×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 3) / الصفحات: ٤٨١ - ٥٠٠

سؤالي: ما معنى لم يؤذن بها؟ وما هي العلّة من ذلك؟ وما وجه الانتقاصة في ذلك؟

ودمتم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أي: لم يؤذن له بالصلاة عليها ولا بالحضور في تشييعها، وشخصية مثل فاطمة(عليها السلام) التي هي بنت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) الوحيدة، يشكل عدم حضور من ينصّب نفسه خليفة للمسلمين عند وفاتها ــ والوارد أنّ الوالي أحقّ بالصلاة على الميّت(١) ــ فهو أمر يثير التساؤل عن وجه العلّة في ذلك؟!

والجواب عن هذا التساؤل: إنّ فاطمة(عليها السلام) ماتت وهي واجدة على أبي بكر(٢)، أي: غاضبة، ومع قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ الله يغضب لغضب فاطمة ويرضى

١- انظر: فتح العزيز، للرافعي ٥: ١٥٩ كتاب الصلاة على الجنائز، القول في الصلاة، فيمن يصلّي، المدونة الكبرى، لمالك بن أنس ١: ١٨٨ كتاب الجنائز، في ولاية الميّت إذا اجتمعوا للصلاة، المبسوط، للسرخسي ٢: ٦٢، باب غسل الميّت، بدايع الصنايع ١: ٣١٧، فصل في بيان من له ولاية الصلاة على الميّت، المغني، لابن قدامة ٢: ٣٦٧ غسله والصلاة عليه والأحق بالإمامة في صلاة الجنازة، السنن الكبرى، للبيهقي ٤: ٢٨ جماع الأبواب من أولى بالصلاة على الميّت، الكافي، لابن عبد البرّ: ٨٣، باب من أولى بالصلاة على الميّت.

٢- مسند أحمد بن حنبل ١: ٦، ٩ عن أبي بكر، و٦: ٢٨٣ عن فاطمة الزهراء، صحيح البخاري ٤: ٤٢، و٥: ٨٢، صحيح مسلم ٥: ١٥٤، صحيح ابن حبّان ١١: ١٥٣، السنن الكبرى، للبيهقي ٦: ٣٠٠، ٣٠١.

٤٨١
موسوعة الأسئلة العقائدية (ج ٣) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ٤٧٧ - ص ٥٠٦)

لرضاها)(١)؛ تكون النتيجة: أنّ الله غاضب على أبي بكر. وهذا هو وجه المثلبة والمنقصة!

(لم يثبت يوم أُحد)

« زينة ــ لبنان ــ إمامية »

السؤال:

سمعت أحد المشايخ يقول: أنّ أبا بكر كان من الذين ثبتوا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عندما تفرّق المسلمون في غزوة أُحد، وما هي الأحاديث الواردة في هذا السياق؟

وشكراً.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لم يرد في ثبات |أبي بكر يوم أُحد روايات، وإنّما هي أقوال نسجها أتباعه..

ومن هنا ردّ أبو جعفر الإسكافي كما نقله ابن أبي الحديد في شرحه للنهج على الجاحظ في قوله: ((وقد ثبت أبو بكر مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يوم أُحد كما ثبت عليّ فلا فخر لأحدهما على صاحبه في ذلك اليوم)).

١- انظر: المعجم الكبير، للطبراني ١: ١٠٨ الحديث ١٨٢ مسند عليّ بن أبي طالب، المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٣: ١٥٤ ذكر مناقب فاطمة، كنز العمّال، للمتّقي الهندي ١٢: ١١١ الحديث ٣٤٢٣٧ عن الديلمي، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٣: ١٥٦ ذكر من اسمه أحمد، باب صفة خلقه ومعرفة خلقه، وغيرها.

٤٨٢

فقال أبو جعفر: ((أمّا ثباته يوم أُحد، فأكثر المؤرّخين وأرباب السير ينكرونه، وجمهورهم يروي أنّه لم يبق مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلّا عليّ، وطلحة، والزبير، وأبو دجانة.

وقد روي عن ابن عبّاس أنّه قال: (ولهم خامس وهو عبد الله بن مسعود، ومنهم من أثبت سادساً وهو المقداد بن عمرو).

وروى يحيى بن سلمة بن كهيل، قال: ((قلت لأبي: كم ثبت مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يوم أُحد؟ فقال: اثنان، قلت: من هما؟ قال: عليّ وأبو دجانة))(١).

بل وردت روايات في فراره..

فقد روى الحاكم النيسابوري (ت٤٠٥هـ) في (المستدرك) وصحّحه عن عائشة، قالت: ((قال أبو بكر الصدّيق: لمّا جال الناس على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يوم أُحد كنت أوّل من فاء إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فبصرت به من بعد، فإذا أنا برجل قد اعتنقني من خلفي مثل الطير يريد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإذا هو أبو عبيدة بن الجرّاح...))(٢) الخ.

وعنون الطبراني (ت٣٦٠هـ) لهذا الحديث في (الأوائل): (باب أوّل من فاء من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بعد الهزيمة يوم أُحد)))(٣)، وهذا الحديث روي بصور مختلفة عند عدّة من أصحاب الحديث، وقد ضعّفوه بإسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله.

