×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

رسائل الشعائر الحسينية (ج 03) / الصفحات: ٤١ - ٦٠

التمثيل بالمساعدة، ويعضدانهم بالحضور والمشاهدة.

وأمّا الإمام المحقّق القمّي؛ فقد صرّح بإباحة جميع أقسامها ـ بل واستحبابها ـ في غير مورد من >جامع الشتات<(١).

وذكر شيخ الطائفة العلاّمة الأنصاريّ ـ في رسالة له تسمّى >سرور العباد< ـ: أنّها مباحة ما لم تستلزم محرّماً آخر؛ كالغناء، والضرب بالدفوف والمزامير(٢).

وكذلك المولى الفاضل، الحبر البحر، المحقّق الدربنديّ في >أسرار الشهادة(٣).

وأمّا مجدّد مذهب الشيعة ورئاستها في القرن الرابع عشر، الميرزا محمّد حسن الشيرازيّ؛ فقد أقرّ أستاذَه على هذه الفتوى في الهامش.

وكان في >سامرّاء< تخرج من داره الجماهير ـ من الطلبة وغيرهم ـ عراة الصدور، مكشوفي الرؤوس، ومن خلفهم العلماء من تلمذته، والتبن ينثر على رؤوسهم، ومعهم التشبيهات؛ من نعشٍ محمول، وخيل مكلّلة بالنبال، وأعلام، وغيرها.

وفي يوم عاشوراء يخرج الشبيه من داره إلى الأزقّة والفجاج، وكان

١- انظر: جامع الشتات ٢: ٣٧٨ ـ ٣٧٩.

٢- سرور العباد: ٦١.

٣- أسرار الشهادة ١: ١٩٣.

٤١
ذلك سنّة متّبعة منه حتّى بعد وفاته، فكان يقيمه خلفه آية الله الميرزا عليّ آغا، والميرزا محمّد تقيّ الشيرازيّ، فكانت الهيئة تخرج كما كانت، وفيها أنفار يضربون بالسلاسل، ومع المواكب نعش مجلّل بالسواد، وحوله الأعلام السود والخضر والحمر، وأمامه فرس مجلّلة بالسواد، وعليه سيف ودَرَقة، وفرس مكلّلة بالنبال بأجمعها.

هذا، ونفس الآغا يمشي ـ هو ومن لاث به؛ من المشايخ، والصدور ـ بلا عباء، وربّما كان يمضي معهم آية الله الميرزا محمّد تقيّ إذا لم يمنعه ضعف مزاجه.

وإنّ سيّدنا >الصائل<(١) ممّن شهد تلك المشاهد، وأحاط خُبراً بخبر تلك المجتمعات، ثم بعد لأْي من عمره أخذته الغِرّة، وساعدته الفترة.

وممّن أقرّ الشيخَ الأنصاريّ(قدس سره) على فتواه المتقدّمة ـ من المحشّين ـ العلاّمة الشهير، والزعيم الخطير، المولى محمّد كاظم الخراسانيّ.

١- يعني السيّد مهديّ الكاظمي القزويني المعروف بالكيشوان، صاحب مقالة: >صولة الحقّ على جولة الباطل< وهي مطبوعة [ضمن هذه المجموعة١٦٥:٢. الحسّون]، وقد ردّ عليه أيضاً العلامة الشيخ يونس [كذا، والصحيح: حسن المظفّر ابن الشيخ عبد المهدي ابن الشيخ إبراهيم (ت١٣٨٨هـ)، انظر ترجمته في هذه المجموعة١٣٤:١. الحسّون]. المظفّر رحمه الله في رسالة >نصرة المظلوم< وهي مطبوعة [ضمن هذه المجموعة ٣٢٧:٢. الحسون].

٤٢
وقد نصّ على مثل ذلك شيخ الفقهاء، الشيخ زين العابدين المازندرانيّ الحائريّ؛ في >ذخيرة المعاد<(١).

وكان العلاّمة حجّة الدين الشيخ محمّد طه نجف(قدس سره) يقيم في داره ـ أيّام عاشوراء ـ مأتماً حافلاً بالعلماء وغيرهم، ويؤتى فيه ـ بعض أيّامه ـ شطر من الشبيه ـ بعلمه وإيعازه ـ وكذلك في مأتم العلاّمة الفقيه السيّد محمّد بحر العلوم.

