×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة عبد الله بن عبّاس ـ ج 21 / الصفحات: ٤١ - ٦٠

قال في كتاب (أعيان الشيعة) في الجزء ٣ ق٣ ص٣٤، ط الثانية

(أخباره مع عبد الله بن العبّاس)

كان ابن عبّاس تلميذ أمير المؤمنين عليه السلام وخريجه، مضافاً إلى ما أخذه عن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، ولذلك كان يسمّى حبر الأُمّة، وصحبه في حروبه كلّها الجمل وصفين والنهروان، وولاّه البصرة، وكان يعدّه لمهام الأمور، فقد أرسله إلى أُمّ المؤمنين بعد حرب الجمل، فكان له في ذلك المقام المشهود والحجّة القاطعة، وأراده للحكومة يوم صفين فأبى أهل الجباه السود العمي القلوب، وبعثه إلى الخوارج يوم النهروان فاحتجّ عليهم بأبلغ الحجج، وكان له في نصرة أمير المؤمنين وأبنائه مواقف مشهودة.

(منها) لمّا مرّ بصفة زمزم وسمع شامياً يسبّ عليّاً عليه السلام.

(ومنها) مع عبد الله بن الزبير، ومع معاوية.

وهو الذي كتب إلى يزيد بعد قتل الحسين عليه السلام بما كتب.

وكان يمسك بركاب الحسنين عليهما السلام إذا ركبا.

وروى الكشي بسنده: أنّه قال لمّا حضرته الوفاة: اللّهمّ إنّي أحيا على ما حيي عليه عليّ بن أبي طالب، وأموت على ما مات عليه عليّ بن أبي طالب.

٤١

(ما نسب إليه من مفارقة أمير المؤمنين عليه السلام وأخذه مال البصرة)

وقد نسب إليه أنّه فارق أمير المؤمنين عليه السلام وأخذ مال البصرة وذهب إلى مكّة، وأنكر ذلك جماعة.

وروى الكشي في رجاله بسنده: عن الزهري، عن الحارث، قال: استعمل عليّ صلوات الله عليه على البصرة عبد الله بن عبّاس، فحمل كلّ مال في بيت المال بالبصرة ولحق بمكّة، وكان مبلغه ألفي ألف درهم، فصعد عليّ عليه السلام المنبر حين بلغه ذلك فبكى، فقال: (هذا ابن عمّ رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم في علمه وقدره يفعل مثل هذا، فكيف يؤمن من كان دونه...) الحديث.

وقال ابن الأثير في حوادث سنة (٤٠): في هذه السنة خرج عبد الله ابن عبّاس من البصرة ولحق بمكّة في قول أكثر أهل السير، وقد أنكر ذلك بعضهم، وقال: لم يزل عاملاً عليها لعليّ، حتّى قتل عليّ، وشهد صلح الحسن مع معاوية، ثمّ خرج إلى مكّة، والأوّل أصحّ، وإنّما كان الذي شهد صلح الحسن عبيد الله بن عبّاس. اهـ .

ثمّ ذكر سبب خروجه، وهو أنّه مرّ بأبي الأسود (وكان على قضاء البصرة)، فقال: لو كنت من البهائم لكنت جملاً ولو كنت راعياً لما بلغت المرعى.

فكتب أبو الأسود إلى أمير المؤمنين عليه السلام: إنّ ابن عمّك قد أكل ما تحت يديه بغير علمك، فكتب إلى ابن عبّاس في ذلك، فكتب إليه ابن

٤٢
عبّاس: أنّ الذي بلغك باطل، فكتب إليه أمير المؤمنين عليه السلام: أعلمني ما أخذت من الجزية ومن أين أخذت وفيما وضعت، فكتب إليه ابن عبّاس: قد فهمت تعظيمك مرزأة ما بلغك أنّي رزأته، فابعث إلى عملك من أحببت، وخرج واستدعى أخواله من بني هلال بن عامر فاجتمعت معه قيس كلّها، فحمل مالاً، وقال: هذه أرزاقنا قد اجتمعت. فتبعه أهل البصرة يريدون أخذ المال، فمنعته قيس ومضى إلى مكّة. اهـ .

