أي: الفاحشة العظمى الكبرى، ولهذا دخلت عليها (ال)، فكان اللواط أعظم من الزنا، ويدلّ على هذا

١- أضواء على عقائد الشيعة الإمامية للشيخ جعفر السبحاني: ٤٧٤.

٢- شرح مقدّمة التفسير، للعلاّمة العثيمين ١: ١٢٩.

٣- النساء -٤-: ١٦.

٤- الإسراء -١٧-: ٣٢.

٥- الأعراف -٧-: ٨٠.

٥٦

أيضاً: أنّ الله سبحانه وتعالى بعث رسولاً برسالة تامّة لينذر من هذه الفعلة الشنيعة، وأنّ الله أهلك فاعلي هذه الفعلة الشنيعة بصفة عامة، فدلّ ذلك على أنّ اللواط أعظم من الزنا..

ولهذا يجب على وليّ الأمر إذا ثبت اللواط بين اثنين، وكلاهما بالغ عاقل، ولم يكره أحد منهما، أن يقتلهما; امتثالاً لأمر النبي (صلى الله عليه وآله)، ودرءاً لهذه المفسدة القبيحة والفاحشة الشنيعة.. نسأل الله العافية.

هذا الذي يحضرني بعد التتبّع من نسخ القرآن بالسُنّة.

وأمّا من قال: إنّ قول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾(١)، منسوخ بقوله (صلى الله عليه وآله): «لا وصيّة لوارث»، فهذا قول لا يصحّ..

أوّلاً: لأنّ الحديث ليس فيه نسخ بل فيه التخصيص; لأنّ الآية فيها الأمر بالوصية للأقربين، وهذا يعمّ الوارث وغير الوارث، ثم رفع الحكم عن الوارث فقط، وهذا تخصيص لا نسخ; لأنّ النسخ: رفع الحكم كلّه، لا رفع الحكم عن بعض أفراد العموم.

ثانياً: لأنّ الحديث مبيّن للناسخ وليس ناسخاً; لأنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) قال: «إن الله أعطى كل ذي حقّ حقّه فلا وصيّة لوارث» وهذا يدلّ على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) بيّن أنّ الله تعالى قسّم الميراث وأعطى كلّ ذي حقّ حقّه، فلا وصية بعد هذا التقسيم لوارث.

لكن ليكن معلوماً لديك أنّه حتّى وإن لم يوجد مثال يسلم من المعارضة; فإنّ السُنّة إذا صحّت عن النبي (صلى الله عليه وآله) فهي(٢).

١- البقرة -٢-: ١٨٠.

٢- لقاء الباب المفتوح ٤٦: ١٤، وهو عبارة عن لقاءات كان يعقدها العثيمين بمنزله كل خميس، والمقصود من رقم الجزء هو رقم اللقاء.

٥٧

ولكن صاحب الإشكال نسب جواز نسخ القرآن بكلام الإمام إلى اعتقاد الإمامية.

٢ ـ إنّ هذا الإشكال لم يجدوه في أي من كتب الإمامية، وإلا أرجعوا إليه.

٣ ـ إنّ عقيدة الإمامية أن الشريعة الإسلامية هي التي أُنزلت على النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)، ولا نبي من بعده، ولا استمرار للتشريع بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله)، لكنّ رسول الله لم يكن لديه فرصة لتبيين تفاصيل أحكام الشريعة إلى عامة الناس، فأودعها عند علي (عليه السلام) لتبيينها للناس، ثم من بعده الأئمّة (عليهم السلام).

فهذه النسبة إلى الإمامية وأنّها تعتقد بأنّ النبي لم يكمل التشريع، وأنّ التشريع استمرّ ولم ينقطع بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) افتراء لا صحّة له.

٤ ـ إنّ التخصيص لعام القرآن الكريم تقييد المطلق فيه، فالصحيح أن قول الإمام (عليه السلام) الذي أورثه رسول الله (صلى الله عليه وآله) التفاصيل لأحكام الشريعة الإسلامية فإنّه يمارس ما كلّفه به الله ورسوله، ورسول الله في الشريعة يطبّق ما نزل إليه من عند الله سبحانه وتعالى، فالتخصيص هنا ليس من الإمام (عليه السلام) نفسه، بل هو من رسول الله الذي وصل إليه بالوحي من الله تعالى.

