×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

رسائل الشعائر الحسينية (ج 03) / الصفحات: ٢١ - ٤٠

وأخبره الأسديّان بقتل مسلم وهانئ بن عروة، وجرّهما في الأسواق(١).

كلّ هؤلاء سألوه الإمساك عن المسير؛ لما عرفوه من طبائع أهل العراق، ونفاقهم، لكنّه صلوات الله عليه:

[من البسيط]


رأى بأنّ سبيلَ الغيِّ متبعٌوالرَّشدَ لم يدرِ قومٌ أيّةَ سَلكا
والناسُ عادت إليهم جاهليّتُهُمكأنّ من شرَّعَ الإسلام قد أفِكَا(٢)
وقد تحكَّم بالإسلام طاغيةٌيُمسي ويُصبح بالفحشاء مُنهمكا
العاصرُ الخمر من لُؤمٍ بعنصرهومن خَساسة طبعٍ يَعصر الودكا(٣)
لئن جَرَت لفظةُ التوحيد في فَمهِفسَيفُهُ بسِوَى التوحيدِ مافَتَكا
قَد أصبح الدِّينُ منه يَشْتكي سَقَماوما إلى أحَدٍ غَيْرَ الحُسَيْنِ شَكَا
فما رأى السبطُ للدِّينِِ الحنيفِ شِفاًإلّا إذا دمُهُ في كربلا سُفكا
وما سَمعنا عليلاً لا علاجَ لهُإلّا بنفس مُداويهِ إذا هَلكا
بقتلهِ فاح للإسلامِ نَشْرُ هُدىًفكلّما ذَكَرته المُسلمونَ ذكا
وصانَ سترَ الهُدى عن كُلِّ خائنةٍسترُ الفَواطم يومَ الطّفِّ إذ هُتِكا
نَفسي الفداءُ لفادٍ شرعَ والدهِبنفسهِ وبأهليهِ وما مَلَكا

١- تاريخ الطبري ٤: ٢٩٩.

٢- أفك: كذبَ.

٣- ودك الميتة: ما يسيل منها.

٢١

قد آثرَ الدِّين أن يحيَى فقحَّمَها(١)حيثُ استقام القنا الخطِّيُّ(٢) واشتبكا(٣)

فبإقدامه صلوات الله عليه ذلك كشف للعامّة ما انطوت عليه صدور القوم؛ من الضغن الجاهليّ، والإحن الكفريّة، وإنكار الرسالة، وإعادة الأدوار الوثنيّة، وما كانوا عليه من القسوة والفظاظة.

وكشف بذلك ما دارت به ألسنتهم عمّا كان يدور في خَلَدِهم منذ اقتضت الظروف والأحوال أن يسالموا المسلمين على مبادئهم وتعاليمهم؛ حقناً لدمائهم، وصوناً لأنفسهم وأموالهم.

فهو سلام الله عليه بين تلك الثنيّات(٤) استلفت الأنظار إلى الطريقة المُثلى؛ من ذكرى آل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وسلفهم، وتعاليمهم، وشرائعهم، وحكمهم، وأحكامهم.

فعُرف المحقّ من المبطل، وتميّز الخبيث من الطيّب، فشُظَّتْ(٥) جامعةُ من كان يناوئهم، وتفرّقت شَعاعاً، فهل تسمع اليوم عنهم ركزاً؟ أو تبصر باقية؟!

١- قحّم نفسهُ في الأمر: رمى نفسه فيه فجأةً بلا رويّة.

٢- القنا: الرماح، والخطّ: مرفأ السفن بالبحرين، وإليه تُنسب الرماح، لأنّه مبيعها لا منبتها.

٣- من قصيدة للسيّد جعفر الحلّي(رحمه الله)، انظرها في ديوانه (سحر بابل وسجع البلابل): ٣٨٣ ـ ٣٨٤.

٤- الثنيّات: جمع الثنيّة، وهي طريق العقبة.

٥- أي: فُرّقت وطردت.

٢٢
والحسين سلام الله عليه طَرَّق(١) بنهضته هذه السبيل لمن بعده، واستفزَّ الهممَ، واستثار العزائمَ، لأنّ الناس كانوا ـ منذ وضعت الحروب أوزارها من بعد أمير المؤمنين(عليه السلام)، وأنَّ معاوية كان يتتبّع أضداده من الشيعة، فكان يُودِي بهم(٢) تحت كلّ شجر ومَدَر ـ كانوا قد أطار أعينهُم الرعبُ، واستحكمت الرهبةُ في أفئدتهم.

فما كان يدور في خَلَدِ أحدهم أنّ مَلِكاً طَنَّبَتْ سلطتُهُ في أكثرِ القارّات، ومَدَّ رِواقَ سلطانِهِ على البلاد، وقد حَبَاهُ أبوه ذلك الجاه العريضَ، وبايعه عليه زعماء الأمصار، وهو لا يرقب في أضداده إلّاً ولا ذمّة.

ما كان يدور في خَلَدهم أنّه يتسنّى لأيّ ثائرٍ أن يناوئَهُ.

