×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة عبد الله بن عبّاس ـ ج 21 / الصفحات: ٦١ - ٨٠

أحاديث تتضمّن قدحاً فيه، وهو أجلّ من ذلك، (قال) وقد ذكرناها في كتابنا الكبير وأجبنا عنها. اهـ ـ

وقال الشهيد الثاني: جملة ما ذكره الكشي من الطعن فيه خمسة أحاديث كلّها ضعيفة السند. اهـ .

وبالغ الشريف المقدّس ابن طاووس في مدحه والذب عنه، فقال: حاله في الإخلاص لمولانا أمير المؤمنين وموالاته والنصرة له والخصام في رضاه ممّا لا شبهة فيه، وقد روى الكشي أخباراً شاذّة ضعيفة تقتضي قدحاً أو جرحاً، ومثله رضي الله عنه أهل لأن تحسده الناس، كما قيل:


حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيهفالناس أعداء له وخصوم

كضرائر الحسناء قلن لوجههاحسداً وبغياً إنّه لذميم

وأطال الكلام في إثبات فضله وجلالة قدره، وتنزيهه عمّا يشينه، وأثبت ضعف الأحاديث التي رواها الكشي في ذمّه، ثمّ قال: ولو ورد في مثله ألف حديث لما أمكن أن تحدث تهمة له، فكيف يعنى بمثل هذه الروايات الضعيفة الركيكة. اهـ .

وممّا يثبت فضله وإخلاصه لمن كان بعد أمير المؤمنين من أوصيائه عليهم السلامن فهو الذي قام بين يدي الحسن عليه السلام خطيباً يدعو الناس إليه بقوله: معاشر الناس هذا ابن نبيّكم ووصي إمامكم فبايعوه... الخطبة، وما أتمّها، حتّى انهال الناس على الحسن يبايعونه بالخلافة، وأمّر الأمراء، فأنفذ عبد الله بن العبّاس إلى البصرة... الحديث بطوله تجده في كتاب (كشف

٦١
موسوعة عبدالله بن عباس حبر الأمة و ترجمان القرآن ج ٢١ » السيد محمد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان » (ص ٦١ - ص ٩٠) الغمّة في إثبات الأئمّة) وغيره، مسنداً إلى أبي إسحاق السبيعي وغيره.

وأنت تعلم أنّ تولية الحسن إيّاه على البصرة من أكبر الأدلّة على أنّ حسناته قد أذهبت تلك السيئة حتّى كأن لم تكن، ولا غرو فإنّ الله تعالى يقول: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾(١).

وحسبنا خاتمته الحسنى، إذ دخل عليه وهو على فراش الموت في الطائف زهاء ثلاثين رجلاً من شيوخ الطائف، وقد خارت قواه، فسلّموا عليه وجلسوا إليه وكان فيهم عطاء، فقال له: من القوم يا عطاء؟

قال: يا سيدي! هم شيوخ هذا البلد: عبد الله بن سلمة بن حصرم الطائي، وعمارة بن أبي الأجلح، وثابت بن مالك، وعدّهم له واحداً واحداً.

ثمّ تقدّموا إليه فقالوا: يا بن عمّ رسول الله! إنّك رأيت رسول الله وسمعت منه فأخبرنا عن اختلاف هذه الأُمّة، إذ قدّم قوم منها عليّاً على غيره، وقوم جعلوه بعد الثلاثة؟

قال: فتنفّس ابن عبّاس، فقال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يقول: (عليّ مع الحقّ والحقّ معه، وهو الخليفة من بعدي، فمن تمسّك به فاز ونجا، ومن تخلّف عنه ضلّ وغوى)، إلى أن قال: ثمّ بكى بكاء شديداً.

فقال له القوم: أتبكي ومكانك من رسول الله مكانك؟!

١- سورة الفرقان/٧٠.

