×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 2) / الصفحات: ٢١ - ٤٠

وسؤالي: ألم يكن أبو النبيّ إبراهيم الخليل على نبيّنا وآله وعليه الصلاة والسلام مشركاً وهو يعتبر جدّ نبيّنا؟

أرجو حلّ هذا الإشكال بالنسبة لي.

ودمتم لخدمة المسلمين.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قال السيّد جعفر مرتضى في كتابه (الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم صلي الله عليه وآله وسلم): ((وقد اعتُرض على القائلين بإيمان جميع آبائه صلي الله عليه وآله وسلم إلى آدم, بأنّ القرآن الكريم ينص على كفر آزر أبي إبراهيم؛ قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ استِغفَارُ إِبرَاهِيمَ لأبِيهِ إلّا عَن مَّوعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنهُ إِنَّ إِبرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾(١).

وأجابوا:

أوّلاً: إنّ ابن حجر يدّعي إجماع المؤرّخين على أنّ آزر لم يكن أباً لإبراهيم, وإنّما كان عمّه, أو جدّه لأُمّه, على اختلاف النقل، واسم أبيه الحقيقي: تارخ, وإنّما أطلق عليه لفظ الأب توسّعاً وتجوّزاً، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾(٢). ثمّ عدّ فيهم إسماعيل, وهو ليس من آبائه, ولكنّه عمّه.

١- التوبة (٩): ١١٤.

٢- البقرة (٢): ١٣٣.

٢١
وقد ذكر بعض العلماء: أنّ اسم آزر لم يذكر في القرآن إلّا مرّة واحدة في أوّل الأمر, ثمّ لم يتكرّر اسمه في غير ذلك المورد؛ تنبيهاً على أنّ المراد بالأب: آزر.

وثانياً: إنّ استغفار إبراهيم لأبيه قد كان في أوّل عهده وفي شبابه, مع أنّنا نجد أنّ إبراهيم حين شيخوخته, وبعد أن رُزق أولاداً, وبلغ من الكبر عتياً يستغفر لوالديه؛ قال تعالى حكاية عنه: ﴿رَبَّنَا اغفِر لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلمُؤمِنِينَ يَومَ يَقُومُ الحِسَابُ﴾(١)، قال هذا بعد أن وهب الله له على الكبر إسماعيل وإسحاق حسب نصّ الآيات الشريفة، مع أنّ الآية تفيد: أنّ الاستغفار الأوّل قد تبعه التبرّؤ مباشرة.

ولكن من الواضح: أنّ بين الوالد والأب فرقاً؛ فإنّ الأب يُطلق على المربّي وعلى العمّ والجدّ, أمّا (الوالد) فإنّما يخص الوالد بلا واسطة. فالاستغفار الثاني إنّما كان للوالد, أمّا الأوّل فكان للأب.

وثالثاً: إنّه يمكن أن يكون ذلك الذي استغفر له, وتبرّأ منه, قد عاد إلى الإيمان, فعاد هو إلى الاستغفار له.

هذا, ولكن بعض الأعلام يرى: أنّ إجماع المؤرّخين على أنّ أبا إبراهيم ليس آزر منشؤه التوراة, التي تذكر أنّ اسم أبي إبراهيم هو: (تارخ)..

ثمّ ذكر ما استظهرناه نحن أيضاً من أنّ من الممكن أن يكون نفس والد إبراهيم قد كان مشركاً يجادله في الإيمان بالله, فوعده بالاستغفار له, ووفى بوعده, ثمّ عاد فآمن بعد ذلك، فكان يدعو له بعد ذلك أيضاً حتّى في أواخر حياته هو كما أسلفنا.

١- إبراهيم (١٤): ٤١.

٢٢
وهذا الاحتمال وإن كان وارداً حيث لا ملزم لحمل الأب في القرآن, والوالد على المجاز، إلّا أنّه ينافي الإجماع والأخبار؛ فلا محيص عن الالتزام بما ذكرناه آنفاً من أنّ المراد بالأب هو: العمّ والمربّي, لا الوالد على الحقيقة.

مع عدم قبولنا منه قوله: إنّ استعمال الأب في العمّ المربّي يكون مجازاً))(١).

تعليق:

« أحمد عبد الله ــ السعودية ــ إمامي »

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد.

لقد ذكرتم في الجواب السابق أنّ هنالك فرقاً بين الأب والوالد وهو: ((فإنّ الأب يطلق على المربّي وعلى العمّ والجدّ, أمّا (الوالد) فإنّما يخصّ الوالد بلا واسطة)).

فما هو الدليل من القرآن على استعمال كلمة الأب مرّة للمربّي، ومرّة للعمّ، ومرّة للجدّ؟ أم أنّه دليل لغوي؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قال الطباطبائي في (تفسير الميزان):

((والأب: ربّما تطلق على الجدّ والعمّ وغيرهما، وقد اشتمل القرآن الكريم على هذا الإطلاق بعينه في قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ

١- الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم صلي الله عليه وآله وسلم ٢: ١٨٩ ــ ١٩١.

