×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة من حياة المستبصرين (ج 13) / الصفحات: ٦١ - ٨٠

لتغيير دين الإسلام من أساسه، ودعوة إلى التحلّل والإباحية!(١).

وفي معرض الجواب عن هذه الشبهة نقول:

١ ـ ما صدر عن الأئمّة (عليهم السلام) في بيان الأحكام فمن سُنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله); لأنّها مأخوذة منه (صلى الله عليه وآله) حرفياً، ولم يخفيها النبي (صلى الله عليه وآله)، ولكن لم يكن هناك مجال لبيانها بشخصه لعامّة الناس، وإنّما بلّغها لهم من خلال أوصيائه (عليهم السلام).

إنّ الروايات التي جاءت في كتب أهل السُنّة إنّما رويت عن النبي (صلى الله عليه وآله) من خلال الصحابة، فقد بيّنها للأُمّة وبلّغها إليهم بالواسطة، وأمّا الذين تجاهلوا روايات الأئمّة المعصومين (عليهم السلام)، وتوسّلوا في فهمهم للأحكام الشرعية إلى القياس والاستحسان، فهم مَن يجب أن توجّه لهم هذه التهمة، من جهة أنّ دعواهم تقوم على أنّ دين الإسلام ناقص، وأنّ كتاب الله وسُنّة رسوله غير كاملة التشريع، مع أنّ ذلك ينافي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأسْلاَمَ دِيناً﴾(٢)، وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْء وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾(٣).

٢ ـ إنّ ظواهر القرآن لا يمكن نفيها; فالقرآن تبيان لكلّ شيء بمعانيه الباطنية التي تعلم بتوضيح رسول الله (صلى الله عليه وآله) بلا واسطة، أو من خلال الأئمّة المعصومين، الذين أورثهم رسول الله علم القرآن، وقال (صلى الله عليه وآله): «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي، لن يفترقا حتّى يردا علَيّ الحوض، لن تضلّوا ما إن تمسّكتم بهما»(٤).

١- أُصول مذهب الشيعة ١: ١٤٨ ـ ١٥١.

٢- المائدة -٥-: ٣.

٣- النحل -١٦-: ٨٩.

٤- مسند أحمد ٣: ١٤، سنن الدارمي ٢: ٤٣٢، فضائل الصحابة للنسائي: ٢٢، مستدرك الحاكم ٣: ١٤٨، السنن الكبرى للبيهقي ٧: ٣٠.

٦١
موسوعة من حياة المستبصرين ج ١٣ » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ٦١ - ص ٩٠)

٣ ـ إنّ ما جاء في هذا الحديث: إنّ القرآن له ظهر وبطن، فهذا يدلّ على أنّ للقرآن معاني ظاهرة ومعاني باطنة، وهذا لا يعني بأيّ حال أنّ المعنى الباطني يخالف المعنى الظاهري وينافيه; فما أحلّ الله في القرآن منها حلال في الواقع، وما حرم الله في القرآن من أفعال العباد حرام. ولا ينافي ذلك أنّ لهذه الآيات معاني أُخرى أيضاً، فليس هذا الحديث دعوة إلى الإباحية والتحلّل.

اعتناقه لمذهب أهل البيت (عليهم السلام):

بعد أن اطّلع على الحقائق وتبيّن له دور أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) في إكمال تبليغ الدين الذي كلّفهم به الله ورسوله، قرّر «إدريس» وبعد تتبّع واستقصاء، أن يتّبع مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، وذلك في سنة ١٤١٨ هـ (١٩٩٨م)(١).

١- للمستبصر ملف في مركز الأبحاث العقائدية، ذكر فيه نبذة عن حياته وأدلّة الاستبصار.

٦٢

(٨) إسماعيل جارا (وهّابي / مالي)

ولد سنة ١٣٨٨ هـ (١٩٦٨م) في مدينة سيقو في جمهورية مالي، ودرس فيها إلى أن حصّل الشهادة الثانوية، كان مالكياً ثمّ انجذب إلى المدّ الوهّابي الذي انتشر في أفريقيا، وبما أنّه كان من الباحثين عن الحقيقة من خلال الدليل والبرهان فعندما سمع بالتشيّع لفت نظره أدلّته الواضحة.

توحيد الله وتنزيهه جلّ وعلا عن صفة الجسمية:

ممّا يلفت نظر الباحثين في عقائد الوهّابية موضوع التجسيم عندهم، وخلوّ فكر أهل البيت (عليهم السلام) من هذا الأمر.

إنّ حقيقة الإنسان وكماله تكمن في عبوديّته لله سبحانه وتعالى، وهذه العبودية لله سبحانه وهذا التوحيد، وهو توحيد العبادة، لا يمكن أن يعطي أُكله وثماره إلاّ إذا كان مؤسّساً على معرفة صحيحة لله سبحانه وتعالى; لأن الإنسان إذا لم يعرف الله سبحانه وتعالى حقّ معرفته فلعلّه يتقرّب إليه بما هو مبغوض عنده تعالى.