لم يَمْحُ ذلك الجُبْنَ ـ المسيطرَ على القلوب ـ إلّا بطلُ التأريخ، رجلُ البسالة، حسينُ الإباء والمجدِ والشرفِ.

فعرفوا أنّ من المستطاع مناجَزةَ متغلّبٍ كهذا.

كلمة في التمثيل:

لسنا في أمر التمثيل ببدعٍ من الأُمم، فلم تبرح ـ في أجيالها وأدوارها ـ مولعةً بتجسيم القصص الغابرة التي لها أهمّيّة في التأريخ.

والروايات المهمّة عاطفة على ذلك؛ حرصاً على إظهار فوائدها، وبثّ

١- طَرَّقَ السبيلَ: جعله طريقاً.

٢- يُودي بهم: يهلكهم ويقتلهم.

٢٣
روحها التي من أجلها قام رجال الحزم بشؤونها وخصوصيّاتها، أو أنشأ رواياتها رجال عارفون.

إنّ أوّل مخترع للتمثيل >الهنود<؛ لما أوعزنا إليه من الحرص على تجسيم الحقائق بصورة معقولة تَرْسَخُ في القلوب، وترتسم فيها.

ذلك أنّ الفتاوى المجرّدة ـ مهما بلغ الإذعان بها، والوثوق بقائلها ـ فإنّها في حدّ اليقين، دون أن تكون مقرونة بآثارها الخارجيّة؛ من عاقبة محمودة، أو مغبّة وخيمة، فهي دلائل إنّيّة(١) على حقيقتها.

وفوق هذا المقام؛ أن يقف على نفس الحقيقة، يكون شهيداً عليها بالعيان.

وحيث إنّ هذا الموقف حَرِجٌ غايَتُهُ ـ في مَن تأخّر عن الواقعة، أو مطلقاً؛ كما في الروايات المُنشأة ـ فأقرب المجازات ـ أو قل: هي مرتبة نازلة عن تلك الحقائق ـ أن يقف على تجسيمها على ما هي عليها من مزايا وخصوصيّات.

كأنّ الواقف عليه ـ إذاً ـ يرى أنّ زيداً عمل كذا، فنال حظوةً بإثره، أو اقتحم في كذا، فعقّب ذلك ندماً، فينكفئ ـ إذاً ـ وهو مذعن بها إذعاناً لا يبارح العمل، أو العزم عليه على الأقلّ.

وحَسْبُ التمثيل بذلك أثراً كريماً باهراً.

١- الدليل الإنِّي: هو الدليل الذي يَدُلُّ على المعلول من خلال عِلَّته.

٢٤
ثم تلقّاه عنهم الأوروبيّون، وحفلوا به ذلك الاحتفال الذي لم يدع صُقْعاً من أصقاعهم إلّا والتمثيل قلادةُ جيدِهِ، وغُرَّةُ جبينه؛ لِما شهدوا منه من قوّة الحجّة، وكرامة البحث توسّعوا في التمثيل ـ حَسَبَ اختلاف غاياتهم، وتَشَعُّب مغازيهم ـ بإقامته لجهات أخلاقية، أو فنون سياسيّة، أو شؤون علميّة، أو نكات أدبيّة، أو لطائف فكاهيّة، أو نزعات غراميّة.

ربّما أتوا بالأخير ترويحاً للخواطر، وتشحيذاً للأذهان، ولئلاّ يكونوا قد بهظوها بما يثقل عليها ـ من الأفكار العلميّة ـ فتسكن إليه النفس، وترتاح إلى اُنسياته، فتنشرح إلى غايات أخرى مهمّة.

اتّخذت الساسة ورجال الممالك الكبار التمثيل من أكبر العوامل لبثّ سياساتهم، فأفرغوه في قالب التفرُّج؛ جلباً لقلوب العامّة، فتهارعت إليه حسب اختلاف المرامي والنزعات ـ ولو لغايات طفيفة؛ من تفرّج ونحوه ـ فيصدرون ومِلءُ صدورهم علمٌ وسياسةٌ وأدب قد طرقن أحشاءهم وهم لا يشعرون.

ثم إنّ أمر التمثيل لم يبرح متسرّباً من فئة إلى فئة، وكلُّ عُصبةٍ يحفلُون بمقدمه، ويرحّبون به، ويتّخذونه وسيلةً إلى نيل غاياتهم، وما يتوخّون إنفاذ روحه في مجاسد(١)القلوب، حتّى تسالمت عليه الأُمم والشُّعوب.

١- مجاسِد: جمع مِجْسَد، وهو الثوب والقميص المصبوغ بالصبغ الأحمر.

٢٥
ربّما غالط القاصرون؛ بوجود غايات قبيحة في بعض التَّشبيهات، وأنّ المنبثّ فيه هو روح الفساد.

لكنّ الذي احتَقَبَ(١) ذلك الحُوبَ(٢) هو من زَفَّهُ بتك الأطْمارِ(٣)، وصَبَّهُ في بوتقةٍ(٤) غير معتدلة، وهو المخاطب والمعاتب في ذلك.