٢٣
وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾(١)، فإبراهيم جدّ يعقوب، وإسماعيل عمّه، وقد أطلق على كلّ منهما الأب، وقوله تعالى فيما يحكى من كلام يوسف عليه السلام: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾(٢)، فإسحاق جدّ يوسف، وإبراهيم عليه السلام جدّ أبيه، وقد أطلق على كلّ منهما الأب.

فقد تحصّل: أنّ آزر الذي تذكره الآية ليس أباً لإبراهيم حقيقةً، وإنّما كان معنوناً ببعض الأوصاف والعناوين التي تصحّح إطلاق الأب عليه، وأن يخاطبه إبراهيم عليه السلام بـ(يا أبت)، واللغة تسوّغ إطلاق الأب على: الجدّ، والعمّ، وزوج أُمّ الإنسان بعد أبيه، وكلّ من يتولّى أمور الشخص، وكلّ كبير مطاع، وليس هذا التوسّع من خصائص اللغة العربية، بل يشاركها فيه وفي أمثاله سائر اللغات، كالتوسّع في إطلاق الأُمّ والعمّ والأخ والأخت والرأس والعين والفم واليد والعضد والإصبع، وغير ذلك، ممّا يهدي إليه ذوق التلطّف والتفنّن في التفهيم والتفهّم))(٣).

(رواية آحاد لا تثبت أن آزر والد إبراهيم عليه السلام)

« علي ــ فلسطين ــ مستبصر »

السؤال:

الإخوة الكرام في مركز الأبحاث العقائدية..

١- البقرة (٢): ١٣٣.

٢- يوسف (١٢): ٣٨.

٣- تفسير الميزان ٧: ١٦٤ تفسير سورة الأنعام.

٢٤
ما قولكم العلمي البحت في الردّ على هذه الشبهة؟

هذه الرواية تنسف عقيدة أنّ آباء الأنبياء لا يمكن أن يكونوا كفّاراً، وأيضاً بها طعن بإبراهيم عليه السلام.

تقول الرواية في الكافي ــ وقال عنه المجلسي (٢٦/٥٤٨): حسن ــ :

((عَلِيُّ بنُ إِبرَاهِيمَ، عَن أَبِيهِ، عَنِ ابنِ أَبِي عُمَيرٍ، عَن هِشَامِ بنِ سَالِمٍ، عَن أَبِي أَيُّوبَ الخَزَّازِ، عَن أَبِي بَصِيرٍ، عَن أَبِي عَبدِ اللَّهِ عليه السلام: أَنَّ آزَرَ أَبَا إِبرَاهِيمَ عليه السلام كَانَ مُنَجِّماً لِنُمرُودَ، وَلَم يَكُن يَصدُرُ إلّا عَن أَمرِهِ، فَنَظَرَ لَيلَةً فِي النُّجُومِ فَأَصبَحَ وَهُوَ يَقُولُ لِنُمرُودَ: لَقَد رَأَيتُ عَجَباً.

قَالَ: وَمَا هُوَ؟

قَالَ: رَأَيتُ مَولُوداً يُولَدُ فِي أَرضِنَا يَكُونُ هَلاكُنَا عَلَى يَدَيهِ، وَلا يَلبَثُ إلّا قَلِيلاً حَتَّى يُحمَلَ بِهِ، قَالَ: فَتَعَجَّبَ مِن ذَلِكَ وَقَالَ: هَل حَمَلَت بِهِ النِّسَاءُ؟

قَالَ: لا.

قَالَ: فَحَجَبَ النِّسَاءَ عَنِ الرِّجَالِ فَلَم يَدَعِ امرَأَةً إلّا جَعَلَهَا فِي المَدِينَةِ لا يُخلَصُ إِلَيهَا، وَوَقَعَ آزَرُ بِأَهلِهِ، فَعَلِقَت بِإِبرَاهِيمَ عليه السلام، فَظَنَّ أَنَّهُ صَاحِبُهُ، فَأَرسَلَ إِلَى نِسَاءٍ مِنَ القَوَابِلِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لا يَكُونُ فِي الرَّحِمِ شَيءٌ إلّا عَلِمنَ بِهِ، فَنَظَرنَ، فَأَلزَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَا فِي الرَّحِمِ ]إِلَى[ الظَّهرِ، فَقُلنَ مَا نَرَى فِي بَطنِهَا شَيئاً، وَكَانَ فِيمَا أُوتِيَ مِنَ العِلمِ أَنَّهُ سَيُحرَقُ بِالنَّارِ، وَلَم يُؤتَ عِلمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَيُنجِيهِ.

قَالَ: فَلَمَّا وَضَعَت أُمُّ إِبرَاهِيمَ أَرَادَ آزَرُ أَن يَذهَبَ بِهِ إِلَى نُمرُودَ لِيَقتُلَهُ، فَقَالَت

٢٥
لَهُ امرَأَتُهُ: لا تَذهَب بِابنِكَ إِلَى نُمرُودَ فَيَقتُلَهُ، دَعنِي أَذهَب بِهِ إِلَى بَعضِ الغِيرَانِ أَجعَلهُ فِيهِ حَتَّى يَأتِيَ عَلَيهِ أَجَلُهُ، وَلا تَكُونَ أَنتَ الَّذِي تَقتُلُ ابنَكَ.

