×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 3) / الصفحات: ٤٤١ - ٤٦٠

سابيه مؤمناً أو مسلماً، بل يجوز ذلك حتّى إن كان السابي كافراً، وقد عدّها بعض من ترجم لأمير المؤمنين(عليه السلام) في زوجاته(١)، فيكون قد أعتقها وتزوّجها بعد شرائها.

وكذا ما ذكره في خولة بنت جعفر أُمّ محمّد بن الحنفية، فقد كذب فيه أوّلاً: من أنّها هبة من أبي بكر، ودلّس فيه، ثانياً ما نقله من قول ابن عنبة في عمدة الطالب فقد ذكر أوّله وبتر بقية كلامه.

قال ابن عنبة (ت٨٢٨هـ) في ذكر عقب محمّد بن الحنفية: ((وأُمّه خولة بنت جعفر بن قيس بن مسلمة بن عبد الله بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدئل بن حنفية ابن لجيم، وهي من سبي أهل الردّة، وبها يُعرَف ابنها ونُسب إليها، كذا رواه شيخ الشرف أبو الحسن محمّد بن أبي جعفر العبيدلي، عن أبي نصر البخاري، وحكى ابن الكلبي عن خراش بن إسماعيل: أنّ خولة سباها قوم من العرب في خلافة أبي بكر، فاشتراها أُسامة بن زيد بن حارثة، وباعها من أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ، فلمّا عرف أمير المؤمنين صورة حالها أعتقها، وتزوّجها ومهرها.

وقال ابن الكلبي: من قال إنّ خولة من سبي اليمامة فقد أبطل.

وروى الشيخ أبو نصر البخاري عن ابن اليقظان: أنّها خولة بنت قيس بن جعفر ابن قيس بن مسلمة، وأُمّها بنت عمرو بن أرقم الحنفي.

١- تذكرة الخواص، لابن الجوزي ١: ٦٦٤ الباب السادس في ذكر أزواجه.

٤٤١

وقال أبو نصر البخاري أيضاً: روي عن أسماء بنت عميس أنّها قالت: رأيت الحنفية سوداء حسنة الشعر، اشتراها أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) بذي المجاز ــ سوق من أسواق العرب ــ أوان مقدمه من اليمن، فوهبها فاطمة الزهراء(عليها السلام) ، وباعتها فاطمة من مكمل الغفاري، فولدت له عونة بنت مكمل، وهي أُخت محمّد لأُمّه. هذا كلامه.

والأشهر هو الأوّل المروى عن شيخ الشرف))(١).

فظهر وجود الخلاف في سبيها وشرائها، وسيظهر ممّا يأتي أنّ الأشهر لا يساعده الدليل، ولم يقل إلّا الشاذّ: أنّ أبا بكر وهبها لعليّ(عليه السلام) (٢).

فحتّى من قال أنّها من سبي ردّة بني حنيفة، لم يقل: بأنّ أبا بكر أهداها لعليّ(عليه السلام) (٣)، بل صرّح بعضهم بأنّها من سهمه من القسمة(٤).

وهذا لا يستقيم! لأنّها إن كانت من قوم مالك بن النويرة، فسبيها غير صحيح، فهي مسلمة حقيقة، وقد ردّهم عمر، وهذه أُمّ محمّد لم تُرد، مع أنّ الإمام عليّ(عليه السلام) نكحها ومهرها. وهذا يردّ دعوى القوم!

١- عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب: ٣٥٢ الفصل الثالث في عقب ابن الحنفية.

٢- انظر: الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم ٨: ٢٦ ـ١١٦ـ محمّد بن عليّ بن أبي طالب، ذخائر العقبى، للطبري: ١١٧ ذكر ولده، نقله عن ابن السمّان، الطبقات الكبرى، لابن سعد ٥: ٩١ محمّد الأكبر بن عليّ بن أبي طالب.

٣- انظر: الطبقات الكبرى، لابن سعد ٥: ٩١ محمّد الأكبر بن عليّ بن أبي طالب، المنتخب من ذيل المذيل من تاريخ الصحابة والتابعين، للطبري: ١١٧ ذكر من هلك منهم سنة ٨١، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٥٤: ٣٢٣ ــ ٣٢٦ ـ٦٧٩٧ـ محمّد ابن عليّ بن أبي طالب.

٤- انظر: الأنساب، للسمعاني ٢: ٢٨١ الحنفي، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ١: ٢٤٤ ـ١١ـ محمّد بن الحنف ية ونسبه.

٤٤٢

قال السيّد المرتضى في كتابه (الشافي): ((فأمّا الحنفية فلم تكن سبيّة على الحقيقة، ولم يستبحها (عليه السلام) بالسبا، لأنّها بالإسلام قد صارت حرّة مالكة أمرها، فأخرجها من يد من استرقّها، ثمّ عقد عليها عقد النكاح، فمن أين أنّه استباحها بالسبا دون عقد النكاح))(١).

وهذا ما وردت به الرواية عندنا بطريقين، فيهما انقطاع وضعف.

فقد أخرج القطب الراوندي في (الخرائج): ((عن دعبل الخزاعي، قال: حدّثني الرضا، عن أبيه، عن جدّه(عليهم السلام)، قال: كنت عند أبي الباقر(عليه السلام) إذ دخل عليه جماعة من الشيعة وفيهم جابر بن يزيد، فقالوا: هل رضي أبوك عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) بإمامة الأوّل والثاني؟

فقال: اللّهمّ لا.

قالوا: فلِمَ نكح من سبيهم خولة الحنفية إذا لم يرض بإمامتهم؟!

