×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - ج 2 / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٥ فارغة
كتاب الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - (ج ٢) لـ صادق الشيخ محمّد رضا الساعدي (ص ١ - ص ١٨)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية


المقدمة


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الجاعل في الأرض خليفة إماماً افترض طاعته على جميع الملائكة والجنّ والإنس وقد علّمه من لدنه علماً جامعاً بالأسماء كلها فاحتاجته الملائكة لعلمه، ولم يقبل تعالى طاعة وعبادة أحد من خلقه إلاّ بالطاعة لخليفته، ثمّ الصلاة والسلام على المبعوث للعالمين رحمة إمام الخلق التارك فينا الثقلين الجاعل باب علمه وحكمته وصيه المرتضى والمستخلف على الأمة اثنى عشر وعلى آله المطهّرين الذين يمسّون الكتاب المكنون وهو آيات بينات في صدورهم الذين قرن الله بطاعته وطاعة رسوله طاعتهم فريضة، وجعل مودّتهم قرين الرسالة وسبيلاً متخذاً إليه.

وبعد فهذا هو الجزء الثاني والثالث من كتاب الإمامة الإلهية وقد اشتملا على مباحث متعدّدة من خمسة فصول وقد كان من بواعث الخوض فيها ما يلاحظ في جملة من المقولات من النظرة إلى علم النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليه السلام) كملكة علمية بفقه الدين والشريعة وان الأحكام الصادرة عنهم أشبه بالفتاوى النابعة عن أعمال جهد الفهم المكتسب والتتبّع في الكتب والأدلّة. أو أن ما يحكمون به هو وليد الاستظهار من وراء حجاب الألفاظ ودلالاتها، وقد صرّح أهل سنّة جماعة الخلافة باجتهاد النبي (صلى الله عليه وآله) والعياذ بالله تعالى ـ وانه هل يصيب أم يخطأ، ولوازم وتوالي هذا القول من الحالقات للدين.

وقد عبرّ في بعض الأقوال عن بيان أئمة أهل البيت (عليهم السلام) للسنّة النبوّية انهم رواة لها ونقلة، وهو تخيل ان اخبارهم عن النبي (صلى الله عليه وآله) على حذو الرواة من سائر الناس، وانهم يخبرون عنها بما يمتلكون من رصيد مسموعات حسّية وكتب مخطوطة.

وقد جاءت سلسلة البحث بدءاً بالمنهجية والنظام المتّبع في معرفتهم (صلوات الله

٦
عليهم) ثمّ تلا ذلك البحث في فقه مصادر تلك المعرفة بالتعرض للقواعد الأمّ في معرفة مقاماتهم ولم يكن ذلك على سبيل الاستقصاء كيف ومن حدّهم فقد وصفهم ومن وصفهم بكمالهم فقد أحاط بهم فهو أعلم منهم لان من حدّ شيئاً فهو أكبر منه.

ثمّ البحث عن جملة من أبواب تلك المعرفة وأسسها.

وقد تضمّن في مطاوى تلك السلسلة محاور قد احتدم فيها الجدل العلمي: كالاستقامة في طريق المعرفة بعيداً عن إفراط الغلوّ وتفريط التقصير إن الايمان فضلاً عن الأعمال لا يصحّ فضلاً عن القبول إلاّ بالتوجّه والتوسّل والانقياد لهم فضلاً عن معرفتهم ـ قراءات جديدة ثلاث في حديث الغدير أن ولايتهم (عليهم السلام) من أصول الدين الواحد الذي بعث به جميع الانبياء (عليهم السلام) ولايتهم في التشريع ـ ان الامام هو حقيقة القرآن المكنون وهو الثقل الأكبر أن ليلة القدر نافذة غيبية وقناة ارتباط سماوية لا زالت قائمة مستمرة في عقيدة الإسلام عند المسلمين ـ أن للقرآن منازل ومواطن غيبية هي منال لهم (عليهم السلام) الإمامة القائمة الراهنة للمهدي (عج) في ظل الغيبة نماذج الارتباط الغيبي لأمثال الإمامة في القرآن ـ.

وقد قام بتقرير وضبط هذه المباحث ذو البصيرة المعرفية والنظر النافذ الشيخ صادق الساعدي أدام الله سعيه في نشر العقائد الحقّة لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام).


قم عش آل محمّد (عليهم السلام)    
بجوار كريمة أهل البيت (عليهم السلام)
محمد سند               
الحادي من ذي القعدة ١٤٢٦ هـ. ق 

٧

مقدّمة المؤلّف


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسلام على صفوة الخلق محمّد وآله الهداة المهديين الذين اجتباهم الله وجعلهم صراطه المستقيم وارتضاهم لغيبه واختارهم لسرّه وجعلهم خلفاء في أرضه وحججاً على بريته.