فَقَالَ لَهَا: فَامضِي بِهِ.

قَالَ: فَذَهَبَت بِهِ إِلَى غَارٍ، ثُمَّ أَرضَعَتهُ، ثُمَّ جَعَلَت عَلَى بَابِ الغَارِ صَخرَةً، ثُمَّ انصَرَفَت عَنهُ.

قَالَ: فَجَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رِزقَهُ فِي إِبهَامِهِ، فَجَعَلَ يَمَصُّهَا فَيَشخُبُ لَبَنُهَا، وَجَعَلَ يَشِبُّ فِي اليَومِ كَمَا يَشِبُّ غَيرُهُ فِي الجُمعَةِ، وَيَشِبُّ فِي الجُمعَةِ كَمَا يَشِبُّ غَيرُهُ فِي الشَّهرِ، وَيَشِبُّ فِي الشَّهرِ كَمَا يَشِبُّ غَيرُهُ فِي السَّنَةِ، فَمَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَن يَمكُثَ.

ثُمَّ إِنَّ أُمَّهُ قَالَت لأَبِيهِ: لَو أَذِنتَ لِي حَتَّى أَذهَبَ إِلَى ذَلِكَ الصَّبِيِّ فَعَلتُ.

قَالَ: فَافعَلِي.

فَذَهَبَت فَإِذَا هِيَ بِإِبرَاهِيمَ عليه السلام، وَإِذَا عَينَاهُ تَزهَرَانِ كَأَنَّهُمَا سِرَاجَانِ، قَالَ: فَأَخَذَتهُ فَضَمَّتهُ إِلَى صَدرِهَا، وَأَرضَعَتهُ، ثُمَّ انصَرَفَت عَنهُ فَسَأَلَهَا آزَرُ عَنهُ، فَقَالَت: قَد وَارَيتُهُ فِي التُّرَابِ، فَمَكَثَت تَفعَلُ فَتَخرُجُ فِي الحَاجَةِ وَتَذهَبُ إِلَى إِبرَاهِيمَ عليه السلام فَتَضُمُّهُ إِلَيهَا وَتُرضِعُهُ، ثُمَّ تَنصَرِفُ، فَلَمَّا تَحَرَّكَ أَتَتهُ كَمَا كَانَت تَأتِيهِ، فَصَنَعَت بِهِ كَمَا كَانَت تَصنَعُ، فَلَمَّا أَرَادَتِ الانصِرَافَ أَخَذَ بِثَوبِهَا. فَقَالَت لَهُ: مَا لَكَ؟

فَقَالَ لَهَا: اذهَبِي بِي مَعَكِ.

فَقَالَت لَهُ: حَتَّى أَستَأمِرَ أَبَاكَ.

قَالَ: فَأَتَت أُمُّ إِبرَاهِيمَ عليه السلام آزَرَ فَأَعلَمَتهُ القِصَّةَ.

فَ

٢٦
قَالَ لَهَا ائتِينِي بِهِ فَأَقعِدِيهِ عَلَى الطَّرِيقِ، فَإِذَا مَرَّ بِهِ إِخوَتُهُ دَخَلَ مَعَهُم وَلا يُعرَفُ، قَالَ: وَكَانَ إِخوَةُ إِبرَاهِيمَ عليه السلام يَعمَلُونَ الأَصنَامَ وَيَذهَبُونَ بِهَا إِلَى الأَسوَاقِ وَيَبِيعُونَهَا، قَالَ: فَذَهَبَت إِلَيهِ فَجَاءَت بِهِ حَتَّى أَقعَدَتهُ عَلَى الطَّرِيقِ، وَمَرَّ إِخوَتُهُ فَدَخَلَ مَعَهُم، فَلَمَّا رَآهُ أَبُوهُ وَقَعَت عَلَيهِ المَحَبَّةُ مِنهُ، فَمَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ.

قَالَ: فَبَينَمَا إِخوَتُهُ يَعمَلُونَ يَوماً مِنَ الأَيَّامِ الأَصنَامَ إِذَا أَخَذَ إِبرَاهِيمُ عليه السلام القَدُومَ، وَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَجَرَ مِنهَا صَنَماً لَم يَرَوا قَطُّ مِثلَهُ. فَقَالَ آزَرُ ]لأُمِّهِ[: إِنِّي لأَرجُو أَن نُصِيبَ خَيراً بِبَرَكَةِ ابنِكِ هَذَا. قَالَ: فَبَينَمَا هُم كَذَلِكَ إِذَا أَخَذَ إِبرَاهِيمُ القَدُومَ فَكَسَرَ الصَّنَمَ الَّذِي عَمِلَهُ، فَفَزِعَ أَبُوهُ مِن ذَلِكَ فَزَعاً شَدِيداً، فَقَالَ لَهُ: أَيَّ شَيءٍ عَمِلتَ؟

فَقَالَ لَهُ إِبرَاهِيمُ عليه السلام: وَمَا تَصنَعُونَ بِهِ؟

فَقَالَ آزَرُ: نَعبُدُهُ.