ولا يمسُّ شيءٌ منها بكرامة التمثيل، وقوّته في الحجّة، ولا تتحوَّبُ بها حقيقته الراهنة.

ولذلك لم يحد عنها جيل، ولا استنكرتها أُمّةٌ، وإلى اليوم يأتون أهل السُّنّة في كلّ عام؛ من مصر ـ بتصديق من ملأهم، وإيعاز من جامعتهم وعلم من علمائهم ـ بشبيه هودج أم المؤمنين عائشة؛ بكلّ حفاوة واحتفال، قد اكتنفته الخيل والسلاح، مكسيّاً بالحلل المثمنة، والموسيقيُّ يعزف أمامه حتّى يرد مكّة.

ولم يردّ ذلك عليهم أحد، ولا كاشفهم عليه من يقام له وزن من فرقهم، عدا ما صدر في هذا العام من بعض مَن لا يعرف من الدين موضع قدمه، لكنّه ما فتئ حتّى التجأ إلى الإصلاح ـ بتقديس ذلك الشبيه ـ لما شاهد من

١- أي: جمع، واحتقب الشيء: احتمله خلفه.

٢- أي: الإثم.

٣- الأطمار: جمع الطِمْر، الثوب الخَلَق.

٤- البُوتقة: الوعاء الذي يذيب فيه الصائغ.

٢٦
تهالك الجند المصريّ وتفانيهم في سبيل مشروعهم، وخشي عاقبة الأمر، وأنّ بنادق المصريّين قضت على بضعة نفوس منهم(١).

وإلى الأمس كانوا يأتون بالمحمل الشاميّ ـ شبيه محمل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ مقدّساً معظّماً(٢).

والنصارى لم تبرح عاكفةً على صُلبانها، وهو تمثيل للمسيح مصلوباً ـ في مزاعمهم ـ أو الخشبة التي صُلِبَ عليها، وهو من أكبر مقدّساتهم.

وكأنّهم يريدون بذلك أن تكون مظلوميّة المسيح قيد نظرهم، ورهن ذاكرتهم، فينشأ على ذلك وليدهم، ويتمرّن عليه ناشئهم، فيكون كلّ فرد منهم متأهّباً للوثوب والانتقام من أعدائهم ريثما اقتضت الظروف والأحوال، ويستمرّ على ذكرى المسيح، ومساعيه، وتعاليمه.

ولقوّة الحجّة في التمثيل، وظهور البيان؛ ما يصنعونه من تماثيل الرجال ممّن عمد إلى إصلاح أمّة، أو تنظيم قارّة، أو اكتشاف باهر، فيَصُبُّونَ له تمثالاً من نحاس، أو حديد أو غيرهما؛ وذلك إخلاداً لذكرهم، وتذكيراً

١- [أشرنا إلى هذه الواقعة في تعليقنا على رسالة >المواكب الحسينية< للشيخ عبد الله المامقاني (ت١٣٥١هـ)، (المطبوعة ضمن هذه المجموعة)٢٣٥:٢، نقلاً عن مقالة >أزمة سياسيّة بين مصر والسعودية بسبب محمل الحجّ< بقلم إبراهيم كامل. >الحسّون<].

٢- [بيّنا هذا مفصّلاً في تعليقنا على رسالة >المواكب الحسينيّة< للشيخ عبد الله المامقاني (ت١٣٥١هـ)، (المطبوعة ضمن هذه المجموعة أيضاً)٢٣٦:٢ ، نقلاً عن كتاب >دمشق في مطلع القرن العشرين< لمؤلّفه أحمد حلمي العلّاف. >الحسّون<].

٢٧
بمآثرهم، وترغيباً للعامّة إلى مثل مساعيهم.

ولما ذكرناه ـ من كرامة التمثيل في الحُجَّة ـ أنّه لمّا كان من أمر الحسين(عليه السلام) ما كانَ، ضجّت الملائكة إلى الله بالبكاء، وقالت: يُفعل هذا بالحسين صفيّك وابن صفيّك وابن نبيّك؟ فأقامَ الله لهم ظِلَّ القائم(عليه السلام)، وقال: >بهذا أنتقم لهذا<، رواه في >أُصول الكافي<(١) وغيره؛ بالإسناد عن أبي عبد الله(عليه السلام).

أخذت الشيعة التمثيل من أولئك الأقوام، فطفق يتهادى بينهم بمطارف في مذهبيّة، وحُلَل اجتماعيّة.

وكان له ـ بينهم ـ دورٌ مهمٌّ، ودَويٌّ سائر في كلّ عام، وذلك بمرأىً ومسمع من علمائهم.

وهو باق على أصالة الإباحة الحاكمة في كلّ ما لم يرد فيه نهي، وهي الأصل المسلّم عندهم في كل ما لا نصَّ فيه.

وإن تعجب فعجبٌ ـ بعد ذلك كلّه ـ قول من يطالب بدليل شرعيّ على جواز التمثيل.