فإنّ العبد إذا لم يعرف مولاه كما ينبغي، ولم يعرف كيفية القرب من المولى، وما هو الأمر الذي يبعّد عن المولى، فلعلّه يهين المولى بتصوّر أنّ المولى يفرح بذلك وهو يسخطه، ولعلّه يتقرّب من عدوّ المولى وهو يتصوّر أنّه يقرّبه إليه في حال أنّه يبعّده عنه.

٦٣

ولهذا نجد أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق، لا يزيده سرعة السير إلاّ بُعداً»(١).

فعلى الإنسان قبل أن يعبد أن يتعرّف على الله سبحانه وتعالى، ولهذا قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): «أوّل الدين معرفته»(٢).

فأوّل واجب لمن يريد السير في طريق الله والالتزام بأمره أن يعرف الله; لأنّ الطاعة تقتضي معرفة المطاع، وامتثال الأمر يقتضي معرفة الأمر، وإلاّ كيف يطاع الأمر مع مجهولية الآمر؟!

عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «جاء حبر إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه، فقال: يا أمير المؤمنين! هل رأيت ربّك حين عبدته؟

قال: فقال: ويلك! ما كنت أعبد ربّاً لم أره.

قال: وكيف رأيته؟

قال: ويلك! لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان»(٣).

ويوجد في معرفة الله اتّجاهان أساسيان:

الاتّجاه الأوّل: وهو الاتّجاه الذي يصرّ على أنّ كلّ الصفات التي وردت في القرآن الكرم، وبالأخصّ تلك الصفات التي وردت في الأحاديث المنسوبة إلى النبي (صلى الله عليه وآله) والتي بظاهرها توحي بالتشبيه والتجسيم تحمل على ظاهر اللفظ، وبهذا اضطرّوا إلى أن يجعلوا قيداً بجنبها، وقالوا: (لا كالأجسام)!

وإلا لو لم تكن تدلّ على الجسمية لما احتاجوا إلى أن يقولوا: (له وجه لا كالوجوه)، و: (له جسم لا كالأجسام)، و: (له يد لا كالأيدي)، و: (له قدم لا

١- الكافي ١: ٤٣.

٢- نهج البلاغة ١: ١٤، الخطبة الأولى.

٣- الكافي ١: ٩٨.

٦٤

كالأقدام)، و: (له نزول وحركة لا كنزول وحركة الإنسان).

فإذا كانت الألفاظ بنفسها لا توهم الجسمية، ولا توهم التشبيه لَما اضطرّوا إلى وضع هذه القيود إلى جنب هذه الكلمات.

إنّ هذا يكشف عن أنّ هذه الألفاظ بطبيعتها دالّة على التجسيم والتشبيه، والوهّابية عندما حاولوا أن يدفعوا عن أنفسهم التشبيه والتجسيم قالوا: (بلا تكييف ولا تعطيل ولا تحريف ولا تأثير)، وإنّما قالوا ذلك للتخلّص من إيهام هذه الألفاظ; إذ أنّها ليست لها مصاديق إلاّ مصاديق جسميّة وماديّة.

وهناك شواهد تثبت أنّ الوهّابية لا مضايقة عندهم أن يلتزموا بأنّ الله سبحانه وتعالى جسم ولكن لا كالأجسام:

١ ـ قال ابن حجر العسقلاني: (وقال ابن بطّال: غرض البخاري في هذا الباب الرد على الجهمية المجسّمة في تعلّقها بهذه الظواهر، وقد تقرّر أنّ الله ليس بجسم فلا يحتاج إلى مكان يستقر فيه; فقد كان ولا مكان، وإنّما أضاف المعارج إليه إضافة تشريف، ومعنى الارتفاع إليه: اعتلاؤه مع تنزيهه عن المكان. انتهى)(١).

إن ابن بطّال يقول: أنّ البخاري كان بصدد إبطال نظرية المجسّمة; لأنّ الثابت أن الله ليس له جسم، أعمّ من أن يكون كالأجسام أو لا كالأجسام.

ومن قال: إنّ الله يحتاج إلى مكان التزم بأنّه جسم له خصائص الجسمية، من جهة أنّه قبل وجود المكان كان الله موجوداً; لأنّ المكان مخلوق من المخلوقات، ولذا قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): «أيّن الأين فلا أين له»(٢). فهو الذي خلق المكان فلا يعقل أن يكون له مكان.

وابن حجر العسقلاني يوافق على هذا الكلام، ولا يبطله.

والذي يثبت أنّهم يقولون بالجسمية: أنّهم ردّوا على ابن بطّال قوله الذي نقله

١- فتح الباري ١٣: ٣٥٢.

٢- الإرشاد للمفيد ١: ٢٠١.