٦٢
فقال لي: يا عطاء! إنّما أبكي لخصلتين هول المطلع وفراق الأحبّة، ثمّ تفرّق القوم عنه، فقال لي: يا عطاء! خذ بيدي واحملني إلى صحن الدار، وأخذنا بيده أنا وسعيد وحملناه إلى صحن الدار، ثمّ رفع يديه إلى السماء وقال: اللّهمّ إنّي أتقرّب إليك بمحمّد وآل محمّد صلي الله عليه وآله وسلم، اللّهمّ إنّي أتقرب إليك بولاية الشيخ عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فما زال يكرّرها حتّى وقع إلى الأرض، فصبرنا عليه ساعة، ثمّ أقمناه فإذا هو ميت(١) رحمة الله عليه. اهـ .

هذه خاتمة حياته الشريفة، وعلى مثلها فقس ما سواها، من خصائصه الحسنى المتوالية المتتابعة من مبدأ أمره إلى منتهى عمره.

وقد أورث الأُمّة علوماً جمّة من فروع وأصول وفلسفة عقلية جاءت على وفق المأثور منها عن أئمّة الهدى من آل محمّد صلي الله عليه وآله وسلم، وله في مناقبهم ومثالب خصومهم صحاح كثيرة، كانت كلّها على منهج المأثور منها عن أئمّة الهدى عليهم السلام، لم يؤثر عنه ما يخالفهم في شيء، فالسعيد من والاه والشقيّ من عاداه رضي الله عنه وأرضاه وألحقنا بالفردوس الأعلى من مثواه والسلام عليه ورحمة الله وبركاته.

١- وكان ذلك سنة ٦٨هـ، وصلّى عليه محمّد بن أمير المؤمنين المعروف بابن الحنفية، ولمّا فرغ من دفنه، قال: مات والله حبر هذه الأُمّة.

٦٣

(الثالث) سماحة آية الله المرحوم السيّد علي الفاني

المتوفى ٢٣ شوال سنة ١٤٠٩هـ

[image] - مركز الأبحاث العقائدية

٦٤

٦٥

ترجمة سماحة آية الله السيّد علي الفاني الأصفهاني(١)

ولد في شهر ربيع الأوّل سنة ١٣٣٣هـ

هاجر إلى النجف الأشرف وحضر أبحاث الآيات العظام كالسيّد أبي الحسن الأصفهاني، والشيخ محمّد كاظم الشيرازي، والسيّد عبد الهادي الشيرازي، وآخرين، وعاد إلى إيران سنة ١٣٩٣هـ وسكن في قم ومارس نشاطه العلمي في التدريس.

له عدّة مؤلّفات في التفسير، والفقه، والكلام، والأصول، والتاريخ، نيفت على الثلاثين، وقد طبع الكثير منها.

توفي رحمه الله في ٢٣ شوال سنة ١٤٠٩هـ ودفن في إحدى حجرات صحن السيّدة المعصومة في قم، تغمده الله برحمته وأسكنه الفسيح من جنّته.

١- أقف إجلالاً لسماحته في آرائه الأدبية، فقد حضرت درسه رحمه الله أيام كان في النجف الأشرف، وهو يدرّس كتاب (القوانين) في الأصول، وكان مكان الدرس في مدرس مدرسة القوام في المشراق قرب مسجد الشيخ الطوسي رحمه الله ، وزمانه ضحى، ولا أنسى بعض ما جرى بيني وبينهR في موضوع الإسناد المجازي حول البيت الشاهد:


سبع دجاجات وسنوّر جربصبحن من كاظمة الخصّ الحزب

مع العبّاس بن عبد المطلب

فكان رحمه الله عالماً في بابه، ملّماً في جوابه، ومن الوفاء لحقّه، واعترافاً منّي بفضله أنشر ما كتبه في جواب سؤال منه عن ابن عبّاس رضي الله عنه، فكان جوابه من أوسع وأروع ما قرأت في هذا الموضوع من المطبوع، فجزاه الله خيراً، وأثابني أجراً وذخراً، توفي رحمه الله ٢٣ شوال سنة ١٤٠٩هـ.
٦٦

جوابه وقد ورد عليه سؤال من البحرين..

أجاب خير جواب، حريّ باسم كتاب، حالف صاحبه الصواب، فجزاه الله أحسن الثواب.

فكتب قدس سره :

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين واللعن على أعدائهم أجمعين.