وقد ذهب عليك ـ يا هذا ـ أنّ الذي يجب أن يُطالَب بدليله هو التحريم، اللّهمّ إلّا أن تتنكّب عن جَدَد السبيل في المسألة، لكنّك إذاً

[من الخفيف]

١- الكافي ١: ٤٦٥، ح٦. وانظره في أمالي الطوسي: ٤١٨، ح٩٤١.

٢٨

رُمْتَ أَمراً مِن دُونِ إِثباتِهِ الوَيْــلُ وَحَزُّ المُدَى وخَرْطُ القَتادِ

وأمّا الكلام في باب الرجحان والاستحباب؛ فقد عرف المتبصّر الناقد أنّ الغاية من التشبيهات الحسينيّة هو تذكير المسلمين بما وقع هنالك؛ من ظلم واضطهاد، وقتل، ونهب، وأسر، وهتك لحرمات الله، ومسّ بكرامة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، واستئصالٍ لشأفة العترة الطاهرة(عليهم السلام)، وما ظهر منهم؛ من مظاهر الإباء والحميّة الدينيّة، وجهاد في سبيل الله، وكرم في الأخلاق، وثبات في الجأش، ونضال باهر، ونِزال موصوف، وموقف كريم حمدته الحرب، وحفظه التأريخ، وتهشّ إليها أفئدة الشيعة وقلوبهم، وتستدرّ لها دموعهم، وتؤكّد بها عُرى المودّة في القربى فيهم، ويقفون بذلك على ما في شؤون الآل وأطوارهم تلك؛ من أخلاق كريمة، وتعاليم راقية.

وتبعثهم تلك الأحوال إلى العلم بما للحسين(عليه السلام) من يدٍ في الدين واجبةٍ، ومساعٍ مشكورةٍ ـ حسب ما قرّرنا شطراً منه في صدر هذه الرسالة ـ والسِّرِّ في إقدامه صلوات الله عليه ذلك الإقدام الباهر في سبيل الدين، وإعمالِهِ تلك الفلسفة الراقية، وإلى العلم بمبلغ أعدائهم من الدين، وما كانوا عليه من الحقد الكامن عليه، وانتهاز الفرص لإدراك ثارات بدر، والتواثب لشفاء صدورهم من محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلّم ـ وعترته، هنالك يعلم أنّ:

[من الطويل]

٢٩

بأسياف ذاك البغي أوّلَ تسلِّها(١)

ينكفئ الشيعيّ عن موقفِ التَّشبيهِ وقد بكى، ولان قلبُهُ، وتأكّدت علائقُ الولاء بينه وبين أئمّته، ووقف على علوم غزيرة من دينه وتأريخ سادته، وقد أدّى أجر الرسالة، وحضر مشهداً يُحيى فيه أمرُ آل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) و>عَلِمَ من أين تؤكل الكتف<(٢)، وممّن يتلقّى الدِّينَ، فيحوز بكلٍّ من تلك العناوين أجرَهُ المعدّ له، ويُعدُّ ممتثلاً للأوامر الواردة فيها.

والمقيم لتلك التشبيهات له ـ بكلّ من تلك الغايات ـ أجرٌ وذكرٌ، فعمله مشمول إطلاقات كثيرة، كقولهم(عليهم السلام): >أحيوا أمرنا<(٣)، وما ورد في تحبيبهم وتثبيت قلوب شيعتهم، والبكاء والإبكاء عليهم، والحزن

١- صدرُ بيتٍ لابن هاني الأندلسي كما في ديوانه: ٣٢٥، وعجزه:

أصيب عليٌّ لا بسيف ابن ملجمِ

وهو البيت ١٣٥ من قصيدته الميميّة العصماء ذات المائتي بيت، والتي مطلعها:


أصاخَت فقالت: وقعُ أجرَدَ شيظَموشامَت فقالت: لمعُ أبيضَ مِخدَمِ

٢- مثل يضرب للداهي الذي يأتي الأمور من مأتاها، لأنّ أكل الكتف أعسر من أكل غيرها. انظر مجمع الأمثال ١: ٤٢، المثل١٦٤ >إنّه ليعلم من أين تؤكل الكتف<، ٢: ٤٢، المثل٢٥٩٣ >أعلمُ من أين يؤكلُ الكتف< ٢: ٥٢، المثل٢٦٣٩ >أعلم من أين يؤكل الكتف<.

٣- قرب الإسناد: ٢٦، ح١١٧، مصادقة الإخوان: ٣٢، ح١، مستطرفات السرائر: ٦٢٦، ثواب الأعمال: ١٨٧.

٣٠
لحزنهم(عليهم السلام)(١)، إلى غيرها من العناوين الشريفة التي أثبتها أئمّتنا صلوات الله عليهم في أحاديثهم.

ولو لم تكن؛ لكنّا في غنىً من آثار شريفة، وغايات كريمة تعيد للدّين جِدّتهُ في كلّ عام.