١- انظر: شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ١٣: ٢٩٣ خطبة ٢٣٨.

٢- المستدرك على الصحيحين ٣: ٢٧ ذكر غزوة أُحد، و٣: ٢٦٦ مناقب أبي عبيدة ابن الجرّاح.

٣- الأوائل: ٩١.

٤٨٣

لكن تضعيفهم هذا لا ينفع لوجود روايات أُخر ذكرت هروبه يوم أُحد، وأُخرى يستنبط منها ذلك.

ففي (الاستذكار) لابن عبد البرّ (ت٤٦٣هـ)، قال: ((وذكر عمر، قال: حدّثنا محمّد بن حاتم، قال: حدّثنا علي بن ثابت، قال: حدّثني موسى بن ثابت بن عيينة، عن إسماعيل بن عمر، قال: لمّا فرض عمر بن الخطّاب الديوان، جاءه طلحة بن عبيد الله بنفر من بني تيم ليفرض لهم، وجاءه رجل من الأنصار بغلام مصفر سقيم، فقال عمر للأنصار: من هذا الغلام؟ قالوا: هذا ابن أخيك هذا ابن أنس بن النضر، قال عمر: مرحباً وأهلاً، وضمّه إليه وفرض له ألفاً، فقال له طلحة: يا أمير المؤمنين! انظر في أصحابي هؤلاء؟ قال: نعم، يفرض له في ستّمائة ستّمائة، فقال طلحة: والله ما رأيتك كاليوم أيّ شيء هذا؟ فقال عمر: أنت يا طلحة تظنن أنّي أنزل هؤلاء منزلة هذا، هذا ابن من جاءنا يوم أُحد أنا وأبو بكر، وقد أُشيع أنّ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) قتل، فقال: يا أبا بكر! ويا عمر! ما لي أراكما واجفان إن كان رسول الله(صلى الله عليه وسلم) قتل، فإنّ الله حيّ لا يموت، ثمّ ولى بسيفه فضرب عشرين ضربة عدّها في وجهه، ثمّ قُتل شهيداً، وهؤلاء قتل آباؤهم على تكذيب رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فكيف أجعل ابن من قاتل مع رسول الله(صلى الله عليه وسلم) كابن من قاتل رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، معاذ الله أن نجعله بمنزلة سواء))(١)، ورواه أُسامة بن منقذ في (اللباب)(٢).

وهذه الرواية على لسان عمر نفسه، ولكن الطبري رواها عن لسان غيره، ولم يذكر فيها أبا بكر، قال: ((فحدّثنا ابن حميد، قال: فحدّثنا ابن حميد، قال:

١- الاستذكار ٣: ٢٤٨، باب جزية أهل الكتاب والمجوس.

٢- لباب الآداب: ١٧٨، ١٧٩، باب الشجاعة من كان من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وسلم) من الشجعان.

٤٨٤

حدّثنا سلمة، قال: حدّثني سلمة، قال: حدّثني محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني القاسم ابن عبد الرحمن بن رافع أخو بني عدي ابن النجّار، قال: انتهى أنس بن النضر عمّ أنس بن مالك إلى عمر بن الخطّاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار وقد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟! قالوا: قتل محمّد رسول الله، قال: فما تصنعون بالحياة بعده قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، ثمّ استقبل القوم فقاتل حتّى قتل، وبه سُمّي أنس بن مالك))(١)، ولكن عمر أعرف بمن كان معه.

وفي الصحيح عندهم: ((عن حمّاد بن سلمة، عن علي بن زيد وثابت البناني، عن أنس بن مالك: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أفرد يوم أُحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش...))(٢).

وأحد المهاجرين عليّ بن أبي طالب بلا ريب، والثاني إمّا سعد أو طلحة، على قولهم، فليس هو أبو بكر.

ولكن ابن حبّان روى في صحيحه عن أبي يعلى بالسند، قال: ((أخبرنا أبو يعلى، حدّثنا هدبة بن خالد، حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) قال يوم أُحد لمّا أرهقوه وهو في سبعة من الأنصار ورجل من قريش: (من يردّهم عنّا فهو رفيقي في الجنّة)...))(٣). لكن في مسند أبي يعلى المطبوع ورد: ((وهو في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش))(٤)، وكذا في مسند أحمد

١- تاريخ الطبري ٢: ١٩٩ غزوة أُحد، جامع البيان، للطبري ٤: ١٥٠ قوله تعالى: (وما محمّد إلّا رسول الله).

٢- صحيح مسلم ٥: ١٧٨، باب غزوة أُحد.

٣- صحيح ابن حبّان ١١: ١٨ الحديث ٤٧١٨.

٤- مسند أبي يعلى ٦: ٦٧ الحديث ٣٣١٩، و٧: ٦٨ الحديث ٣٩٩٠.

٤٨٥

المطبوع(١)، لكن ابن كثير في (البداية والنهاية)، و(السيرة النبوية) أورد رواية أحمد عن حمّاد، عن ثابت وعلي بن زيد، عن أنس بلفظ: ((وهو في سبعة من الأنصار ورجل من قريش))(٢)، فلماذا هذا التحريف والخلط؟!