وعدّ العلاّمة البحّاثة الميرزا أبو الفضل ابن المحقّق الميرزا أبو القاسم ـ صاحب تقرير بحث أستاذه آية الله الأنصاريّ ـ في >شفاء الصدور< ـ ممّا يقع يوم عاشوراء في بلاد الشيعة ـ : التشبيه، وتمثيل وقائع ذلك اليوم، وتمثيل الضريح المقدّس في بعض البلاد الهنديّة، قال: إن كلّها مشروع راجح في الشريعة المطهّرة، ثم طفق يبرهن على مدّعاه بكلّ سداد(٢).

ونقل الفاضل الدربنديّ عن الآغا عبد الحسين ابن الوحيد البهبهاني: أنّه حضر ـ بهمدان ـ مأتماً جيءَ فيه بشبيه القاسم بن الحسين(عليهما السلام) وعرسه، وفيه شيءٌ من الضرب بالطنابير والمزامير، فارتفع الضجيج والعويل، وكان الآغا ممّن كثر منه البكاء والنحيب، فقام عند انفضاض المجلس وعيناه متورّمتان، ولم يَنْهَ عن شيءٍ من ذلك(٣).

١- انظر: إرشاد العباد إلى استحباب لبس السواد: ٥٣، نقلاً عن ذخيرة المعاد.

٢- شفاء الصدور في شرح زيارة العاشور ٢: ٣٠٧ ـ ٣٠٩.

٣- أسرار الشهادة ١: ١٩٣ ـ ١٩٤.

٤٣
على أنّ تلك الواقعة ممّا لا نقطع بوقوعه، بل صرّح بعض بتفنيدها(١).

وفي >الدعاة الحسينيّة<(٢) تفاصيل تتعلّق بالمقام، لم يبارح فيها الخطّة التي سلكناها.

كلمة في تشبيه النساء:

لا أَنْبِسُ في كلمتي هذه ببنت شفة(٣)، غير أنّي أذكر لك كلماتٍ من أساطين الفقهاء:

إنّ لُباب ما عند الفقيه الإمام العلاّمة القمّي في >جامع الشتات<: الفرق في التشبّه بالنساء؛ بين ما إذا قصد التشبّه بهنّ والتمثّل في زيهنّ من حيث هنّ، وما إذا نوى التشبّه بفرد منهنّ لخصوصيّة فيه يريد إظهارها، كمن يتشبّه بزينب÷ مثلاً ـ وهو قاصد لتجسيم حالها، ومزاياها، ومصائبها، ومناقبها للإبكاء. فهذا إنّما يتزيّى بزيّها ـ بعباءةٍ غير مُمَحّضة للنساء، أو قل: إنّها ممحّضة لهنّ ـ لِما عرفت، لا بما أنّها امرأة فحسب ـ وهو يريد أن يري نفسه امرأة ـ وهذا لا يقال فيه: إنّه تشبّه بالنساء(٤).

وتبعه على ذلك العالم العلم الفقيه الشيخ زين العابدين الحائريّ في

١- انظر: الذريعة إلى تصانيف الشيعة ١٦: ١٠١، الرقم ١١٤.

٢- في الذريعة ٨: ١٩٨، الرقم ٧٧٦ >الدعاة الحسينيّة< في حكم بعض أنواع التعزية، للمولى محمد علي بن خداداد النخجواني النجفي، المتوفّى بالحائر ١٣٣٤، وقد طبع على الحجر في ١٣٣١.

٣- نبس: تكلّم. وبنتُ الشفة: الكلمةُ.

٤- جامع الشتات ٢: ٧٥٠.

٤٤
>ذخيرة المعاد<(١) وذكر: أنّه لا ضير فيه، بل هو ممدوح.

وكأنّهما يريدان صرف الأحاديث الناهية عن تشبّه الرجال بالنساء، والحرمة؛ إلى الصورة الاُولى، لانصرافٍ فيها، أو أخذاً بالقدر المتيقّن ـ بعد الإجمال في دلالتها ـ أو لتضييق دائرة الموضوع، كما صرّح به في >جامع الشتات<(٢).

وحصر بعض مشاهير العصر(٣) المحرّمَ ـ من التشبّه ـ بما إذا كان فيه خروج عن زيّ الرجال رأساً، وأخذٌ بزيّ النساء، دون ما إذا تلبّس بملابسها مقداراً من الزمان؛ بلا تبديل لزيّه، كما هو الحال في هذه التشبيهات.

وعدّ كاشفُ الغطاء ـ ممّا ليس فيه نصّ خاصّ، ولكن انطبق عليه عنوان عامّ يقصد في إتيانه الموافقة من جهته(٤)، لا من جهة الخصوصيّة ـ تشبيهَ الحسينِ(عليه السلام)، أو رأسِهِ، أو الزهراءِ÷، أو عليّ بن الحسين(عليه السلام)، وباقي النساء؛ في محافل الرجال(٥).