٦٥

ابن حجر; قال علي بن عبد العزيز بن علي: هذا النقل عن ابن بطّال عفا الله عنه فيه منكرات، منها: نفي الجسمية والاستقرار في مكان عن الله، وهو نفي لم يرد في الكتاب والسُنّة، ودعوى تنزيه الله عن المكان يرمي منها نفي استواء الله على العرش، وهو ليس بسديد، بل الله مستو على العرش حقيقة(١).

ومن كلامهم هذا يتّضح أنّهم يعتقدون أنّ من يعتقد أنّ الله ليس بجسم وليس مستقرّاً في مكان فقد خالف الكتاب والسُنّة.

٢ ـ قال ابن حجر: عن أبي هريرة رفعه: خلق الله آدم على صورته. الحديث، وزعم بعضهم أنّ الضمير يعود على آدم، أي: على صفته، أي: خلقه موصوفاً بالعلم الذي فضل به الحيوان، وهذا محتمل، وقد قال المازري: غلط ابن قتيبة; فأجرى هذا الحديث على ظاهره وقال: صورة لا كالصور. انتهى(٢).

وقد علّق علي بن عبد العزيز بن علي على هذه الفقرة من ابن بطّال حيث قال: تمسّك به المجسّمة فأثبتوا لله صورة، فقال: هذا تمحّل من ابن بطّال، ونبز لأهل السُنّة والجماعة، وللسلف الصالح بالتجسيم، لأنّهم يثبتون لله عزّ وجلّ صورة حقيقة تليق بجلاله وعظمته لا تقتضي مماثلة صور المخلوقين، كما وصفه بذلك رسول الله، حيث قال: رأيت ربّي في أحسن صورة. فهل يكون الرسول بهذا الوصف مجسّماً؟(٣).

فالله جلّ وعلا في عقيدة الوهّابية له صورة ولكنّها ليست كالصور.

٣ ـ قال ابن حجر: فإنّكم ترونه في جهاتكم كلّها وهو متعال عن الجهة(٤).

فإنّ القائلين بالرؤية يقول بعضهم: إنّ الله يُرى يوم القيامة بالعين المجرّدة والباصرة، ويقول بعض آخر: يرونه في جهة معيّنة، أمّا في اليمين أو في اليسار، أمّا في

١- التنبيه على المخالفات العقدية في فتح الباري: ١٢٥.

٢- فتح الباري ٥: ١٣٣.

٣- التنبيه على المخالفات العقدية في فتح الباري: ١٢٨.

٤- فتح الباري ١١: ٣٨٨.

٦٦

الأعلى أو في الأسفل، ويقول آخرون: إنّهم يرونه لا في جهة; لأنّه إذا قالوا في جهة يلزم الجسمية، وهذا غير معقول.

وعلّق علي بن عبد العزيز بن علي على ذلك فقال: الحقّ: أنّ الله عزّ وجلّ يُرى في الآخرة بالأبصار، ونفي الجهة في الرؤية باطل; إذ لا رؤية إلاّ في جهة، وهو سبحانه يُرى وهو في علوّه، يرونه من فوقهم، كما نرى الشمس والقمر من فوقنا، فالتشبيه للرؤية بالرؤية ويراه المؤمنون بلا كيف(١).

ولا يوجد تجسيم أكثر من هذا، فإذا كانوا يرونه في مكان مخصوص، وفي جهة مخصوصة في الأعلى، فكيف يرونه بلا كيفية؟!

إنّ الوهّابية الذين يتبجّحون ويملؤون الدنيا صراخاً بأنّهم أهل التوحيد، هذا هو التوحيد الذي يدعون الناس إليه، توحيد التجسيم، توحيد التشبيه، توحيد الصورة، توحيد المكان، توحيد الجهة، توحيد الاستلقاء، توحيد وضع الرِجل اليمنى على اليسرى، توحيد القدم، وتوحيد الأصابع!!

العمل بعد الاهتداء:

لمّا اقتنع «إسماعيل» كاملاً بمبادىء مذهب أهل البيت (عليهم السلام) بادر إلى اعتناقه سنة ١٤٠٨ هـ (١٩٨٨م)، ثم التحق بالمعهد العالمي لأهل البيت (عليهم السلام) فدرس فيه لمدّة أربع سنوات، ثم شمّر عن ساعديه لخدمة هذا المذهب، فقام بتأسيس مدرسة للعلوم الإسلامية في مدينة سيقوا، بهدف قلع جذور الجهل ونشر علوم أهل البيت (عليهم السلام)، وإنقاذ الأُمّة من الانحطاط الفكري والخلقي، والمساهمة في بثّ الوعي الإسلامي ونشر الفكر الديني الرصين، وتوجيه الناس إلى مبادئهم القيّمة وتراثهم المجيد، لاسيّما الشباب المتعطّش إلى فهم الإسلام وتطبيق مفاهيمه وتعاليمه المتعالية(٢).

١- التنبيه على المخالفات العقدية في فتح الباري: ١٢٨.