فَقَالَ لَهُ إِبرَاهِيمُ عليه السلام: أَتَعبُدُونَ ما تَنحِتُونَ؟

فَقَالَ آزَرُ لأُمِّهِ: هَذَا الَّذِي يَكُونُ ذَهَابُ مُلكِنَا عَلَى يَدَيهِ))(١).

أقول: ((وَوَقَعَ آزَرُ بِأَهلِهِ فَعَلِقَت بِإِبرَاهِيمَ عليه السلام))، آزر هو أبو إبراهيم؟

وهنا طعن في إبراهيم!

((إِذَا أَخَذَ إِبرَاهِيمُ عليه السلام القَدُومَ، وَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَجَرَ مِنهَا صَنَماً لَم يَرَوا قَطُّ مِثلَه)).

يا إمامية! نبيّ يصنع صنماً بيده لم ير أحد مثله قطّ! اتّقوا الله!!

١- الكافي ٨: ٣٦٦ ــ ٣٦٨.

٢٧
بانتظار ردّكم ومأجورين..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نقول: إنّ المتن المذكور من كون آزر هو والد نبيّ الله إبراهيم عليه السلام لا يمكن القبول به؛ وإن أمكن حمله على التقية فهو، وإلّا يردّ علمه إلى صاحبه ــ وذلك للأسباب التالية:

أوّلاً: إنّ هذا القول مخالف لإجماع الطائفة من كون أجداد النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم كانوا من الموحّدين، ولا يوجد فيهم مشرك واحد, وإبراهيم عليه السلام هو جدّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، فيكون آزر جدّه صلي الله عليه وآله وسلم أيضاً(١).

وقد ورد في هذا الجانب حديث متضافر عند الطائفتين ــ السُنّة والشيعة ــ : أنّ النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم قال: (لم يزل ينقلني الله من أصلاب الطاهرين إلى أرحام المطهّرات، حتّى أخرجني في عالمكم هذا، لم يدنّسني بدنس الجاهلية)(٢).

ثانياً: لم يرد في كتب التاريخ أنّ أبا إبراهيم عليه السلام هو (آزر), بل يقول التاريخ

١- انظر: مجمع البيان، للطبرسي ٤: ٩٠ قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ...)، ٦: ٤٢٦ قوله تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً...).

٢- انظر: تصحيح اعتقاد الإمامية، للمفيد: ١٣٩ في أنّ آباء النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم كانوا موحّدين، مجمع البيان، للطبرسي ٤: ٩٠, ٦: ٤٢٦، تفسير الرازي ٢٤: ١٧٤ قوله تعالى: (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ)، الدرّ المنثور، للسيوطي ٥: ٩٨.

٢٨
أنّ اسم أبيه هو (تارخ)، وهذا ما ورد أيضاً في العهدين: القديم والجديد(١).

والذين يرون أنّ (آزر) هو والد إبراهيم عليه السلام يستندون إلى تعليلات لا يمكن قبولها, ومن ذلك: أنّهم يقولون: إنّ اسم والد إبراهيم عليه السلام هو (تارخ) ولقبه (آزر), وهذا القول لا تسنده الوثائق التاريخية.

أو يقولون: إنّ (آزر) هو اسم صنم كان أبو إبراهيم يعبده, وهذا القول مخالف لظاهر الآية القرآنية التي تقول: إنّ أباه كان (آزر)، إلّا إذا قدّرنا جملة أو كلمة، وهذا أيضاً خلاف الظاهر(٢).

هذا وقد نقل الطبري في تفسيره عن مجاهد قوله: ((لم يكن آزر والد إبراهيم))(٣), وصرّح بهذا المعنى أيضاً الآلوسي في تفسيره عن كثير من علماء المذاهب الأُخرى غير الشيعة(٤).

ثالثاً: مخالف لظاهر القرآن الكريم, وذلك أنّ الله تعالى قال في سورة التوبة:

﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَستَغفِرُوا لِلمُشرِكِينَ وَلَو كَانُوا أُولِي قُربَى مِن بَعدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُم أَنَّهُم أَصحَابُ الجَحِيمِ * وَمَا كَانَ استِغفَارُ إِبرَاهِيمَ لأبِيهِ إلّا

١- الكتاب المقدّس (العهد القديم): ١٨ سفر التكوين، الإصحاح الحادي عشر ٢٦، الكتاب المقدّس (العهد الجديد): ٩٦ إنجيل لوقا، الإصحاح الثالث ٣٤.

٢- تفسير الأمثل ٤: ٣٤٦ قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ...).

٣- جامع البيان ٧: ٣١٦ حديث (١٠٤٧١) قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ...).