١- ذخيرة المعاد: ٥٣٨.

٢- جامع الشتات ٢: ٧٥٠.

٣- هو المحقّق النائيني(رحمه الله) في فتواه الشهيرة في جواب مسائل أهل البصرة [المطبوعة ضمن هذه المجموعة ١: ٤٠٨ في رسالة نصرة المظلوم. الحسّون].

٤- أي: من جهة العنوان العام.

٥- كشف الغطاء ١: ٥٣ ـ ٥٤.

٤٥
هذا ما عند القوم.

وهناك أقوام لا يرتضون ما ذكروه، ولست أنا في صدد النقض والإبرام، لأنّي أزفّ مقالتي هذه إلى عامّة إخواني في الدين الذين يعسر عليهم الخوض في العلميّات.

لكنّي أقول: لَأَنْ يقف الإنسان في سيره على حدّ اليقين؛ خيرٌ له من أن يسترسل في عصبيّته، أو يَغْشَى الحبُّ بصيرَتَهُ، فلا يعلم إلى أين يلوي، وإلى ما يولّي وجهه؟

أمّا أصل التشبيه؛ فقد أسلفنا لك رجحانه، ووجه القول فيه، فاتّخذه طريقاً مَهْيَعاً(١).

وأمّا تشبيه النساء؛ فإنّي أُحَكّم فيه وجدانك، وحرّية ضميرك، وشهامتك. أفهل ترضى لك أن يبرز أحد بملأٍ من الناس على زيّ كريمات بيتك من أهلك، وبناتك، وأخواتك، وعمّاتك، وخالاتك ـ وهو يمثّل للعامّة حالاتهنّ وكلماتهنّ، وما جَرَت عليهنَّ الدواهي من المصائب ـ فيقال: زوجة فلان، أو بنت فلان، أو أخت فلان؟

إنّي على يقين منك أنّك تغار لهنّ، ولا ترضى بتلك الفضيحة.

إذاً، فهل يقدّر شيعيّ مؤمن بالأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم أنّ نساءه أعزّ من مصونات حرم النبوّة؟

١- [طريق مَهْيَع، كمَقْعَد: واسعٌ بَيّن مُنْبسط، وهو مَفْعلٌ من التَّهَيُّع: وهو الانْبِساط. الحسّون].

٤٦
أو أنّهنّ أعفّ وأَحْسَب(١) من كريمات بيت الإمامة؟

فما باله يرضى لهنّ بالصَّغار، ولا يرضى لأهله مثله(٢)؟

هذا ما لديّ.

وإن كان لما ذكروه وجه في روايات الباب؛ فإنّ غاية ما هنالك أحاديث لا تأبى الانصراف الذي ذكروه.

ففي >الكافي< بإسناده عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث ـ : لعن الله المحلِّل والمحلَّل له، ومن تولّى غير مواليه، ومن ادّعى نسباً لا يعرف، والمتشبّهين من الرجال بالنساء، والمتشبّهات من النساء بالرجال(٣) ـ الحديث.

وفي >العلل< بإسناده عن زيد بن عليّ، عن آبائه، عن عليّ(عليه السلام): أنّه رأى رجلاً به تأنيثٌ ـ في مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ فقال له: اخرج من مسجد رسول الله، يا مَن لعنه رسول الله، ثم قال عليّ(عليه السلام): سمعتُ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)

١- أي: أَفْضَلُ حَسَباً.

٢- هذا الاستدلال غاية في الضعف، ومردود جملة وتفصيلاً؛ لأنّ تشبيه المصائب وما نال آل الله، خارج عن حيِّز الصَّغار، ولِمَ لا يرضى المظلوم أن تُعرض ظُلامة أهله، والله يوم القيامة يعرض مأساة فاطمة الزهراء (عليها السلام) وبيدها رأس ولدها المقطوع، على المَلأ من الملائكة والخلائق.

٣- الكافي ٨: ٧٠، ح٢٧.

٤٧
يقول: لعنَ الله المتشبّهين من الرجال بالنساء، والمتشبّهات من النساء بالرجال(١).

وفي حديث آخر: أخرجوهم من بيوتكم، فإنّهم أقذر شيء(٢).