فقال الباقر(عليه السلام) : امض يا جابر بن يزيد إلى منزل جابر بن عبد الله الأنصاري، فقل له: إنّ محمّد بن عليّ يدعوك.

قال جابر بن يزيد: فأتيت منزله وطرقت عليه الباب، فناداني جابر بن عبد الله الأنصاري من داخل الدار: اصبر يا جابر بن يزيد.

قال جابر بن يزيد: فقلت في نفسي: من أين علم جابر الأنصاري أنّي جابر بن يزيد ولم يعرف الدلائل إلّا الأئمّة من آل محمّد(عليهم السلام)! والله لأسألنه إذا خرج إليَّ، فلمّا خرج قلت له: من أين علمت أنّي جابر، وأنا على الباب وأنت داخل الدار؟

١- الشافي في الإمامة ٣: ٢٧١ في جواب الاعتراض على أنّه (عليه السلام) نكح من سبيهم، وانظر: الاستغاثة، لأبي القاسم الكوفي ١: ٤ ذكر بدع الأوّل منهم.

٤٤٣

قال: قد خبّرني مولاي الباقر(عليه السلام) البارحة أنّك تسأله عن الحنفية في هذا اليوم، وأنا أبعثه إليك يا جابر بكرة غد أدعوك.

فقلت: صدقت.

قال: سر بنا. فسرنا جميعاً حتّى أتينا المسجد.

فلمّا بصر مولاي الباقر(عليه السلام) بنا ونظر إلينا، قال للجماعة: قوموا إلى الشيخ فاسألوه حتّى ينبئكم بما سمع ورأى وحدث.

فقالوا: يا جابر! هل رضي إمامك عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) بإمامة من تقدّم؟

قال: اللّهمّ لا.

قالوا: فلِم نكح من سبيهم خولة الحنفية إذا لم يرض بإمامتهم؟!

قال جابر: آه آه آه، لقد ظننت أنّي أموت ولا أُسأل عن هذا، والآن إذ سألتموني فاسمعوا، وعوا: حضرت السبي وقد أُدخلت الحنفية فيمن أُدخل، فلمّا نظرت إلى جميع الناس عدلت إلى تربة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فرّنت رنّة، وزفرت زفرة، وأعلنت بالبكاء والنحيب، ثم نادت:

السلام عليك يا رسول الله صلّى الله عليك، وعلى أهل بيتك من بعدك، هؤلاء أُمّتك سبتنا سبي النوب والديلم، والله ما كان لنا إليهم من ذنب إلّا الميل إلى أهل بيتك، فجعلت الحسنة سيئة، والسيئة حسنة فسبتنا.

ثمّ انعطفت إلى الناس، وقالت: لِمَ سبيتمونا وقد أقررنا بشهادة أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمّداً رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟!

قالوا: منعتمونا الزكاة.

قالت: هبوا الرجال منعوكم، فما بال النسوان؟

٤٤٤

فسكت المتكلّم كأنّما ألقم حجراً.

ثمّ ذهب إليها طلحة وخالد بن عنان في التزوّج بها وطرحا إليها ثوبين.

فقالت: لست بعريانة فتكسوني.

قيل لها: إنّهما يريدان أن يتزايدا عليك، فأيّهما زاد على صاحبه أخذك من السبي.

قالت: هيهات والله لا يكون ذلك أبداً، ولا يملكني ولا يكون لي بعل إلّا من يخبرني بالكلام الذي قلته ساعة خرجت من بطن أُمّي.

فسكت الناس ينظر بعضهم إلى بعض، وورد عليهم من ذلك الكلام ما أبهر عقولهم وأخرس ألسنتهم، وبقي القوم في دهشة من أمرها.

فقال أبو بكر: ما لكم ينظر بعضكم إلى بعض؟!

قال الزبير: لقولها الذي سمعت.

فقال أبو بكر: ما هذا الأمر الذي أحصر أفهامكم، إنّها جارية من سادات قومها ولم يكن لها عادة بما لقيت ورأت، فلا شكّ أنّها داخلها الفزع، وتقول ما لا تحصيل له.

فقالت: لقد رميت بكلامك غير مرمى ــ والله ــ ما داخلني فزع ولا جزع، و ــ والله ــ ما قلت إلّا حقّاً، ولا نطقت إلّا فصلاً، ولا بدّ أن يكون كذلك، وحقّ صاحب هذه البنية ما كذبت ولا كذّبت.

ثمّ سكتت وأخذ طلحة وخالد ثوبيهما، وهي قد جلست ناحية من القوم.

فدخل عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ، فذكروا له حالها.

فقال(عليه السلام) : هي صادقة فيما قالت، وكان من حالها وقصّتها كيت وكيت في حال ولادتها، وقال: إنّ كلّ ما تكلّمت به في حال خروجها من بطن أُمّها

٤٤٥

هو كذا وكذا، وكلّ ذلك مكتوب على لوح نحاس معها، فرمت باللوح إليهم لمّا سمعت كلامه(عليه السلام) ، فقرؤوه فكان على ما حكى عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ، لا يزيد حرفاً ولا ينقص.

فقال أبو بكر: خذها يا أبا الحسن بارك الله لك فيها.

فوثب سلمان، فقال: ــ والله ــ ما لأحد هاهنا منّة على أمير المؤمنين، بل لله المنّة ولرسوله ولأمير المؤمنين، ــ والله ــ ما أخذها إلّا لمعجزه الباهر، وعلمه القاهر، وفضله الذي يعجز عنه كلّ ذي فضل.

ثم قام المقداد، فقال: ما بال أقوام قد أوضح الله لهم طريق الهداية فتركوه، وأخذوا طريق العمى! وما من يوم إلّا وتبيّن لهم فيه دلائل أمير المؤمنين.