بعث إليَّ من البحرين ــ السيّد السند فضيلة العلاّمة الشريف الحاج السيّد العلوي الغريفي الموسوي دام بقاؤه ــ رسالة يسأل فيها عن رأيي حول شخصية عبد الله بن عبّاس رضي الله عنه، ابن عمّ النبيّ صلى الله عليه وآله.

فأجبته راجياً المولى عزّ وجلّ أن يلهمني الصواب.

(١)

نقد الأخبار

من البديهي: أنّ العاقل لا بدّ وأن لا يعتني بكلّ خبر صادر عن كلّ مخبر، لأنّ الخبر في حدّ ذاته يحتمل الصدق والكذب.

إذ الخبر ــ عبارة عن جملة كلامية لها مفهوم ــ هو مضمون الجملة قد طبقه المخبر ــ في عالم الحكاية ــ على الخارج.

٦٧
ومن المعلوم أنّه ليس لكلّ جملة حكائية، خارج يطابقها، لتوفّر الدواعي للكذب، ولاسيّما في الأمور المهمة، ومنها الأمور السياسية، والأمور التي لها مساس بالمذهب، فترى أنّ من يرشح نفسه للزعامة، أيّة زعامة كانت، يخطب خطباً كاذبة في الجولات الانتخابية، ويأتي بمواعيد باطلة ليتغلّب على منافسه، ومنافسوه لا يقلّون عنه كذباً في إطار المغالبة.

وقد أمرنا الله سبحانه بتبيّن الخبر إذا كان الجائي به فاسقاً، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾(١).

وقد استدلّ علماؤنا بهذه الآية الشريفة على حجّية الخبر العادل ــ بالتعبّد الشرعي ــ تارة بمفهوم الشرط، وأُخرى بمفهوم الوصف.

ونحن قلنا بأنّ الحكم ــ وهو الأمر بالتبيين في الآية ــ إذا كان معلّلاً بتعليل ارتكازي عقلي، يكون إرشادياً لا تعبدياً.

ومن المعلوم أنّ إصابة القوم بأمر ما مجهول من المفاسد والفتن شيء مرغوب عنه، ويجب عقلاً التجنّب عنه، وأخذ الخبر ممّن لا يحترّز عن الكذب يلزمه ذلك، فيجب التجنّب عنه بالفحص والتحقيق عن صدق الخبر وكذبه.

فضرورة العقل تحكم ــ من دون حاجة إلى التعبد الشرعي ــ بلزوم

١- سورة الحجرات/٦.

٦٨
الفحص عن وثاقة المخبر لمن أراد ترتيب الأثر على خبره. وبعد اختبار حاله ثقة وضعفاً يقبل قوله أو يطرح.

ثمّ لو بقينا على الشكّ للجهالة بحال المخبر، أو إهماله في كتب الرجال، يكون حكم خبره من حيث النتيجة ــ وهي لزوم الطرح ــ حكم خبر من أحرزنا كذبه، وهذا هو مراد علماء علم الأصول، من قولهم: الشكّ في الحجّية تمام الموضوع لدى العقل للحكم بعدم الحجّية.

هذا بحسب القاعدة، ويضاف إلى ذلك، إنّ التاريخ يشهد بأنّ جمعاً كثيراً من المرتزقة، كانوا وضّاعين، ولم يخل زمان من وجود الكذّابين المختلقين للأكاذيب سياسياً ومذهبياً.

ولذلك بعينه اتّفقنا نحن المسلمون كافّة على لزوم نقد الأسانيد واحتجنا إلى علم سمّيناه: علم الرجال، وبيّنا فيه حال الرواة ثقة وضعفاً، وقسّمنا الأخبار إلى صحيح وضعيف ومرسل ونحو ذلك.

قال العسقلاني في خطبة كتابه (لسان الميزان): فأقام الله طائفة كثيرة من هذه الأُمّة للذب عن سُنّة نبيّه صلّى الله عليه وآله، فتكلّموا في الرواة على قصد النصيحة ولم يعدّ ذلك من الغيبة المذمومة، بل كان ذلك واجباً عليهم وجوب كفاية.

