×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 3) / الصفحات: ٢١ - ٤٠

نعم، روى عروة بن الزبير شراؤه لبلال، وعامر بن فهيرة، وغيرهما(١)، وعروة لا يصدّق في هذا، فهو يجرّ النار إلى قرصه. وروي في مقابله أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي اشتراهما(٢)! وروي عن مجاهد: أنّ المشركين ملّوا بلالاً فتركوه(٣).

وكذلك روي ــ إنّ صحّت الرواية ــ تحكّمه في بلال إلى ما بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومنعه من الخروج من المدينة، لأنّ بلالاً لم يستطع العيش فيها وهي خالية من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال له بلال: ((إن كنت إنّما اشتريتني لنفسك فأمسكني، وإن كنت إنّما اشتريتني لله فدعني وعمل الله))، كما رواه البخاري وغيره(٤). وفيه نكتة تبيّن عدم عتقه لبلال حتّى وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)! فأين عتقه للعبيد؟!!

وأمّا البقية الذين يدّعون أنّ أبا بكر أعتقهم فلم يثبت لهم وجود خارجي خاصّة زنّيرة(٥).

١- سيرة ابن إسحاق ٣: ١٧١ الحديث ٢٣٦، سيرة ابن هشام ١: ٢١٠ ذكر عدوان المشركين على المستضعفين ممّن أسلم بالأذى والفتنة، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٣٠: ٦٧ ترجمة أبي بكر.

٢- رواه الإسكافي كما في شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ١٣: ٢٧٣ خطبة ٢٣٨ القول في إسلام أبي بكر وعليّ وخصائص كلّ منهما.

٣- الدرر في اختصار المغازي والسير، لابن عبد البرّ: ٤٢، الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي ١٠: ١٨١ سورة النحل الآية ١٠٦.

٤- صحيح البخاري ٤: ٢١٧، المعجم الكبير، للطبراني ١: ٣٣٧ الحديث ١٠١٠، الطبقات الكبرى، لابن سعد ٣: ٢٣٨.

٥- انظر: الروض الأنف، للسهيلي ٢: ٧٨ بحث الإكراه على الكفر وعلى المعصية.

٢١

وأمّا سبقه للإسلام، فقد قيل بأنّه لم يدخل مختاراً ولا مكرهاً، وإنّما دخل طمعاً لما سمعه من الكهنة عن ملك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وتسلّطه على العرب، كما ذكرنا ذلك سابقاً؛ فراجع.

تعليق:

« خالد منصر ــ اليمن ــ سُنّي »

إذا كان ما تقولون من عدم إعتاق الصدّيق للعبيد من المسلمين، ففي من نزل قوله تعالى: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى _ إلّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى _ وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾(١)؟ ثمّ من أعتق بلالاً(رضي الله عنه)؟

أين الأمانة العلمية! أنتم كمن ينكر الشمس.. أنا وصلت إلى قناعة أنّه لو قدر بأنّ الإمام عليّاً تولّى الخلافة بعد الرسول، لكنتم شيعة لأبي بكر، تبحثون عن مبرّر لطعن الإسلام فقط..

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ خبر إعتاقه العبيد ونزول الآيات فيه يرجع إلى كذبة كذبها عبد الله بن الزبير على المنبر! ثمّ رواها عنه الكذّابون والضعفاء، ثمّ أخذها المفسّرون وصدّقوا بها، لمّا وافقت هواهم في أبي بكر.

وقبل الولوج في البحث الروائي، لا بدّ أن يعلم: أنّ عبد الله بن الزبير ولد

بالمدينة عام الهجرة(٢)، بالتالي أنّه لم يكن حاضراً في الواقعة التي يذكرها، بل ولا مولوداً بعد!!

١- الليل ٩٢: ١٩ ــ ٢١.

٢- انظر: الإصابة، لابن حجر ٤: ٧٨ ـ٤٧٠٠ـ عبد الله بن الزبير.

٢٢

والخبر رواه كلّ من البزّار في مسنده(١)، والطبري في (جامع البيان)(٢)، والآجري في (الشريعة)(٣)، وابن عساكر في تاريخه(٤)، وابن عدي في (الكامل)(٥)، بطرقهم عن بشر بن السري، عن مصعب بن ثابت، عن عمّه عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير.

ورواه كلّ من ابن إسحاق(٦)، والحاكم النيسابوري(٧)، والطبري(٨)، والواحدي(٩)، وابن عساكر(١٠)، بطرقهم عن محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن عبد الله بن أبي عتيق، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير كما عند الحاكم، وعن بعض أهلي عند الآخرين.

ورواه الثعلبي في تفسيره بطريقه، عن سفيان، عن عتبة، عن من سمع بن الزبير(١١). ونقله مرسلاً الواحدي في (أسباب النزول)(١٢).

١- مسند البزّار ٦: ١٦٨ الحديث ـ٢٢٠٩ـ.