وقال أبو ذرّ: واعجباً لمن يعاند الحقّ، وما من وقت إلّا وينظر إلى بيانه، أيّها الناس! إنّ الله قد بيّن لكم فضل أهل الفضل. ثمّ قال: يا فلان أتمنّ على أهل الحقّ بحقّهم وهم بما في يديك أحقّ وأولى؟!

وقال عمّار: أناشدكم الله، أما سلّمنا على أمير المؤمنين هذا عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) في حياة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بإمرة المؤمنين؟

فوثب عمر وزجره عن الكلام. وقام أبو بكر.

فبعث عليّ(عليه السلام) خولة إلى دار أسماء بنت عميس، وقال لها: خذي هذه المرأة، أكرمي مثواها.

فلم تزل خولة عند أسماء إلى أن قدم أخوها، وزوّجها من عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) .

فكان الدليل على علم أمير المؤمنين(عليه السلام) ، وفساد ما يورده القوم من سبيهم، وأنّه (عليه السلام) تزوّج بها نكاحاً.

٤٤٦

فقالت الجماعة: يا جابر بن عبد الله، أنقذك الله من حرّ النار كما أنقذتنا من حرارة الشكّ))(١).

ومثله في كتابي (الروضة)، و(الفضائل) لشاذان بن جبرئيل القمّي عن أبي عبد الله الحسين بن أحمد المدني، قال: ((حدّثني الحسين بن عبد الله البعرمي بالبصرة، قال: حدّثني عبد الله بن هشام، عن الكلبي، قال: حدّثني مهران بن مصعب المكّي، قال: كنّا عند أبي العبّاس بن سابور المكّي، فأجرينا حديث أهل الردّة، فذكرنا خولة الحنفية، ونكاح أمير المؤمنين(عليه السلام) لها.

فقال: أخبرني عبد الله بن الخير الحسيني، قال: بلغني أنّ الباقر(عليه السلام) قد كان جالساً ذات يوم، إذ جاءه رجلان، فقالا: يا أبا جعفر ألست القائل أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) لم يرض بإمامة من تقدّمه؟

قال: بلى.

فقالا له: هذه خولة الحنفية نكحها من سبيهم، ولم يخالفهم على أمرهم مدّة حياتهم...))(٢) الخ.

وفي (مدينة المعاجز) للسيّد هاشم البحراني طريق آخر له أورده عن صاحب كتاب سير الصحابة(٣).

١- الخرائج والجرائح ٢: ٥٨٩، فصل في إعلام الإمام محمّد بن عليّ الباقر(عليه السلام) ، وانظر: ٥٦٣، فصل في إعلام أمير المؤمنين.

٢- الروضة في فضائل أمير المؤمنين(عليه السلام) : ٣٥ حديث خولة الحنفية، الفضائل: ١٠١ خبر خولة الحنفية.

٣- مدينة المعاجز ٢: ٢٢٤ الحديث ٥١٩ الحادي والستّون وثلاثمائة أخباره (عليه السلام) بحال خولة أُمّ محمّد بن الحنفية.

٤٤٧

وأمّا إن كانت من سبي اليمامة من بني حنيفة ممّن ارتدّوا مع مسيلمة، فإنّ خالداً لم يسبهم، وإنّما صالحهم على الرقّيق بخدعة مجاعة بن مروة(١).

ولذلك قال بعض: إنّ الحنفية لم تكن من أنفسهم، وإنّما من سبيهم(٢).

وهذا لا يصحّ، لأنّ نسبها معروف في بني حنيفة، فهي: خولة بنت جعفر بن قيس بن مسلمة بن عبد الله [عبيد] بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدئل بن حنيفة بن لجيم(٣).

فتبيّن أنّ القول الأشهر وهو أنّها من سبي بني حنيفة غير صحيح، وليس لمن ادّعاه من دليل إلّا كونها من بني حنيفة، بل حتّى لو صحّ فلا يفيد إحسان إلهي ظهير، لأنّهم ذكروا أنّها صارت إلى عليّ(عليه السلام) من سهمه، ومن شذّ بقول الهبة فخبره مرسل منقطع، ولا ينفعه لو أراد به تصحيح خلافة أبي بكر، لأنّ صحّة سبي الكافر

١- انظر: تاريخ خليفة بن خيّاط: ٧٢ خبر اليمامة، فتوح البلدان، للبلاذري ١: ١٠٨ الحديث ٢٧٠، تاريخ اليعقوبي ٢: ١٣٠ أيام أبي بكر، تاريخ الطبري ٢: ٥١٦ ــ ٥١٨ ذكر بقية خبر مسيلمة الكذّاب وقومه من اهل اليمامة، تجارب الأُمم، لابن مسكويه ١: ٢٨٦ قتل مسيلمة في حديقة الموت.

٢- انظر: شرح الأخبار، للقاضي النعمان ٣: ٢٩٥ الحديث ١٢٠٠ الإمام الصادق(عليه السلام) ، الطبقات الكبرى، لابن سعد ٥: ٩١ محمّد الأكبر بن عليّ بن أبي طالب، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٥٤: ٣٢٣ ـ٦٧٩٧ـ محمّد بن عليّ بن أبي طالب، تهذيب الكمال، للمزّي ٢٦: ١٤٨ ـ٥٤٨٤ـ، تهذيب التهذيب، لابن حجر ٩: ٣١٥ ـ٥٨٨ـ، المعارف، لابن قتيبة: ٢١٠ أخبار عليّ بن أبي طالب، الرياض النضرة، للطبري ٣: ٢٣٩ مناقب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، الفصل الثاني عشر في ذكر أولاده، الجوهرة في نسب الإمام عليّ وآله، للبري: ٥٨ أبو القاسم محمّد بن عليّ ابن الحنفية.