وقال أيضاً ــ في ترجمة أبان بن تغلب ــ: فإن قيل: كيف ساغ توثيق مبتدع؟! وحدّ الثقة العدالة والإتقان، فكيف يكون عدلاً وهو صاحب بدعة؟!

٦٩
وجوابه: أنّ البدعة على ضربين:

فبدعة صغرى كغلو التشيع، أو كالتشيع بلا غلو وتحرّق، فهذا كثير في التابعين وأتباعهم مع الدين والورع والصدق، فلو ردّ حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية، وهذه مفسدة بيّنة.

ثمّ بدعة كبرى، كالرفض الكامل والغلوّ فيه والحطّ على أبي بكر وعمر والدعاء إلى ذلك، فهؤلاء لا يقبل حديثهم ولا كرامة، وأيضاً فلا استحضر الآن في هذا الضرب رجلاً صادقاً ولا مأمونا بل الكذب شعارهم، والتقية والنفاق دثارهم، فكيف يقبل من هذا حاله؟! حاشا وكلاّ.

وقال علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي في (المحلّى) المجلد الأوّل المسألة/٩٣: أمّا المرسل ومن في رواته من لا يوثق بدينه وحفظه، فلقول الله تعالى: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كلّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾(١).

وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾(٢).

وليس في العالم إلاّ عدل أو فاسق، فحرم علينا قبول خبر الفاسق، فلم يبق إلاّ العدل، وصحّ أنّه هو المأمور بقبول نذارته، وأمّا المجهول فليس

١- سورة التوبة/١٢٢.

٢- سورة الحجرات/٦.

٧٠
على ثقة من أنّه على الصفة التي أمر الله تعالى معها بقبول نذارته.. إلى آخر ما قال، ولشدّة اهتمام أهل السُنّة برجال الحديث ألّف جمع منهم كتباً تختص بذكر الضعفاء ــ وما أكثر الضعفاء عندهم ــ كالذهبي في (المغني)(١).

ثمّ إنّ الفريقين قد أهملوا ذكر عدد كثير من الرواة، عجزاً عن معرفتهم بأشخاصهم وأحوالهم ثقة وضعفاً إلى من أهمله الراوي في أوائل السند، أو أواسطه، أو أواخره.

ومن هنا جاء دور المصطلحات في علم الدراية من المرسل والمعلّق والمرفوع ونحو ذلك، كقولهم: عن رجل، أو حدّثني شيخ، والمدهش حينذاك أنّ جمعاً من المؤلّفين لكتب الرجال يأخذون في التوثيق والتضعيف بقول من لا يوثق به، وأعجب من ذلك أنّ بعضاً منهم يصدّق الكاذب وبالعكس تعصّباً لمذهبه وترويجاً لباطله، فترى علاّمة القوم العسقلاني، ينقل عن حمّاد بن سلمة قوله: حدّثني شيخ لهم، والضمير يرجع إلى الشيعة الإمامية.

قال: كنّا إذا اجتمعنا فاستحسنا شيئاً جعلناه حديثاً(٢)، ولم يوجد ولا

١- وفي كتابه الآخر في الضعفاء والمتروكين، ط مكّة بتحقيق الشيخ محمّد بن عبد الرحمن الأنصاري، أحد شيوخ الإجازة في المدينة المنورة، وقد أهداني نسخته الخاصّة المصحّحة بقلمه، فرحمة الله عليه وتجاوز عنه (الخرسان).

٢- لقد روى الخطيب البغدادي في كتابه الجامع لأخلاق الرواي وآداب السامع برقم/١٦١ في ج١/١٣٧، ط الرياض (...ابن لهيعة، قال: سمعت شيخاً من الخوارج تاب ورجع وهو يقول: إنّ هذه الأحاديث دين فانظروا عمّن تأخذون دينكم، فإنّا كنّا إذا هوينا أمراً صيّرناه حديثاً...)، وهذا رواه أيضاً ابن الجوزي في ج١/٣٨ من كتابه الموضوعات، ط ونشر المكتبة السلفية بالمدينة المنورة سنة ١٣٨٦هـ، وغير هذين أيضاً، وما نقله المؤلّفS عن حمّاد بن سلمة فهو مذكور أيضاً في كتاب الموضوعات، وليس حمّاد بن سلمة بمتّهم في النقل عندهم، وهو في نقله كغيره مثل عبد الله بن يزيد المعري الذي سمع رجلاً من أهل البدع رجع عن بدعته، فجعل يقول: انظروا هذا الحديث ممّن تأخذونه فإنّا كنّا إذا رأينا رأياً جعلناه حديثاً، وثمّة أقوال عن بعض الكرامية كذلك، وكلّ الأقوال حكيت عن شيوخ مجاهيل ولم تسلم من القال والقيل. (الخرسان).