٢- جامع البيان ٣٠: ٢٨٧ الحديث ٢٩٠٣٣.

٣- الشريعة ٤: ١٨٢٦ الحديث ١٢٨٩.

٤- تاريخ مدينة دمشق ٣٠: ٦٩ ــ ٧١ ترجمة أبي بكر.

٥- الكامل ٦: ٣٦١ ـ١٨٤٢ـ ترجمة مصعب بن ثابت.

٦- السيرة النبوية، لابن هشام ١: ٢١١ قصّة تعذيب بلال.

٧- المستدرك على الصحيحين ٢: ٥٢٥ تفسير سورة الليل.

٨- جامع البيان ٣٠: ٢٧٩ الحديث ٢٩٠١١.

٩- أسباب النزول: ٣٠٠ سورة الليل.

١٠- تاريخ مدينة دمشق ٣٠: ٦٩ ترجمة أبي بكر.

١١- الكشف والبيان ١٠: ٢١٩ سورة الليل.

١٢- أسباب النزول: ٣٠١ سورة الليل.

٢٣

ورواه الثعلبي أيضاً بطريقين عن سفيان، عن هشام بن عروة، عن عروة(١).

وذكره السيوطي في (الدرّ المنثور) عن ابن أبي حاتم، عن عروة(٢)؛ ولكنّه ذكر في رسالته (الحبل الوثيق) سنداً عند ابن أبي حاتم في تفسيره إلى عروة، قال: ((وقال ابن أبي حاتم في تفسيره: ثنا أبي، ثنا محمّد بن أبي عمر العدني، ثنا سفيان، ثنا هشام ابن عروة، عن أبيه... الخ))(٣).. ومن الراجح أنّ عروة أخذه من أخيه عبد الله بن الزبير، فهو أيضاً غير معاصر للواقعة! إذا لم يكن الاثنان أخذاه عن خالتهما عائشة.

ولا يخرج عن هذا ما رواه الطبري عن قتادة مرسلاً(٤)، وأخرجه السيوطي عن عبد بن حميد، وابن منذر أيضاً(٥)، وفي سنده سعيد بن بشر روى عن قتادة المناكير، قاله ابن نمير والساجي(٦)، وقتادة نفسه مدلّساً(٧)، إذا لم يكن أخذه من سعيد بن المسيّب، وهو ما رواه الثعلبي والبغوي عن سعيد بن المسيّب مرسلاً(٨).

وأمّا ما نسبوه إلى عبد الله بن مسعود، كما رواه السمرقندي بطريقه إلى منصور ابن مزاحم، عن يونس بن أبي إسحاق، عن عبد الله بن مسعود(٩)؛ ورواه الواحدي،

١- الكشف والبيان ١٠: ٢١٩ سورة الليل.

٢- الدرّ المنثور ٦: ٣٥٨ سورة الليل.

٣- الحبل الوثيق: الفصل الأوّل، وانظر: نقض رسالة الحبل الوثيق: ٩.

٤- جامع البيان ٣٠: ٢٨٧ الحديث ٢٩٠٣٤.

٥- الدرّ المنثور ٦: ٣٦٠ سورة الليل.

٦- تهذيب التهذيب، لابن حجر ٤: ٩ ـ١١ـ.

٧- تذكرة الحفّاظ، للذهبي ١: ١٢٣ ـ١٠٧ـ.

٨- الكشف والبيان ١٠: ٢١٨ سورة الليل، معالم التنزيل ٤: ٤٩٧ سورة الليل.

٩- تفسير السمرقندي ٣: ٥٦٤ سورة الليل.

٢٤

وابن عساكر، بطريقهما عن منصور بن مزاحم، عن ابن أبي وضّاح، عن يونس، عن ابن إسحاق، عن عبد الله(١)، ففيه أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، وهو لم يسمع من ابن مسعود، فابن مسعود توفّي سنة (٣٢هـ)(٢)، وأبو إسحاق ولد فيها أو قبلها ببضع سنين(٣)، وقد كان مدلّساً(٤). فهو دلّسه بلا ريب عن ابن مسعود، وإنّما رواه عن عبد الله، كما في سند الواحدي، وابن عساكر، وهو عبد الله بن الزبير كما عرفت سابقاً.

وبقي ما رووه مرسلاً عن عطاء والضحّاك عن ابن عبّاس، فقد رواه الثعلبي(٥)، والواحدي(٦)، وابن الجوزي(٧)، وغيرهم عن عطاء، ورواه القرطبي عن عطاء والضحّاك(٨)، وفيه إضافة إلى إرساله أنّ الضحّاك لم يلق ابن عبّاس، وأنّ عطاء روى عن ابن عبّاس سبب نزول آخر سيأتي، وما في متنها من أنّ مالك بلال هو عبد الله ابن جدعان، وهو خلاف المشهور من أنّ مالكه كان أُميّة بن خلف.

وأيضاً ما رواه ابن عساكر بطرقه عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس(٩)،

١- أسباب النزول: ٣٠٠ سورة الليل، تاريخ مدينة دمشق ٣٠: ٦٨ ترجمة أبي بكر.