٣- عمدة الطالب، لابن عنبة: ٣٥٢ الفصل الثالث في عقب ابن الحنفية.

٤٤٨

لا يشترط فيها إسلام أو إيمان أو صحّة ولاية وحكومة السابي، كما ذكرنا سابقاً في قصّة الصهباء، مع أنّ عليّاً(عليه السلام) أعتقها وتزوّجها ومهرها(١).

ومثله في عدم الصحّة القول بأنّها كانت أمة سوداء حسنة الشعر، كما نقل عن أسماء بنت أبي بكر، لأنّ الطريق الذي جاء به نُقل بمتنين متضاربين متعارضين.

فقد أورد ابن سعد عن محمّد بن عمر: ((قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء ابنة أبي بكر، قالت: رأيت أُمّ محمّد ابن الحنفية سندية سوداء وكانت أمة لبني حنيفة ولم تكن منهم، وإنّما صالحهم خالد ابن الوليد على الرقيق ولم يصالحهم على أنفسهم))(٢). وقد عرفت أنّ هذا غير صحيح، لأنّ خولة (أُمّ محمّد) من بني حنيفة أنفسهم، نسبها إليهم ابن سعد وغيره(٣).

وخالفه ما أورده الذهبي بنفس السند في (سير أعلام النبلاء)، قال: ((فروى الواقدي، حدّثني ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء، قالت: رأيت الحنفية وهي سوداء، مشرطة حسنة الشعر، اشتراها عليّ بذي المجاز، مقدمه من اليمن، فوهبها لفاطمة فباعتها، فاشتراها مكمل الغفاري فولدت له عونة))(٤)، والرواية في (سرّ السلسلة العلوية) لأبي نصر البخاري عن أسماء بنت عميس، وهو خطأ! لأنّها أسماء بنت أبي بكر أنّها قالت: ... الخ مع بعض الاختلاف، إلى أن قال: ولا يصحّ أنّها كانت من سبي خالد بن الوليد(٥).

١- الأنساب، للسمعاني ٢: ٢٨١ الحنفي.

٢- الطبقات الكبرى ٥: ٩١ محمّد بن الحنفية.

٣- المصدر نفسه.

٤- سير أعلام النبلاء ٤: ١١٠ ـ٣٦ـ ابن الحنفية.

٥- سر السلسلة العلوية: ٨١ أولاد محمّد بن الحنفية.

٤٤٩

والسند كما رأيت زبيريّ بامتياز، وعدائهم لابن الحنفية معروف مشهور.

ولو كانت سوداء لبان ذلك من محمّد، ولعيّره أعداؤه بأُمّه واشتهر.

وروي عندنا أنّ عليّاً(عليه السلام) أخبر في كتابه الذي كتبه إلى أصحابه بعد منصرفه من النهروان أنّه سباها من اليمن، قال في كتابه لأصحابه مبيّناً لحقّه وشارحاً لأمره: (وقد سمع قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لبريدة الأسلمي حين بعثني وخالد بن الوليد إلى اليمن، وقال: إذا افترقتما فكلّ واحد منكما على حياله، وإذا اجتمعتما فعليّ عليكم جميعاً، فغزونا وأصبنا سبياً فيهم خولة بنت جعفر جار الصفا، وإنّما سمّي جار الصفا من حسنه، فأخذت الحنفية خولة واغتنمها خالد منّي وبعث بريدة إلى رسول الله محرشاً علَيَّ فأخبره بما كان من أخذي خولة، فقال: يا بريدة! حظه في الخمس أكثر ممّا أخذ، وإنّه وليّكم بعدي، سمعها أبو بكر وعمر).

نقلها السيّد ابن طاووس عن كتاب (الرسائل) لمحمّد بن يعقوب الكليني: ((عن علي بن إبراهيم بإسناده، قال: كتب أمير المؤمنين(عليه السلام) كتاباً بعد منصرفه من النهروان وأمر أن يُقرأ على الناس...))(١).

ورويت بسندٍ آخر عند الطبري الإمامي في (المسترشد) عن الشعبي: ((عن شريح بن هاني، قال: خطب عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) بعدما افتتحت مصر، ثمّ قال: وإنّي مخرج إليكم كتاباً، وكتب:

بسم الله الرحمن الرحيم

من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى من قرأ كتابي من المؤمنين والمسلمين: أمّا بعد...)).

١- كشف المحجّة لثمرة المهجة: ١٧٧ كتابه لأصحابه لمّا انصرف من النهروان.

٤٥٠

وهو كتاب طويل يشكو فيه من تقدّمه من أخذهم حقّه، وجاء فيه:

((وقد سمع قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لبريدة الأسلمي، وذلك أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بعثني وخالد بن الوليد إلى اليمن، فقال: إذا تفرّقتما فكلّ واحد منكما أمير على حياله، وإذا اجتمعتما فأنت يا عليّ أمير على خالد، فأغرنا على أبيات، وسبينا فيهم خولة بنت جعفر جان الصفا، وإنّما سُمّيت جان لحسنها، فأخذت خولة واغتنمها خالد منّي!...))(١) الخ.

وقد ذكر لقبها (جار الصفا) ابن قتيبة في (المعارف)(٢)، و(جان الصفا) البري في (الجوهرة في نسب الإمام عليّ وآله)(٣).