وها هنا حديث شريف رواه رضيّ الدين ابن طاووس في >مصباح الزائر< عن مولانا الصادق(عليه السلام) في الأمر بزيارة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من بعيد، فقال(عليه السلام): إنّه يسمعك من قريب، ويبلغه عنك من بعيد، فإذا أردت ذلك؛ فمثّل بين يديك شبه القبر، واكتب عليه اسمه ـ وتكون على غسل ـ ثم قم قائماً وقل(٢): الحديث... وذكر زيارته مفصّلة.

وهذا أمر بإيجاد الشبيه ببعض صوره.

ويكفي في إثبات الطبيعة ثبوت بعض أفرادها، اللهم إلّا أن يرد النهي عن بقيّة الأفراد، وأين وأنّى؟

ليس من شرط التشبيه أن يكون المشبّه والمشبّه به من سنخ واحد، أو من أهل طبقة واحدة، فإنّ الغاية منه إظهار ما في المقام؛ من حكمة باهرة، أو حقيقة ناصعة، والتّسانُخُ لا مدخل له في ذلك، وإنما يستنتج ذلك من

١- انظر: وسائل الشيعة ١٤: ٥٠٠ ـ ٥٠٩، الباب٦٦ >استحباب البكاء لقتل الحسين وما أصاب أهل البيت(عليهم السلام) وخصوصاً يوم عاشوراء واتّخاذه يوم مصيبة، وتحريم التبرّك به<،
١٦: ٣٤٥ ـ ٣٤٨، الباب٢٣ >استحباب تذاكر فضل الأئمّة وأحاديثهم وكراهة ذكر أعدائهم<.

٢- مصباح الزائر: ٦٦، وانظره في إقبال الأعمال ٣: ١٢٣، ومزار الشهيد: ١٠.

٣١
رسائل الشعائر الحسينية » مجموعة من العلماء » (ص ٣١ - ص ٦٠) الوجود الخارجيّ محضاً، فربما يمثّل المعقول بالمحسوس.

فإذ يريد سبحانه تأكيد البيان ـ لأهل الموقف؛ لدوام النعيم المقيم، وأبديّة عذاب الجحيم، وأنّ الموت قد انقطعت علائقهُ، فلا يستريح أحد من عذاب النار، فهي حياة أبديّة، إمّا بحبور دائم، أو شقاء خالد ـ فإذ يريد سبحانه ذلك؛ يؤتى بالموت في صورة كبش، فيُذبح بين الجنّة والنار، فهناك تطمئنّ قلوب، وتغلي في حسراتها أخرى(١).

وحيث يريد أن يعرب عن مقام القرآن وعظيم محلّه؛ يحشره ـ يوم القيامة ـ في صورة شابّ حسن قد بهر الموقف حُسْنُهُ وجمالُهُ، فيشتبه على الناس أنّه نبيّ مرسل، أو ملك مقرَّب، فيؤذَّنُ فيهم: أنّه القرآن بحقائقه وشؤونه، فتجنح إليه قلوب من عمل به، واقتفى أثره، وتثلج صدورهم، ويتقلّب في سرحاته من حاد عنه في دنياه، وزاغ عن أوامره؛ لما يتجلّى لهم من حقيقة ما طرق أسماعهم عن أئمّة دينهم: أنّ القرآن شافع مشفّع، وماحل مُصَدَّق(٢).

وورد في الأحاديث(٣) تجسيم جملة من الأعمال والأيّام ـ كيوم

١- انظر: كتاب الزهد: ١٠٠، ح٢٧٣، وتفسير علي بن إبراهيم ٢: ٥٠، والسنن الكبرى للنسائي ٦: ٣٩٣، ح١١٣١٧، والمعجم الكبير ١٢: ٢٧٧.

٢- الكافي ٢: ٥٦٩ ـ ٥٨٩، ح١ من كتاب فضل القرآن.

٣- في بحار الأنوار ٧: ٢٨٨ قال: قال الشيخ البهائي قدس الله روحه: تَجَسُّمُ الأعمال في النشأة الأخرويّة قد ورد في أحاديث متكثرة من طرق المخالف والمؤالف.

وقال المازندراني في شرح أصول الكافي ٨: ٢٨٣ ـ عند شرح قوله >إذا دخل المؤمن في قبره كانت الصلاة عن يمينه< ـ : دلّ ظاهره على تجسّم الأعمال والأخلاق، والروايات الدالّة على تجسّم الاعتقادات أيضاً كثيرة.

٣٢
>الغدير< وغيره(١) ـ يوم القيامة، حيث يريد ـ جلّت قدرته ـ التنويه بعظيم محلّها، وتثبيت القلوب، وتبشير المؤمنين بما وعدهم من مثوباتها.

وكثيراً مّا يشبّه العالي بالداني، فقد تشبّهتِ الملائكةُ بأمير المؤمنين(عليه السلام) في غزاة بدر؛ حين رأى ـ جلّت عظمته ـ إظهارَ مقامِهِ صلوات الله عليه وإثباتَ رُعْبِهِ، والخَوفِ منه في قلوب الكفار؛ تأييداً للدين، فكان كلّ صريع يقول: صرعني عليّ، وكلّ أسير: أسرني علي(٢).