وفي (نهج البلاغة)، من كتاب له عليه السلام إلى بعض عمّاله، ولم يصرّح باسم المكتوب إليه، والكتاب يتضمّن ذمّاً عظيماً للمكتوب إليه، ولكن الكشي في رجاله روى بسنده عن الشعبي: أنّ المكتوب إليه هو عبد الله بن عبّاس لمّا احتمل بيت مال البصرة وذهب به إلى الحجاز، وذكر الكتاب بطوله، وذكره ابن أبي الحديد في (شرح النهج) أيضاً، ومن جملته:

(فإنّي أشركتك في أمانتي، وجعلتك شعاري وبطانتي، ولم يكن في أهلي رجل أوثق منك في نفسي، فلمّا رأيت الزمان على ابن عمّك قد كلب، قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ، ففارقته مع المفارقين، وخذلته مع الخاذلين، وخنته مع الخائنين، فلا ابن عمّك آسيت، ولا الأمانة أديت، وكأنّك إنّما كنت تكيد هذه الأُمّة عن دنياهم، فلمّا أمكنتك الشدّة في خيانة الأُمّة، أسرعت الكرّة، واختطفت ما قدرت عليه من أموالهم المصونة لأراملهم وأيتامهم، فحملته إلى الحجاز غير متأثّم من أخذه،

٤٣
كأنّك لا أبا لغيرك جدرت إلى أهلك تراثك من أبيك وأُمّك، فسبحان الله! أما تؤمن بالمعاد! أو ما تخاف نقاش الحساب! أيّها المعدود عندنا كان من أولي الألباب، ووالله لو أنّ الحسن والحسين فعلا مثل الذي فعلت ما كانت لهما عندي هوادة).

وبعد تصريح الكشي بأنّ المكتوب إليه ابن عبّاس، لا حاجة إلى ما حكاه ابن أبي الحديد عن أصحاب القول الأوّل من أنّهم استدلّوا على ذلك بألفاظ من الكتاب، كقوله: (أشركتك في أمانتي...) الخ، و(لم يكن في أهل رجل أوثق منك)، وقوله: (ابن عمّك) ثلاث مرّات، وقوله: (لا أبا لغيرك)، وهذه كلمة لا تقال إلاّ لمثله، أمّا غيره من أفناء الناي فكان يقول له: (لا أبا لك)(١) وقوله: (أيّها المعدود عندنا من أولي الألباب)، وقوله: (لو أنّ الحسن والحسين) الدالّ على أنّ المكتوب إليه قريب من أن يجري مجراهما عنده.

قال الكشي، وابن أبي الحديد، واللفظ للثاني: فكتب إليه ابن عبّاس جواباً عن هذا الكتاب: أتاني كتابك تعظم عليَّ ما أصبت من بيت مال البصرة، ولعمري أنّ حقّي في بيت المال أكثر ممّا أخذت.

فكتب إليه عليّ عليه السلام (إنّ من العجب أن تزيّن لك نفسك أنّ لك في بيت مال المسلمين من الحقّ أكثر ممّا لرجل واحد من المسلمين، وقد

١- كتاب الكشي: لا أبا لك، ولعلّه من سبق القلم أو تحريف النسّاخ، فأمير المؤمنين أجلّ من أن يقول ذلك لعمّه وابن عمّه.

٤٤
بلغني أنّك اتّخذت مكّة وطناً، وضربت بها عطناً، تشتري بها مولدات مكّة والمدينة والطائف، تختارهنّ على عينك وتعطي فيهم مال غيرك، فارجع هداك الله إلى رشدك، وتب إلى ربّك، واخرج إلى المسلمين من أموالهم، فعمّا قليل تفارق من ألفت، وتترك ما جمعت، وتغيب في صدع من الأرض، غير موسّد ولا ممهّد، قد فارقت الأحباب، وسكنت التراب، وواجهت الحساب، غنياً عمّا خلّفت، فقيراً إلى ما قدمت).

فكتب إليه ابن عبّاس: إنّك قد أكثرت عليَّ، ووالله لأن ألقى الله قد احتويت على كنوز الأرض كلّها وذهبها وعقيانها ولجينها أحبّ إليَّ من أن ألقاه بدم امرئ مسلم...