الإمامة هي ضرورة من الضرورات الفطرية ولهذا تجدها في الوجدان لدى عامة المسلمين وتحت ذريعة الضرورة تسارع جمع من الناس لنصب الخليفة ومنعوا مخالفته أو الخروج عليه بزعم انهم خلفاء وألوا امر الذين أمر الله بطاعتهم كما أمر بطاعته وطاعة رسوله وبهذا الزعم انقادوا لهم واتبعوا الملوك الذين تربّعوا على العروش باسم الخلافة الإسلامية كملوك بني اُمية وبني العباس وغيرهم الذين عاثوا بالإسلام فساداً وبالمسلمين قتلاً وتشريداً إلى أن أوصلوا الإسلام والمسلمين إلى ما نراه الآن.. والإمامة هي منصب الولاية في الدين والحاكمية على المسلمين وهل الإمام هو من استطاع الوصول إلى هذه الزعامة والمنصب بأية طريقة كانت حتى لو كان عن طريق سفك دماء المسلمين وانتهاك حرماتهم بل وحتى لو كان انتهاك لحرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهل ضرورة الإمامة مبرر لذلك وهل يعقل أن يلتزم بهذا القول في الإمامة غالبية الأُمّة الإسلامية وفي الحقيقة أنه يترتّب على الإمامة نتائج خطيرة على مستوى العقائد وبقية أبواب الدين ومستوى الأحكام الفقهية ولا اُبالغ لك في القول كما سيتضح ذلك من خلال المباحث الموجودة في صفحات الكتاب الذي بين يديك.

والمنهج في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) لأصل الإمامة يختلف اختلافاً جوهرياً عمّا رسمته المدارس الاُخرى لهذه الحقيقة وكذلك لصفات الإمام.

فالإمامة هي عهد إلهي وجعل ربّاني وتنصيب منه سبحانه وتعالى وهذا صريح

٨
الآيات والروايات قال تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}(١)، وقال تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا}(٢) والإمام له صفات ومقامات خاصة أولها أن يكون معصوماً وهذا ما أشار إليه سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرُكُمْ تَطْهِيراً}(٣) وقوله تعالى: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}.

والإمامة مستمرّة وباقية لا تنقطع {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ}(٤).

وقد جاءت هذه البحوث القيمة التي أفاضها علينا سماحة الأستاذ الشيخ محمد سند (دامت بركاته) لتجلى البصائر عن تلك المقامات للنبي وأهل بيته (عليهم السلام) وبيان وتأثير تلك المقامات في مسيرة الخلق إلى الحقّ والناس في هذه المسيرة على درجات ارتفاع وانخفاض بما لديهم من معرفة تلك المقامات.


صادق الساعدي

١- سورة البقرة ٢: ١٢٤.

٢- سورة الأنبياء ٢١: ٧٣.

٣- سورة الأحزاب ٣٣: ٣٣.

٤- سورة الزخرف ٤٣: ٢٨.

٩
١٠

الفصل الرابع



[image] - مركز الأبحاث العقائدية  الغلوّ والتقصير




١١

الفرقتـان أو
الثلاث المذمومة


ورد في الكتاب العزيز والسنّة المطهّرة ذمّ الغلوّ والتقصير، وكذلك العداوة والضغينة لأصفياء الله وحججه، قال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ}(١)، وقال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ}(٢)، وقال تعالى على لسان المقصّرة في معرفة أصفياء الله: {قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْء إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ}(٣)، وقال تعالى على لسانهم: {مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ}(٤) وأيضاً: {مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ * وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ}(٥) وأيضاً: {فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ}(٦) وأيضاً: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولاً}(٧).

فيبرز القرآن الكريم أهم العوامل الموجبة لجحود الصراط الإلهي وهو قصور معرفة الأُمم بشخصيات الحجج الإلهية واقتصارهم في المعرفة على الحيثية

١- سورة المائدة ٥: ٧٧.

٢- سورة النساء ٤: ١٧١.

٣- سورة يس ٣٦: ١٥.

٤- سورة المؤمنون ٢٣: ٢٤.

٥- سورة المؤمنون ٢٣: ٣٣ ـ ٣٤.

٦- سورة التغابن ٦٤: ٦.

٧- سورة الإسراء ١٧: ٩٤.