ولعلّ الخلط جاء من حمّاد في روايته الأُخرى عن عطاء بن السائب، عن الشعبي، عن ابن مسعود، ورواها أحمد أيضاً، قال: ((حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا عفّان، ثنا حمّاد، ثنا عطاء بن السائب، عن الشعبي، عن ابن مسعود: إنّ النساء كنّ يوم أُحد خلف المسلمين يجهزن على جرحى المشركين...

إلى أن قال: أفرد رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في تسعة: سبعة من الأنصار ورجلين من قريش وهو عاشرهم))(٣).

وهوى عطاء والشعبي معروف! مع أنّ عطاء اختلط(٤).

ولله كلام المجلسي(رحمه الله) عند ذكره لقرينة فرار أبي بكر في بحاره ما أفحمه، قال: ((وهي محفوفة بالقرائن الظاهرة، إذ من المعلوم أنّ مع ثباته لا بدّ أن ينقل منه إمّا ضرب أو طعن، والعجب منه أنّه حيث لم يكن من الطاعنين كيف لم يصر من المطعونين؟! ولمّا لم يكن من الجارحين لِمَ لَم يكن من المجروحين؟! وإن لم يتحرّك لقتال مع كونه بمرأى من المشركين ومسمع لِمَ لَم يذكر في المقتولين؟!

١- مسند أحمد بن حنبل ٣: ٢٨٦ مسند أنس بن مالك.

٢- البداية والنهاية ٤: ٢٩ غزوة أُحد، السيرة النبوية ٣: ٥١ غزوة أُحد، روايات الإمام أحمد.

٣- مسند أحمد بن حنبل ١: ٤٦٣ مسند عبد الله بن مسعود، وانظر: المصنّف، لابن أبي شيبة ٨: ٤٩٢ الحديث ٤٢ هذا ما حفظ أبو بكر في أُحد وما جاء فيها.

٤- انظر: مجمع الزوائد، للهيثمي ٦: ١٠٩، باب غزوة أُحد.

٤٨٦

إلّا أن يقال: إنّ المشركين لم يتعرّضوا له، كما لم يقتل ضرار عمر، ولعمري يمكن أن يقال: لو كان حضر ميّت تلك الوقعة لكان يذكر منه بعض ما ينسب إلى الأحياء ولا يدّعي مثل ذلك إلّا من ليس له حظّ من العقل والحياء))(١).

(شربه للخمر بعد تحريمه)

« حسن أحمد ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

هل أبو بكر كان عادلاً في حياة الرسول وبعد مماته (صلى الله عليه وآله وسلم) في خلافته؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ عدالة الصحابي أو عدمها تتبع أعماله وتصرّفاته في حياته, فلا أصل في المقام بعدالة الصحابة من دون قيد أو شرط, بل يدخل جميعهم في دائرة التعديل والتجريح.

ثمّ إنّ تصرّفات كلّ شخص وتقلّباته في مختلف شؤون حياته خير دليل للحكم عليه, وفي مورد السؤال نذكر لك سيئة واحدة وقعت منه في حياة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ــ على سبيل المثال لا الحصر ــ تكفي في معرفة الرجل, وهي: شربه للخمر بعد تحريمه، كما ذكرها الطبري في تفسيره(٢)، ولكنّه أبهم اسم أبي بكر وحرّف الشطر الأوّل من البيت الأوّل:

١- بحار الأنوار ٢٠: ١٤٢ غزوة أُحد.

٢- جامع البيان عن تأويل آي القرآن ٢: ٤٩٢ الحديث ٣٣٠٧.

٤٨٧


تحيي بالسلامة أُمّ بكروهل لي بعد قومي من سلام

فجعله: (أُمّ عمرو) بدل (أُمّ بكر)!! ولكن البزّار صرّح في روايته بأنّ اسم الرجل (أبو بكر)(١)!!

وروى ابن حجر في (الإصابة) عن الفاكهي في كتاب مكّة بسنده: ((عن أبي القموص، قال: شرب أبو بكر الخمر في الجاهلية، فأنشأ يقول.. فذكر الأبيات...))(٢)، وقوله: (في الجاهلية) دخيل في الرواية، كما هو واضح من ذيلها!!

وذكره الحكيم الترمذي في (نوادر الأُصول) وعدّه ممّا تنكره القلوب(٣)، وإنكار القلوب ليس حجّة في الروايات!!

وذكره ابن مردويه في (تفسيره) بسند صحيح عن طريق عيسى بن طهمان؛ أورده عنه ابن حجر في (فتح الباري)(٤), والعيني في (عمدة القاري)(٥).

نعم, قد حاول بعضهم تبرير هذا العمل بأنّه كان قبل نزول التحريم(٦)!!

١- مسند البزّار ١٤: ٧٢ الحديث ٧٥٣٢ مسند أنس بن مالك.

نقول: جاء في رواية البزّار:(وكان في القوم رجل يقال له: أبو بكر، رجل من كنانة، فلمّا شرب...)، وقوله: (رجل من كنانة) دخيل في الرواية في نسخة البزّار؛ إذ تخلو منها رواية الهيثمي عن البزّار في (مجمع الزوائد، للهيثمي ٥: ٥١ كتاب الأشربة، باب تحريم الخمر)، وفي (كشف الأستار عن زوائد البزّار ٣: ٣٥٢، باب تحريم الخمر).