قال المؤلّف: ما ذكره ابن الأثير من أنّه واجه أبا الأسود بهذا الكلام البشع يصعب تصديقه، فابن عبّاس كان أعرف بفضل أبي الأسود من كلّ أحد، فكيف يواجهه بهذا الكلام الذي لا يصدر إلاّ من الأسافل، وابن عبّاس مع فضله وكمال معرفته لا يمكن أن يفوّه بمثل هذا، مهما كان السبب الداعي إليه، والذي يظهر أنّ ناسب ذلك إليه أراد الحطّ من مقام أبي الأسود وابن عبّاس معاً لغرض في نفسه، وذلك لإخلاصهما في حبّ عليّ عليه السلام وتشيعهما له.

أمّا ما رواه أصحاب القول الأوّل من المكاتبة بين أمير المؤمنين عليه السلام وابن عبّاس، فإن أمكننا تصديقه لم يمكنا تصديق الجواب الأخير منه، المشتمل على قول ابن عبّاس: (لأن ألقى الله بكذا أحبّ إليَّ

٤٥
من ألقى الله بدم امرئ مسلم)، فابن عبّاس مع فضله المشهور كيف يعيب على أمير المؤمنين عليه السلام بقتل من أمر الله بقتله بقوله: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾(١)؟!

وهبه أراد التمويه والاقتداء بمن قال: إنّ عمّاراً قتله من ألقاه إلينا، أفتراه كان يجهل أنّ ذلك ممّا يعيبه به الناس، ويوجب سقوطه من نفوسهم؟ وهو كان شريكاً في تلك الدماء، فيعيب نفسه قبل أن يعيب غيره! وهو ليس بمضطر إلى هذا الجواب كما اضطر من أجاب عن قتل عمّار.

وإن كان قصده بهذا الجواب إبداء عذره أمام الناس، فلَم يصنع شيئاً! لأنّ الناس يعلمون أنّه جواب فاسد، وأنّه شريك في تلك الدماء، فيزداد بذلك لوماً عندهم بدلاً عن أن يعذروه، ولو قصد ذلك لاقتصر على جوابه الأوّل أنّ له حقّاً في بيت المال فأخذه.

فأمّا إجابة عليّ عليه السلام: (إنّك أخذت أكثر من حقّك)، كان يمكنه أن يجيب بجواب مموّه يدلّ على أنّه ليس أكثر من حقّه، فيكون أقرب إلى القبول من هذا الجواب الذي يعرف فساده كلّ أحد.

ومن ذلك يتطرّق الشكّ إلى باقي المكاتبة وجواباتها.

وحكى ابن أبي الحديد عن الراوندي: أنّ المكتوب إليه هو عبيد

١- سورة الحجرات/٩.

٤٦
الله لا عبد الله، وردّه بأنّ عبيد الله كان عاملاً لعليّ على اليمن، ولم ينقل عنه أنّه أخذ مالاً، ولا فارق طاعة.

قال: وقد أشكل عليَّ أمر هذا الكتاب:

فإن قلت: إنّه موضوع على أمير المؤمنين عليه السلام، خالفت الرواة، فإنّهم أطبقوا على رواية هذا الكلام عنه.

وإن صرفته إلى عبد الله بن عبّاس، صدّني عنه ما أعلمه من ملازمته لطاعة أمير المؤمنين عليه السلام في حياته وبعد وفاته.

وإن صرفته إلى غيره، لم أعلم إلى من أصرفه من أهل أمير المؤمنين، وهو يشعر بأنّ المخاطب به من أهله وبني عمّه. اهـ .

]أقول [بعد تصريح الكشي بأنّه لأمير المؤمنين عليه السلام إلى ابن عبّاس، وظهور مضامينه ظهوراً بيّناً في أنّه لا يصلح أن يكون المخاطب به غير ابن عبّاس، لم يبق مجال لتردّده.

ويظهر أنّ أمر مفارقته عليّاً عليه السلام وأخذه مال بيت مال البصرة كان مشهوراً، فقد حكي عن قيس بن سعد بن عبادة: أنّه خطب الجيش الذي أرسله الحسن عليه السلام للقاء معاوية عندما تركهم أميرهم عبيد الله بن العبّاس وذهب إلى معاوية، فقال ما معناه: لايهولنّكم ما فعل، فإنّ هؤلاء قد خرج أبوهم العبّاس لحرب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يوم بدر، وابنه عبد الله أخذ مال البصرة وهرب إلى مكّة، وابنه عبيد الله فعل ما ترون.