ومن مسلّمات الأحاديث: أنّ أمين الوحي وسيّد الملائكة ـ جبرئيل ـ كان يتشبّه كثيراً بدحيَة الكلبيّ(٣)، ودحيةُ رجل من سائر المسلمين.

ولمّا أراد اليهودُ صَلْبَ المسيح؛ ألقى الله تعالى شبهاً منه على >يهوذا الإصطخربوطيّ< وهو الذي كان يَنُمُّ على المسيح، ويَدُلُّ عليه الأعداء ليقتلوه، فقُتِلَ يهوذا ـ صلباً ـ بشبَه المسيح، إذ شبّهه الله سبحانه ـ وهو ألعن

١- في إقبال الأعمال ٢: ٢٦٠ عن الرضا(عليه السلام): إذا كان يوم القيامة زفّت أربعة أيّام إلى الله كما تزفّ العروس إلى خدرها... يوم الأضحى ويوم الفطر ويوم الجمعة ويوم الغدير... الحديث.

٢- انظر: الفصول المختارة: ٢٩٤ ـ ٢٩٥، ومناقب ابن شهرآشوب ٢: ٧٩.

٣- انظر: أوائل المقالات للمفيد: ٢٨٨، وفيض القدير للمنّاوي ١: ١٢٩.

٣٣
أهل ذلك العصر ـ بنبيّه لغرض صحيح؛ من إنجاء المسيح(عليه السلام) وتعذيب عدوّه بالقتل، وهو قوله سبحانه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾(١)، وليس في ذلك شيء يَمَسُّ بكرامة المسيح.

﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾(٢)، فهذا روح الله ورسوله، انظر كيف تمثّل لها كأحدٍ من البشر؟

بل في بعض روايات أهل السُّنّة أنّه تمثّل برجل شقيّ كان يسمّى تقيّاً(٣).

وفي أحاديثنا: أنّ الملائكة لمّا اشتاقت إلى زيارة أمير المؤمنين(عليه السلام) ولم يكن يسعهم الهبوط في كلّ وقت إلى الأرض، لذلك جعل الله سبحانه في السماوات مثالاً له تلوح عليه مظاهر الجلال والجمال، فتأتيه الملائكة ـ زرافات ووحداناً ـ فتزوره، وتسكن إليه، وتأخذ لُبانتها(٤) من رؤيته، وتستحكم فيهم ـ بذلك ـ عُرى حبّه وولائه، فيصيبها أجر الموالاة

١- النساء: ١٥٧.

٢- مريم: ١٦ ـ ١٩.

٣- روح المعاني ١٦: ٧٧.

٤- اللُّبانة: الحاجة.

٣٤
والزائرين(١).

ولمّا ضربه ابن ملجم بالسيف على رأسه؛ بدت لها ـ في محلّ الضربة منه ـ شجّة، وذلك إعلاماً للملائكة بمظلوميّة أمير المؤمنين(عليه السلام)، وما وقع عليه في فادح المصاب، وجليل الرُّزء، فتستاء لذلك، وتلعن من اعتدى عليه، وتُؤجر أجْرَ أهل الأسى والمستائين لله، ولِمَا أصيب به وليّ الله صلوات الله عليه(٢).

وإذ شاء ـ عظمت منّته ـ التنويه للملائكة بمقام المؤمنين، وتعريفها لحقائق أعمالهم وشؤونهم؛ جعل لكلّ واحد منهم في العرش مثالاً، فإذا اشتغل العبد بالركوع والسجود فعل مثاله مثل ذلك، فعند ذلك تراه الملائكة فيصلّون عليه، ويستغفرون له، وإذا اشتغل بالمعصية أرخى الله على مثاله ستراً.

روي ذلك عن مولانا الصادق(عليه السلام)(٣).

١- عيون أخبار الرضا(عليه السلام) ١: ١٣٩، ح١٥، مائة منقبة: ٣٣، المنقبة ١٣، كنز الفوائد ٢٦٠، مناقب ابن شهرآشوب ٢: ٧٣.

٢- المحتضر: ٢٥٥ ـ ٢٥٦، ح٣٤٢. وفيه: قال أبو عبد الله(عليه السل: فلمّا ضربه اللعين ابن ملجم على رأسه صارت تلك الضربة في صورته التي في السماء، فالملائكة ينظرون إليه غدوة وعشية، يلعنون قاتله ابن ملجم.

٣- في مفتاح الفلاح: ١٥٦ عند قوله(عليه السلام): >يا من أظهر الجميل وستر القبيح<، قال: روي في تأويله عن الصادق(عليه السلام) أنّه قال: ما من مؤمن إلّا وله مثال في العرش. فإذا اشتغل بالركوع والسجود ونحوهما فَعَل مثالُهُ مِثلَ فعله، فعند ذلك تراه الملائكة فيصلون ويستغفرون له، وإذا اشتغل العبد بمعصية أرخى الله على مثاله ستراً لئلا تّطلع الملائكة عليها.