٧١
يوجد منهم ــ والضمير يرجع إلى أهل السُنّة ــ أحد يسأل العسقلاني من هو حمّاد هذا؟! ومن الذي حدّثه من مشايخ الشيعة؟! وما اسم هذا الشيخ؟! وفي أيّ مكان وقع هذا الحوار الودّي أو الاعتراف المخزي؟! وهل يقبل عاقل خلي ذهنه عن الشبهات وقلبه عن التعصّب أن يعترف شيعي عند سُنّي باختلاق الحديث؟!

ولكن الزمان يدري بأنّنا نرمى بنبل غيرنا كسبابة المتندم!

وأشنع من هذا الافتراء الفاضح، أنّ هذا المؤلّف لعلم الرجال يشترط لحجّية الخبر، أن لا يكون الراوي صاحب بدعة كبرى ــ ويعني بهذا التشيع ــ ومن الواضح أنّ الخلل في المذهب ــ على زعمه ــ لا يضرّ بصحّة الخبر إذا كان المخبر صادقاً في قوله، كما هو دأبنا نحن الشيعة في أخذ الحديث من السكوني، وغياث بن كلوب، وإسحق بن عمّار، وغيرهم ممّن لهم لسان صدق ومذهب باطل.

نعم، أحرز العسقلاني ــ مضافاً إلى كونهم أولي بدعة كبرى ــ كذب

٧٢
الطائفة الشيعية المعبّر عنها في لسانه بالروافض.

ولنا أنّ نوجّه إليه سؤالاً، وهو أنّه إذا كان سبب طرح رواية الشيعي هو ولاؤه الخاصّ لعليّ بن أبي طالب وأولاده المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، واعتقاده أنّه وأولاده خلفاء النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، وأنّ الإجماع على زعامة أبي بكر لم يتحقّق، وأنّ اجتماع جمع معدود تحت سقف محدود لمصلحة زمنية غير مستمرّة مع الأزمان على حدّ دعوى القوم ليس بإجماع.

وعلى فرض تسليم كونه إجماعاً محصّلاً، فليس فيه دلالة شرعية على شرعية زعامة أبي بكر، كيف؟! ونحن نقول: إنّ الولاية التشريعية عهد إلهي، وليست رئاسة جماهيرية يكون للمسلمين حقّ جعلها كانتخاب أيّ رئيس سياسي آخر.

وكيف كان، فإذا كان سبب ضعف رواية الشيعي هو عقائده المذهبية، فليعذرونا لو طرحنا رواية شيخ من أهل اليمامة مهمل مجهول عن معلّى بن هلال الوضّاع بالاتّفاق عن الشعبي، ولم نعتقد بأسطورة اختلاس عبد الله بن عبّاس أموال بيت مال البصرة.

أو طرحنا أخبار أبي هريرة التي يناقض بعضها بعضاً، بل يسخر من بعضها المثقفون في العصر الحاضر البعداء عن التعصب.

نعم، العقول المتحجّرة والأذهان المشحونة بالأوهام والشبهات البالية تصدّق تلك الخرافات الجاهلية، كلطم موسى عزرائيل وقلع عينه وما شاكل ذلك، وإن شئت التفصيل ولم يزعجك التحقيق، فراجع كتاب العلاّمة شرف

٧٣
الدين، أو شيخ المضيرة للعلاّمة أبو رية، وإلاّ فدع القوم وما يختلقون.