٤٧
وقد عيّره بذلك ابن الزبير، فقال: إنّه أخذ مال البصرة وترك المسلمين بها يرتضخون النوى، ولم يتبرّأ ابن عبّاس من ذلك، بل أجابه بأنّه كان لنا فيه حقّ فأخذناه.

وقال ابن أبي الحديد: الأكثرون على القول الأوّل، وقال آخرون وهم الأقلون: هذا لم يكن، ولا فارق عبد الله بن عبّاس عليّاً عليه السلام، ولا باينه ولا خالفه، ولم يزل أميراً على البصرة إلى أن قتل عليّ عليه السلام.

ثمّ قال: وهذا عندي هو الأمثل والأصوب. اهـ .

وقال العلاّمة في (الخلاصة): كان محبّاً لعليّ عليه السلام وتلميذه، حاله في الجلالة والإخلاص لأمير المؤمنين عليه السلام أشهر من أن يخفى، وقد ذكر الكشي أحاديث تتضمّن قدحاً فيه وهو أجل من ذلك اهـ .

ومن جملة تلك الأحاديث، حديث مفارقته عليّاً عليه السلام وأخذه مال بيت مال البصرة المتقدّم، والحديث الآتي من كتاب أمير المؤمنين إليه في ذلك وجوابه.

وقال الشهيد الثاني في (حاشية الخلاصة): جملة ما ذكره الكشي من الطعن، فيه خمسة أحاديث كلّها ضعيفة السند.

وقال السيّد ابن طاووس: حاله في المحبّة والإخلاص لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام وموالاته والنصرة له والذب عنه، والخصام في رضاه والمؤازرة له، ممّا لا شبهة فيه.

٤٨
ثمّ قال معرّضاً بأخبار الذمّ: ومثل الحبر موضع أن يحسده الناس ويباهتوه.


كضرائرالحسناء قلن لوجههاحسداً وبغضاً أنّه لدميم

قال: لو ورد في مثله ألف رواية أمكن أن تتعرّض للتهمة، فكيف بهذه الأخبار الضعيفة الركيكة. اهـ .

قال ابن أبي الحديد: ويدلّ على عدم مفارقة ابن عبّاس أمير المؤمنين عليه السلام ما رواه أبو الفرج الأصفهاني: إنّه لمّا استشهد أمير المؤمنين عليه السلام دسّ معاوية رجلاً من حمير إلى الكوفة، ورجلاً من بني القين إلى البصرة يكتبان له بالأخبار، فدلّ عليهما فقتلا، فكتب عبد الله ابن العبّاس من البصرة إلى معاوية: (أمّا بعد، فإنّك ودسّك أخا بني القين إلى البصرة تلتمس من غفلات قريش...) إلى آخر الكتاب، فهو يدلّ على وجوده في البصرة عند وفاة أمير المؤمنين عليه السلام.

قال: وقالوا: كيف يكون ذلك ولم يخدعه معاوية ويجرّه إلى جهته، فقد علمتم كيف اختدع كثيراً من عمّال أمير المؤمنين عليه السلام واستمالهم بالأموال، فما باله وقد علم النبوة التي حدثت بينهما لم يستمل ابن عبّاس؟ وكلّ من قرأ السير وعرف التواريخ يعرف مشاقّة ابن عبّاس لمعاوية بعد وفاة عليّ عليه السلام وما كان يلقاه به من قوارع الكلام، وما كان يثني به على أمير المؤمنين ويذكر خصائصه وفضائله ويصدع به من مناقبه ومآثره، فلو كان بينهما غبار أو كدر، لَما كان الأمر كذلك. اهـ .

٤٩
قال المؤلّف: إنكار أخذ ابن عبّاس المال من البصرة، وإنكار كتاب أمير المؤمنين عليه السلام إليه المقدّم ذكره صعب جدّاً، بعد ملاحظة ما تقدّم، ولا يحتاج فيه إلى تصحيح روايات الكشي، وبعد ما ذكرناه من الشواهد على اشتهار الأمر في ذلك، كما إنّ إخلاص ابن عبّاس لأمير المؤمنين عليه السلام وتفوقّه في معرفة فضله لا يمكن إنكاره.