٢- للمستبصر ملف في «مركز الأبحاث العقائدية» ذكر فيه أدلّة الاستبصار وكيفيته، والنشاطات التي يقوم بها بعد الاستبصار.

٦٧

(٩) آمنة أحمد هادي (مالكيّة / مالي)

ولدت عام ١٣٦٨ هـ (١٩٤٩م) في مدينة «كاتي» في جمهورية مالي، ونشأت في بيئة تعتنق المذهب المالكي.

بعد مضي ما يقارب أربعة عقود من حياتها، المليئة بالبحث والتحقيق، وإثر توفيق ربّاني أحاطها، تحرّرت «آمنة» من معتقداتها الموروثة، فنتيجةً للتأثّر بالآيات الكريمة وسيرة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وبالتغلّب على الشبهات التي أثارها أعداء مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ضدّه فُتحت أمامها آفاق واسعة رحبة، دفعتها في نهاية المطاف إلى تغيير انتمائها المذهبي.

من هم أُولو الأمر:

من الآيات الكريمة الدالّة على ضرورة اتّباع أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، وأنّهم معصومون كعصمة النبي (صلى الله عليه وآله): قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ﴾(١).

فقد قرّب الفخر الرازي دلالتها على العصمة بقوله: إنّ الله تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية، ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم

١- النساء -٤-: ٥٩.

٦٨

والقطع لابدّ وأن يكون معصوماً عن الخطأ; إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ، والخطأ لكونه خطأ منهي عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد، وأنّه محال، فثبت أنّ الله تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم، وثبت أنّ كلّ من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ، فثبت قطعاً أنّ أُولي الأمر المذكور في هذه الآية لابدّ وأن يكون معصوماً(١).

ولكن الفخر الرازي نفسه خالف الشيعة في دعواهم في إرادة خصوص أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) من هذه الآية، وقرّب أن يكون المراد منها: أهل الإجماع بالخصوص، واستدلّ على ذلك بقوله: ثم نقول: ذلك المعصوم إمّا مجموع الأُمّة أو بعض الأُمّة، لا جائز أن يكون بعض الأُمّة، لأنّا بيّنا أنّ الله تعالى أوجب طاعة أُولي الأمر في هذه الآية قطعاً، وإيجاب طاعتهم قطعاً مشروط بكوننا عارفين بهم، قادرين على الوصول إليهم والاستفادة منهم.

ونحن نعلم بالضرورة أنّا في زماننا عاجزون عن معرفة الإمام المعصوم، عاجزون عن الوصول إليهم، عاجزون عن استفادة الدين والعلم منهم، وإذا كان الأمر كذلك، علمنا أنّ المعصوم الذي أمر الله المؤمنين بطاعته ليس بعضاً من أبعاض الأُمّة ولا طائفة من طوائفهم، ولمّا بطل هذا وجب أن يكون ذلك المعصوم الذي هو المراد بقوله: (وَأُولِي الأمْرِ): أهل الحل والعقد من الأُمّة، وذلك يوجب القطع بأنّ إجماع الأُمّة حجّة(٢).

ثم استعرض بعد ذلك الأقوال الأُخر في الآية وناقشها جميعاً، حتّى انتهى إلى رأي من أسماهم بالروافض فقال: وأمّا حمل الآية على الأئمّة المعصومين على ما تقوله

١- التفسير الكبير ١٠: ١٤٤.

٢- التفسير الكبير ١٠: ١٤٤.

٦٩

الروافض ففي غاية البعد; لوجوه:

أحدها: ما ذكرناه أنّ طاعتهم مشروطة بمعرفتهم وقدرة الوصول إليهم، فلو أوجب علينا طاعتهم قبل معرفتهم كان هذا تكليف ما لا يطاق، ولو أوجب علينا طاعتهم إذا صرنا عارفين بهم وبمذاهبهم صار هذا الإيجاب مشروطاً، وظاهر قوله: ﴿أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ﴾ يقتضي الإطلاق، وأيضاً ففي الآية ما يدفع هذا الاحتمال، وذلك لأنّه تعالى أمر بطاعة الله وطاعة الرسول وطاعة أولي الأمر في لفظة واحدة، وهو قوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ﴾، واللفظة الواحدة لا يجوز أن تكون مطلقة ومشروطة معاً، فلما كانت هذه اللفظة مطلقة في حق الرسول وجب أن تكون مطلقة في حق أولي الأمر.

الثاني: أنّه تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر، وأُولو الأمر جمع، وعندهم لا يكون في الزمان إلاّ إمام واحد، وحمل الجمع على الفرد خلاف الظاهر.

وثالثها: أنّه قال: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ﴾(١) ولو كان المراد بأُولي الأمر الإمام المعصوم لوجب أن يقال: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الإمام، فثبت أنّ الحق: تفسير الآية بما ذكرناه(٢).