٤- روح المعاني ٧: ١٩٤.

٢٩
عَن مَّوعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنهُ﴾(١).

وذلك لأنّ إبراهيم عليه السلام كان قد وعد (آزر) أن يستغفر له، ﴿سَأَستَغفِرُ لَكَ رَبِّي﴾(٢)، بأمل رجوعه عن عبادة الأصنام, ولكنّه عندما رآه مصمّماً على عبادة الأصنام ومعانداً, ترك الاستغفار له، ويتّضح من هذه الآية بجلاء أنّ إبراهيم بعد أن يئس من آزر, لم يعد يطلب له المغفرة ولم يكن يليق به أن يفعل، وكلّ القرائن تدلّ على أنّ هذه الحوادث وقعت عندما كان إبراهيم شابّاً, يعيش في (بابل) ويحارب عبدة الأصنام.

ولكن هناك آيات أُخرى في القرآن تشير إلى أنّ إبراهيم عليه السلام في أواخر عمره, وبعد الانتهاء من بناء الكعبة, طلب المغفرة لأبيه, وفي هذه الآيات ــ كما سيأتي ــ لم تستعمل كلمة (أب)، بل استعملت كلمة (والد) الصريحة في المعنى، إذ يقول: ﴿الحَمدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الكِبَرِ إِسمَاعِيلَ وَإِسحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء * رَبِّ اجعَلنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّل دُعَاء * رَبَّنَا اغفِر لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلمُؤمِنِينَ يَومَ يَقُومُ الحِسَابُ﴾(٣).

فإذا جمعنا هذه الآية مع آية سورة التوبة التي تنهى المسلمين عن الاستغفار للمشركين وتنفي ذلك عن إبراهيم عليه السلام إلّا لفترة محدودة ولهدف مقدّس, تبيّن لنا بجلاء أنّ المقصود من (أب) في الآية المذكورة ليس الوالد, بل هو العم أو

١- التوبة (٩): ١١٣ ــ ١١٤.

٢- مريم (١٩): ٤٧.

٣- إبراهيم (١٤): ٣٩ ــ ٤١.

٣٠
الجدّ من جانب الأُمّ، أو ما إلى ذلك.

وبعبارة أُخرى: إنّ (والد) تعطي معنى الأبوّة المباشرة، بينما (أب) لا تفيد ذلك.

وقد وردت في القرآن كلمة (أب) لمعنى العمّ, كما في الآية (١٣٣) من سورة البقرة: ﴿قَالُوا نَعبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبرَاهِيمَ وَإِسمَاعِيلَ وَإِسحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً﴾(١), والضمير في (قالوا) يعود إلى أبناء يعقوب, وكان إسماعيل عمّ يعقوب لا أباه(٢).

ومن هنا فنحن نردّ هذه الرواية؛ لمخالفتها للقرآن، وهو منهج عُلّمناه من الأئمّة عليهم السلام في مثل هكذا مسائل.

(الجمع بين كون آباء النبيّ محمد صلي الله عليه وآله وسلم موحّدين

وتسمية عبد المطّلب ابنه بـ(عبد العزّى))

« سمير ــ روسيا ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

جزاكم الله خيراً عن هذا الموقع وعن جهودكم الجليلة.

عندي سؤال حيّرني وأرجو أن أجد عندكم الجواب:

١- البقرة (٢): ١٣٣.

٢- انظر: تفسير الأمثل ٤: ٣٤٦ ــ ٣٤٨ قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ...).

٣١
موسوعة الأسئلة العقائدية ج٢ » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ٣١ - ص ٦٠)بما أنّ آباء النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم من آدم عليه السلام موحّدون، ومن البعيد جدّاً أن يختار الله تعالى الأنبياء من نطف غير طاهرة قد دنّستها الأرجاس، فما علّة تسمية عبد المطّلب لابنه المعروف بـ(أبي لهب) بـ(عبد العزّى)؟

حفظكم الله والسلام عليكم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ممّا يجب أن نعرفه قبل الخوض في التسمية ومشروعيتها، أنَّ هناك أدلّة عديدة نؤمن بها بأنّ آباء الأنبياء والأئمّة عليهم السلام موحّدون مؤمنون، وهم من أصلح وأفضل أهل زمانهم، قال تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾(١)، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾(٢).

وقد جاءت أحاديث كثيرة تتضمن هذه المعاني، نذكر بعضها اختصاراً:

روى ابن جرير الطبري في (نوادر المعجزات): ((ثمّ قذفنا في صلب آدم، ثمّ أُخرجنا إلى أصلاب الآباء وأرحام الأُمّهات، ولا يصيبنا نجس الشرك، ولا سفاح الكفر، يسعد بنا قوم ويشقى بنا آخرون))(٣).

١- الحجّ (٢٢): ٧٨.

٢- الشعراء (٢٦): ٢١٩.

٣- نوادر المعجزات: ٨١، الباب الثاني: فضائل سيّدة النساء فاطمة الزهراء.