وبالإسناد عن علي(عليه السلام)، قال: كنت مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) جالساً في المسجد، حتّى أتاه رجل به تأنيث، فسلّم عليه، فردّ عليه، ثم أكبّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الأرض يسترجع، ثم قال: مِثْل هؤلاء في أمّتي! إنّه لم يكن مثل هؤلاء في أمّة إلّا عُذّبت قبل الساعة(٣).

وفي >الجعفريّات< بإسناده عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: لعن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) المخنّثين من الرجال المتشبّهين بالنساء، والمترجّلات من النساء المتشبّهات بالرجال(٤) ـ الخبر.

وفي >مجمع البيان< عن أبي أمامة، عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: أربع لعنهم الله من فوق عرشه، وأمّنت عليه ملائكته: الذي يحصر نفسه فلا يتزوّج ولا يتسرّى(٥) لئلاّ يولد له، والرجل يتشبّه بالنساء وقد خلقه الله ذكراً، والمرأة تتشبّه بالرجال وقد خلقها الله أنثى(٦) ـ الحديث.

١- علل الشرائع ٢: ٦٠٢، ح٦٣.

٢- علل الشرائع ٢: ٦٠٢، ح٦٤.

٣- علل الشرائع ٢: ٦٠٢، ح٦٥.

٤- الجعفريّات: ١٤٧، وعنه في مستدرك الوسائل ٣: ٤٦١، ح٣٩٩٧.

٥- يَتَسَرَّى: يتّخذ السَّراري ويُقارِبُهُنَّ.

٦- مجمع البيان ٧: ١٤٠.

٤٨
وفي كتاب >أبي سعيد العُصْفُريّ< ـ من أصول أصحابنا القدماء ـ بإسناده عن جوير بن نعير الحضرميّ قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): ـ لعن الله ـ وأمّنت الملائكة ـ على رجل تأنّث، وامرأة تذكّرت<(١) ـ الحديث.

١- كتاب أبي سعيد العصفريّ: ١٨، وعنه في مستدرك الوسائل ٥: ٢٤٠، ح٥٧٧٦، ١٣: ٢٠٣، ح١٥١٠٨.

٤٩

كلمة في خروج المواكب بحالاتهم المعلومة المُشْجية واختراقهم السكك والشوارع

لا ريب في رجحان ذلك، لاسيّما بعدما تحقّق لديك في أصل اللَّدْم، وأنّه من أعظم ما يُتقرّب به إلى الله زُلفى.

وذكر العلاّمة الشيخ زين العابدين المازندرانيّ في >ذخيرته<: أنّ المشارك معهم، والذي يمضي معهم؛ كلٌّ منهما مثاب ومأجور(١).

هذا مع قطع النظر عن الرقّة والبكاء والإبكاء، فإنّ كلاً منهما مطلوب على حِدَة... إلى آخره.

وعدّ في >شفاء الصدور< ـ ممّا هو مشروع راجح في الشريعة المطهّرة ـ : ما يقع في بلاد الشيعة؛ من المظاهرات يوم عاشوراء.

وعدّ منها: نشر الأعلام، وخروج المواكب، واللطم، والنوح، وأمثال ذلك(٢).

١- ذخيرة المعاد: ٥٣٨.

٢- شفاء الصدور ٢: ٣٠٩.

٥٠
وما برح ذلك مطّرداً بين الشيعة منذ عشرة قرون.

وأوّل من سَنّه وأمر به >معزّ الدولة< و>ركن الدولة< البويهيّان، فكانت المواكب تخرج بأمرهما ليلاً ـ ومعهم المشاعل ـ فتعود بغداد وفجاجها ضجّةً واحدةً، راجع >كامل< ابن الأثير(١).

فَعَل البُوَيْهِيَّان ذلك والزعامة الدينيّة والوجهة الروحيّة ـ يومئذٍ ـ لعُمُد المذهب ودعائمه: كالشيخ المفيد، والسيّدين(٢)، وابن قولويه، وأضراب هؤلاء.

وما كانت الشيعة ـ ملوكُها وسُوقتها(٣) ـ لتعدو لهم إشارة، ولا لتخالف لهم أمراً، وما كانوا ليقرّروهم على الباطل.

والسيّد الرضيّ هو الذي أدخل نفسه في زمرة الأعراب يوم عاشوراء، سنة زيارته لجدّه الحسين(عليه السلام) ـ وهم يلطمون وينوحون في هجمتهم عَدْواً على الحائر الحسينيّ صلوات الله عليه ـ وأنشأ مقصورته السائرة:

[من الرَّمَل]


كربلا لا زلتِ كرْباً وبَلاما لَقِيْ عندكِ آلُ المصطفى(٤)

وبلغني أنّ العلاّمة صاحب >الرياض<(٥) هو الذي نضّد موكب العطّارين

١- الكامل في التأريخ ٨: ٥٤٩.