ويؤيّده ما في (الإصابة) لابن حجر، قال: ((خولة بنت إياس بن جعفر الحنفية، والدة محمّد بن عليّ بن أبي طالب، رآها النبيّ(صلى الله عليه وسلم) في منزله، فضحك ثمّ قال:

(يا عليّ! أما إنّك تتزوّجها من بعدي، وستلد لك غلاماً فسمّه باسمي، وكنّه بكنيتي، وأنحله). رويناه في فوائد أبي الحسن أحمد بن عثمان الآدمي من طريق إبراهيم بن عمر بن كيسان، عن أبي جبير، عن أبيه قنبر حاجب عليّ، قال: رآني عليّ فذكره، وسنده ضعيف وثبوت صحبتها مع ذلك يتوقّف على أنّها كانت حينئذٍ مسلمة))(٤).

وما في (أنساب الأشراف) للبلاذري، عن علي بن محمّد المدائني أنّه قال: ((بعث رسول الله(صلى الله عليه وسلم) عليّاً إلى اليمن، فأصاب خولة في بني زبيد، وقد ارتدّوا مع عمرو بن معدي كرب، وصارت في سهمه، وذلك في عهد رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فقال

١- المسترشد: ٤٠٩ ــ ٤١٤ من كتاب له (عليه السلام) إلى من قرأ من المؤمنين والمسلمين.

٢- المعارف: ٢١٠ أخبار عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) .

٣- الجوهرة في نسب الإمام عليّ وآله: ٥٨ أبو القاسم محمّد ابن الحنفية.

٤- الإصابة ٨: ١١٣ ـ١١١١٤ـ خولة بنت إياس بن جعفر.

٤٥١
موسوعة الأسئلة العقائدية (ج ٣) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ٤٥١ - ص ٤٨٠)

له رسول الله(صلى الله عليه وسلم) : إن ولدت منك غلاماً فسمّه باسمي، وكنّه بكنيتي، فولدت له بعد موت فاطمة(عليها السلام) غلاماً فسمّاه محمّداً وكنّاه أبا القاسم)).

ولكن البلاذري روى بعدها: ((وحدّثني علي بن المغيرة الأثرم وعبّاس بن هشام الكلبي، عن هشام، عن خراش بن إسماعيل العجلي، قال: أغارت بنو أسد بن خزيمة على بني حنيفة فسبوا خولة بنت جعفر، ثمّ قدموا بها المدينة في أوّل خلافة أبي بكر فباعوها من عليّ، وبلغ الخبر قومها فقدموا المدينة على عليّ فعرفوها، وأخبروه بموضعها منهم، فأعتقها (عليّ) ومهّرها وتزوّجها، فولدت له محمّداً ابنه، وقد كان قال لرسول الله(صلى الله عليه وسلم) : أتأذن لي إن ولد لي بأن أُسمّيه باسمك، وأُكنّيه بكنيتك؟ فقال: نعم. فسمّى ابن الحنفية محمّداً، وكنّاه أبا القاسم.

(قال البلاذري): وهذا أثبت من خبر المدائني))(١).

وقد عرفت ممّا ذكره ابن عنبة عن الكلبي آنفاً أنّ أُسامة بن زيد اشتراها وباعها من عليّ(عليه السلام) ، ونقله أيضاً علي بن محمّد العلوي العمري (ت٧٠٩هـ) في (المجدي في أنساب الطالبين) عن شيخ الشرف: أنّ شيخه أبا نصر البخاري حكى: أنّ ابن الكلبي ذكر عن خراش بن إسماعيل: أنّ خولة سباها قوم من العرب في سلطان أبي بكر فاشتراها أُسامة بن زيد... إلى أن قال: فقال: ابن الكلبي فيما زعم البخاري: من قال أنّ خولة من سبي اليمامة فقد أبطل(٢).

ونسبه ابن أبي الحديد للمحقّقين وأنّه أظهر الأقوال(٣).

١- أنساب الأشراف ٢: ٢٠٠ الحديث ٢٤٦، ٢٤٨.

٢- المجدي في أنساب الطالبين: ١٤ أخبار بني علي لصلبه.

٣- شرح نهج البلاغة ١: ٢٤٤ ـ١١ـ محمّد بن الحنفية ونسبه وبعض أخباره.

٤٥٢

وممّا مضى يتّضح بطلان القول بسبيها في ردّة بني حنيفة، إذ الدليل يردّه، وبالتالي يلحقه في البطلان القول بهبتها لشذوذه وضعفه وبطلان أصله، ثمّ تعدّد النقل بشرائها من قبل عليّ(عليه السلام) ، واتّفاق الأقوال على عتقها وتزويجها ومهرها في عدّة روايات على مختلف الأقوال.. فأيّ حجّة تبقى لمن يعشى عن ضوء الشمس، ويتمسّك مدلّساً بدعوى هبتها من أبي بكر لعليّ(عليه السلام) .

السابع عشر: وأمّا ما ادّعاه من قبول عليّ(عليه السلام) وأولاده الهدايا المالية من أبي بكر، فهذا كذب محض لم يورد عليه دليلاً! بل لم يكن لمثل هذه الهدايا واقع في زمن أبي بكر لهم أو لغيرهم، فإنّه كان يقسّم ما يجيئه من الغنيمة على المسلمين في المدينة بالسويّة، ولم تكن مبالغ كبيرة في زمنه، نعم لمّا تولّى عمر قسّم العطاء بالتفاضل بين المسلمين، وفي زمن عثمان لمّا كثرت الأموال كانت عطاياه لبني أُميّة خاصّة، حتّى ثار عليه المسلمون.

وأمّا أموال الخمس والفيء، فهو حقّهم بالأصل للقرابة والإمامة خصّهم الله به وأعطاه لهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ــ حتّى إنّ فاطمة(عليها السلام) طالبت به أبا بكر ــ فغصبه منهم من تولّى بعده (صلى الله عليه وآله وسلم) ظالماً. وكذب المدّعي هنا أيضاً من أنّ أبا بكر كان يعطيهم ما لم يعطي غيرهم من الخمس والفيء، مع أنّه حقّهم خاصّة.