٣٢
وورد أيضاً: ((وكانت قريش تقول: عبد المطّلب إبراهيم الثاني))(١).

وكذلك قصّته المشهورة وقوله العظيم في وجه أبرهة الحبشي: ((للبيت ربٌّ يحميه]يمنعه[))(٢)، واستسقائه بالنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم عند الجدب والمجاعة، وتوجّهه إلى الكعبة، والتوجّه والتوسّل به إلى الله تعالى(٣).

وقال الشيخ المفيد في (أوائل المقالات): ((واتّفقت الإمامية على أنّ آباء رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم من لدن آدم إلى عبد الله بن عبد المطّلب مؤمنون بالله ــ عزّ وجلّ ــ موحّدون له. واحتجّوا في ذلك بالقرآن والأخبار، قال الله ــ عزّ وجلّ ــ: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾(٤). وقال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم: (لم يزل ينقلني من أصلاب الطاهرين إلى أرحام المطهّرات حتّى أخرجني في عالمكم هذا)(٥))))(٦).

وروي عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: (والله ما عبد أبي ولا جدّي عبد المطّلب ولا هاشم ولا عبد مناف صنماً قط). قيل له: فما كانوا يعبدون؟ قال:

١- تاريخ اليعقوبي ٢: ١١ مولد رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم.

٢- كشف الخفاء، للعجلوني ٢: ١٣٨] ٢٠٣٧[ حرف اللام، السيرة النبوية، لابن كثير ١: ٣٣ قصّة أصحاب الفيل، الكامل في التاريخ، لابن الأثير ١: ٤٤٤.

٣- السيرة الحلبية ١: ١٨٩.

٤- الشعراء (٢٦): ٢١٨ ــ ٢١٩.

٥- تفسير مجمع البيان ٤: ٩٠، ٦: ٤٢٦.

٦- أوائل المقالات: ٤٥ ــ ٤٦.

٣٣
(كانوا يصلّون إلى البيت على دين إبراهيم عليه السلام متمسّكين به)(١).

وقد روى أهل السُنّة في تفاسيرهم ما يدعم صلاحهم ومدحهم، ونقتصر على هذه الرواية:

روى السيوطي في (الدرّ المنثور): ((عن ابن مردويه، عن ابن عبّاس، قال: سألت رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فقلت: بأبي أنت وأُمّي! أين كنت وآدم في الجنّة؟ فتبسّم حتّى بدت نواجذه، ثمّ قال: (إنّي كنت في صلبه... لم يلتق أبواي قطّاً على سفاح، لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيّبة إلى الأرحام الطاهرة، مصفّى مهذّباً، لا تتشعّب شعبتان إلّا كنت في خيرهما...)))(٢).

وبعد هذه المقدّمة والتسليم بها، ينبغي علينا إحسان الظنّ بهم، وتأويل بعض الأسماء، مثل: (عبد العزّى) التي وردت عنهم، خصوصاً أنّ أبا لهب هذا من الكفّار وليس والداً للنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ولا للأئمّة عليهم السلام، ولله الحمد والمنّة.

ومع ذلك نقول بأنّ الأسماء عند العرب من أقسام الألفاظ المرتجلة التي لا تدلّ فيها الألفاظ على معانيها، بل على مسمّياتها، ومنها: أسماء الأعلام والبلدان والآلات والأدوات وغيرها. فمثلاً: مَن سمّى ابنه جميلاً، لا يجعله بهذه التسمية جميلاً حقيقةً، بل قد يكون غيرَ جميل حقيقةً، ومن سمّى ابنه: عبد الله، فقد يكون عدّواً لله، فلم يدلّ الاسم على مسمّاه، وهكذا.

١- إكمال الدين وإتمام النعمة، للصدوق: ١٧٤ الباب ١٢.

٢- الدرّ المنثور ٥: ٩٨ سورة الشعراء.

٣٤
بالإضافة إلى أنّ مفردة (العزّى) غير مختصّة بالآلهة في أصل وضعها في اللغة العربية؛ فإنّها تعني: العزيزة الشريفة ــ مؤنّث الأعزّ ــ فيكون معنى (عبد العزّى): خادم العزيزة، وليس عبداً بمعنى العبادة، كما في عبد المطّلب نفسه.

وكذلك تسمية هذا الابن من بين أبنائه العشرة بهذه التسمية، لها دلالتها على علم عبد المطّلب بجحده وكفره بالرسالة العظيمة في مستقبله، ويدعم هذا الرأي تسمية عدو الله أبي لهب بـ(عبد العزّى)، وتسمية أبي رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم بـ(عبد الله).

وربّما علمه وفعله في هاتين التسميتين ناتجة عن المداراة والمصلحة والتقية مع ذلك المجتمع القبلي الجاهلي الظالم، فلولا هذه التغطية بـ(عبد العزّى) والتي قد يقصد منها (خادم العزيزة)، وظاهرها اعترافه بآلهتهم، كما كان أبو طالب يفعل ذلك معهم؛ حمايةً للرسول صلي الله عليه وآله وسلم، لما استطاع التسمية بـ(عبد الله) والحفاظ عليه، وعلى نفسه من هؤلاء المشركين، ليكون نبيّنا صلي الله عليه وآله وسلم بأبهى صورة وأجمل الأسماء وأحبّها إلى الله تعالى. والله العالم.