٢- الإصابة ٧: ٣٩ ـ٩٦٣٧ـ ترجمة أبو بكر بن شعوب.

٣- نوادر الأُصول ١: ٢٤٨ الأصل الرابع والأربعون.

٤- فتح الباري ١٠: ٣١ كتب الأشربة، باب نزل تحريم الخمر وهي من البسر والتمر.

٥- عمدة القاري ٢١: ١٦٨ الحديث ٥٥٨٢، باب نزل تحريم الخمر وهي من البسر والتمر.

٦- الإصابة، لابن حجر ٧: ٣٩ ـ٩٦٣٧ـ، نقله عن نفطويه.

٤٨٨

ولكن يردّه:

أوّلاً: إنّ التحقيق يدلّنا على أنّ التحريم قد نزل قبله بمدّة, فإنّ عملية شرب الخمر قد حصلت وقت نزول آيات من سورة المائدة، وهي آخر سورة نزلت في القرآن باتّفاق أهل الحديث والتفسير, والتحريم قد نزل إمّا في أوائل البعثة، أو الهجرة(١)، وإمّا في سنة أربع من الهجرة(٢)، وأمّا في سنة الحديبية سنة ست من الهجرة(٣).

وأمّا القول بنزول التحريم في سنة الفتح عام ثمانية من الهجرة حتّى يوافق وقت نزول الآيات من سورة المائدة, فلا يدعمه ــ على قول البعض(٤) ــ إلّا حديث أحمد،

١- انظر: السيرة النبوية، لابن هشام ٢: ٢٦٩ ذكر الإسراء والمعراج، السيرة النبوية، لابن كثير ٢: ٩٦ رواية ابن إسحاق في قصّة الإسراء والمعراج، المعجم الكبير، للطبراني ٢٠: ٨٣ معاذ بن جبلة، و٢٣: ٢٦٣ عن أُمّ سلمة، البداية والنهاية، لابن كثير ٣: ١٣٧، فصل: الإسراء برسول الله من مكّة، الدرّ المنثور، للسيوطي ١: ٢٥٢ سورة البقرة، الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي ٦: ٢٨٥ سورة المائدة الآية ٩٠، أحكام القرآن، للجصّاص ١: ٣٩٠، باب تحريم الخمر، التفسير الكبير، للرازي ٦: ٤٢، ٤٥ قوله تعالى:(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ).

٢- انظر: أنساب الأشراف، للبلاذري ١: ٢٧٢ ـ٦٣٠ـ، فتح الباري، لابن حجر ١٠: ٢٥ كتاب الأشربة، عمدة القاري، للعيني ١٨: ٢١١ الحديث ٤٦١٨، و٢١: ١٦٦ الحديث ٥٥٧٩، باب الخمر من العنب، السيرة النبوية، لابن هشام ٣: ٦٨٣ غزوة بني النضير، عيون الأثر، لابن سيّد الناس ٢: ٢٤غزوة بني النضير، و٣٥٦ ذكر الحوادث جملة بعد قدوم النبيّ(صلى الله عليه وسلم) المدينة.

٣- انظر: فتح الباري، لابن حجر ١٠: ٢٥ كتاب الأشربة، عمدة القاري، للعيني ٢١: ١٦٦ الحديث ٥٥٧٩.

٤- ابن حجر في فتح الباري ٨: ٢٠٩ سورة المائدة، باب: (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات...).

٤٨٩

الذي فيه اعتراض رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على شخص كان بصدد إهداءه الخمر، أو بيعه(١)؛ وقصارى ما يستفاد من هذا الحديث أنّ التحريم بلغ هذا الرجل عام الفتح, لا أنّ التحريم قد نزل فيه, فلا يعارض الأقوال التي تصرّح بنزول التحريم قبله, خصوصاً أنّ الرجل المذكور ــ على ما في حديث أحمد ــ كان من أعراب البوادي, فيحتمل قويّاً عدم وصول التحريم إليه.

وثانياً: إنّ ذيل رواية شرب الخمر المذكورة، خير شاهد على نزول التحريم قبل تلك الواقعة, إذ جاء فيه أنّ الأمر قد بلغ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم), فقام يجر إزاره حتّى دخل عليهم مغضباً، وهمّ أن يضرب بعضهم، وقول عمر في بعض الروايات: ((أعوذ بالله من غضب الله ورسوله، والله لا أطعمها أبداً))(٢)، يدلّ على أنّ غضب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان بسبب شربهم الخمر.

وهنا نتساءل بأنّ التحريم لو لم يسبق هذه الواقعة, فما هو معنى غضب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في المسألة؟! إذ لو كان مباحاً لم يتأثر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا الشكل!

وأمّا بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم), فمخالفته الوصية بإمامة وخلافة أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) لهو دليل واضح لانحراف الشخص وعدوله عن الخط المستقيم, أضف إلى ذلك مبادرته وتأييده الاعتداء على بيت الزهراء(عليها السلام) ، وضربها، وكسر ضلعها، وإسقاط جنينها، خير شاهد على عدم عدالة الرجل, ممّا أدّى ذلك إلى غضب فاطمة(عليها السلام) عليه ــ بصريح البخاري وغيره(٣) ــ .