ومن غريب ما نسمع من بعضهم في العصر الحاضر أنّه لمّا رأى أنّ كتبهم امتلأت بالأباطيل دافع عن ذلك، بأنّ هذه من الإسرائيليات، فكيف جعلوها في صحاحهم التي يعتبرونها أصحّ الكتب بعد القرآن؟!

وخلاصة القول: أنّه لا شكّ في لزوم نقد رجال الأخبار ورواة الآثار بتحليل شخصياتهم وإحراز صدقهم، فإن أحرزنا وثاقتهم أخذنا بقولهم، وإلاّ تركناه غير ملزمين بقبوله! وذلك لأنّ حجّية خبر من يوثق بقوله الذي يحترّز عن الكذب، خوفاً من الله أو لإجابته نداء الوجدان بأنّ الكذب من الرذائل، عقلائي لا تعبدي، كما أنّ عدم حجّية خبر من لا يحترّز عن الكذب أيضاً عقلائي.

والشكّ في صدق الراوي مساوق للعلم بكذبه من حيث النتيجة

ــ أعني: وجوب التثبت في قوله ــ فنقد الأسانيد أمر فطري عقلائي.

(٢)

دور التاريخ في ضبط الوقايع

وعلى ضوء ما ذكرناه في الأمر الأوّل، نقول:

إنّه لا شبهة في كون التاريخ عبارة عن مجموعة قضايا أخبارية تحكى عن الوقائع الراهنة على مرّ الزمان، وتشير إلى أمور وقعت، فلا بدّ إذاً من ملاحظة الوثائق التاريخية والبحث عن صحّة كلّ واقعة وسقمها.

٧٤
فلنا أن نقسّم المؤرّخين إلى أقسام ثلاثة:

القسم الأوّل: المؤرّخ الذي يعتني بكلّ ما قرع سمعه من غث أو سمين، بل يوجر وجدانه وقلمه للآخرين، ولاسيّما للسلطات الحاكمة فيختلق لهم ما يرغبون به.

ومن هذا القسم صنف يجعل الأكاذيب في تعظيم بلده، ويدافع عن حزبه بالموضوعات، وينتصر لمذهبه بكلّ أسطورة! فتاريخ مثل هذا المؤرّخ هو مجموعة من الأكاذيب المزورة، والسبب في ذلك يرجع إلى الدواعي المتعدّدة للتزوير والاختلاق المرتكزة في نفوس ذوي المأرب من السلطات والأحزاب وأصحاب المذاهب الباطلة، فيستأجرون من يقدر على الكتابة والتدوين من باعة الضمائر والمرتزقة.

بل لا ينحصر من يبيع دينه بدنياه وضميره بديناره بالمؤرّخ المحترف، إذ المحدّث المأجور أيضاً كان موجوداً في السلف الغابر، وكان آلة للمذاهب الباطلة، ومذياعاً للأباطيل المجعولة.

والشاهد على صدق ما نقول، نسبة علماء الرجال من أهل السُنّة جمعاً كثيراً من الرواة إلى الكذب والوضع، كما أسمعناك في معلّى بن هلال، الذي قالوا فيه: وضّاع بالاتّفاق.

ويتلخص من ذلك، أنّ العاقل لا يعتمد على التاريخ والحديث عموماً، ولا ينظر إلى أساطير الأُمم نظر الاعتبار، بل عليه الدقّة الكاملة في أحوال نقلة الوقايع التاريخية وأسانيدهم، فلا يأخذ بالضعيف والمرسل ونحوهما.

٧٥
ومن أشنع ما صنعه هؤلاء المزورون، إسناد فعل شخص أو محامده إلى شخص آخر، وكذلك بالنسبة إلى المساوي، ويأتي دور الاختلاق في نفسيات الأشخاص في الاستنتاج من هذا التاريخ المزيّف.

فترى بعض الكتاب يقول: إنّ عليّاً عليه السلام كان غير محنّك في السياسة وفاشلاً فيها، وأمّا الحجّاج ــ السفّاك ــ فكان سياسياً، وينسى أو يتناسى هذا الكاتب أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان أعلم القوم وأقضاهم، وتشهد بذلك دراسة مواقفه السياسية وقضاياه وأحكامه، وكان يقول: (لولا التقى لكنت أدهى العرب)(١).