٢- يعني: الرضيّ والمرتضى رحمهما الله.

٣- السُّوقة: الرعيّة من الناس.

٤- ديوان الشريف الرضي ١: ٢٠، قالها وهو بالحائر الحسيني، يرثي جدّه سيّد الشهداء(عليه السلام).

٥- هو السيّد عليّ بن محمد بن عليّ الطباطبائي الحائريّ، المتوفّى سنة (١٢٣١هـ) صاحب كتاب >رياض السائل في بيان أحكام الشرع بالدلائل<.

٥١
بكربلاء ـ المعروف إلى اليوم بحسن النيّة، وشدّة الإخلاص، وإحكام اللّدم حين ظعنهم(١) وإقامتهم ـ في ليالي عاشوراء.

وكان السيّد ـ بنفسه ـ يحمل المِشْعَل أمامهم، ويلطمُ معهم من العلماء والفضلاءِ عددٌ غير يسير.

وإلى اليوم يختلط معهم ـ من سائر طبقات الناس، وأشرافهم، وطلبة العلم ـ ما لا تُستنزَر عدّتهم.

وكان آية الله العظمى الميرزا محمّد حسن الشيرازيّ(قدس سره) من داره ـ بسامرّاء ـ تخرج مواكبُ اللّطم والتشبيه والقامات ـ بأمره وإشارته، وإعداده ـ ويخترقون الأزقّة، والعُراةُ في موكب الطم فُضلاءُ أصحابه والعلماءُ بعده.

ثم لم تُخْرَم تلك العادة ـ بعد وفاته ـ حتّى عادت سُنّةً متّبعة، والمواكب تخرج كذلك، والمقيم لها: خلَفُهُ الصالح الميرزا علي آغا، وخليفته الناصح: الميرزا محمّد تقيّ الشيرازيّ(قدس سره)، وفيهم أنفار يضربون بالسلاسل.

وكان نفس الآغا ومن لاثَ به ـ من المشايخ والصدور ـ يمشون مع المواكب بلا عباء، وربّما خرج معهم الميرزا حيث لم يمنعه ضعف مزاجه.

ولو وقفت موقف النَّصَفة؛ لما وجدت فارقاً بين مواكب اللَّطم، ومواكب الزُّوّار ـ من الأعراب ـ في >هوساتهم<(٢) التي ذكر الفاضل الحلّي:

١- الظَّعْن: السير.

٢- مصطلح عراقي، معناه الأهازيج الشعبيّة التي يردّدها الزُّوّار من أبناء جنوب العراق ووسطه.

٥٢
أنّ الوحيد البهبهانيّ كان يختلط بهم تزلّفاً إلى الحسين(عليه السلام)، وهو مجدّد المذهب في القرن الثالث عشر.

إذا عطفتَ النظر إلى الأمصار جميعاً ـ والمواكب الحسينيّة تَطرُقُ فيها دُورَ العلماء، وهم بين مساعدٍ لهم بمال، ومُنيلهم بإعداد، وناشجٍ(١) ومستعبرٍ معهم ـ علمتَ أنّ أعمالهم تلك لا تبارح مرضاة زعمائهم الدينيّين.

وهذا النجفُ ـ قبّةُ الإسلام ـ الذي هو مثال كلّ جدّ ونشاط في التذكارات الحسينيّة، التي منها هذه المواكب، ولم تزل هي بمنتدى ومجمع مع أساطين الدين في دُورِهِم، وفي الصحن المقدّس.

وكان العلاّمة المحقّق الفاضل الشرابيانيّ ـ أيّام رئاسته ـ له موكب خاصّ به، حافل بالفضلاء من أهل العلم، يقدمهم هو رحمه الله، يخرج من داره ويأتي الحضرة العلويّة صلوات الله عليه، ويدور حول الحرم الشريف.

وكذلك المحقّق المدرّس الشهير الحاج الميرزا حبيب الله الرشتيّ، فكان يخرج في موكبه، ويخترق الأزقّة إلى الصحن الشريف.

وكان إذ ذاك لأهل العلم موكب آخر يقدمهم العلويّون، وأمامهم العلاّمة السيّد محمّد بحر العلوم، والسيّد حسين القزوينيّ، ثم بعدهم سائر الطلبة، ويقدمهم العلاّمة الشيخ محمّد طه نجف رحمه الله تعالى.