١- مسند أحمد بن حنبل ١: ٢٣٠ عن عبد الله بن العبّاس.

٢- جامع البيان، للطبري ٢: ٣٩٢ الحديث ٣٣٠٧.

٣- مسند أحمد بن حنبل ١: ٦، ٩ عن أبي بكر، و٦: ٢٨٣ عن الزهراء(عليها السلام)، صحيح البخاري ٤: ٤٢، و٥: ٨٢، و٨: ٣، صحيح مسلم ٥: ١٥٤، السنن الكبرى، للبيهقي ٦: ٣٠٠، صحيح ابن حبّان ١١: ١٥٣.

٤٩٠

فمن مجموع هذه الموارد ــ وموارد أُخرى لم يسعنا التطرّق إليها في هذا المختصر ــ لا يبقى لدينا أيّ شكّ أو ريب في ثبوت عدم عدالته.

تعليق ١:

« عبد الله ــ المغرب ــ مالكي »

السلام عليكم ورحمة الله..

وبعد، اتّقوا الله في كبار الصحابة، إن كانت لديكم على هؤلاء الصحابة اعتراضات فليس هذا عذر شرعي لتكفيرهم، ولأنّ هذا الأمر لا يخدم الإسلام ولا المسلمين، بل هو سبب للتفرقة بين المسلمين!

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

هناك فرق بين عدم العدالة والكفر، فنحن لم نقل في جوابنا أنّ أبا بكر كافر، بل أوردنا أعمال هذا الرجل التي تدلّ على عدم العدالة.

وإنّ ذكر مثل هكذا أُمور لا بدّ أن لا يضرّ في الوحدة الإسلامية التي دائماً ندعوا إليها، لأنّ الطرف الآخر لا بدّ أن يفهم أنّنا لا نقصد بذلك الإساءة إلى معتقدات الآخرين، بل الغرض هو البحث العلمي الذي نريد الوصول من خلاله إلى معرفة الحقيقة التي نحن مدعوون للبحث عنها، فالوصول إلى الفرقة الناجية(١) التي استثناها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من دخول النار تدعونا إلى تقليب كلّ الأوراق التي تنفع في الوصول إلى الحقيقة.

١- انظر: مسند أحمد بن حنبل ٢: ٣٣٢ عن أبي هريرة، سنن ابن ماجة ٢: ١٣٢١ الحديث ٣٩٩١، سنن أبي داود ٢: ٣٩٠ الحديث ٤٥٩٦، سنن الترمذي ٤: ١٣٤ الحديث ٢٧٧٨، المستدرك على الصحيحين، للحاكم ١: ٦، و١٢٨، وغيرها.

٤٩١

نعم، من حقّ الآخرين أن يعترضوا علينا لو كنّا ــ والعياذ بالله ــ نكذب في نقل الأحاديث مثلاً، فيقال حينئذٍ: إنّ إيرادكم مثل هكذا أحاديث دعوة إلى التفرقة، لكن لمّا كنّا نحرص على إيراد الأحاديث من كتب غير الشيعة، فليس من حقّ أحد وصفنا بذلك، وإلّا فلا بدّ من وصف صاحب كتاب (فتح الباري)، وكتاب (عمدة القاري)، بل البخاري، والطبري، والبزّار، وابن مردويه أيضاً ــ الذين ورد ذكرهم في الجواب ــ بأنّهم من دعاة التفرقة، وهذا ما لا تقبله أنت!

تعليق ٢:

« أبو عبد الله ــ السعودية ــ سُنّي »

اتّقوا الله في أصحاب رسول الله الأخيار، وأزواجه الأطهار، والله إنّكم تكذبون وتعلمون أنّكم تكذبون، وتصدّقون كذبكم!

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ ما نقلناه من روايات كان عن الطبري في تفسيره، والبزّار في مسنده، وعن ابن حجر في كتابه (فتح الباري)، والعيني في كتابه (عمدة القاري)، ممّا نقلاه، عن ابن مردويه في تفسيره.

وقد قال ابن حجر عن رواية ابن مردويه: ((ويحتمل إن كان محفوظاً أن يكون أبو بكر وعمر زارا أبا طلحة في ذلك اليوم ولم يشربا معهم))(١)! فهو يقبل حضورهم في مجلس شرب الخمر ولا يقبل شربهما له.

١- انظر: فتح الباري ١٠: ٣١ كتاب الأشربة، باب نزل تحريم الخمر وهي البسر والتمر.

٤٩٢

ولكن ردّه هذا غير مقبول! فهو يبعّض الرواية حسب هواه، وهو مردود، إلّا أن يثبت لنا بسندٍ صحيح عدم شربهما للخمر، لا في الجاهلية ولا في الإسلام، كما أراد أن يستدلّ، وهذا ما لم يثبت!

فإن كنت تكذّب، فكذّب علمائك! وأوّلهم الطبري، وبعده البزّار، ثمّ صاحب (فتح الباري)، وصاحب (عمدة القاري)، وابن مردويه.. وأمّا نحن فليس لنا شأن في ذلك، وإنّما نحن كناقل التمر إلى هجر، وإنّما لا نقبل تعليل ابن حجر والعيني العليل، فلا مستند صحيح له!!