١٢
البشرية. وقد أجاب تعالى عن هذا القصور بقوله: {وَقَالُوا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الاَْمْرُ ثُمَّ لاَ يُنْظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ}(١)، أي أنّ أصفياء الله وإن كانت حقائقهم ملكية، إلاّ أنّ صورتهم ولباسهم في الخلقة هي الصورة البشرية.

وقال تعالى في ذمّ الفرقة الثالثة المنطوية على عداوة أصفياء الله: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ}(٢).

والضغينة المنهي عنها في القرآن الكريم هي في مقابل المودّة المأمور بها في كتابه العزيز: {قُلْ لاَ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}(٣).

وقال تعالى: {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذَا لاَ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا * أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا * فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا}(٤)، وقال تعالى على لسانهم: {أَءُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِى شَكّ مِنْ ذِكْرِى بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ}(٥)، و{وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُل مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم}(٦).

أمّا الروايات: فقد روي في زيارته عجّل الله تعالى فرجه الشريف: "الحمد لله الذي هدانا لهذا وعرّفنا أولياءه وأعداءه، ووفّقنا لزيارة أئمّتنا ولم يجعلنا من المعاندين الناصبين، ولا من الغلاة المفوّضين، ولا من المرتابين المقصّرين"(٧).

وفي الزيارة الجامعة: "فالراغب عنكم مارق، واللازم لكم حق، والمقصّر في حقّكم

١- سورة الأنعام ٦: ٨ ـ ٩.

٢- سورة محمّد ٤٧: ٢٩.

٣- سورة الشورى ٤٢: ٢٣.

٤- سورة النساء ٤: ٥٣ ـ ٥٥.

٥- سورة ص ٣٨: ٨ ـ ٩.

٦- سورة الزخرف ٤٣: ٣١.

٧- مصباح الزائر لابن طاووس: ٤٤٤. ط. مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

١٣
زاهق"(١)، وكذلك ما ورد في الصلوات الشعبانية: "اللهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد، الفلك الجارية في اللجج الغامرة، يأمن من ركبها ويغرق من تركها، المتقدّم لهم مارق، والمتأخّر عنهم زاهق، واللازم لهم لاحق"(٢).

وروى الكليني أيضاً في مصحّح محمد بن سنان، قال: "كنت عند أبي جعفر الثاني (عليه السلام) فأجريت اختلاف الشيعة، فقال: يا محمد، إنّ الله تبارك وتعالى لم يزل متفرّداً بوحدانيته، ثمّ خلق محمّداً وعليّاً وفاطمة فمكثوا ألف دهر، ثمّ خلق جميع الأشياء فأشهدهم خلقها وأجرى طاعتهم عليها وفوّض(٣) أمورها إليهم، فهم يحلّون ما يشاؤن، ويحرّمون ما يشاؤن ولن يشاؤا إلاّ أن يشاء الله تبارك وتعالى. ثمّ قال: يا محمّد، هذه الديانة التي من تقدّمها مرق ومن تخلّف عنها محق ومن لزمها لحق، خذها إليك يا محمّد"(٤).

قال المجلسي(٥) في شرح الحديث: والديانة الاعتقاد والمتعلّق بأُصول الدين، من تقدّمها أي تجاوزها بالغلوّ، مرق أي خرج من الإسلام، ومن تخلّف عنها أي قصّر ولم يعتقدها، محِق أي أبطل دينه أو بطل، ومن لزمها واعتقد بها لحق أي بالأئمّة أو أدرك الحقّ، خذها إليك أي احفظ هذه الديانة لنفسك.

وروى المجلسي هذه الرواية عن محمّد بن سنان بطريق آخر مثل ما تقدّم، إلاّ أنّ فيه: "وفوّض أمر الأشياء إليهم في الحكم والتصرّف والإرشاد والأمر والنهي في

١- الفقيه ٢ / ٣٦٨، والتهذيب ٦ / ٩٧ ط. النجف الأشرف.

٢- الصحيفة السجادية.

٣- ليس المراد من التفويض هنا التفويض العزلي الباطل، بمعنى عزل قدرة الباري عن الأشياء ـ والعياذ بالله بل المراد إقدارهم، وهو تعالى أقدر منهم فيما أقدرهم عليه، نظير إيكال قبض الأرواح إلى عزرائيل، وتنزيل الوحي والعلم إلى جبرائيل، ونفخ الصور والإحياء إلى إسرافيل.

٤- أُصول الكافي ١ / ٤٤١.

٥- البحار ٢٥ / ٣٤٢.