(شرعية نذر عبد المطّلب ذبح أحد أبنائه العشرة)

« أبو حسن ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

إذا كان عبد المطّلب مؤمناً، فلماذا قام بهذا النذر: (قتل أحد أولاده‎ إذا وصل عددهم عشرة) الذي يتصرّف بموجبه بنفس أُخرى، وهو محرّم شرعاً، ثمّ يقوم باللجوء إلى الكهنة والاقتراع بالأسهم؟

٣٥
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا يبعد أن يكون نذر عبد المطّلب ذبح أحد أبنائه إن بلغوا عشرة ــ إن صحّ خبر النذر ــ ناجماً عن إلهام أو رؤيا صادقة، على حذو رؤيا نبيّ الله إبراهيم عليه السلام؛ فعبد المطّلب لم يكن شخصاً عادياً، والمظنون جدّاً أنّه من الأوصياء، ولا أقلّ من كونه موحّداً على دين جدّه إبراهيم عليه السلام، وقيل: إنّه من أوصياء عيسى المسيح عليه السلام.

والذي يؤيّد كونه وصيّاً: ما ورد في الأخبار: ((أنّ الأرض لا تخلو من حجّة لله وإلّا لساخت بأهلها))، وكان الناس في عصر عبد المطّلب على عبادة الأوثان، فلو لم يكن في الناس حجّة لله لَما قامت الأرض ولَما استقرّت.

وممّا يؤيّده كذلك: ما ورد في كتب السُنّة من حادثة جيش أبرهة الذي جاء لهدم الكعبة ــ كما أشارت إليه سورة الفيل ــ وحين التقى به أبرهة وهو بصدد استرجاع مائتي ناقة له استولى عليها جيش أبرهة، قال له أبرهة: قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثمّ زهدت فيك حين كلّمتني؛ أتكلّمني في مائتي بعير، وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلّمني فيه؟

فقال عبد المطّلب: إنّي أنا ربّ الأبل، وإنّ للبيت ربّاً سيمنعه(١).

وموقفه هذا يدلّ على درجة عالية من التسليم واليقين لا يمكن أن تتّفق إلّا لنبيّ أو وصيّ نبيّ.

١- جامع البيان ٣٠: ٤٨٩ سورة الفيل.

٣٦
ومن يكن كذلك فكيف يتصوّر أن تبدر منه معصية عظمى تتمثل في ذبح أحد أبنائه وإن كان نذراً؟

فيجب أن نلتمس لفعله هذا وجهاً صحيحاً من الشرع، وقد استقربنا بأنّه قد تلقّى من الله تعالى عبر الرؤيا أو الوحي أو الإلهام ما دفعه إلى الإقدام على ما أقدم عليه، ولعلّه كان مؤمناً بأنّ الله تعالى سوف يفدي ولده عبد الله كما فدى إسماعيل عليه السلام من قبل، ولهذا أقدم على نذره.

وحادثة الذبح كما يرويها بعض المؤرّخين: أنّ عبد المطّلب كان نذر إن وافى له عشرة رهط أن ينحر أحدهم، فلمّا توافوا له أقرع بينهم، فصارت القرعة على عبد الله وكان أحبّهم إليه، فقال: أهو أو مائة من الإبل؟ ثمّ أقرع ثانية بين المائة وبينه، فصارت القرعة على الإبل.

فهذا الخبر يدلّ على أنّ عبد المطّلب كان عازماً منذ البداية على فداء ولده بالإبل، وإلّا لمضى لسبيله وذبح عبد الله، أو همّ بذبحه كما فعل إبراهيم عليه السلام من قبل.

أمّا قولك: ((ثمّ يقوم باللجوء إلى الكهنة والاقتراع بالأسهم))، فلا نرى فيه بأساً أو عيباً على عبد المطّلب كما تظنّ أنت، فإنّ العرب كانوا يقترعون في كثير من المسائل التي يتحيّرون فيها، كالسفر وغيره، فقد كانت القرعة من عادات العرف العربي في الجاهلية وقد أقرّها الإسلام بعد ذلك، أمّا ذهاب عبد المطّلب إلى الكهنة فلم يثبت، وإن ثبت فهو لأجل القرعة لا لأجل التعلّم أو التصديق بأقوالهم.

٣٧

تعليق:

« علي الجابري ــ العراق ــ إمامي »

لا يمكن القبول عقلاً بأنّ إنساناً عاقلاً ينذر هذا النذر المزعوم، فبدل أن يذبح أحد أبنائه إذا بلغوا العشرة فإنّه يتوقّف عن إتيان النساء قبل ذلك!

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ آباء النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم كانوا يعلمون أنّهم يحملون نور النبوّة.