(أبيات منسوبة إلى أبي بكر)

« محمّد سعيد ــ ألمانيا ــ إمامي »

السؤال:

يروي البخاري في كتاب المناقب، باب هجرة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه إلى المدينة: ((...عن عروة بن الزبير، عن عائشة: أنّ أبا بكر كان قد تزوّج امرأة من كلب، يقال لها: أُمّ بكر، فلمّا هاجر أبو بكر طلّقها، فتزوّجها ابن عمّها))، هذا الشاعر الذي قال هذه القصيدة في رثاء كفّار قريش:


وماذا بالقليب قليب بدرمن الشيزى تزين بالسنام
تحيينا السلامة أُمّ بكروهل لي بعد قومي من سلام
يحدّثنا الرسول بأن سنحياوكيف حياة أصداء وهام

ما مدى صحّة ذلك؟

٤٩٣

هذا ما طرحه علَيَّ أحد السُنّة، ووعدته بالجواب منكم، فهم اعتماداً على البخاري يبعدون الشبهة عن أبي بكر.

والسلام عليكم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

هذه الرواية مكذوبة وعلامات الوضع تلوح في أُفقها، حيث كان أمر أبي بكر مع هذه الأبيات مشهوراً عنه، منتشراً بين الناس، ولكن للوضّاعين والملوكيين والمتعصبين تصرّف وقول يختلف.

فقد قال ابن حجر العسقلاني في شرحه لهذا الحديث في (فتح الباري): ((ودلّ حديث عائشة على أنّ لنسبة أبي بكر إلى ذلك أصلاً, وإن كان غير ثابت عنه، والله أعلم))(١).

وقال في (الإصابة): ((وكانت عائشة أشارت إلى الحديث الذي أخرجه الفاكهي في كتاب مكّة، عن يحيى بن جعفر، عن علي بن عاصم، عن عوف بن أبي جميلة، عن أبي القموص، قال: شرب أبو بكر الخمر في الجاهلية، فأنشأ يقول... فذكر الأبيات، فبلغ ذلك رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فقام يجرّ أزاره حتّى دخل، فتلقّاه عمر وكان مع أبي بكر، فلمّا نظر إلى وجهه محمرّاً، قال: نعوذ بالله من غضب رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، والله لا يلج لنا رأساً أبداً، فكان أوّل من حرّمها على نفسه، واعتمد نفطويه على هذه الرواية، فقال: ((شرب أبو بكر الخمر قبل أن تحرَّم، ورثى قتلى بدر من المشركين))(٢).

١- فتح الباري ٧: ٢٠١، باب هجرة النبيّ(صلى الله عليه وسلم) وأصحابه.

٢- الإصابة ٧: ٣٩، وانظر: القرط على الكامل: ٤٧٦-٤٧٧ الباب السادس والثلاثون.

٤٩٤

وإذ علمت وجود النسبة، بل الرواية في أبي بكر من لسان ابن حجر، فإليك ما يدلّ على كذب رواية البخاري عن عائشة:

أوّلاً: لم يعرف أنّ أبا بكر تزوّج في مكّة امرأة من كلب أو كنانة، تكنّى (أُمّ بكر) إلّا من هذه الرواية، بل لم يعرف اسمها ونسبها أهل النسب والتاريخ، ثمّ إنّ مفروض الرواية إنّها كانت تكنّى بـ(أُمّ بكر) وهي عند أبي بكر، فلماذا كنّي ابن عمّها بعد أن تزوّجها بأبي بكر؟! وإذا كانت الكنية له من قبل زواجه، فما هذا التوافق العجيب في كنيتها وكنية زوجها الأوّل والثاني! إلّا إذا كان وراء هذه الكنى ما ورائها!

ثانياً: إنّ الشاعر المنسوبة له هذه الأبيات والذي تدّعي عائشة أنّه ابن عمّ أُمّ بكر ليس كلبياً، أي: من كلب بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة ابن كنانة، كما يفهم من ابن حجر في الفتح(١)، وإنّما هو شدّاد بن الأسود بن عبد شمس بن مالك بن جعونة بن عويرة بن شجع بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة ابن كنانة(٢)، ولذا ينسب بـ(ليثي، بكري، كناني)، ولا يكنّى بأبي بكر، وإنّما يعرف بابن شعوب نسبة لأُمّه، أو جدّته(٣)، وما كنّوه بـ(أبي بكر) إلّا لينسبوا له الشعر الذي تمثّل به أبو بكر عند شربه للخمر، تمويهاً وتعمية على المسلمين! آخذين من خبر عائشة المكذوب مستندهم، ولذا سمّاه أبو سفيان (ابن شعوب) في شعره، وسيأتي.

ثالثاً: إنّ أوّل من كنّى شدّاد بن الأسود بـ(أبي بكر) هو هشام بن محمّد الكلبي (ت٢٠٤هـ) في (جمهرة أنساب العرب) برواية محمّد بن حبيب، فقد نسب إليه بيتين من الشعر قالها في هشام بن المغيرة المخزومي، قال:

١- فتح الباري ٧: ٢٠١، باب هجرة النبيّ(صلى الله عليه وسلم) وأصحابه.

٢- أنساب الأشراف، للبلاذري ١١: ٩٥ من بني شجع بن عامر.