رد الشبهة:

والذي يرد على الفخر الرازي ـ في استنتاجه وجوب إطاعة أهل الاجماع، وأنّهم هم المراد من كلمة أُولي الأمر لا الأئمّة (عليهم السلام) ـ بناؤه هذا الاستنتاج على اعتبار معرفة متعلّق الحكم من شروط نفس التكليف، وبانتفاء هذا الشرط ـ لتعذّر معرفة الأئمّة والوصول إليهم ـ ينتفي المشروط.

وهذا النوع من الاستنتاج غريب في بابه; إذ لازمه أن تتحوّل جميع القضايا

١- النساء -٤-: ٥٩.

٢- التفسير الكبير ١٠: ١٤٦.

٧٠

المطلقة إلى قضايا مشروطة، لأنّه ما من قضية إلاّ ويتوقّف امتثالها على معرفة متعلّقها، فلو اعتبرت معرفة المتعلّق شرطاً فيها لزمت أن تكون مشروطة.

والظاهر أنّ الرازي خلط بين ما كان من سنخ مقدّمة الوجوب وما كان من سنخ مقدّمة الواجب، فلزوم معرفة المتعلّق إنّما هو من النوع الثاني، أي من نوع ما يتوقّف عليه امتثال التكليف لا أصله، ولذلك التزم بعضهم بوجوبه المقدمي، بينما لم يلتزم أحد بوجوب مقدمات أصل التكليف وشروطه ; إذ الوجوب قبل حصولها غير موجود ليتولّد منه وجوب لمقدّماته، وبعد وجودها لا معنى لتولّد الوجوب منه بالنسبة إليها، للزوم تحصيل الحاصل.

وعلى هذا، فوجوب معرفة المتعلّق للتكاليف لا يمكن أخذه شرطاً فيه بما هو متعلّق لها، لتأخّره رتبة عنها، ويستحيل أخذ المتأخّر في المتقدّم; للزوم الخلف أو الدور.

على أنّ هذا الإشكال وارد عليه نقضاً; لأنّ إجماع أهل الحلّ والعقد هو نفسه ممّا يحتاج إلى معرفة، وربّما كانت معرفته أشق من معرفة فرد أو أفراد، لاحتياجها إلى استيعاب جميع المجتهدين، وليس من السهل استقراؤهم جميعاً والاطّلاع على آرائهم، وعلى مبناه يلزم تقييد وجوب الإطاعة بمعرفتهم، ويعسر تحصيل هذا الشرط، والإشكال نفس الإشكال.

والغريب في دعواه بعد ذلك ادّعاء العجز عن الوصول إلى الأئمّة (عليهم السلام)ومعرفة آرائهم! مع توفّر أدلّة معرفتهم وإمكان الوصول إلى ما يأتون به من أحكام بواسطة رواتهم الموثوقين.

ثم إنّ استفادة الاجتماع من كلمة ﴿أُولِي الأمْرِ﴾ مبنية على إرادة العموم المجموعي منها، وحملها على ذلك خلاف الظاهر; لأنّ الظاهر من هذا النوع من العمومات هو: العموم الاستغراقي، المنحل في واقعه إلى أحكام متعدّدة بتعدّد أفراده،

٧١

ومن استعرض أحكام الشارع التي استعمل فيها العمومات الاستغراقية يجدها مستوعبة لأكثر أحكامه، وما كان منها من قبيل العموم المجموعي نادر نسبياً..

فلو قال الشارع: اعطوا زكواتكم لأُولي الفقر والمسكنة مثلاً، فهل معنى ذلك لزوم إعطائها لهم مجتمعين وإعطاء الزكوات مجتمعة أم ماذا؟ وعلى هذا فحمل ﴿وَأُولِي الأمْرِ﴾ في الآية على العموم المجموعي حمل على الفرد النادر من دون قرينة ملزمة، وما ذكره من القرينة لا تصلح لذلك ما دام أهل الإجماع أنفسهم ممّا يحتاجون إلى المعرفة كالأئمّة، ومعرفة واحد أو آحاد أيسر بكثير من معرفة مجموع المجتهدين كما قلنا، وبخاصّة بعد توفّر وسائل معرفتهم وأخذ الأحكام عنهم.

وقد اتّضحت الإجابة بهذا على ما أورده على الشيعة من اشكالات.

أمّا الإشكال الأوّل:

فهو بالإضافة إلى وروده نقضاً عليه ـ لأنّ إطاعة الله والرسول وأهل الحلّ والعقد كلّها مما تتوقف على المعرفة ـ : أنّ المعرفة لا يمكن أخذها قيداً في أصل التكليف، لما سبق بيانه، ولو أمكن فالوجوبات الواردة على إطاعة الله والرسول كلّها مقيّدة بها، فلا يلزم التفرقة في التكليف الواحد كما يقول.