٢- الطبقات الكبرى، لابن سعد ٣: ١٥٩ الطبقة الأُولى عبد الله بن مسعود.

٣- التاريخ الكبير، للبخاري ٦: ٣٤٧ ـ٢٥٩٤ـ، الثقات، لابن حبّان ٥: ١٧٧ ممّن روى عن الصحابة، باب العين.

٤- تهذيب التهذيب، لابن حجر ٨: ٥٩ ـ١٠٠ـ.

٥- الكشف والبيان ١٠: ٢٢٠ سورة الليل.

٦- أسباب النزول: ٣٠١ سورة الليل.

٧- زاد المسير ٨: ٢٦٥ سورة الليل.

٨- الجامع لأحكام القرآن ٢٠: ٨٨ سورة الليل.

٩- تاريخ مدينة دمشق ٣٠: ٦٩ ــ ٧٠ ترجمة أبي بكر.

٢٥

ونقله السيوطي عن عبد بن حميد وابن مردويه عن الكلبي أيضاً(١)، ولكنّه ــ مع ضعفه بالكلبي ــ فيه أنّها نزلت في أبي بكر وأبي سفيان بن حرب! وهو خلاف المعروف المشهور من أنّه أُميّة بن خلف، وقد روي عن عكرمة عن ابن عبّاس سبب نزول آخر، وسيأتي.

فانحصر مخرج الرواية بآل الزبير، وبالأصحّ بعبد الله بن الزبير، ادّعى ذلك على المنبر، ولكنّه! لم يدّع ذلك مباشرة أوّل الأمر، بل ترقّى على مرور الزمان إلى أن قالها على المنبر..

ففي رواية الحاكم عن طريق عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه: أنّه لمّا عاتب أبو قحافة أبا بكر على عتقه للضعاف، قال أبو بكر: ((يا أبت! إنّي إنّما أريد ما أُريد لمّا نزلت هذه الآيات فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى...﴾(٢) الخ))، وهي صريحة في أنّ أبا بكر يريد أن يكون من مصاديق الآيات، لا أنّ الآيات نزلت فيه. ولكن في رواية البزّار عن طريق عامر، عن أبيه أيضاً، ذكر صريحاً أنّ الآيات نزلت في أبي بكر. وفي الثعلبي عن طريق سفيان، عن عتبة، قال: حدّثني من سمع ابن الزبير على المنبر وهو يقول...الخ، وفيها أنّه كان يدّعي أنّ الآيات نزلت في أبي بكر، وظاهرها أنّ دعواه كانت في آخر حياته، لأنّه كان يصعد المنبر وقت ادّعائه للخلافة في مكّة.

وأراد عامر بن عبد الله بن الزبير أن يستر على كذبة أبيه، فنسب القول بنزولها في أبي بكر إلى من حدّثه من أهله، ولم يذكر أباه(٣).

١- الدرّ المنثور ٦: ٣٥٨ سورة الليل.

٢- الليل ٩٢: ٥.

٣- انظر: تفسير ابن جرير الطبري ٣٠: ٢٧٩ الحديث ٢٩٠١١.

٢٦

وفي قبال ما ادّعاه ابن الزبير، هناك روايات تشير إلى شأن نزول آخر:

فقد روى الثعلبي بسنده عن عطاء: أنّها نزلت بحقّ أبي الدحداح لمّا اشترى العذق الذي بخل به صاحبه بعذق في الجنّة(١)؛ ونقله ابن عطية الأندلسي عن السدّي مرسلاً(٢).

وروى ابن أبي حاتم بسنده عن عكرمة، عن ابن عبّاس: أنّها نزلت في رجل اشترى العذق(٣)؛ وعند الواحدي بنفس السند: إنّ الرجل هو أبو الدحداح(٤).

ولهذا نرى الشهيد نور الله التستري يقول في (الصوارم المهرقة):

((إنّا لا نسلّم صحّة الرواية في شأن أبي بكر، فضلاً عن الإجماع عليه، والسند ما ذكره بعضهم أنّها نزلت في حقّ أبي الدحداح، وقد روى هذا أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي في تفسيره الموسوم بـ(أسباب النزول)، بإسناده المرفوع إلى عكرمة، وابن عبّاس: أنّ رجلاً في عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كانت له نخلة فرعها في دار رجل فقير، وصاحب النخلة يصعد ليأخذ منها التمر، فربّما سقطت تمرة فيأخذها صبيان الفقير، فينزل الرجل من نخلته حتّى يأخذ التمر من أيديهم، فإن وجدها في فيّ أحدهم أدخل إصبعه في فيه.

فشكا الفقير إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ممّا يلقى من صاحب النخلة.

فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): (اذهب)، ولقي النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) صاحب النخلة، وقال: (أعطني نخلتك المائلة التي فرعها في دار فلان، ولك بها نخلة في الجنّة).