والخراشي هنا حذف الشاهد الذي أورده إحسان إلهي ظهير في كتابه (الشيعة وآل البيت) تحت عنوان: (اقتداء عليّ بالصدّيق في الصلوات وقبوله الهدايا منه)، من رواية أبي داود في سننه، لأنّه أبعد من أن يدلّ على مطلوبه؛ فهو أوّلاً: ليس من مرويات الشيعة، بل من روايات أهل السُنّة؛ وثانياً: فيه تصريح بأنّ عليّاً(عليه السلام) يطلب من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يجعل له قسمة حقّهم من الخمس، فإذا كان الخمس حقّهم والمولّي هو رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأيّ تفضّل لأبي بكر في ذلك.

٤٥٣

قال أبو داود: ((حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا ابن نمير، ثنا هاشم بن البريد، ثنا حسين بن ميمون، عن عبد الله بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: سمعت عليّاً(عليه السلام) يقول: (اجتمعت أنا والعبّاس وفاطمة وزيد بن حارثة عند النبيّ(صلى الله عليه وسلم) ، فقلت: يا رسول الله! إن رأيت أن تولّيني حقّنا من هذا الخمس في كتاب الله فأقسمه [في] حياتك كي لا ينازعني أحد بعدك فافعل، قال: ففعل ذلك، قال: فقسمته حياة رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، ثمّ ولاّنيه أبو بكر، حتّى إذا كانت آخر سنة من سنيّ عمر، فإنّه أتاه مال كثير، فعزل حقّنا، ثمّ أرسل إليَّ فقلت: بنا عنه العام غنى، وبالمسلمين إليه حاجة فاردده عليهم، فردّه عليهم، ثمّ لم يدعني إليه أحد بعد عمر، فلقيت العبّاس بعد ما خرجت من عند عمر، فقال: يا عليّ! حرمتنا الغداة شيئاً لا يردّ علينا أبداً، وكان رجلاً داهياً))(١).

ولم يرد فيه ذكر للفيء، وفيه أنّ عليّاً(عليه السلام) كان قاسماً لحقّهم من الخمس من قِبل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن يرد ّ ذلك وينازعه يكون مخالفاً لأمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي آخره أنّ هذا الحقّ أخذ منهم أيضاً! فأين استدلّ به إحسان إلهي ظهير من هذا الحديث.

وهل لسائل يسأل ظهير: لِمَ أوردت هذا الحديث من أبي داود فقط ولم تورد ما ذكره قبله عن ابن عبّاس؟!

حيث قال أبو داود: ((حدّثنا أحمد بن صالح، ثنا عنبسة، ثنا يونس، عن ابن شهاب: أخبرني يزيد بن هرمز: أنّ نجدة الحروري حين حجّ في فتنة ابن الزبير أرسل إلى ابن عبّاس يسأله عن سهم ذي القربى، ويقول: لمن تراه؟ قال ابن

١- سنن أبي داود ٢: ٢٧ الحديث ٢٩٨٤.

٤٥٤

عبّاس: لقربي رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، قسمه لهم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، وقد كان عمر عرض علينا من ذلك عرضاً رأيناه دون حقّنا فرددناه عليه وأبينا أن نقبله))(١).

أو الذي قبله عند أبي داود، قال: ((حدّثنا عبيد الله بن عمر، ثنا عثمان بن عمر، أخبرني يونس، عن الزهري، عن سعيد بن المسيّب، ثنا جبير بن مطعم: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) لم يقسم لبني عبد شمس ولا لبني نوفل من الخمس شيئاً، كما قسم لبني هاشم وبني المطّلب.

قال: وكان أبو بكر يقسم الخمس نحو قسم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، غير أنّه لم يكن يعطي قربى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) كما كان يعطيهم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، وكان عمر يعطيهم ومن كان بعده منهم))(٢).

وهل لسائل يسأل: لماذا لم يكن أبو بكر يعطيهم مثل ما كان يعطيهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟! وإذا كان الخمس حقّهم، فهل يكون التصرّف فيه بخلاف عمل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلّا أخذاً له من دون وجه حقّ؟!!

ثمّ لم يكتف ظهير بذلك حتّى أخذ في الكذب، وقال: ((وكانت هذه الأموال بيد عليّ، ثمّ كانت بيد الحسن، ثمّ بيد الحسين، ثمّ علي بن الحسين، ثمّ الحسن بن الحسن، ثمّ زيد بن الحسن))، ونسبها إلى ابن أبي الحديد!

وفي الحقيقة أخذ ذيل ما رواه ابن أبي الحديد عن الجوهري ــ وهما من أهل السُنّة ــ من رواية مالك بن أوس بن الحدثان في تنازع عليّ(عليه السلام) والعبّاس عند عمر

١- سنن أبي داود ٢: ٢٦ الحديث ٢٩٨٢.

٢- سنن أبي داود ٢: ٢٦ الحديث ٢٩٧٩.

٤٥٥

في ميراث النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)(١)، وهي عند البخاري ومسلم(٢)، ولا تعلّق لها بما ذكره أوّلاً من أموال الخمس وقسمة عليّ(عليه السلام) لها، حتّى يقول: ((وكانت هذه الأموال بيد عليّ...)) الخ، وإنّما تخصّ وقف رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهي الحوائط السبعة التي أوصى بها مخيريق اليهودي إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وما أفاء الله به عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) من أموال بني النضير، والتي منعها أبو بكر فاطمة(عليها السلام) مع ما منعه من ملكها في فدك وخيبر(٣)، ثمّ ولاّها عمر عليّ(عليه السلام) ، ثمّ تولاها الحسن، ثمّ الحسين، ثمّ علي بن الحسين، ثمّ زيد بن الحسن، إلى أن تولّى بنو العبّاس فقبضوها(٤).