وترى كاتباً آخر يتهّمه بشرب الخمر، وينسب إليه عقد الندوة لشربه ويقول: إنّ شأن نزول آية الخمر انعقاد هذا المجلس من قبل عليّ عليه السلام، والمنصف المحقّق للوقايع يعلم أنّ الندوة كانت لمن!(٢) كما يعلم أنّ نفسية عليّ عليه السلام تأبى عن هذه التهمة وما شابهها.

فالعجب من أُمّة اعتادت على الكذب حتّى صدقته ــ ولن يصلح العطار ما أفسد الدهر ــ وأنت إذا قرأت في التاريخ أنّ عبد الله بن عبّاس اختلس أموال المؤمنين واشترى بها الجواري بأعلى القيم، وارتجز لهن الأراجيز الركيكة، وجادل عليّاً عليه السلام في ذلك واتّهمه بسفك الدماء من غير حقّ، قائلاً:

١- شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ١/٢٨. (الخرسان).

٢- راجع بشأن الندوة وأسماء من كان بها ومن كان ساقي القوم بها فتح الباري، لابن حجر ١٠/٣٠. (الخرسان).

٧٦
إنّ اختلاس الأموال أهون من سفك الدماء، أو ما بمعناه، فلا تعجل بالقبول ودقّق النظر في الأسانيد تبيناً وتثبتاً فيها، وحلّل التاريخ وإن دوّنه الطبري تحليلاً صافياً بعيداً عن الأغراض والأهواء.

فإذا كان الرواة مهملين أو مجهولين، فدع رواياتهم، فضلاً عن ما إذا كانوا وضّاعين دجّالين.

ثمّ فتش عن سبب اتهامه بالاختلاس، فستجد إن شاء الله أنّ ابن عبّاس كان صريحاً في احتجاجه لأحقّية عليّ عليه السلام بالخلافة، وقائلاً بإيمان أبي طالب الذي كفّروه لكونه أبا عليّ عليه السلام حطاً لمقام ابنه، ويظهر لك بوضوح أنّ السبب الوحيد لتوهينه والحطّ من كرامته أنّه كان سدّاً منيعاً لعليّ عليه السلام في مقابل خصومه.

القسم الثاني: المؤرّخ الذي يكتب تاريخ الأُمم وهو أجنبي عنهم، كجملة من المستشرقين، وحظّ مثل هذا المؤرّخ من الدقّة لو لم يكن أقلّ من القسم الأوّل فلا أقلّ من مساواته له، لأنّ الفرع ليس أوثق من الأصل.

وقد رأينا أنّ بعض الأجانب يذكر في تاريخه أنّ الشيعة تعتقد أنّ جبرئيل كان مأموراً بتبليغ النبوّة إلى عليّ عليه السلام فبلّغها إلى محمّد صلي الله عليه وآله وسلم، وفي نفس الوقت يذكر سيرة عثمان مثلاً وليس لديه شيء يعتمد عليه إلاّ سلسلة من الموضوعات في الفضائل الخيالية والمبرّرات الكاذبة لأخطائه وجرائمه.

وهذا المؤرّخ لا يقدر أو لا يريد الرجوع إلى الوثائق التاريخية الموجودة عند غير أهل السُنّة وهم الشيعة، كي يوازن بين الوثائق بأجمعها

٧٧
ويميّز بين الصحيح والضعيف، بل يكتفي بما في مسطورات غيرهم، فيكتب ما يكتب غافلاً عن ما هو الحقّ الصريح الذي يقبله العقل والعقلاء.

فعلى من يدرس التاريخ أو يراجعه أن لا يعتمد كلّياً على ما يكتبه المستشرقون، من دون دقّة ودراية.

القسم الثالث: المؤرّخ الضابط الصادق الذي لا يكتب إلاّ الصحيح، ولا ينقل إلاّ المسند المأثور.

وما أقلّ أفراد هذا القسم! إذ المتعارف والمشاهد عياناً، هو أنّ الجبابرة المتسلّطين كانوا يستأجرون الكذّابين والوضّاعين، لقلب الوقايع وجعل الأكاذيب لمصالحهم، فكان أصحاب الأقلام المأجورة من هؤلاء يحرّفون الحقائق، وحرموا الناس من الاطّلاع على الوقائع على ما هي عليه.