١- الكشف والبيان ١٠: ٢٢٠ سورة الليل.

٢- المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ٥: ٤٩١ سورة الليل.

٣- تفسير القرآن العظيم، لابن كثير ٤: ٥٥٥ تفسير سورة الليل.

٤- أسباب النزول: ٢٩٩ سورة الليل.

٢٧

فقال الرجل للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ لي نخلاً كثيراً، وما فيها نخلة أعجب إليَّ تمرة منها، فكيف أعطيك! ثمّ ذهب الرجل في شغله.

فقال رجل كان يسمع كلام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): أتعطيني ما أعطيت، أعني النخلة التي في الجنّة إن أنا أخذتها؟

فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): (نعم).

فذهب الرجل ولقي صاحب النخلة فساومها منه، فقال: تعرف أنّ محمّداً أعطاني نخلة في الجنّة، فقلت له: يعجبني تمرها، وأنّ لي نخلاً كثيراً، وما فيه كلّه نخلة أعجب إليَّ تمراً منها؟

فقال الرجل لصاحب النخلة: أتريد بيعها؟ قال: لا، إلّا أن أعطى ما لا أظنّه أعطى، قال: فما مُناك؟ قال: أربعون نخلة؟

فقال الرجل لصاحب النخلة: لقد جئت بعظيم؟ تطلب بنخلتك المائلة أربعين نخلة؟! ثمّ قال الرجل: أنا أعطيك أربعين نخلة.

فقال صاحب النخلة: اشهد لي إن كنت صادقاً، فمرّ الرجل على أُناس ودعاهم وأشهد لصاحب النخلة.

ثمّ ذهب إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقال: يا رسول الله! إنّ النخلة صارت في ملكي فهي لك، فذهب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الفقير، وقال له: (النخلة لك ولعيالك)، فأنزل الله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى...﴾(١) السورة.

وعن عطاء، أنّه قال اسم الرجل أبو الدحداح، ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾: هو أبو الدحداح، ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾(٢): صاحب النخلة، وهو سمرة بن جندب،

١- الليل ٩٢: ١.

٢- الليل ٩٢: ٨.

٢٨

وقوله: ﴿لاَ يَصْلاَهَا إلّا الأَشْقَى _ الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾(١)، المراد به صاحب النخلة، وقوله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى﴾(٢)، هو: أبو الدحداح.

ولا يخفى أنّ مع وجود هذه الرواية [يكون] ادّعاء نزوله في أبي بكر، ثمّ حصر نزوله فيه يكون باطلاً، مع ما لا يخفى من شدّة ارتباط هذه الرواية بمتن الآية بخلاف ما روي أنّه نزل في شأن أبي بكر حين اشترى جماعة يؤذيهم المشركون فأعتقهم في الله تعالى، إذ لا يقال لمن يؤذي عبده أنّه بخيل، ولا أنّه كذّب وتولّى؛ فتدبّر!))(٣).

وقد ورد عندنا خبر صحيح: أنّه نزلت في أبي الدحداح، روى ذلك الحميري عن أحمد بن محمّد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام) في (قرب الإسناد)(٤)، ونقله مرسلاً علي بن إبراهيم القمّي في تفسيره(٥).

(لم يكن ثرياً)

« محمّد علي الشحي ــ الإمارات »

السؤال:

فيمن نزلت الآية: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى _ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾(٦)؟

١- الليل ٩٢: ١٥ ــ ١٦.

٢- الليل ٩٢: ١٧.

٣- الصوارم المهرقة: ٣٠٢ ــ ٣٠٣ الجواب على ما ادّعاه ابن حجر من نزول آيات في أبي بكر.

٤- قرب الإسناد، للحميري: ٣٥٦ الحديث ١٢٧٣.

٥- تفسير القمّي ٢: ٤٢٥ سورة الليل.

٦- الليل ٢٩: ١٧ــ ١٨.

٢٩

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ الآيتين في مجال بيان أنّ نتيجة التقوى ومزاولتها اجتناب النار وعذابها، فهي مطلقة بمنطوقها، وإن اختلفت الآراء في تأويلها وتطبيقها.

أمّا السُنّة فعلى رأيين في شأن نزولها, إذ أكثر مفسّريهم يرى أنّها نزلت في أبي بكر, وبعضهم يذكر بأنّ مورد نزولها كان أبا الدحداح (١). والقولين يرجعان إلى روايتين: الأُولى: عن عبد الله بن الزبير، والثانية: عن ابن عبّاس، وقد فصّلنا القول فيهما في السؤال السابق؛ فراجع!

وأمّا الشيعة فلا ترى صحّة نزولها في حقّ أبي بكر لما يلي:

أوّلاً: إنّ الروايات المزعومة ــ رواية ابن الزبير ومراسيل غيره في أبي بكر ــ متعارضة مع الأحاديث الواردة التي تفيد أنّها نزلت في معنى عام، وخاصّة ما روي عن عليّ(عليه السلام) بخبر صحيح عندهم(٢), أو التي تشير بأنّ شأن النزول كان في أبي الدحداح.