الثامن عشر: وأمّا مسألة زواج أمير المؤمنين(عليه السلام) من الزهراء(عليها السلام) , فلا نرى أيّة رواية تحكي فضلاً لأبي بكر في ذلك الزواج، أو أيّة خصوصية له فيه، أو لغيره.

نعم, حضورهم وإشهادهم على ذلك الزواج كان مقصوداً من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، لكونهم تجاوزوا حجمهم الحقيقي، وأرادوا الزواج من سيّدة نساء العالمين(عليها السلام) ! فبعد أن

رفضهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) واعتذر لهم بصغر فاطمة(عليها السلام) ، تَقدّم عليّ(عليه السلام) ، بعد أنّ

١- شرح نهج البلاغة ١٦: ٢٢٩ ـ٤٥ـ ذكر ما ورد من السير والأخبار في أمر فدك.

٢- صحيح البخاري ٥: ٢٣ ــ ٢٥ كتاب المغازي، باب حديث بني النضير، صحيح مسلم ٥: ١٥ كتاب الجهاد والسير، باب حكم الفيء.

٣- صحيح مسلم ٥: ١٥٣ ــ ١٥٥، باب قول النبيّ(صلى الله عليه وسلم): لا نوّرث ما تركناه فهو صدقة، صحيح البخاري ٤: ٤١، باب فرض الخمس.

٤- انظر: فتح الباري، لابن حجر ٦: ١٣٩ ــ ١٤٥ كتاب فرض الخمس، وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى ٣: ١٥٥ ــ ١٥٧ الباب السادس، الفصل الثاني: طلب فاطمة من أبي بكر صدقات أبيها.

٤٥٦

اقترحوا عليه كما ورد في بعض الروايات, وانتظروا الردّ من النبيّ متوقّعين ردّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ(عليه السلام) ــ أيضاً لفقره أو لصغر فاطمة(عليها السلام) ــ ورفضه كما رفضهم ليرتاحوا ويطمئنوا، ويرضوا غرورهم على الأقلّ، بعد افتضاحهم بردّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لهم.

فلمّا وافق رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على عليّ(عليه السلام) بعد يوم، أو يومين ــ وفاطمة(عليها السلام) لم تكبر في ذلك اليوم أو اليومين ــ انكشف بذلك لهم وللناس، أنّ عدم تزويج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لهم وعدم رضاهم لسيّدة نساء العالمين(عليها السلام) لم يكن إلّا لعدم كفاءتهم لها، وظهر للناس فضل عليّ(عليه السلام) وشرفه.

وقد روى النسائي في سننه بسنده، قال: ((خطب أبو بكر وعمر فاطمة، فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) : إنّها صغيرة، فخطبها عليّ، فزوّجها منه))(١)، وأخرجه الحاكم في مستدركه وصحّحه(٢)، ووافقه الذهبي(٣).

وما أورداه من روايات ليس فيها أيّ دلالة على مساعدة أبي بكر لعليّ(عليه السلام) ، أو توسّطه في أمر زواجه كما ادّعاه ظهير والخراشي، كيف وعليّ(عليه السلام) ذهب لخطبتها من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وحده ولا يوجد أيّ نصّ يذكر أنّ أبا بكر أو عمر أو غيرهما كلّم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بشأنه، والروايات متّفقة على أنّ عليّاً(عليه السلام) كان فقيراً لا يملك إلّا درعه ودفع مهر فاطمة(عليها السلام) ، وليس فيها أنّهم ساعدوه في المهر على علمهم بفقره. نعم هم طلبوا من عليّ(عليه السلام) التعرّض لخطبة فاطمة(عليها السلام) بعد أن يأسوا من الزواج منها، وأخبرهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ أمرها إلى الله.

١- سنن النسائي ٦: ٦٢ الحديث ٣٢٢١ كتاب النكاح، باب ٧.

٢- المستدرك على الصحيحين ٢: ١٦٧ كتاب النكاح.

٣- المستدرك على الصحيحين بهامش تلخيص الذهبي ٢: ٢٨٨ الحديث ٢٧٥٤ كتاب النكاح.

٤٥٧

ولا نعرف لِمَ قطع إحسان إلهي ظهير الرواية الأُولى، ولم يأت بها على وجهها كاملة كما هي في أمالي الشيخ الصدوق(١) الذي نقلها منه؟ أليس لأنّها نصّ في أفضلية عليّ(عليه السلام) على غيره حتّى رضى الله زواجه من فاطمة(عليها السلام) ، وإنّ عليّاً(عليه السلام) وزوجه أحبّ خلق الله إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؛ فراجع، وأعجب من تدليسه على الناس!!

والأعجب من ذلك أنّه يعدّ شراء بعض لوازم العرس من قبل أبي بكر بمال عليّ، وأمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مساعدة فعلية من أبي بكر في زواج عليّ(عليه السلام) !! حتّى إنّ القارئ يظنّ أنّ أبا بكر اشترى ما اشترى لعليّ وفاطمة(عليهما السلام) من ماله، سبحان الله!!! إذ ما كان أمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) له بالمساعدة في الشراء إلّا كما أمر غيره من أصحابه والقريبين منه كما هي العادة في كلّ عرس، ولكون أبا بكر كان يدور في السوق يبيع الثياب على منكبه، فهو أعرف بالسوق من غيره.