والإشكال الثاني:

يتّضح جوابه ممّا ذكرناه في اعتبار هذا النوع من الجموع من العمومات الاستغراقية التي ينال فيها كلّ فرد حكمه، فإذا قال المشرِّع الحديث ـ مثلاً ـ : حكم الحكام نافذ في المحاكم المدنية، فإنّ معناه أنّ حكم كلّ واحد منهم نافذ، لا حكمهم مجتمعين..

نعم، يظهر من إتيانه بلسان الجمع أنّ أُولي الأمر أكثر من فرد واحد، وهذا ما تقول به الشيعة، ولا يلزمه أن يكونوا مجتمعين في زمان واحد، لأنّ صدق الجمع على

٧٢

الأفراد الموزعين على الأزمنة لا ينافي ظاهره.

يبقى الإشكال الثالث:

وهو عدم ذكره لأولي الأمر في وجوب الردّ إليهم عند التنازع، بل اقتصر في الذكر على خصوص الله والرسول.

وهذا الإشكال أمره سهل; لجواز الحذف اعتماداً على قرينة ذكره سابقاً، وقد سبق في صدر الآية أن ساوى بينهم وبين الله والرسول في لزوم الطاعة، ويؤيّد هذا المعنى: ما ورد في الآية الثانية: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾(١).

والإشكال الذي يرد على الشيعة ـ بعد تسليم دلالتها على عصمة أُولي الأمر كما قال الفخر ـ أنّ القضية لا تثبت موضوعها، فهي لا تعيّن المراد من أُولي الأمر، وهل هم الأئمّة من أهل البيت (عليهم السلام) أو غيرهم؟ فلابدّ من إثبات ذلك إلى التماس أدلّة أخرى من غير الآية الكريمة.

وهنا يصل الدور إلى الآيات الكريمة والروايات التي تبيّن عصمة أهل البيت (عليهم السلام)، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾(٢)، وقوله (صلى الله عليه وآله) في أواخر عمره الشريف: «إنّي تارك فيكم الثقلين، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً كتاب الله.. وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا علَيَّ الحوض»(٣).

ومعنى هذا الحديث: أنّ الشخص الذي يتحرّك في خطّ القرآن العاري عن

١- النساء -٤-: ٨٣.

٢- الأحزاب -٣٣-: ٣٣.

٣- راجع: مسند أحمد ٣: ١٤، سنن الترمذي ٥: ٣٢٨، المصنّف لابن أبي شيبه ٧: ٤١٨، وغيرهم.

٧٣

الخطأ والاشتباه هو أيضاً مصون من الوقوع في الخطأ، إذاً لابدّ أن يكون أهل البيت (عليهم السلام) معصومين أيضاً من الخطأ والاشتباه كيما يصحّ التمسّك بهم، ويكون التحرّك في خطّهم مصوناً من الوقوع في إشكال الزلل والزيغ، وإلاّ فلا معنى أن يكون أهل البيت (عليهم السلام) غير معصومين والشخص الذي يسير في خطّهم ويتّبعهم يكون مصوناً من الوقوع في الخطأ.

الوقوف على حجّيّة سنة أهل البيت (عليهم السلام):

بعد فترة غير قصيرة من المطالعة والبحث مع الآخرين توصّلت «آمنة» إلى ضرورة تغيير رؤيتها الاعتقادية، واتّباع سنّة أهل البيت (عليهم السلام)، ومنهجهم الموصل إلى الكمال والسعادة في الدارين.

وهكذا أعلنت «آمنة» استبصارها والالتحاق بركب أتباع المذهب الشيعي، وكان ذلك عام ١٤١١ هـ (١٩٩١م) في مدينة «كايبس» المالية.

وقامت بعدئذ بتعليم وإرشاد النساء، وإدارة جمعية نسوية باسم «جمعية الطاهرة (عليها السلام)»(١).

١- للمستبصرة ملف في «مركز الأبحاث العقائدية»، ذكر فيه جملة من أنشطتها بعد الاستبصار وغير ذلك، وتم إرسال عدة كتب دينية لها عبر البريد.

٧٤

(١٠) بابا جالو (أبو علي) (مالكي / مالي)

ولد عام ١٣٥٨ هـ (١٩٤٠م) في جمهورية مالي بقرية «بيرا»، نشأ في أجواء دينية تعتنق المذهب المالكي، ثم توجّه إلى الدراسات الإسلامية، فتلقّى الشريعة والعلوم الفقهية وفق المذهب المالكي، حتّى نال مرتبة الإجازة في الدراسات الحوزوية.

توجّه بعد ذلك نحو العمل التوجيهي والتبليغ، فاكتسب قلوب الناس وحاز شعبية يعتدّ بها في منطقته، ونال مكانة رفيعة بين علماء الدين.

كان كثير السفر، فقد سافر إلى كلّ من السنغال، غامبيا، ساحل العاج، غانا، ليبيا، إيران، السعودية، وفرنسا، كما أنّه يجيد اللغة العربية والفولانية والحسانية والبامبارية.

الّف «بابا جالو» رسالة في حرية العبيد ومعاملاتهم، وكرّاس جمع فيه الفتاوى.