والذي يلوح لي: أنّ ابن عبّاس لمّا ضايقه أمير المؤمنين عليه السلام في الحساب عمّا أخذ ومن أين أخذ وفيما وضع، كما يقتضيه عدله ومحافظته على أموال المسلمين، وعلم أنّه محاسب على ذلك أدقّ حساب وغير مسامح في شيء، سوّلت له نفسه أخذ المال من البصرة والذهاب إلى مكّة، وهو ليس بمعصوم، وحبّ الدنيا ممّا طبعت عليه النفوس، فأمّا كتب أمير المؤمنين عليه السلام ووعظه وطلب منه التوبة، تاب وعاد سريعاً(١)، وعدم نصّ المؤرّخين على عوده لا يضرّ، بل يكفي

١- رحمك الله يا أبا الأعيان، يا من قضيت حياتك شجاعاً مدقّقاً ومحقّاً تقول الحقّ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلم تزلزلك العواصف، ولم تذللك العواطف، فكنت وستبقى كاسمك (محسناً) وأمينا.. فما بالك أغفلت يا سيدي حساب عامل الزمن في الحدث بداية ونهاية، وتقدير المسافات بين البصرة والكوفة وما جرى فيها من مكاتبات، وكذلك ما بين مكّة والبصرة، والكوفة، وما كان من معاودة، ثمّ مكاتبة، ثمّ عودة سريعاً، فقلت: (وعدم نص نقل المؤرّخين على عوده لا يضرّ، بل يكفي ذكرهم أنّه كان بالبصرة عند وفاة أمير المؤمنين عليه السلام)؟!

نعم يا سيدي! إنّ هذا يكفي لمن ابتغى إلى الحقّ سبيلا، لكنّه لا يقنع المرتابين من الحشوية ولن يغن فتيلا، ولكن حساب عامل الزمن لكلّ حدث يبدد السحب، ويظهر أن لا كتاب ولا جواب عند تدقيق الحساب، لأنّ لكلّ حدث زمان ومكان للوقوع، وما دار من الكتب بين الإمام عليه السلام وبين ابن عبّاس إذا حسبنا لها حساب ذلك، فيكون آخر كتاب صدر عن الإمام عليه السلام بعد شهر من شهادته، كما مرّ إيضاح هذا بحساب دقيق في الجزء الخامس من هذه الحلقة؛ فراجع.

وليس في هذا أيّ غضاضة عليك يا سيدي، فقد شاركك في هذا ــ عدم حساب عامل الزمن لوقوع الحدث بجميع متداعياته ــ جميعُ المدافعين عن ابن عبّاس ممّن ذكرتُ آنفا كالسيّد ابن طاووس، والعلاّمة الحلّي، وابن داود، والشهيد الثاني رحمهم الله جميعاً، كما غفل عنه المتأخّرون من المدافعين، كما ستأتي أقوالهم فهم جميعاً قد صدّهم عن التصديق بحديث الخيانة، ما ذكروه من مواقف ابن عبّاس في نصرة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ــ حيّاً وميتاً ــ مع المناوئين بدئاً من غلبة المستولين ومروراً بالخالفين والمخالفيين من الناكثين والقاسطين والمارقين، مع أنّ الذي ذكروه من أقوى الحجج، لكنّه لا يحمد لهب الهرَج والمرَج، مع وجود الأسقاط من المتنطّعين، ممّن يهملج بالموروث المعثوث، بينما كان حساب عامل الزمن لو أدخلوه في الحساب، لكان فيه أقوى جواب لنفي التهمة، وإزالة البُهمة، وهذا ما عنيتُ به وعانيتُ في حسابه، حتّى استقام لي النهج، ولم أخدع بما جاء في النهج وغير اللهج، ممّا لم يثبت سنداً، ولا يصحّ مستنداً.