٣- سيرة ابن إسحاق ٣: ٣١٢ غزوة أُحد.

٤٩٥

وله يقول أبو بكر بن شعوب:


ذَرِيني أَصْطَبِحْ يا بَكْرُ إِنّيرأَيتُ الموت نقَّب عن هِشامِ
تَخَيَّره ولم يَعْدِلَ سِواهوَنِعْمَ المَرْءُ من رجُل تَهامِ(١)

وتبعه كالنص مصعب الزبيري (ت٢٣٦هـ) في (نسب قريش)(٢).

ولكن من له معرفة بالشعر كأبي تمّام الشاعر (ت٢٣١هـ) نسبه إلى بحير بن عبد الله القشيري، وأورد البيت الأوّل بـ(يا هند) بدل (يا بكر)(٣)، ومثله البلاذري (ت٢٧٩هـ) في (أنساب الأشراف)(٤).

وابن دريد في (الاشتقاق) (ت٣٢١هـ) نسبه إلى بحير بن عبد الله بن سلمة الخير ابن قشير(٥).

وأبو القاسم الآمدي (ت٣٧٠هـ) في (المؤتلف والمختلف في أسماء الشعراء)، قال في باب الباء في أوائل الأسماء: ((ومنهم بحير ــ بالحاء غير المعجمة ــ بن عبد الله ابن عامر بن سلمة الخير بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وكان رئيساً شاعراً، وهو القائل يرثي هشام بن المغيرة)).

ثمّ أورد شعره...

ثمّ قال: ((وله أشعار جياد في كتاب بني قشير))(٦).

١- جمهرة أنساب العرب ١: ١٦ ولد يقظة بن مرّة.

٢- نسب قريش ١: ٣٠١ الجزء الخامس، ولد يقظة بن مرّة وهم بنو مخزوم بن يقظة.

٣- الوحشيات (الحماسة الصغرى): ٢٥٧، باب السماحة والأضياف.

٤- أنساب الأشراف ١٠: ١٧٣ ولد يقظة بن مرّة.

٥- الاشتقاق: ١٠١ تسمية رجال بني عبد بن قصي، رجال بنو مخزوم بن يقظة.

٦- المؤتلف والمختلف في أسماء الشعراء وكناهم وألقابهم وأنسابهم وبعض شعرهم: ٧٢، باب الباء في أوائل الأسماء.

٤٩٦

وأمّا نشوان الحميري (ت٥٧٣هـ) فسمّاه بجير بن عبد الله بن عامر بن سلمة القشيري(١).

وإذ ظهر الخطأ في نسبة الشعر إلى شدّاد بن الأسود بن شعوب، فكيف يطمئنّ بصحّة الكنية والاسم؟ إذ يتسرّب الشكّ إلى كلّ الرواية!

نعم، كنّاه ابن هشام (ت ٢١٣هـ) في (السيرة) بـ(أبي بكر) نقلاً عن ابن إسحاق عندما أورد الرثاء المنسوب إليه في قتلى المشركين في بدر، فقال: ((قال ابن إسحاق: وقال أبو بكر بن الأسود بن شعوب الليثي، وهو شدّاد بن الأسود...))(٢) الخ.

ولكن القسم الخاص بغزوة بدر من سيرة ابن إسحاق مفقود، فلا يتسنّى التأكّد من النسبة، وابن هشام أضاف وحذف في تهذيبه لسيرة ابن إسحاق، وابن إسحاق في سيرته الموجودة غزوة بدر لا يكنّي شدّاد بن الأسود إلّا بـ(ابن شعوب)(٣).

ثمّ حتّى لو كانت النسبة صحيحة، فإنّ ابن إسحاق لم يكن على معرفة بالشعر؛ قال ابن سلام (ت٢٣٢هـ)، في مقدّمة كتابه (طبقات فحول الشعراء): ((وكان ممّن أفسد الشعر وهجنه وحمل كلّ غثاء منه محمّد بن إسحاق بن يسار مولى آل مخزمة بن المطّلب بن عبد مناف، وكان من علماء الناس بالسير، قال الزهري: لا يزال في الناس علم ما بقى مولى آل مخزمة، وكان أكثر علمه بالمغازي والسير وغير ذلك، فقبل الناس عنه الأشعار، وكان يعتذر منها ويقول: لا علم لي بالشعر

١- الحور العين: ١٩١ المذاهب.

٢- السيرة النبوية، لابن هشام ٢: ٥٤٩ ما قيل من الشعر في يوم بدر.

٣- سيرة ابن إسحاق/السير والمغازي ٣: ٣١٢ غزوة أُحد.

٤٩٧

أُتينا به فأحمله، ولم يكن ذلك له عذراً، فكتب في السير أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعراً قطّ، وأشعار النساء فضلاً عن الرجال، ثمّ جاوز ذلك إلى عاد وثمود... إلى أن قال: فلو كان الشعر مثل ما وضع لابن إسحاق، ومثل ما روي الصحفيون، ما كانت إليه حاجة ولا فيه دليل على علم))(١).

وإذا عرفنا من أين أخذ ابن إسحاق، عرفنا أصل النسبة في هذه الأبيات..