صادف ـ لكثرة اتّصالاته الاجتماعية ـ أن تعرّف على عنوان مؤسّسة البلاغ الشيعية، فراسلها، فأرسلت له هذه المؤسّسة مجموعة كتب فتحت آفاق معرفته، فجعل يقارن بين الأُصول والفروع الإسلامية وفق الرؤية والعقيدة الشيعية والعقيدة السُنّية، فاستمع إلى القول ليتّبع أحسنه، فدفعه هذا الأمر لينجذب نحو مذهب أهل

٧٥

البيت (عليهم السلام).

يقول «بابا جالو»: أسفرتْ مقارنتي بين الشيعة والسنّة أن جعلتني أتعرّف على أحقّية مذهب التشيّع، وتبيّن لي أنّ التشيّع ـ وهو المذهب المتمثّل باتّباع أهل البيت (عليهم السلام) ـ أحقّ أن يُتَّبع من غيره; وذلك لأنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) أوصى أُمّته بالاقتداء بأهل بيته وعترته، وقد أكّد في مواقف كثيرة على تمسّك الأُمّة بهم.

فلو كان الأوائل اجتهدوا فأخطؤوا وتبيّن لنا خطأهم، فلا داعي لاتّباع نهجهم، بل علينا أن نتّبع الحقّ.

ويضيف قائلاً: فأعلنت تشيّعي عام ١٤٢٠ هـ في مدينة «ديلي»، وذلك بعد أن قويت ركائزي العقائدية والمعرفية، فاتّخذت نهج العترة سبيلاً للعمل وفقه، فدخلت تحت لواء الأئمّة (عليهم السلام)، وصرت أتلقّى منهم معالم ديني، من قبيل الصلاة، والفروع الدينية الأُخرى.

فلمّا انتشر هذا الأمر في منطقتنا توجّه إليّ عامّة الناس، وانهالوا علَيَّ مستفسرين سبب تركي لما كان عليه آباؤنا، فصرت أُوضّح لهم الملابسات التاريخية، وأشرح لهم الحقائق التي حاول الكثير إخفاءها بعد أن وجدوها تصطدم مع مصالحهم..

فاستدعاني زعيم المدينة، وقال لي: بلغني أنّك دخلت في دين جديد. فقلت له: إنّه ليس ديناً جديداً، ولكنّني انتميت إلى قراءة جديدة من الدين، وجدتها أصحّ ممّا كنت عليه سابقاً. فعاتبني، فقلت له: إنّ العقيدة خارجة عن نطاق الاختيار، وإنّما الإنسان إذا هيمنت عليه مجموعة من الأدلّة والبراهين فاطمئنّ إليها، فأُعجب واقتنع بها، فإنّه سوف يميل إليها من دون اختيار، وأنا قد طالعت مجموعة من الكتب الشيعية، فتبيّن لي أنّ الحقّ معهم، وأنّ أئمّتهم أوْلى بالاتّباع ممّن نحن على آثارهم سائرون.

٧٦

فهدّدني ذلك الزعيم، فلم أُبالي، بل سرت على المنهج الذي تبيّنت لي حقيقته، وسرت باتّجاه ذلك النور الذي بدا لبصيرتي، فاستمددت قوّتي من بارئي وتوكّلت عليه.

وكان عون الله معي، فاستبصر جملة من أُسرتي وغير أُسرتي على يدي، ثم توجّهت بعد ذلك باتّجاه عقد الاجتماعات الدينية والندوات الفكرية وبذل الجهد لنشر مذهب أهل البيت (عليهم السلام)(١).

١- للمستبصر مراسلة مع «مركز الأبحاث العقائدية»، ذكر فيها أدلّة الاستبصار وتاريخه.

٧٧

(١١) بكايغو (فاطمة) (مالكية / مالي)

ولدت في مدينة «دناني» سنة ١٤٠٢ هـ (١٩٨٢م) في جمهورية مالي ، وكانت أُسرتها على المذهب المالكي، فكانت تسمع عن الشيعة والشبهات التي تُثار بشأنهم، فقرّرت أن تبحث عن هذا المذهب، فوجدت أنّ ما يُتّهم به الشيعة لا صحّة له.

الشفاعة... شبهات وردود:

من الشبهات التي أثارها الوهّابية ضد المذهب الشيعي: موضوع الاستشفاع عند الشيعة; فقد أشكلوا على الشيعة بعدّة إشكالات، وأهم ما تمسّكوا به هو:

آيات القرآن الكريم:

١ ـ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِير * إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِير﴾(١).

قال ابن باز: فبيّن سبحانه أنّ الدعوة لغيره شرك بالله تعالى، سواء كان المدعو ملكاً أو رسولاً أو نبياً أو صالحاً أو جنّياً أو صنماً، أو غير ذلك(٢).

وجوابه: المراد من «الدعاء» هنا هو: العبادة، ومن الواضح أنّ عبادة غير الله

١- فاطر -٣٥-: ١٣ ـ ١٤.