وخاتمة المطاف يا سيدي، لقد كان حديث وفادة أبي أيوب الأنصاري رحمه الله على ابن عبّاس رضي الله عنه بالبصرة بعد أن كان مع الغزاة بالشام فجفاه معاوية، ولم ير في الناس من يفرّج همه ويكشف كربه، ممّن له حول وطول إلاّ ابن عبّاس رضي الله عنه، وذلك كلّه إنّما كان بعد شهادة أمير المؤمنين عليه السلام، وبيعة الإمام الحسن عليه السلام، ثمّ ما جرى من أمر الصلح والمهادنة مع معاوية، ففي حديث الوفادة، نفي الخيانة المزعومة وزيادة.

وختاماً فسلام عليك يا سيدي (المحسن) وعلى جميع من شايع وتابع في نصرة ابن عبّاس رضي الله عنه، الذي قد شارك الإمام عليه السلام في حياته في المظلومية، وقد لحقه من بعده رذاذ تشاتم الأضداد والأنداد، من الأعداء والأولاد، ما ألقى بضلاله فأساءوا الفعل، ثمّ أساء الرواة النقل، حتّى أسيء الفهم على غير علم، تبعاً لقداسة الموروث وهو معثوث، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

٥٠

٥١
ذكرهم أنّه كان بالبصرة عند وفاة أمير المؤمنين عليه السلام، كما دلّ عليه كتابه إلى معاوية.

أمّا الجواب الأخير الذي زعموا أنّه أجاب به أمير المؤمنين عليه السلام، فمعاذ الله أن يصدر، والله العالم بحقائق الأحوال(١).

أقول: لقد أعاد سيّدنا المؤلّف في ترجمة ابن عبّاس في (الأعيان ج٣٩/١٢٢) وذكر ما جرى له في حرب البصرة، وحرب صفين، وكتاب معاوية إليه وجوابه الشديد اللهجة القويّ الحجّة، وذكر ما كان من ترشيح الإمام عليه السلام له ليكون هو الحكم لأهل العراق، لكن الأشعث والفراء أبوا ذلك، وقالوا والله: ما نبالي إن كنت أنت أو ابن عبّاس؛ وختم الترجمة بقوله:

((وممّا يدلّ على عدم مفارقته أمير المؤمنين عليه السلام: ما حكاه الشريف المرتضى في (الأمالي)، قال: روى أبو عبيدة، قال: دخل عمرو بن عبيد على سليمان بن علي بن عبد الله بن العبّاس بالبصرة، فقال له سليمان: أخبرني عن صاحبك ــ يعني الحسن البصري ــ ...

إلى أن قال: فقوله في عبد الله بن العبّاس: يفتينا في القملة والقميلة وطار بأموالنا في ليلة، فقال له: فكيف يقول هذا وابن عبّاس لم يفارق عليّاً حتّى قتل، وشهد صلح الحسن، وأيّ مال يجتمع في بيت مال البصرة

١- إلى هنا انتهى كلام العلاّمة في الأعيان.

٥٢
مع حاجة عليّ إلى الأموال، وهو يفرّغ بيت مال الكوفة في كلّ خميس ويرشّه، وقالوا: إنّه كان يقيل فيه، فكيف يترك المال يجتمع بالبصرة؟! هذا باطل)).

ثمّ قال المرحوم السيّد الأمين: ((وقال عبد الله بن العبّاس في أمير المؤمنين عليه السلام:


وصيّ رسول الله من دون أهلهوفارسه إن قيل هل من منازل

فدونكه إن كنت تبغي مهاجراًأشمّ كنصل السيف غير حلاحل(١)

١- أعيان الشيعة ٣٩/١٢٢ ــ ١٢٥، للمرحوم السيّد محسن الأمين، ط مطبعة الإتقان بيروت سنة ١٣٧٥هـ ١٩٥٦، وقف على طبعه وإخراجه ولده حسن الأمين.

٥٣

(الثاني) سماحة آية الله المرحوم عبد الحسين شرف الدين

المتوفى ٨ ج٢ سنة ١٣٧٧هـ

[image] - مركز الأبحاث العقائدية

٥٤

٥٥

ترجمة الحجّة المجاهد في سطور

السيّد عبد الحسين شرف الدين رحمه الله

١ــ ولد سنة ١٢٩٠هـ في مدينة الكاظمية بالعراق.