وكان الشيخ المقدّم الشيخ محمّد حسن آل ياسين يجلس في الفسحة

١- نَشَجَ الباكي: غصّ بالبكاء في حلقه من غير انتحاب.

٥٣
أمام داره بالكاظميّة، فتأتيه المواكب شُرّعاً، وهو يبكي بنُدْبتهم.

ورأيت ـ أنا ـ شيخ فقهاء عصره، شيخ الشريعة الأصفهانيّ(قدس سره) أمام موكب العلماء ليلة عاشوراء في النجف الأشرف.

لا أُطيل المقام بتعدد الأسماء والأفعال، وإنّما ذكرت هذه النبذة إعلاماً بأنّ خروج المواكب ما برح ـ منذ أُسّس ـ على طريقٍ مَهْيَع عند العلماء، وأساطين الذين.

ولا أحسب أنّ ذا مُسْكة(١) يحكّم ـ في أصله ـ على أصالة الإباحة شيئاً، ولا فيه ـ بالعناوين الثانويّة ـ على تأكّد الاستحباب حكماً.

ولو كان اللَّطْمُ مقصوراً على ما وراء الستار مُحْتكَراً(٢) بين حيطان الدور؛ إذاً لخسرت الشيعة كثيراً ممّا ترومه من ذلك الاحتفال؛ من عموم الدعوة، وشمول التذكير، حسب ما سلف منّا آنفاً.

لو لم يكن لنا إلّا جواز أصل اللَّدْم، أو رجحانه؛ لكفانا مؤونة الحِجاج في إخراجه إلى الشوارع والجَوادّ، فإنّه ـ حيث جاز ـ لم يقصر حكمه على مكان خاصّ، فهو مطلق في سائر الحالات والمحالّ.

وإذا كانت دلائلُ استحبابه مطلقاً ـ لدى السير والخروج إلى محاشد الناس ـ آكدَ وأبلغَ؛ فلا شكّ في تأكّده عنده.

١- المُسْكة: العقل.

٢- مُحْتَكَر: محبوس.

٥٤
بالله عليك، اعتبر وصيّة مولانا الباقر لابنه الإمام الصادق(عليهما السلام) ـ المرويّة في >الكافي< ـ : أن يوقف من ماله كذا وكذا؛ لنوادبَ يندُبْنه عشر سنين بمنى؛ أيّام منى(١).

وفي رواية أخرى:

أنّه أوصى لذلك بمثانمائة دينار(٢).

فهلاّ أوصى سلام الله عليه بحجّ، أو صدقة عنه؛ بها؟

وما هو مقدار الندبة؟

وماذا يصيب منها الفقيد؟

وإن كان ـ ولابدّ ـ فهلاّ أوصى أن يُنْدَبَ في النوادي الخاصّة، وفي ملأ من شيعته؟

لو أعطيتَ النَّصَفَةَ حقَّها؛ لقلت: إنّه(عليه السلام) أراد بذلك إشهار فضائله، وإدامة ذكره، وتذكير العامّة بأمره وإمامته، وذكرى سلفه، ولذلك حاول أنّ النوادب يندبنه بمنى؛ أيّامها.

محشد عامٌّ للسملمين، تأتيها الناس من كلّ فجّ عميق، ويُنْسَلُ(٣) إليها من كلّ حَدْبٍ، وليس لهم منتدىً يجمع شتاتهم غير هذا الموقف، فإذا كان

١- الكافي ٥: ١١٧، ح١، تهذيب الأحكام ٦: ٣٥٨، ح١٠٢٥.

٢- الكافي ٣: ٢١٧، ح٤، من لا يحضره الفقيه ١: ١٨٢، ح٥٤٦.

٣- أي: يُخرجُ إليها وتُقصد بسُرعة.

٥٥
هنالك أمر يُهتمّ به؛ تسرَّبَ حديثُهُ إلى أرجاء العالم، وسارت الركبان.

وكذلك أَمْرُ الحسين(عليه السلام) وتذكاراته، فإنّ الغرض من الإشهار بها ليس هو استدرار الدُّمُوع والبكاء فحسب، فإنّ للشيعة فيها غايات هي أرقى ـ وأولى أن تبثّ ـ من ذلك، ألا وهي: تذكير الناس بالحسين، وإمامته، وسلفه، وأخلافه.

وأنّ ديناً فداه مثل الحسين(عليه السلام) بنفسه هو أولى أن يعتنقه الحرّ، ويبذل دونه النفس والنفيس.