قال ابن إسحاق كما نقله عنه ابن هشام في أوّل سيرة غزوة بدر: ((قال ابن إسحاق: فحدّثني محمّد بن مسلم الزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر، ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، وغيرهم من علمائنا، عن ابن عبّاس، كلّ قد حدّثني بعض هذا الحديث، فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث بدر))(٢)، وقد أورد هذه الأبيات في رثاء قتلى المشركين بعنوان (فيما قيل من الشعر في شأن غزوة بدر).

فهو يروي عن الزهري، عن عروة بن الزبير، وهو نفس طريق البخاري في روايته للأبيات، قال: ((حدّثنا أصبغ حدّثنا ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: إنّ أبا بكر...))(٣).

فظهر أنّ أصل النسبة هي عن آل الزبير عن خالتهم عائشة، ثمّ أخذ منهم من جاء بعدهم راوياً للسيرة. فعائشة كَنّت القائل بـ(أبي بكر)، ثمّ نُسب في السيرة إلى شدّاد بن الأسود بن شعوب وكنّوه بـ(أبي بكر)، ولا نجد كنية في مكان آخر معتمد؛ فلاحظ!

١- طبقات فحول الشعراء ١: ٧ ــ ١١.

٢- السيرة النبوية، لابن هشام ٢: ٤٤٠ غزوة بدر.

٣- صحيح البخاري ٤: ٢٦٣، باب هجرة النبيّ(صلى الله عليه وسلم) وأصحابه إلى المدينة.

٤٩٨

رابعاً: لقد نسبت الأبيات في رثاء هشام بن المغيرة إلى أشخاص آخرين، منهم الأسود بن عبد يغوث(١)، أو الأسود بن يعفر(٢)، أو ابن شعوب عمرو بن سمي بن كعب بن عبد شمس بن مالك بن جعونة بن عويرة بن شجع بن عامر ابن ليث بن بكر بن كنانة(٣).

خامساً: إنّ هذه الأبيات قيلت في رثاء قتلى المشركين في بدر، وفيها قول الشاعر:


تحيينا السلامة أُمّ بكروهل لي بعد قومي من سلام

وقتلى قريش ليسوا من قوم ابن شعوب، فهو ليثي كناني! بل كان بين قومه بني بكر بن عبد مناة بن كنانة وبين قريش ثاراً قبل بدر، ذكره ابن هشام عن أبي إسحاق في السيرة، وذكر أنّ قريشاً لمّا أرادت أن تخرج إلى قريش خافوا أن تأخذهم بنو بكر من خلفهم بثأرها(٤).

وإنّما جاء بعض قبائل بني كنانة مع قريش في أُحد، ومنهم ابن شعوب الذي أنقذ أبا سفيان لما أراد حنظلة غسيل الملائكة قتله، وقال شعراً سمّى أبا سفيان فيه صاحبه:


لأحمين صاحبي ونفسيبطعنه مثل شعاع الشمس

وقال أبو سفيان أبيات، منها:

١- ربيع الأبرار، للزمخشري ٥: ١٠، باب اللهو واللعب واللذّات والقصف.

٢- المستطرف في كلّ فنّ مستظرف، للأبشيهي ٢: ٧٩٢، الباب الرابع والسبعون.

٣- نوادر المخطوطات، لمحمّد بن حبيب ١: ٨٣، كتاب من أُنسب إلى أمّه من الشعراء.

٤- السيرة النبوية، لابن هشام ٢: ٤٤٣ غزوة بدر الكبرى.

٤٩٩


ولو شئت نجتني كميت طمرةولم أحمل النعماء لابن شعوب(١)

وذكر بعضهم أنّ ابن شعوب الذي أنقذ أبا سفيان هو الأسود أب شداد، وكان حليف أبي سفيان(٢)، فإذا كان هو المنسوب له الشعر في رثاء قتلى قريش في بدر، فهو لم يكنّى بـ(أبي بكر) أصلاً.

سادساً: جاء من ضمن الأبيات المنسوبة قوله:


يحدّثنا الرسول بأن سنحياوكيف حياة أصداء وهام

وفي بعض النقول:

يخبرنا النبيّ بأن سنحيا

كما يقول في بيت آخر:


ألا من بلغ الأقوام عنّيبأنّي تارك شهر الصيام(٣)

وهذه الأبيات لا يقولها إلّا مسلم أو من كان مسلماً، ولذا فإنّهم نسبوا الإسلام لابن شعوب(٤)، حتّى يصحّحوا نسبة الشعر إليه، ولكن من الواضح أنّ رثاء قتلى المشركين في بدر قد قاله وهو كافر، وقد نصّوا على ذلك، ومن هنا نقل ابن هشام عن أبي عبيدة النحوي: أنّه كان قد أسلم ثمّ ارتدّ(٥).

١- السيرة النبوية، لابن هشام ٢: ٥٨٢، ٥٩٤ غزوة بدر.

٢- الطبقات الكبرى، لابن سعد ٥: ٦١ جعونة بن شعوب.

٣- أنساب الأشراف، للبلاذري ١١: ٩٥ من بني شجع بن عامر.

٤- نوادر المخطوطات، لمحمّد بن حبيب ١: ٨٤، كتاب من أُنسب إلى أمّه من الشعراء.

٥- السيرة النبوية، لابن هشام ٢: ٥٩٤ غزوة بدر.

٥٠٠