٣٥
ولمّا أراد ـ عظم برهانه ـ أن يُبيّنَ للأُمَّةِ شيئاً من جليل خطر الحسن والحسين(عليهما السلام)، وأنّهما مابَرِحا بعين الله في سائر أحوالهما، وقد انتهى بهما السير إلى حديقة بني النجّار فناما هنالك، فأخذ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ورهطه في طلبهما حثيثاً، فوقفوا عليهما وهما نائمان، وقد أحدق بهما مَلَكانِ قد تشبَّهَا بثُعبانين يحرسانهما(١).

وروى السيّد الجزائريّ في >الأنوار النعمانيّة<: أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) جاء إلى ولده الحسين صلوات الله عليه ـ بعد أن انجلت عنه الغبرة، وهو وصحبه مُلْقَون على وجه الصعيد ـ بصورة الأسد، فأتاه وجلس عنده وبكى عليه(٢).

ولا تنس نبأ ضيف إبراهيم ـ وهم الملائكة ـ قد تمثّلوا كآحادٍ من البشر، ونزلوا عليه، ثم ذهبوا عنه ليدمّروا على قوم لوط ديارهم، ونزلوا على لوط كذلك، وقد تكفَّل القرآن المجيد بحديثهم(٣).

١- أمالي الصدوق: ٥٢٨ ـ ٥٣١، ح٧١٧، روضة الواعظين: ١٥٨ ـ ١٥٩، مناقب ابن شهرآشوب ٣: ١٩٠، الروضة: ٨٨، ضمن الحديث٧٩ وهو حديث الأعمش والمنصور العبّاسي.

٢- الأنوار النعمانيّة ٣: ٢٤٩ ـ ٢٥٠، >نورٌ في بعض أحوال واقعة الطفوف<.

٣- الحجر: ٥١ وما بعدها.

٣٦
ولا تذهب عليك قصّة باب الثُّعبان من مسجد الكوفة حين أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) كان يخطب ـ والمسجد غاصّ بحشد أصحابه ـ فتطلّع من باب المسجد ثعبان، فتخطّى الناس حتّى انتهى إليه، وأمرهم(عليه السلام) أن يفرجوا له، فأنهى إليه ما لقيه من عَدَاءِ من قِبَلَهُ من متغلّبي قومه، فأصاخ صلوات الله عليه إليه، وكشف ما به من غمّة، ثم انكفأ عنه، فأخبر(عليه السلام) أنّه من مؤمني الجنّ أتاه يشكو إليه بثّه وحزنه(١).

فسمّي الباب: باب الثعبان، لما ظهرت منه من المعجزة الباهرة.

ثم لمّا آل الأمر إلى بعض متغلّبي مَن بعده(عليه السلام) رَبَطَ تجاه الباب ـ رَدْحاً من الزمن ـ فيلاً؛ إنساءً لذلك الاسم، وإبطالاً لتلك المعجزة، فسمّى: باب الفيل(٢)، ﴿وَيَأْبَى اللّهُ إِلّاَ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾(٣).

إذاً فلا تحفل بتهويل من يحادّ الله؛ بإبطال الشعار الحسينيّ صلوات الله عليه، بأنّ تشبيهات يوم الطفّ تمثيلَ رجالِ الدين العظام برجال عاديّين.

أروني ماذا الذي يدلّ على تحريم ذلك من الدين؟

وهل يقول المتشبّه: إنّه هو بعينه، فيمسّ بكرامة المشبّه به؟

أم إنّه يريد تمثيلَ تلك الفاجعة فحسب، لكي يكون المسلمون على ذكرٍ من فوادحها، وفوائدها، ومساعي صاحبها في سبيل الدين، وحفظ

١- الكافي ١: ٣٩٦، ح٦، بصائر الدرجات: ١١٧، ح٧، روضة الواعظين: ١٢٠، الخرائج والجرائح ١: ١٨٩، ح٢٣، العقد النضيد: ٢٠ ـ ٢١، الإرشاد ١: ٣٤٩.

٢- انظر: منهاج الكرامة: ١٧٣، وبحار الأنوار ٩٧: ٤٠٦.

٣- التوبة: ٣٢.

٣٧
شرف المسلمين، فتكون غضّة على مرّ الدهور، فيحتذون مثاله في أعماله، وشؤونه، وإبائه، فلا تتقاذف بهم الأهواء أنّى شاءت.

وما يقال: من أنّ ذلك يوجبُ سخريّةَ أعداء الدين، لاسيّما إذا وقع بين ظهرانيهم في بلاد تكثر فيها الأخلاط منهم، كالبصرة وبغداد وأشباههما.

فإن أصاخ المتديّن في أعماله إلى هُزْء المستهزئين ـ الذي هو آية المباينة في الدين ـ لزمه التسلّل والنُّكوص عن كثير من أحكام دينه، ممّا تعزب عن البسطاء حكمه ومصالحه، فلا يحفلون به إلّا بالسخرية والازدراء، كالحجّ الذي ما برحت أعماله سخرية الساخر ـ منذ شُرعت ـ حيث لم يبلغ بهم العلم إلى فلسفة تلك الأحكام، وغاياتها الراقية، وهذه كتب غير المسلمين حافلة بالازدراء بها.