ولذا يصعب أمر التحقيق حتّى على الذين أطاعوا الرحمن، وأجابوا نداء الوجدان، والتزموا بالصدق، واجتنبوا الكذب، فترى المؤرّخ الشيعي ربّما يعجز عن تحليل القضايا التاريخية تحليلاً صافياً عن الإشكال بعيداً عن الاشتباه، إلاّ في ما يختصّ بأحكام مذهبه وزعماء دينه من الأئمّة المعصومين عليهم السلام ونوابهم، إذ الشيعي يكون في سعة من ناحية الاطّلاع الدقيق في ذلك.

أمّا بالنسبة إلى أحكام المذهب، فلأنّ رواة الأحكام الموثقين كثيرون، أمثال زرارة بن أعين، ومحمّد بن مسلم، وأبان بن تغلب، ومن حذا حذوهم، بحيث تكفي رواياتهم للأحكام الشرعية بأسرها.

٧٨
وعلم الرجال متكفّل لبيان أحوالهم وأحوال من ضُعّف، أو أُهمل، أو جُهل حاله من سائر الرواة.

فلا تبقى حينئذ صعوبة في فهم الشيعي ووصوله إلى الأحكام الشرعية.

وأمّا بالنسبة إلى زعماء مذهبه، فللأئمّة المعصومين عليه السلام من المواهب الربانية والمناقب الإلهية والفضائل والخصال المحمودة ــ التي ملأت كتب الفريقين ــ ما يغني محبّهم عن المغالاة في صفاتهم الإنسانية.

وتكفي لأيّ باحث المراجعة إلى المصادر الإسلامية عموماً للاطّلاع على تلك الفضائل الجمّة، والكمالات الكثيرة.

وهم بريئون عن الخطأ والزلل، ومطهّرون عن الرجس والدنس بنص الكتاب، ولهم مقام العصمة على المذهب الحقّ.

فترى فضائلهم مأثورة، ومناقبهم مشهورة، فلا بدع أن يفتخر الشيعي بمتابعتهم، وأن يسوغ للسيّد الرضي رحمه الله في مقام الافتخار بنسبه أن يتمثل بقول الفرزدق:


أولئك آبائي فجئني بمثلهمإذا جمعتنا يا جرير المجامع

وأمّا نواب الأئمّة عليهم السلام وهم علماء الشيعة، فلهم سمات ملحوظة، وكمالات معهودة.

إذ الفقيه من الشيعة لا بدّ من استجماعه لشرائط تميّزه عمّن سواه، وتجعله لائقاً لمنصب الإفتاء والقضاء والحكومة الشرعية.

٧٩
وهذه الشرائط هي رواية الأحاديث ومعرفة الأحكام منها، حافظاً لدينه، صائناً لنفسه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه.

ومن الواضح الجلي أنّ ما يرويه من الأحاديث مروي ومأثور عن المعصومين عليهم السلام ومأخوذ من منابع الوحي.

فاتّضح أنّ القضايا التاريخية، غير قابلة للقبول إلاّ إذا كانت مدعومة بالأسانيد الصحيحة ومؤيّدة بالقرائن القطعية.

(٣)

الخبر المتواتر

الخبر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

الأوّل: الخبر الواحد، وهو ينقسم إلى: صحيح، وضعيف.

والصحيح: ما كان الجائي به من يوثق بقوله.

والضعيف: ما ليس كذلك، ويلحق به ما يكون الجائي به مهملاً، أو مجهولاً، فضلاً عن المرسل.

الثاني: الخبر المستفيض، ويقال له: المشهور.

وهو أيضاً ينقسم إلى حجّة: وهو ما يكون رواته أو بعضهم ممّن يوثق بقولهم، ويلحق به ما إذا كانت الاستفاضة بحدّ يوجب الوثوق بالصدور، أو كانت هناك قرائن تفيد الصدق.

وإلى غير حجّة: وهو ما ليس كذلك؛ لأنّ ضمّ الضعيف إلى الضعيف

٨٠