أكمل تحصيله العلمي في النجف الأشرف، وعاد إلى وطنه سنة ١٣٢٢هـ، وبقي في شحور، ثمّ انتقل إلى صور سنة ١٣١٥هـ، وظهرت له نشاطات دينية، فأسّس الحسينية المعروفة فيها يوم الغدير سنة ١٣٢٦هـ، وأسّس مسجداً سنة ١٣٣١هـ ، ومسجداً آخر سنة ١٣٤٧هـ ، وأسّس المدرسة الجعفرية في صور سنة ١٣٥٧هـ .

٢ــ ألّف كثيراً من الكتب منها ما يناهز العشرين كتاباً ورسالة، أشهرها (المراجعات)، و(النص والاجتهاد)، و(الفصول المهمة).

٣ــ لبى نداء ربّه تعالى في ٨ ج٢ سنة ١٣٧٧هـ .

٤ــ نقل جثمانه إلى النجف بوصية منه، فدفن في إحدى حجرات الصحن الشريف من جهة مقبرة السيّد اليزدي في الشمال الغربي من الصحن الشريف.

وقد حظيتُ بحضور التشييع والدفن، فرحم الله سيدنا الحجّة شرف الدين، وحشره مع أجداده الأئمّة الطاهرين.

٥٦
جوابه وقد سُئل عن ابن عبّاس..

أجاب (رحمه الله) جواباً شافياً كافياً، نشرته (مجلّة العرفان الصيداوية) في المجلد٣٣ الجزء ص١٠٦٠ باب السؤال والجواب(١).

وإلى القارئ صورة ما نشرته المجلّة المذكور، وهي على هذا مشكورة:

ما رأيكم في ابن عبّاس؟

جبل العلويين ــ صافيتا: الشيخ إبراهيم عبد اللطيف

س ــ عبد الله بن العبّاس من شيعة مولانا أمير المؤمنين المخلصين له قبل مقتله وبعده، ولكنّه خرج عن طاعته واختلس مبلغاً من بيت المال وهرب به إلى المدينة وبالرغم من مطالبة أمير المؤمين إيّاه بالرجوع وإرجاع ما اختلسه من بيت المال فقد بقي مصرّاً على عصيانه، وكان من جوابه أخيراً لأمير المؤمنين عليه السلام: إن لم تكفّ عن طلبي لألحقنّ بمعاوية، وما كنّا لننتظر من حبر الأُمّة مثل هذه المعصية! فهل يصحّ وهذه حاله أن نبقى على موالاته وحبّه؟ بيد أنّي سمعت وقرأت للبعض من الشيعة من يبالغون بذمّه وبغضه؟

ج ــ إنّما يذمّه ويبغضه أشباه الرجال ممّن لا يفقهون وهم بالحشوية

١- فتحنا هذا الباب ليكون صلة بيننا وبين قرائنا عمّا أغمض عليهم ولا نجيب إلاّ على سؤال المشتركين لأنّ المقام لا يتّسع لغيرهم على أن يكون السؤال ممّا ينتفع بجوابه ولا يخرج عن موضوع العرفان.

٥٧
أشبه، فإنّ حبر الأُمّة عبد الله بن عبّاس جليل القدر عظيم الشأن رفيع المنزلة، من أخلص المجاهدين في نصرة الحقّ بسيفه ولسانه يوم البصرة وفي صفين والنهروان، وهو ابن عمّ النبيّ والوصي كليهما وخرّيج حوزة أمير المؤمنين، في الطليعة من أعلام تلامذته القادة الهداة إلى الخير، برأيه وهديه وحججه البالغة، وأدلّته التي كانت صواعق مواحق، لا تبقي على أباطيل المبطلين ولا تذر من أضاليل المضلّين.

وله في إنقاذ الحقّ المغصوب والإرث المسلوب بلاء وعناء وجهود وجهاد، تفرض له الشكر على كلّ وليّ لله ولرسوله ولأئمّة المسلمين.

وله في ذلك مواقف مع عمر بن الخطّاب ــ حين كانت درّته أهيب من سيف الحجّاج ــ ومع معاوية ــ حين استوسقت له الأمور، وقهر بجبروت سلطانه الجمهور ــ ومع عائشة طول حياتها بعد النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ومع ابن الزبير ــ وقد صفا له الحجاز والعراق ــ نحيلكم عليها لتعلموا أيّ بطل هو؟ علماً وحكمة وشجاعة وبلاغة هي فصل الخطاب ومفصل الصواب، لا تأخذه في الله لومة لائم ولا سطوة معتد غاشم، ولله كتابه العظيم إلى يزيد بعد وقعة الطفّ، يمثل الحميّ الكميّ الهاشميّ بأجلى مظاهر العبقرية العلوية.