وقد ورد من هُزْء ابن أبي العوجاء(١) والديصانيّ بهاتيك الأعمال شيء كثير(٢).

١- انظر: الكافي ٤: ١٩٧، ح١ ففيه قول ابن أبي العوجاء للإمام الصادق(عليه السلام): إلى كم تدوسون هذا البيدر، وتلوذون بهذا الحجر، وتعبدون هذا البيت المعمور بالطّوب والمدر، وتهرولون حوله هرولة البعير إذا نفر. وانظره في أمالي الصدوق: ٧١٥، ح٩٨٥، والتوحيد: ٢٥٢، ح٤، وعلل الشرائع ٢: ٤٠٣ ح٤ ومن لا يحضره الفقيه ٢: ٢٤٩، ح٢٣٢٥.

٢- في الاحتجاج ٢: ١٤٢ اجتمع ابن أبي العوجاء، وأبو شاكر الديصاني الزنديق، وعبد الملك البصري، وابن المقفّع، عند بيت الله الحرام، يستهزؤون بالحاجّ ويطعنون بالقرآن... الخ.

٣٨
وحاول بعضهم أن يجعلها من المضرّ بالصحّة، ويقول: إنّ ذبائح الهدي في الحجّ ـ التي تذهب بلا نفع، وتُبذل بإزائها الأموال الطائلة ـ لو تصرف أثمانها إلى سبيل المعارف؛ لكان هو الأوفق للعقل والمنطق.

وعلى هذا الوتر يضرب، وبقيثارته يغنّي؛ من يقول مثل ذلك في صرفنا الأموال الطائلة في إقامة الشعار الحسينيّ صلوات الله عليه.

وقد قال الله سبحانه: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا﴾(١)، نزلت حيث كان اليهود يهزَؤون بالأذان، فلم يرفع سبحانه ـ لأمثال ذلك ـ حُكْمَ الأذان والحجّ، وتعدّد الزوجات، والطلاق ـ المُزْرَى بهما عند النصارى ـ إلى غيرها من الأحكام، ولا صَدَعَ به نبيّه(صلى الله عليه وآله و سلم) ـ ولا امتنَعَ عنه المسلمون في أجيالهم.

وإنّ موقفنا في العزاء الحسينيّ كمواقفنا في تلك الأحكام، لا نبالي فيه بهَمْلَجاتِ المستهزئين.

ولو كان في مثلها عن أمرٍ مُزْدَجَر؛ فما بالهم لا يكفّون عن أضاليلهم؟ و﴿اللّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾(٢) و﴿إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾(٣).

أم أنّ باءَهم تَجُرُّ وباءَنا لا تجرّ؟

١- المائدة: ٥٨.

٢- البقرة: ١٥.

٣- هود: ٣٨.

٣٩
وإنّ لغيرنا أحكاماً وعادات أجدر بها أن تكون سخرية لساخر، لكنّي أضرب عنها صفحاً حذار إيقاظ الفتنة، وإثارة الخلاف.

وأَحْرِ(١) بالجامعة الإسلاميّة، والعاطفة البشرية؛ أن تكونا مانعتين عن كلّ حزازة بين أبنائهما.

زبدة المخض: أنّ أمر التمثيل ممّا دان به الفريقان أهل السُّنّة والشيعة، واتّفقت عليه الملّتان المسلمون وغيرهم، وتطابق فيه الثقلان الجنّ والإنس، وجاء به العالمان المُلك والملكوت، وتوافقت عليه النشأتان الدنيا والآخرة، وأمضاه الشارع، وأخذ بناصره العقل والمنطق، وعَضَدَهُ الأصل المسلَّم في الشبهات التحريميّة الحكميّة.

وتلك فتاوى جمعٍ من أساطين الدين؛ نصوصٌ في ما أنهيناه، لكنْ لا بما أنّ المسألة ممّا شجر فيه الخلاف، كيف؟ وهي غير معنونة في أكثر كتب الفقهاء، كغير يسير من المسائل التي لم يَتَسَنَّ لهم ذكرها في الكتب.

فمنهم: العلاّمة كاشف الغطاء، فنفى البأس عنه وعن أمثاله من المظاهرات ـ إن لوحظ فيها الرجحانيّة من جهة العموم، لا بقصد الخصوصيّة والورود(٢)، كما قدّمناه ـ.

ويروى عنه، وعن آية الله بحر العلوم(قدس سره): أنّهما كانا يمدّان مقيمي

١- أي: أجدر.

٢- كشف الغطاء: ٥٤ قال: وجميع ما ذكر وما يشابهه إن قصد به الخصوصيّة كان تشريعاً، وإن لوحظ فيه الرجحانيّة من جهة العموم فلا بأس به.

٤٠