المسألة (الشبهة) الثانية:

قالوا: إنّ الشيعة قالوا: يجوز لمن سمع حديثاً عن أبي عبد الله أن يرويه عن أبيه أو أحد أجداده، بل يجوز أن يقول: قال الله تعالى، فكان للإمام في اعتقادهم تخصيص القرآن أو تقييده أو نسخه، وهو تخصيص أو تقييد أو نسخ للقرآن بالقرآن; لأنّ قول الإمام كقول الله، فالأئمّة قد فوّضوا في أمر الدين كما فوض رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلهم حقّ التشريع(١).

١- أُصول مذهب الشيعة ١: ١٤٦.

٥٨

والجواب عن هذه الشبهة:

إنّ مؤدّى هذا الكلام أنّ قول الإمام (عليه السلام)، الذي ورث علم الشريعة من النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)، كاشف عن قول الله، لا أنّه قرآن، ولا أنّه كقول الله، فلا يستلزم منه أن يكون للإمام حقّ تقييد أو نسخ أو تخصيص القرآن، لأنّ تخصيص وتقييد ونسخ القرآن لله تبارك وتعالى.

ونسخ آيات القرآن الخالد إلى يوم القيامة يتحقّق بآيات أُخرى من القرآن لا غير.

المسألة (الشبهة) الثالثة:

قالوا: تقول الشيعة: إنّ الله عزّ وجلّ فوّض إلى نبيّه، فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾(١)، فما فوّض إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقد فوّضه إلينا.

وقال أبو عبد الله ـ كما تزعم كتب الشيعة ـ : «لا والله ما فوّض الله إلى أحد من خلقه إلاّ إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإلى الأئمّة; قال الله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ الله وَلاَ تَكُن لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً﴾(٢)، وهي جارية في الأوصياء»(٣).

وفي معرض الجواب عن هذه الشبهة نقول:

كان استدلالهم للتفويض في الخبرين بقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾، وقوله تعال: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ الله﴾، والذي يُفهم من الآيتين: أنّ النبي تجب طاعته في أوامره ونواهيه، وأنّ له الحكم بين الناس;

١- الحشر -٥٩-: ٧.

٢- النساء -٤-: ١٠٥.

٣- أُصول مذهب الشيعة ١: ١٤٧.

٥٩

فالمراد: تفويض الحكم للنبي (صلى الله عليه وآله) وإلى أئمّة الحقّ من بعده، كما في قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ﴾(١); فقد أمر فيه بالطاعة لله، ثم أمر بالطاعة للرسول ولأولي الأمر، والطاعة لله هي: العمل بأحكام الشرع، ولرسول الله وأُولي الأمر هي: طاعتهم في الحكومة..

فتفويض النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمّة معناه: تفويض الحكومة; فإنّ الحكومة بالأصالة هي لله تعالى، فهو المولى الحقيقي، وجميع أُمور العباد بيده، وقد فوّض الحكومة على الناس إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله) وبعده إلى الأئمّة (عليهم السلام)، ولا تشريع للأحكام الشرعية كما ادُّعي.

المسألة (الشبهة) الرابعة:

قالوا: وهذه الدعوى تقوم على أنّ دين الإسلام ناقص، ويحتاج إلى الأئمّة الاثني عشر لإكماله، وأنّ كتاب الله وسُنّة رسوله (صلى الله عليه وآله) لم يكمل بهما التشريع; إذ أنّ بقية الشريعة مودعة عند الأئمّة، وأنّ رسول الهدى (صلى الله عليه وآله) لم يبلّغ ما أُنزل إليه من ربّه، وانّما كتم بعض ما أنزله إليه وأسرّه لعليّ.. وكلّ ذلك كفر بالله ورسوله، ومناقضة لأُصول الإسلام.

ونقلوا دليلاً على ما ذكروه: ما: جاء في أُصول (الكافي): عن محمّد بن منصور، قال: سألت عبداً صالحاً عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَاظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾(٢)؟ قال: فقال: إنّ القرآن له ظهر وبطن، فجميع ما حرّم الله في القرآن هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمّة الجور، وجميع ما أحلّ الله تعالى في الكتاب هو الظاهر، والباطن من ذلك أئمّة الحقّ. تقرّر هذه الرواية الواردة في أصحّ كتبهم الأربعة مبدءاً هو: أنّ للقرآن معاني باطنة تخالف الظاهر مخالفةً تامّةً... وهو محاولة

١- النساء -٤-: ٥٩.

٢- الأعراف -٧-: ٣٣.

٦٠