١٤
الخلق; لأنّهم الولاة، فلهم الأمر والولاية والهداية، فهم أبوابه ونوّابه وحجّابه، يحلّلون ما يشاء ويحرّمون ما شاء، ولا يفعلون إلاّ ما شاء، عبادٌ مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، فهذه الديانة التي من تقدّمها غرق في بحر الإفراط، ومن نقصّهم عن هذه المراتب التي رتّبهم الله فيها زهق في بر التفريط، ولم يوفِ آل محمّد حقّهم فيما يجب على المؤمن من معرفتهم. ثمّ قال: خذها يا محمّد(١); فإنّها من مخزون العلم ومكنونه".

وروى المجلسي في البحار في باب معرفتهم بالنورانية رواية طويلة في فضائل أمير المؤمنين والأئمّة (عليهم السلام) ومقاماتهم ورتبهم، قال (عليه السلام): "يا سلمان ويا جندب! قالا: لبيك ياأمير المؤمنين صلوات الله عليك. قال (عليه السلام): من آمن بما قلت وصدّق بما بيّنت وفسّرت وشرحت وأوضحت ونوّرت وبرهنت فهو مؤمن ممتحن، امتحن الله قلبه للإيمان وشرح صدره للإسلام، وهو عارف مستبصر قد انتهى وبلغ وكمل، ومن شكّ وعَنَدَ وجَحَدَ ووقف وتحيّر وارتاب فهو مقصّر وناصب"(٢).

وفي صدر الرواية قال صلوات الله عليه مخاطباً إيّاهما: "مرحباً بكما من وليّين متعاهدين، لستما بمقصّرين إلى أن قال (عليه السلام): ـ إنّه لا يستكمل أحد الإيمان حتّى يعرفني كنه معرفتي بالنورانية، فإذا عرفني بهذه المعرفة فقد امتحن الله قلبه بالإيمان وشرح صدره للإسلام وصار عارفاً مستبصراً، ومن قصر عن معرفة ذلك فهو شاكّ ومرتاب"(٣).

وروى الشيخ الطوسي في الغيبة بطريقين(٤)، عن أبي نعيم محمد بن أحمد الأنصاري، قال: "وجّه قوم من المقصرة والمفوضة كامل بن إبراهيم المدني إلى أبي

١- البحار ٢٥ / ٣٣٩ ح ٢١.

٢- البحار ٢٦ / ٦ ح ١.

٣- البحار ٢٦ / ١.

٤- الغيبة: ١٥٩ و ١٦٠.

١٥
محمّد (عليه السلام)، قال كامل: فقلت في نفسي أسأله لا يدخل الجنّة إلاّ من عرف معرفتي وقال بمقالتي. ثمّ سرد الرواية وفيها لقياه بالإمام العسكري وتشرّفه بلقيا الحجّة (عج) معه، ثمّ قال (عج): وجئت تسأله عن مقالة المفوضة؟ كذّبوا، بل قلوبنا أوعية لمشيئة الله، فإذا شاء شئنا، والله يقول: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}(١).. الحديث".

وفي زيارة عاشوراء المعروفة، قال (عليه السلام) تعليماً للزائر: "ولعن الله أمةً دفعتكم عن مقامكم وأزالتكم عن مراتبكم التي رتبكم الله فيها"(٢).

وروى الصفّار بسنده عن الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: "يا أبا حمزة لا تضعوا عليّاً دون ما وضعه الله، ولا ترفعوه فوق ما رفعه الله، كفى لعليّ أن يقاتل أهل الكرّة وأن يزوّج أهل الجنّة"، وكذا رواه الصدوق في الأمالي(٣).

وروى الشيخ في الأمالي عن الأصبغ بن نباتة قال: "دخل الحارث الهمداني على أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث قال لأمير المؤمنين (عليه السلام): وزادني إواراً وغليلاً اختصام أصحابك ببابك. قال: وفيم خصومتهم؟ قال: في شأنك والبلية من قبلك، فمن مفرط غال ومقتصد قال ومتردّد مرتاب لا يدري أيقدم أو يحجم. قال: فحسبك يا أخا همدان، ألا أنّ خير شيعتي النمط الأوسط، إليهم يرجع الغالي، وبهم يلحق التالي.. الحديث"(٤).

وروى السيّد شرف الدين في تأويل الآيات، بسنده عن الصادق (عليه السلام) قال: "قال عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).. وإنّه ليس عبدٌ من عبيد الله يُقصّر في حبّنا لخير جعله الله

١- سورة الإنسان ٧٦: ٣٠.

٢- مصباح المتهجّد للشيخ الطوسي بسنده عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع، عن صالح بن عقبة، عن أبيه، عن الإمام الباقر (عليه السلام).