٢- نصائح وتوجيهات في الحج لابن باز ١: ٤١.

٧٨

شرك بأيّ وجه. لكن ليس كلّ دعاء عبادة; فكثيراً ما دُعي النبي (صلى الله عليه وآله) في حياته، وكان يرى ويسمع ذلك. فالآية توبّخ الذين يعبدون غير الله من الناس والأصنام وغيرها. والاستغاثة الصحيحة لا تتضمّن عبادة مَن يُستغاث به حتّى تكون مشمولة بالآية.

٢ ـ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُوا مِن دُونِ الله مَن لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾(١).

قال ابن باز وابن عثيمين: ومن العجب أن يذهب هؤلاء إلى هؤلاء المقبورين، الذين يعلمون أنّهم جثث هامدة لا يستطيعون أن يتخلّصوا ممّا هم فيه، يطلبون منهم أن يخلصوهم من الشدائد ويطلبون منهم تفريج الكربات، إذا تأمّل الإنسان حال هؤلاء فإنّه يفضي منها العجب العجاب ولو أنّ هؤلاء رجعوا إلى أنفسهم وإلى عقولهم لتبيّن لهم سفههم وأنّهم في ضلال مبين(٢).

الجواب: أُجيب عن الاستدلال بهذه الآية أيضاً بما تقدّم; فإنّ الدعاء بمعنى العبادة هنا، والمستغيث لا يَعبد مَن يستغيث به.

قال ابن تيمية وأتباعه: إنّ القرآن نهى عن عبادة غير الله وعن دعوة فرد مع الله، والاستشفاع نوع من العبادة، قال ابن باز: فالواجب على علماء الشريعة جميعاً أن يتّقوا الله، وأن ينصحوا عباد الله، وأن يعلّموهم دينهم، وأن يحذّروهم من البناء على القبور، واتّخاذ المساجد عليها أو القباب، أو غير ذلك من أنواع البناء، وأن يحذّروهم من دعاء الموتى، والاستغاثة بالموتى; فالدعاء عبادة لله وحده; لأنّ الله سبحانه يقول: ﴿فَلاَ تَدْعُوا مَعَ الله أَحَداً﴾(٣)، ويقول سبحانه: ﴿وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ الله مَا

١- الأحقاف -٤٦-: ٥.

٢- فتاوى مهمة لعموم الأمّة لعبد العزيز بن باز ومحمّد بن صالح العثيمين: ٧٦ ـ ٧٧.

٣- الجن -٧٢-: ١٨.

٧٩

لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾(١)، يعني: المشركين(٢).

وفي معرض الجواب نقول: يجب أن نفهم أوّلاً معنى «العبادة»، فلو فسّرنا العبادة بأنّها تشمل أيّ لون من ألوان الاحترام والخضوع، لكان معنى ذلك: حرمة الخضوع والاحترام لأيّ أحد غير الله، وهذا ما لا يقرّ به عقل ولا منطق ولا دين.

ولو كانت العبادة هي: كلّ أنواع الطلب، فمعنى ذلك: أنّ الطلب بأيّ صورة كانت هو شرك، وهذا يخالف مسلّمات الدين والعقل!

والعبادة لا تفهم على أنّها كلّ نوع من أنواع اتّباع شخص لشخص آخر; فاتّباع الأشخاص للمسؤولين والرؤساء في دوائر الدولة من أُولى ضروريات البشر، واتّباع الأنبياء وأئمّة الدين من الواجبات على متّبعيهم.

إذاً العبادة لا تعني هذا المعنى، بل هي: أعلى درجات الخضوع المعبّر عن التسليم المطلق للمعبود، والتوكّل عليه في كلّ الأُمور.

وليس في طلب الشفاعة من الشفعاء، أيٍّ من الآثار المذكورة للعبادة.

أمّا النهي عن دعوة أحد سوى الله، فهذا لا يعني النهي عن مناداة الأفراد، كأن نقول: يا حسن، ويا أحمد، ويا علي، وليس معناه: النهي عن الاستعانة بالأشخاص، من جهة أنّ التعاون ركن أساسي للحياة في جميع شؤونها، والأنبياء والأولياء كافّة عملوا به، والوهّابيون أنفسهم لم يرفضوا ذلك.

والشيعة أيضاً تقول: إنّ من الشرك طلب الإنسان من إنسان أمراً من مختصّات الخالق، ومن الشرك أيضاً أنّ الإنسان يتّجه في ذلك الطلب إلى إنسان يراه قادراً بشكل مستقل على إجابة ذلك الطلب.

أمّا إذا طلب الشخص من أحد شفاعة منحها له الله، فليس ذلك شرك، بل هو

١- يونس -١٠-: ١٠٦.

٢- فتاوى نور على الدرب لعبد العزيز بن عبد الله بن باز ١: ٢٩٦.

٨٠