ثانياً: إنّ القول بثروة أبي بكر قول بلا دليل! بل تردّه القرائن والأدلّة الحافّة بالموضوع، فمثلاً أنّ أباه ــ أبا قحافة ــ كان شديد الفقر، حتّى كان يؤجّر نفسه للناس في أُمور خسيسة ليشبع بطنه(٣), فهل يعقل وجود هذه الحالة مع ثراء الابن؟! أليس الأُولى للولد أن يكون بارّاً بأبيه قبل الآخرين؟!

١- أسباب النزول، للواحدي: ٢٩٩ سورة الليل، وانظر: الثعلبي ١٠: ٢٢٠ سورة الليل، تفسير البغوي ٤: ٤٩٥، تفسير القرآن العظيم، لابن كثير ٤: ٥٥٥.

٢- صحيح البخاري ٦: ٨٤ كتاب تفسير القرآن، سورة الليل.

٣- انظر: المنمّق في أخبار قريش، لابن حبيب البغدادي: ٣٧٢ أجواد قريش، شرح نهج البلاغة، لابن ابي الحديد ١٣: ٢٧٥ ـ٢٣٨ـ القول في إسلام أبي بكر وعلي وخصائص كلّ منهما، الكنى والأسماء، للدولابي ٢: ٦٢٧ الحديث ـ١١٢٠ـ، الطرائف في معرفة المذاهب، لابن طاووس: ٦٠٤ في أنّ قولهم أنّ أبا بكر أغنى من النبيّ(صلى الله عليه وسلم) بماله مكابرة، الإفصاح، للمفيد: ٢٣٩ ردّ استدلالهم على فضل الشيخين من تقدّمهما في الإمامة.

٣٠

وأيضاً فإنّ التقوّل بإغناء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بماله, زخرف وباطل! لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قد استغنى بماله، ومال كفيله وعمّه أبي طالب، ومال خديجة(عليها السلام) في مكّة, ولمّا هاجر إلى المدينة فتحت عليه الفتوح والغنائم, ففي أيّ مقطع من الزمن كان(صلى الله عليه وآله وسلم) يحتاج إلى ثروة أبي بكر؟!

(بعض ما ورد بخصوص صحبته في الغار في مصادر الإمامية)

« شوان سوران ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

إنّي أسأل رأيكم بخصوص المصادر الواردة أدناه بأنّها صرّحت بأنّ أبا بكر كان مع الرسول في الغار، حيث إنّني شاهدت هذا الادّعاء في أحد المواقع الأكترونية:

١ــ الكافي، للكليني: ج٨ ص٢٦٢.

٢ــ الأمالي، للطوسي: ص٤٤٧.

٣ــ الفصول المختارة، للمفيد: ص٤٣.

٤ــ المسترشد، للطبري: ص٣٦١.

٣١
موسوعة الأسئلة العقائدية (ج ٣) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ٣١ - ص ٦٠)

٥ــ كنز الفوائد، للكراجكي: ص٣٠٦.

٦ــ حلية الأبرار، للبحراني: ج١ ص١٠٤ ــ وج٢ ص٤١٤.

٧ــ الوسائل، للحرّ العاملي: ج٢٠ ص٢٧٦.

٨ــ الغدير، للأميني: ج١ ص٤٨٠.

وكما عودتمونا دائماً على التفسير العلمي للأجوبة، أتمنّى منكم أن تجاوبونني على هذا السؤال.

شكراً جزيلاً.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

١ــ ما ورد في (الكافي)، في طريقه مجاهيل(١).

٢ــ وما ورد في (أمالي) الطوسي(٢)، في طريقيه ضعفاء، وهما طريقان عامّيان.

٣ــ وما ورد في (الفصول المختارة)(٣)، فهو من باب التنزّل مع قول الخيّاط.

٤ــ وما جاء في كلام الطبري صاحب (المسترشد)(٤)، فهو نقل كلام أهل السُنّة في ادّعائهم وجود أبي بكر في الغار، وأجابهم من باب اشتهار القصّة.

١- الكافي، للكليني ٨: ٢٦٢ الحديث ٣٧٧، وانظر: مرآة العقول، للمجلسي ٢٦: ٢٥٤ الحديث ٣٧٧.

٢- أمالي الطوسي: ٤٤٦ ــ ٤٤٧، المجلس ١٦ الحديث ٩٩٨، ٩٩٩.

٣- الفصول المختارة، للمفيد: ٤٢، فصل: جواب الشيخ على ما أورده أبو الحسن الخيّاط.

٤- المسترشد: ٤٣١ ــ ٤٤٠ الحديث ١٤٣ الباب السادس: حول قصّة الغار.

٣٢

٥ــ وما ما ذكره الكراجكي في (كنز الفوائد)(١)، فهو تقرير لجواب الشيخ المفيد، لِما ادّعاه عمر من فضل صاحبه أبي بكر على ما ذكره المفيد من رؤياه المعروفة.