فلعلّ رغبة عبد المطّلب في كثرة الأبناء ليس هو لأجل كثرتهم، بل هو منتظر لانتقال ذلك النور إلى أحد أبنائه، فطلبه للابن العاشر لأجل هذا الغرض، ولعلّ مقصود نذره هو: إذا تحقّق انتقال النور سوف يذبح أحد أبنائه غير ذلك الابن الذي يحمل ذلك النور، وليس معنى ذبحه أن يحصل ذلك بدون رضى من الله تعالى، بل معناه أنّه لو اختبر كما اختبر إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه لفعل.

ولمّا خرجت القرعة على عبد الله الحامل لنور النبوّة، التجأ إلى طريقة أُخرى، وهي: التعرّض إلى اختبار آخر، هو: التنازل عن أمواله من الإبل في قبال حفظ هذا الولد الحامل لنور النبوّة، فصارت القرعة على الإبل دون الابن، فرضي بذلك.

٣٨

(إسلام أبوي النبيّ محمّد صلي الله عليه وآله وسلم وعمّه في مصادر السُنّة)

« أيمن عبد العزيز ــ مصر ــ سُنّي»

السؤال:

ما الدليل على إسلام أُمّ الرسول صلي الله عليه وآله وسلم وأبيه وعمّه من كتب أهل السُنّة.

والسلام عليكم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ولد النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وترعرع في عائلة تدين بالتوحيد، وتتمتّع بسموّ الأخلاق، وعلوّ المنزلة, فإيمان جدّه عبد المطّلب نلمسه من كلامه ودعائه عند هجوم أبرهة الحبشي لهدم الكعبة؛ إذ لم يلتجئ إلى الأصنام، بل توكّل على الله لحماية الكعبة(١).

بل يمكن أن نقول بأنّ عبد المطّلب كان عارفاً بشأن النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ومستقبله المرتبط بالسماء، من خلال الأخبار التي أكدت ذلك. وتجلّت اهتماماته به في الاستسقاء بالنبيّ صلي الله عليه وآله وسلم وهو رضيع, وما ذلك إلّا لِما كان يعلمه من مكانته عند الله المنعم الرزّاق(٢).

١- انظر: السيرة النبوية، لابن كثير ١: ٣٣ قصّة أصحاب الفيل, تاريخ الطبري ١: ٥٥٣، الكامل في التاريخ، لابن الأثير ١: ٤٤٤ ذكر أمر الفيل.

٢- انظر: السيرة الحلبية: ١: ١٨٩, الملل والنحل، للشهرستاني: ٢: ٢٤٠ الفصل الثاني: المحاصلة من العرب.

٣٩
والشاهد الآخر هو: تحذيره لأُمّ أيمن من الغفلة عنه عندما كان صغيراً(١).

وكذلك حال عمّه أبي طالب الذي استمر في رعاية النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم ودعمه لأجل تبليغ الرسالة والصدع بها حتّى آخر لحظات عمره المبارك، متحمّلاً في ذلك أذى قريش وقطيعتهم وحصارهم له في الشِعب.

ونلمس هذا في ما روي عن أبي طالب عليه السلام من مواقف ترتبط بحرصه على سلامة حياة النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم(٢).

وأمّا والدا النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، فالروايات دالّة على نبذهما للشرك والأوثان، ويكفي دليلاً قول الرسول صلي الله عليه وآله وسلم: (لم أزل أُنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات)(٣), وفيه إيعاز إلى طهارة آبائه وأُمّهاته من كلّ دنس وشرك.

قال المعلّق على كتاب (بحار الأنوار) للمجلسي عبد الرحيم الرباني الشيرازي: وذهب بعضهم ــ أي: المخالفون ــ إلى إيمان والديه صلي الله عليه وآله وسلم وأجداده، واستدلّوا عليه بالكتاب والسُنّة، منهم: السيوطي؛ قال في كتاب (مسالك الحنفاء: ١٧):

١- انظر: الطبقات الكبرى، لابن سعد ١: ١١٨ ذكر ضم عبد المطّلب رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٣: ٨٥، باب ذكر مولد النبيّ صلي الله عليه وآله وسلم، البداية والنهاية ٢: ٣٤٣ رضاعته عليه الصلاة والسلام، والسيرة النبوية، لابن كثير ١: ٢٤٠ إكرام عبد المطّلب له.

٢- انظر: أُسد الغابة، لابن الأثير ١: ١٩ ذكر وفاة خديجة وأبي طالب، تاريخ الطبري ٢: ٦٤، البداية والنهاية ٣: ٦٣، والسيرة النبوية، لابن كثير ١: ٤٧٣, وغيرها.

٣- انظر: السيرة الحلبية ١: ٤٥، ٧٠, تفسير الآلوسي ٧: ١٩٥ قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ...)، تفسير البحر المحيط، لأبي حيّان ٧: ٤٥ قوله تعالى: (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ)، تفسير الرازي ١٣: ٣٩ قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ...)، ٢٤: ١٧٤ قوله تعالى: (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ).

٤٠