وكان عمر ــ على ما يقرع سمعه من حجج ابن عبّاس المفحمة ــ يقرّبه ويدنيه ويستشيره ــ على حداثته ــ كما يستشير شيوخ الصحابة، وكم كان يقول: نعم ترجمان القرآن ابن عبّاس، وربّما دعاه فقرّبه قائلاً له: إنّي رأيت رسول الله دعاك يوماً فمسح رأسك وتفل في فمك، وقال: (اللّهمّ فهمه في

٥٨
الدين وعلّمه التأويل)، يصانعه بهذا ليخفف من غلوائه، وهيهات أن يخدع ابن عبّاس، وجرى على منهاج عمر مع ابن عبّاس جماعة ليخدعوه فلم يفلحوا.

فمنهم عبد الله بن عمر، إذ كان يقول: إنّ ابن عبّاس أعلم الناس بما أنزل على محمّد.

ومنهم عائشة، إذ كانت تقول: ابن عبّاس أعلم من بقي بالسُنّة.

وقد تعلمون أنّهم ما أثنوا عليه إلاّ بما هو ظاهر من فضله، ولقد كان ابن عبّاس فوق ما يقولون..

فعن عطاء: ما رأيت مجلساً قطّ أكرم من مجلس ابن عبّاس، كان أصحاب القرآن عنده يسألونه، وأصحاب النحو عنده يسألونه، وأصحاب الشعر عنده يسألونه، وأصحاب الفقه عنده يسألونه، كلّهم يصدرهم من واد واسع.

وعن مجاهد، قال: كان ابن عبّاس يسمّى البحر من كثرة علمه.

ولا غرو أن صحّ قول رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم إذ دعا له: (اللّهمّ فقّهه في الدين وعلّمه الحكمة والتأويل).

أمّا ما أخذه من بيت مال البصرة، فإنّما كان متأوّلاً فيه، لكونه من الخمس الذي افترضه الله تعالى لذوي القربى بقوله عزّ من قائل: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾(١)، يدلك على

١- سورة الأنفال/٤١.

٥٩
هذا ردّه على من عابه بأخذ المال، إذ قال: إنّما كان مالاً جبيناه فأعطينا كلّ ذي حقّ حقّه وبقيت بقية هي دون حقّنا في كتاب الله فأخذناها بحقّنا. اهـ .

لكنّه علم أنّ هذا لا يتّفق مع سيرة أمير المؤمنين صاحب المدرعة التي رقعها حتّى استحيى من راقعها، وحتّى قال له قائل: ألا تنبذها عنك، فذو الأتن لا يرتضيها لبراذعه، فأجابه عليه السلام: (أعزب عنّي فعند الصباح يحمد القوم السرى).

هذا ما دعا ابن عبّاس للهرب من أمير المؤمنين، وعلى هذا لا يكون سارقاً ولا خواناً، وإنّما هو متأوّل وإن أخطأ وعصى في هربه، وليس الرجل بمعصوم، وقد آب بعدها وأناب وأحسن حسنات لا تحصى ولا تستقصى في هذه العجالة، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ﴾(١).

أمّا ما ذكرتم من جوابه لأمير المؤمنين، فإنّما هو من الأباطيل التي اختلقها أعداء أمير المؤمنين إرجافاً به وبابن عمّه ونكاية لشيعته، وقد خفي ذلك على بعض المغفّلين من الشيعة فأورده ضعيف السند.

قال إمام أهل النقد، إمام الكلّ في الكلّ، الحسن بن يوسف المطهّر الحلّي المعروف بالعلاّمة في (خلاصته): عبد الله بن العبّاس رضي الله عنهما من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، كان محبّاً لأمير المؤمنين وتلميذه، حاله في الجلالة والإخلاص لأمير المؤمنين أشهر من أن يخفى، وقد ذكر الكشي

١- سورة هود/١١٤.

٦٠