٦ــ وما ذكره البحراني في (حلية الأبرار)(٢)، فهي نفس الروايات التي ذكرها الطوسي في (الأمالي)، وقد ذكرنا أنّها طرق عامّية، وفي سندها ضعفاء ومجاهيل.

٧ــ وأمّا ما ورد في هامش (الوسائل)(٣)، فهو منقول عن (رجال الكشّي)(٤)، وهو مردود قطعاً، إضافة لطريقه الضعيف.

٨ــ وأمّا ما ورد ذكره في (الغدير) من قصّة الغار، فهو على كونه من طرق العامّة، فقد أجاب عنها الأميني بما فيه الكفاية.

(هل ننفي وجوده في الغار؟)

« أبو الوفا سميح ــ فلسطين ــ سُنّي »

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على رسوله الكريم محمّد بن عبد الله الصادق الأمين.

١- كنز الفوائد: ٢٠٢ ــ ٢٠٦ ذكر منام الشيخ المفيد.

٢- حلية الأبرار ١: ١٣٦ ــ ١٥٣ الباب ١٥ الحديث ٤، ٥، ٧، الباب ١٦ الحديث ٢، ٧.

٣- وسائل الشيعة، للحرّ العاملي ٢٠: ٢٧٥ هامش ٨٤٢، بتحقيق عبد الرحيم الرباني الشيرازي، طبعة المكتبة الإسلامية طهران.

٤- اختيار معرفة الرجال ١: ١٢٩ الحديث ٥٨.

٣٣

أمّا بعد، كيف تفنّد، أو تشكّك، أو حتّى تقبل أن تناقش فكرة: أنّ أبا بكر هل كان مع صاحبه محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد ذكرت في القرآن نصّاً وفصّلها الرسول.. في أكثر من واقعة، وهذا شيء مثبّت؟!

وهذا ما وجد في القرآن، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم: (فما بالك باثنين الله ثالثهما)!

أو تقبل التشكيك؟!

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ التمسّك بآية الغار لوحدها لا ينفع في إثبات وجود أبي بكر في الغار؛ لأنّ الآية لا تصرّح بوجود شخص أبي بكر في الغار، فهي مبهمة من هذه الجهة، وإذا أردت إثبات ذلك، كان عليك إيراد الأدلّة المثبتة والمبيّنة.

وما أوردته آخر سؤالك، فهو ليس بآية! وإنّما قول منسوب لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ورد من طرق أهل السُنّة، لم يثبت عندنا!

ثمّ لا بدّ أن تعلم أنّ الذي طرح فكرة عدم وجود أبي بكر في الغار هو أحد الكتّاب في تأليف له، وكلّ ما نريد أن نقوله نحن: إنّ ذلك نظرية تقبل التصديق والردّ؛ بينما أنت تريد جعله من المسلّمات التاريخية المقطوعة التي لا تقبل النقاش، وبنيت رأيك على ما رويتموه أنتم في كتبكم ومقالة علمائكم، أمّا لو راجعتها وراجعت غيرها بنظرة التدقيق والتحقيق، لعرفت

٣٤

أنّ هذا الرأي، وهو: عدم وجود أبي بكر في الغار، رأي يملك درجة من الاحتمال مقابل الآراء والأقوال الأُخر، وبذلك يسقط القطع بوجوده في الغار وإن كان مشهوراً.

تعليق ١:

« م/عماد ــ فلسطين »

دليل واضح من القرآن والسُنّة أنّ أبا بكر كان مع النبيّ(صلى الله عليه وسلم) وقت وجوده في غار حراء؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا يوجد دليل واضح من القرآن يشير إلى وجود أبي بكر في الغار..

نعم، الآية تشير إلى وجود شخصين في الغار، فالمثبتون يقولون: إنّ الآخر هو أبو بكر؛ تبعاً لروايات مشهورة يذكرونها هم، ولكن تلك الروايات معارضة بروايات تشير إلى وجود أبي بكر في المدينة في مسجد قباء يصلّي خلف سالم مولى أبي حذيفة ليلة هجرة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).

تعليق ٢:

« المغيرة ــ السعودية ــ سُنّي »

ما تفسير الحديث الوارد عن الرسول(صلى الله عليه وسلم) : (إنّ آمن الناس علَيَّ في صحبته أبو بكر)؟ لا تقل أنّها تقيّة، وإلّا فما سببها؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

٣٥

هذه الرواية من موضوعات عمر الكردي؛ قال الدارقطني: ((كذّاب خبيث)), وقال الخطيب: ((غير ثقة؛ يروي مناكير من الأثبات))(١).

(هل هاجر أبو بكر مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ؟)

« حارث فهمي الساكني ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على نبيّنا محمّد وآله الطاهرين.