٣- بصائر الدرجات: ٢٢٣، الأمالي للصدوق: ٢٨٤ ط. قم مؤسسة البعثة.

٤- أمالي الشيخ الطوسي: ٦٢٦ ط قم. مؤسسة البعثة / المجلس ٣٠.

١٦
عنده"(١).

وروى ابن شهرآشوب في المناقب عن الحسن بن عليّ (عليهما السلام) أنّه خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وتشهّد ثمّ قال: "أيّها الناس، إنّ الله اختارنا لنفسه وارتضانا لدينه واصطفانا على خلقه وأنزل علينا كتابه ووحيه، وأيم الله لا ينقصنا أحدٌ من حقّنا شيء إلاّ انتقصه الله في عاجل دنياه وآجل آخرته"(٢). وهو يشير (عليه السلام) إلى انتقاصهم من مقاماتهم التي ذكرها (عليه السلام).

وروى الكليني في الموثق عن عبدالخالق الصيقل، قال: "سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن قول الله عزّوجلّ: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا}(٣)؟ فقال: لقد سألتني عن شيء ما سألني أحد إلاّ من شاء الله. قال: من أمّ هذا البيت وهو يعلم أنّه البيت الذي أمر الله عزّوجلّ به وعَرِفَنا أهل البيت حقّ معرفتنا كان آمناً في الدنيا والآخرة"(٤). ومفهوم قوله (عليه السلام): إنّ المقصّر في معرفتهم لا يكون آمناً في الآخرة.

روى الكليني في الكافي عن ضريس الكناسي، قال: "سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول وعنده أُناس من أصحابه ـ: عجبت من قوم يتولّونا ويجعلونا أئمّة ويصفون أنّ طاعتنا مفترضة عليهم كطاعة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثمّ يكسرون حجّتهم ويخصمون أنفسهم بضعف قلوبهم، فينقصونا حقّنا ويعيبون ذلك على من أعطاه الله برهان حقّ معرفتنا والتسليم لأمرنا! أترون أنّ الله تبارك وتعالى افترض طاعة أوليائه على عباده، ثمّ يخفي عنهم أخبار السماوات والأرض..."(٥).

١- تأويل الآيات الظاهرة / السيد شرف الدين الحسيني الاسترابادي: ٤٣٩ ـ سورة الأحزاب.

٢- نور الثقلين / الحوزي ٤ / ٤٧٤.

٣- سورة آل عمران ٣: ٩٧.

٤- الكافي ٤ / ٥٤٥، وفي تفسير العياشي في ذيل الآية.

٥- الكافي ج ١، كتاب الحجّة ـ باب أنّ الأئمّة (عليهم السلام) يعلمون علم ما كان وما يكون.. الحديث ٤، والبصائر: ١٢٤ و ١٢٧ الطبعة الثانية.

١٧
١٨
كتاب الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) - (ج ٢) لـ صادق الشيخ محمّد رضا الساعدي (ص ١٩ - ص ٣٣)

١٩

جدلية الغلوّ والتقصير
في قول بعض أعلام الطائفة


وسيأتي جملة عديدة من أقوال علماء الطائفة في أبواب الفصول اللاحقة حول التفويض، إلاّ أنّا سنشير إلى نبذة وجملة نافعة، منها ما قاله الشيخ المفيد في شرح اعتقادات الصدوق عند قوله: اعتقادنا في الغلاة والمفوّضة، وإنّ علامة المفوّضة والغلاة وأصنافهم نسبتهم المشايخ والعلماء إلى القول بالتقصير... قال: والغلاة من المتظاهرين بالإسلام، هم الذين نسبوا أمير المؤمنين وذرّيته إلى الإلوهية والنبوّة إلى أن قالـ وأمّا نصّه (رحمه الله) أي الصدوقـ بالغلوّ على من نسب مشايخ القمّيين وعلمائهم إلى التقصير، فليس نسبة هؤلاء القوم إلى التقصير علامة على غلوّ الناس; إذ في جملة المشار إليهم بالشيخوخة والعلم من كان مقصّراً، وإنّما يجب الحكم بالغلوّ على من نسب المحقّين إلى التقصير، سواء كانوا من أهل قمّ أم من غيرها من البلاد وسائر الناس.

وقد سمعنا حكاية ظاهرة عن أبي جعفر محمد بن الحسن بن الوليد لم نجد لها دافعاً في التقصير، وهي ما حكي عنه أنّه قال: أوّل درجة في الغلوّ نفي السهو

٢٠