وإرشادهم إلى أنّ من يعتقد للحسين إمامةً فهو أولى أن يُقْتَصَّ أثره في أخلاقه وآدابه، وإقدامه وإحجامه.

وتذكيرهم بما شجر بين أهل البيت(عليهم السلام) وشانئيهم؛ من الخلاف.

وموقف هؤلاء من الدين، وأولئك من الكفر.

إلى غيرها من الغايات الكريمة.

وهل تتسنّى لهم تلك الأغراض لو قُصِرُوا بها على النوادي والمآتم، من دون أن يشهد كلّ أحد في ملأ من الأشهاد؟ لا... لا.

إنّي واثق بحرّية ضميرك أنّك إذا تلوت ما سطرناه إلى هنا؛ لا يعتريك الشكّ في مجازفة الرجل في قوله: >الشريعة المقدّسة والعقل السليم قاضيان

٥٦
بأنّ اللّطم محلّه المآتم، لا الطرق<... إلى آخره(١).

هبْ أنّه ـ بفضل شيخوخته وطعنه في السنّ(٢) ـ يحسب أنّ غيره لم يبلغ من العقل مبلغه، لكنْ أين ذلك الدليل الشرعيّ الذي خفي على علماء الدين، ومصلحي الأُمة ـ منذ ألف سنة تقريباً ـ ولا وصل إليه باعُنا؟!

على أنّ الاختبار ـ الذي به يُكرم الرجل أو يهان، وبه يمتاز الصدق من المَيْن(٣)، والأمانة من الميل ـ لم يكشف حتّى الآن عن رجحان مبلغه من العلم؛ على غيره.

في أيّة آية ـ أم أيّ حديث ـ ذُكر فيها اللطم؛ فعُيّن له محلّ؟

أم أيّة قاعدة أُصوليّة اقتضت ذلك؟ غير أصالة الإباحة القاضية في سائر أقسامه.

حَسِبَ أنّ تلك الكلمات الفارغة أورثت عند البسطاء تهويلاً، ولكن

١- [هذا قول السيّد محمّد مهدي الموسوي القزويني البصري (ت١٣٥٨هـ) في رسالته >صولة الحقّ على جولة الباطل< المطبوعة ضمن هذه المجموعة ١٨٠:٢، وتمام عبارته هي: >فاللطم إذاً في المأتم لن يترتّب عليه شيء من هذه، والشريعة المقدّسة والعقل السليم قاضيان بأنّ اللطم محلّه المآتم دون الطرقات، هرباً ممّا بيّناه، فعلى المتديّنين طاعة الشريعة والتمسّك بقولها؛ دفعاً للفتن وصيانة للنفوس< الحسّون].

٢- [كان عمر المؤلّف عند كتابته لهذه الرسالة ثلاثاً وسبعين سنة؛ إذ ألّفها سنة ١٣٤٥هـ. الحسّون].

٣- المين: الكذب.

٥٧
ماذا الذي يُتافِهُ(١) به العقلاءَ من العوامّ في نسبة ذلك إلى العقل السليم؟

وهل له مُنْتَدَحٌ غيرُ رفعِ الصوت، والإيماءِ بالعصا واليد، وتحريك عُكَّازةِ التجهيل، وقعقعة الشِّنان(٢)؟

نعم ربّما يغالط بما سبقه إليه صاحب كتاب >الدين والشؤون<: من أنّ تلك المواكب مؤتلفة ـ في كلّ مكان ـ من أوباشِ الناس وساقتهم، ويرأس كلاًّ منها واحدٌ من أكابرهم، وهم يأخذون حِذْرَهم وأسلحتهم؛ من عصيّ وقامات، وأخيراً طَفقُوا يأخذون معهم المسدّسات والبنادق، فتجري بينهم

ـ حينما التقت الفئتان ـ حملات تؤدّي إلى الضرب والجرح، وكثيراً مّا احتدم بينهما القتال، فيثير ذلك الشحناءَ والضغائن في القلوب حتّى الأبد(٣)... إلى آخره.

ويشاركه في المعنى كلام هذا الفاضل المعاصر(٤)، لكنّي أضرب عنه صفحاً، فقد كفانا الفاضل الحلّيّ مؤونة الجواب عنه.

لكنّي لا ألوم هذا الرجل على ما قذف به أولئك الأقوام ـ الذين يربو

١- المُتافَهة: مفاعلة من تَفِهَ الرَّجُلُ: إذا كان قليل العقل.