أمّا بعد، أوّل ما يجب أن نعلمه أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قد اعتمد أُسلوب السرّية التامّة في أمر هجرته تلك الليلة، خاصّة بعدما أمر بهجرة جميع المسلمين إلى المدينة، وأبقى عليّاً(عليه السلام) ؛ لأنّه وصيّه، والقائم مقامه في تأدية حقوق وأمانات الناس المودعة عنده، لذا فإنّ أحداً لم يكن عالماً بخروج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في تلك الليلة سوى أهل بيته المقرّبين، عليّ وفاطمة(عليهما السلام)، وأُمّ هاني بنت أبي طالب(عليه السلام) .

إنّ هذه السرّية تتناقض مع الرواية المنقولة، والتي تقول: بأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قد خرج من بيت أبي بكر نهاراً! (تاريخ الطبري ج٢ ص١٠٠).

وهناك سؤال منطقي آخر، هو: كيف يتوجّه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى بيت أبي بكر الذي كان يحوي المشركين؟! ألا يفترض به أن لا يتوجّه إلى ذلك البيت بالذات، حتّى لا يكشفه أحد من هؤلاء المشركين؟

١- انظر: الغدير، للأميني ٧: ٣٠٧ أحاديث الغلوّ أو قصص الخرافة، الحديث ٢٥.

٣٦

جاء في كتاب (البداية والنهاية)، لابن كثير الأُموي، عن ابن جرير الطبري ما يؤيّد هجرة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى غار ثور وحده، فخاف ابن كثير من هذه الرواية الصحيحة الدالّة على بطلان صحبة أبي بكر، فارتجف قائلاً: ((وهذا غريب جدّاً، وخلاف المشهور من أنّهما خرجا معاً))! (البداية والنهاية ج٣ ص٢١٩، السيرة النبوية، لابن كثير أيضاً ج٢ ص٢٣٦).

الظاهر أنّ الماكرين قد قاموا بتصحيف وتزوير كبيرين، ليوافق اسم (أبي بكر) اسم (ابن بكر)؛ فقد غيّروا اسم أبي بكر الحقيقي(عتيق)، وجعلوه (عبد الله) ليوافق اسم (عبد الله) بن أُريقط بن بكر. (مختصر تاريخ دمشق، لابن عساكر ج١٣ ص٣٥)، وبهذا بقي التغيير بين (ابن بكر)، و(أبي بكر)، وهو سهل وبسيط؛ لأنّ الكتابة في السابق لم تكن منقوطة، لذا فإنّ اسم أبي بكر وكذلك ابن بكر يكتبان بالطريقة نفسها.

إنّ الروايات التي تذكر هجرة أبي بكر مع خاتم الأنبياء(صلى الله عليه وآله وسلم) هي روايات إسرائيلية؛ لأنّها تشتمل على بعض التفاصيل الواضح اتّصالها باليهود وتراثهم!

من تلك القضايا: أنّ حمامة قد جاءت وباضت بيضة أمام الغار، وأنّ عنكبوتاً قد جاء ونسج خيوطه على فتحة الغار، الأمر الذي جعل المشركين يتوهّمون عدم وجود أحد فيه.

وهذا الأمر مناقض للعقل وللصحيح من الروايات؛ لأنّ غار ثور مثلما تشاهدونه هو غار صغير لا تتعدّى مساحته مترين مربعين فقط، فمن غير الممكن أن يحجب أي شيء الرؤية إلى داخله، فلو وقف أي شخص أمام فتحة الغار لشاهد كلّ ما فيه بشكل واضح جدّاً؛ لأنّه غار صغير.

٣٧

ويضاف إلى ذلك: أنّ هناك فتحة أُخرى جانبية في الغار، الأمر الذي يجعل الضوء ينفذ ويضيء الغار بأكمله ممّا يسهل الرؤية. لذا فلا معنى لخيوط عنكبوت ولبيضة حمامة، فالرؤية واضحة تماماً.

والحقيقة أنّهم قد جاؤوا برواية العنكبوت من سيرة النبيّ داود(عليه السلام) في كتب اليهود، حيث نسج العنكبوت خيوطه على غار داود(عليه السلام) عندما لاحقه جالوت بغرض قتله. (تفسير القرطبي ج١٣ ص٣٤٦).

فكيف تفسّرون لنا هذا الكلام مع العلم أنّنا نسمع أنّ أبا بكر كان معه في الغار...

مع جزيل الشكر والتقدير.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نشكركم على المتابعة والبحث والتدقيق والتحقيق؛ إذ أنّ مدرسة الخلفاء والحكّام فيها كثير من المتناقضات والمتهافتات والعجائب والغرائب، ومنها ما موجود في قصّة الغار والهجرة؛ ففيها تناقضات عديدة، حاولت أنت الإشارة إلى بعضها، وإن كان ما ذكرته يحتاج إلى تدقيق وتصحيح.

ومع ذلك، فمن تناقضاتهم: ما ورد في البخاري من أنّ أبا بكر كان يصلّي في المدينة في قباء خلف سالم مولى أبي حذيفة، هو وعمر وآخرون، ولم يكن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قد هاجر بعد..