وأمّا ما نقله عن كتاب المجلسي (جلاء العيون) بالفارسية، فأصله ما ورد في مناقب الخوارزمي (ت٥٦٨هـ)، وهو ليس بشيعيّ كما زعمه ظهير، وإنّما سُنّي حنفي أشعري(٢)، رواه بسند عامّي، قال: ((أنبأني مهذّب الأئمّة أبو المظفّر عبد الملك بن علي بن محمّد الهمداني ــ نزيل بغداد ــ أخبرنا محمّد بن عبد الباقي بن محمّد الأنصاري وأبو القاسم هبة الله بن عبد الواحد بن الحصين، قالا: أخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي إذناً، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن عبد الصمد بن الحسن بن محمّد بن شاذان البزّاز، حدّثنا أبو بكر محمّد بن الحسن بن الحسين بن الخطّاب بن فرات بن حيّان العجلي ــ قراءةً علينا من لفظه ومن كتابه ــ حدّثنا الحسن

١- أمالي الصدوق: ٣٩ الحديث ٤٤ المجلس الثاني.

٢- انظر: طبقات الحنفية لعبد القادر القرشي ٢: ١٨٨ ـ٥٨٤ـ.

٤٥٨

ابن محمّد الصفّار الضرير، حدّثنا عبد الوهاب بن جابر، حدّثنا محمّد بن عمير، عن أيّوب، عن عاصم الأحول، عن ابن سيرين، عن أُمّ سلمة وسلمان الفارسي وعليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ، قال: لمّا أدركت فاطمة بنت رسول الله مدرك النساء، خطبها أكابر قريش من أهل السابقة والفضل في الإسلام والشرف والمال، وكان كلّما ذكرها رجل من قريش لرسول الله أعرض رسول الله عنه بوجهه، حتّى كان الرجل منهم يظنّ في نفسه أنّ رسول الله ساخط عليه، أو قد نزل على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فيه وحي من السماء، ولقد خطبها من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أبو بكر الصدّيق، فقال له رسول الله: يا أبا بكر أمرها إلى ربّها، وخطبها بعد أبي بكر عمر بن الخطّاب، فقال له كمقالته لأبي بكر، وإنّ أبا بكر وعمر كانا ذات يوم جالسين في مسجد رسول الله ومعهما سعد بن معاذ الأنصاري، ثم الأوسي فتذاكروا أمر فاطمة بنت رسول الله، فقال أبو بكر: لقد خطبها من رسول الله الأشراف فردّهم رسول الله، وقال: أمرها إلى ربّها إن شاء أن يزوّجها، زوّجها، وإنّ عليّ بن أبي طالب لم يخطبها من رسول الله ولم يذكرها له ولا أراه يمنعه من ذلك إلّا قلّة ذات اليد، وأنّه ليقع في نفسي أنّ الله ورسوله إنّما يحبسانها عليه.

قال: ثم أقبل أبو بكر على عمر بن الخطّاب وعلى سعد بن معاذ، فقال: هل لكما في القيام إلى عليّ بن أبي طالب حتّى تذكرا له هذا، فإن منعه منه قلّة ذات اليد، واسيناه وأسعفناه.

فقال له سعد بن معاذ: وفّقك الله يا أبا بكر، فما زلت موفّقاً، قوموا بنا على بركة الله ويُمنه.

قال سلمان الفارسي: فخرجوا من المسجد فالتمسوا عليّاً في منزله فلم يجدوه، وكان ينضح ببعير كان له الماء على نخل رجل من الأنصار بأُجرة، فانطلقوا نحوه.

٤٥٩

فلمّا رآهم، نظر إليهم عليّ(عليه السلام) ، قال: ما وراكم وما الذي جئتم له؟

فقال له أبو بكر: يا أبا الحسن! إنّه لم يبق خصلة من خصال الخير إلّا ولك فيها سابقة وفضل، وأنت من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالمكان الذي قد عرفت من القرابة والصحبة والسابقة، وقد خطب الأشراف من قريش إلى رسول الله ابنته فاطمة فردّهم، وقال: أمرها إلى ربّها إن شاء أن يزوّجها، زوّجها، فما يمنعك أن تذكرها لرسول الله وتخطبها منه؟ فإنّي أرجو أن يكون الله سبحانه وتعالى ورسوله إنّما يحبسانها عليك.

قال: فتغرغرت عينا عليّ بالدموع، وقال: يا أبا بكر! لقد هيّجت منّي ما كان ساكناً، وأيقظتني لأمر كنت عنه غافلاً، وبالله إنّ فاطمة لرغبتي وما مثلي يقعد عن مثلها، غير أنّي يمنعني من ذلك قلّة ذات اليد.

فقال له أبو بكر: لا تقل هذا يا أبا الحسن، فإنّ الدنيا وما فيها عند الله تعالى ورسوله كهباء منثور.

قال: ثمّ إنّ عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) حلّ عن ناضحه وأقبل يقوده إلى منزله، فشدّه فيه، وأخذ نعله وأقبل إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فكان رسول الله في منزل زوجته أُمّ سلمة بنت أبي أُميّة بن المغيرة المخزومي، فدقّ عليّ بن أبي طالب الباب.

فقالت أُمّ سلمة: من بالباب؟

فقال لها رسول الله صلّى الله عليه وآله ــ قبل أن يقول عليّ، أنا عليّ ــ قومي

يا أُمّ سلمة، فافتحي له الباب، ومريه بالدخول، فهذا رجل يحبّه الله ورسوله ويحبّهما.

قالت أُمّ سلمة: فقلت: فداك أبي وأُمّي، ومن هذا الذي تذكر فيه هذا وأنت لم تره؟

٤٦٠