٢- في المَثَل: >ما يُقَعْقَعُ لي بالشِّنان<، القعقعة: حكاية صوت السلاح ونحوه. والشِّنان: جمع الشَّنَّ وهو الجلد البالي. ومعنى المَثَل أنّه لا يُخْدَعُ ولا يُرَوَّعُ. انظر: لسان العرب ٨: ٢٨٦.

٣- رسالة >دين وشؤون<، تأليف الحاج الشيخ أسد الله المامقاني، ألّفها سنة ١٣٣٦، وطبعها في اسطنبول، ثمّ أعيد طبعها في طهران سنة ١٣٧٥، انظر: الذريعة ١١: ١٨٥، الرقم ١١٤٣.

٤- [يقصد به السيّد محمّد مهدي الموسوي القزويني البصري (ت١٣٥٨هـ). الحسّون]

٥٨
عددهم على الملايين، في سائر أقطار الشيعة ـ بأنّهم أوباش الناس وساقتهم، ولم يخش بوادر ما اقترفه ـ في غده ـ من إهانة المؤمنين، والوقيعة فيهم، وهتك حرماتهم.

ولقد شاهدتُ وشاهَدَهُ غيري في بلاد كثيرة ـ في العراق وإيران ـ أنّ تلك المواكب مُنَضَّدَة من سائر طبقات الناس ـ من مقدّميهم، وأوساطهم، وساقتهم ـ شأن كلّ مُحتَشَدٍ عامّ، وانّ الحُبَّ الحسينيّ وما استفزّ الناس من لوعة ذلك المصاب؛ لا يدع شريفاً لا يستخفّه النزوع إلى أمثال تلك الأعمال.

ولا ألومه بما قَرَفهم(١) به ـ جميعاً ـ من حملهم السلاح للعَيْث والفساد.

ولقد شاهَدْتُهُمْ وشارَكْتُهمْ في عملهم، وفيهم الصلحاء والأبرار.

ولَئِنِ اختلط بهم مَنْ هُمْ مِن غير سِنْخهم؛ فذلك الشأن في المجتمعات العامّة، كالحجّ والزيارة، والمآتم الحسينيّة صلوات الله عليه.

لكنّ الذي يهوّن الخطب: أنّ الغاية واحدة، والقصد واحد، وإن اختلفت النزعات والمشارب.

لكنّي أقول: إنّ مَصَبَّ الكلام يكون تارةً العملُ بما هو، وطوراً بلحاظ فاعله، وآناً بما يَطرأُ عليه من العوارض الخارجيّة.

أمّا إذا كان الوجه هو الأول؛ فلا شكّ أنّ ما سرده من التمويهات

١- قَرَفَهُ بكذا: عابه أو اتّهمه.

٥٩
الباردة لا يمسّ بشيءٍ ممّا نريد ـ من حُسْنِ نفس العمل ورُجْحانِهِ ـ كما أسلفنا ذلك بأوفى وجه.

وأمّا على الثاني؛ فإذا ثبت رجحان الفعل ومحبوبيّته؛ فلا نبالي بفاعليه أَيَّ إنسانٍ كان.

هبْ أنّ له أعمالاً ذميمة، لكن ماذا الذي يَهُدُّ منها حُسْنَ عمله هذا، أو يُشَوِّهَ جماله؟

نعم، إذا كانت سيئاته مادّةً وأصلاً لإحسانه ـ كأن يسرق ويتصدّق، أو تزني وتبني ـ فعند ذلك يقال له:

[من الطويل]

لكِ الويل لا تزني ولا تتصدّقي(١)

وسرى اللوم منه إليه.

وأمّا إذا لم يكن هناك توقُّفٌ وإناطة؛ فلكلٍ من الفعلين حكمه؛ من مدح وذمّ، وثواب وعقاب.

وقد يؤيّد الله الدين بأقوامٍ لا خلاق لهم(٢)، وما نحن فيه من هذا القبيل،

١- كتب أمير المؤمنين(عليه السلام) بهذين البيتين إلى معاوية؛ لمّا سمعه يبني مسجداً:


سمعتك تبني مسجداً من خيانَةٍوأنتَ ـ بحمد الله ـ غير موفّق
كمُطْعِمة الأيتام من كدّ فرجهاًلكِ الويل لا تزني ولا تتصدّقي

انظر: بحار الأنوار ٣٤: ٤٣٠ ـ ٤٣١، ح٦٩.

٢- الكافي ٥: ١٩، آخر الحديث١، تهذيب الأحكام ٦: ١٣٤، وفيهما بلفظ: >إنّ الله ينصر هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم<.

٦٠