فقد روى البخاري: عن ابن عمر، قال: لمّا قدم المهاجرون الأوّلون العصبة ــ موضع بقباء ــ قبل مقدم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، كان يؤمّهم سالم مولى أبي حذيفة، وكان أكثرهم قرآناً(١).. ثمّ روى البخاري نفسه: عن ابن عمر أيضاً، قال: كان سالم مولى

١- صحيح البخاري ١: ١٧٠ كتاب الآذان، باب إمامة العبد والمولى.

٣٨

أبي حذيفة يؤمّ المهاجرين الأوّلين وأصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في مسجد قباء، فيهم: أبو بكر، وعمر، وأبو سلمة، وزيد، وعامر بن ربيعة(١).

فلا ندري كيف كان أبو بكر في الغار، وفي نفس الوقت في قباء في المدينة على بعد (٤٠٠كم) يصلّي خلف سالم؟!!

كما أنّه قد ثبت من روايتهم: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قد هاجر وحده ليلاً دون علم أبي بكر، بحيث إنّ أبا بكر ذهب إلى بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، بعد أن خرج إلى هجرته، وهو يقول: يا نبيّ الله! وكان أمير المؤمنين(عليه السلام) قد نام في فراش النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يعلم بذلك أبو بكر، فأجابه عليّ(عليه السلام) : أنا عليّ ولست رسول الله، إن شئت أن تطلب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فالحقه عند بئر ميمون..

كما روى ذلك الحاكم في مستدركه وصحّحه(٢)، ووافقه الذهبي(٣)، وقال الألباني: ((وهو كما قالا))(٤). وأخرجه الهيثمي في (مجمع الزوائد)، وقال: ((رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط باختصار، ورجال أحمد رجال الصحيح غير أبي بلج الفزاري، وهو ثقة وفيه لين(٥).

والرواية عن ابن عبّاس في حديث طويل جامع في مناقبه (عليه السلام) ، كما قال الهيثمي...(وفيه): ثمّ نام مكانه، وكان المشركون يرمون رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فجاء أبو بكر وعليّ نائم، قال: وأبو بكر يحسب أنّه نبيّ الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: يا نبيّ الله!

١- صحيح البخاري ٨: ١١٥ كتاب الأحكام، باب استقضاء الموالي واستعمالهم.

٢- المستدرك على الصحيحين ٣: ١٣٣.

٣- المستدرك على الصحيحين بهامش تلخيص الذهبي ٣: ٣٤٤ الحديث ٤٧١٠.

٤- سلسلة الأحاديث الصحيحة ٥: ٢٦٤ الحديث ٢٢٢٣.

٥- مجمع الزوائد ٩: ١١٩ كتاب المناقب، باب مناقب عليّ(عليه السلام) ، باب جامع في مناقبه.

٣٩

فقال له عليّ: إنّ نبيّ الله قد انطلق نحو بئر ميمونة، فأدركه.

فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار، قال: وجعل عليّ يُرمى بالحجارة كما كان يرمى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو يتضوّر، قد لفَّ رأسه في الثوب لا يخرجه حتّى أصبح، ثمّ كشف رأسه، فقالوا: إنّك للئيم، كان صاحبك نرميه لا يتضوّر، وأنت تتضوّر، وقد استنكرنا ذلك.

وهذا الحديث رواه أحمد في (مسنده)(١)، والنسائي في (السنن الكبرى)(٢)، وفي (الخصائص)(٣).

فلو كان خروجه في النهار، لما نام في فراشه أمير المؤمنين(عليه السلام) ! ولو كان أبو بكر يعلم بالهجرة، أو أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) هاجر من بيته، لما جاء إلى بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)!

وكيف نكذّب رواية صحيحة وحادثة متواترة، وهي نوم أمير المؤمنين(عليه السلام) في فراشه(صلى الله عليه وآله وسلم)، وخروجه(صلى الله عليه وآله وسلم) ليلاً وحده بعد أن رمى التراب في وجوههم ووضعه على رؤوسهم، ثمّ لحقه أبو بكر، فلا ندري ما هو وجه الغرابة عند ابن كثير(٤)؟!

ثمّ ما هو التعارض أصلاً بين الروايتين حتّى يشتط ابن كثير هكذا ويدّعي الغرابة وخلاف المشهور، مع إمكان الجمع بينهما؟ من أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) هاجر لوحده في

١- مسند أحمد بن حنبل ١: ٣٣١ مسند عبد الله بن عبّاس.

٢- السنن الكبرى ٥: ١١٣ الحديث ٨٤٠٩ كتاب الخصائص، ذكر خصائص أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب.

٣- خصائص أمير المؤمنين(عليه السلام) : ٦٣ قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إنّ الله جلّ ثناؤه لا يخزيه أبداً.

٤- انظر: البداية والنهاية ٣: ٢١٩، باب هجرة رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بنفسه الكريمة من مكّة إلى المدينة.

٤٠