×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 3) / الصفحات: ٥٠١ - ٥٢٠

ولكن كلّ هذه الدعاوي كانت لتصحيح حضور ابن شعوب في مجلس الشراب في المدينة عام الفتح! الذي ذكر قصّته أنس بن مالك(١).

وإلّا فإنّ الزمان بين قوله المنسوب يرثي قتلة المشركين في بدر وبين حصول واقعة الشرب عام الفتح ستّ سنين تقريباً، فلا مناسبة بين الحادثتين، ولذا قالوا بأنّه أسلم! ولكن لم يرد له ذكر في واقعة ما بعد الإسلام أصلاً، والأبيات لا تناسب من صحّ إسلامه، ولذا زعموا ارتداده بعد!

وما يقرّب لك الأمر أنّهم لم يذكروا تاريخ إسلامه ولا ارتداده، بل لم يرد له ذكر أصلاً في حوادث الإسلام، ولا حتّى في حروب الفتوح، على عكس أخبار أخيه جعونة بن شعوب وأولاده، فإنّهم مدنيون وأحلاف لبني هاشم، حتّى إنّهم خرجوا مع الحسين(عليه السلام) لمّا نادى بحلف الفضول عندما منع من دفن الحسن(عليه السلام) قرب جدّه (صلى الله عليه وآله وسلم)(٢).

فظهر ممّا مضى أنّ نسبة الأبيات إلى شدّاد بن الأسود بن شعوب أو إلى رجل يكنّى أبا بكر غير أبي بكر بن أبي قحافة لم يثبت، بل حتّى إنّ كنية شدّاد كانت أبا بكر من الكذب، وإنّما كان يكنّى بـ(ابن شعوب)، وإنّ أبا بكر قد تزوّج امرأة من بني كلب لم يثبت أيضاً.

نعم، نسبت الأبيات المعنية إلى عدّة شعراء جاهليين، فلعلّ أحدهم قالها وتمثّل بها أبو بكر في مجلس شربه عام الفتح، فإنّها كانت أبيات مشهورة.

١- جامع البيان، للطبري ٢: ٤٩٢ الحديث ٣٣٧، مسند البزّار ١٤: ٧٢ الحديث ٧٥٣٢، الإصابة، لابن حجر ٧: ٣٩ ـ٩٦٣٧ـ.

٢- تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ١٣: ٢٩٢ ـ١٣٨٣ـ، الإصابة، لابن حجر ١: ٦٣٦ ـ١٢٩٤ـ.

٥٠١

وممّا يؤيّد أنّ أبا بكر لم يكن القائل وإنّما تمثّل بها هو: ما جاء في رواية نقلها الزمخشري (ت٥٣٨هـ) في (ربيع الأبرار)، والأبشهي (ت٨٥٢هـ) في (المستطرف): ((أنزل الله تعالى في الخمر ثلاث آيات، أوّلها: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾(١)، فكان المسلمون بين شارب وتارك، إلى أن شرب رجل ودخل في الصلاة فهجر، فنزلت: ﴿فَأَنْزَلَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾(٢)، فشربها من شرب من المسلمين حتّى شربها عمر فأخذ لحي بعير فشجّ رأس عبد الرحمن بن عوف، ثم قعد ينوح على قتل بدر بشعر الأسود بن عبد يغوث:


وكائن بالقليب قليب بدرمن الفتيان والشرب الكرام))(٣)

ولذا أذعن ابن حجر في (فتح الباري) بوجود أبي بكر وعمر في مجلس الشرب ذاك، فقال: ((لكن قرينة ذكر عمر تدلّ على عدم الغلط في وصف الصدّيق، فحصلنا تسمية عشرة))(٤).

وتحصّل عندنا أنّه لا مانع من وجود أبي بكر في هذا المجلس وتمثّله بالشعر المعروف، وأنّ ابن شعوب لم يثبت حضوره في هذا المجلس أصلاً.

١- البقرة ٢: ٢١٩.

٢- النساء ٤: ٤٣.

٣- ربيع الأبرار ٥: ١٠، باب اللهو واللعب واللذّات والقصف، المستطرف في كلّ فنّ مستظرف ٢: ٧٩٢ الباب الرابع والسبعون.

٤- فتح الباري ١٠: ٣١، باب نزل تحريم الخمر من البسر والتمر.

٥٠٢

(ما ورد في إحراقه للحديث)

« سليم ــ لبنان ــ إمامي »

السؤال:

ما صحّة رواية: أنّ أبا بكر قد جمع بعد وفاة الرسول الأكرم بعض الأحاديث وحرقها، وقال: حسبكم القرآن؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نعم، لقد أحرق أبو بكر ما جمعه من حديث.

أورد المحبّ الطبري (ت٦٩٤هـ) في (الرياض النضرة) عن عائشة مرسلاً: ((قالت: جمع أبي الحديث عن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فكان خمسمائة حديث، فبات ليلته يتقلّب، قالت: فغمّني، فقلت: لأيّ شيء تتقلّب لشكوى أو لشيء بلغك؟ فلمّا أصبح قال: أي بُنيّة هلمّي الأحاديث التي هي عندك، قالت: فجئته بها، فدعا بنار فأحرقها، فقلت: ما لك يا أبت تحرقها؟ قال: ما بتّ الليلة خشيت أن أموت وهي عندي، فيكون فيها أحاديث عن رجل ائتمنته ووثقت له ولم يكن كما حدّثني، فأكون قد تقلّدت ذلك. خرّجه في فضائله، وقال: غريب))(١).

وفي (كنز العمّال): ((قال الحافظ عماد الدين بن كثير في مسند الصدّيق: الحاكم أبو عبد الله النيسابوري، حدّثنا بكر بن محمّد الصريفيني بمرو، حدّثنا موسى

١- الرياض النضرة في مناقب العشرة ١: ١٩٩ القسم الثاني، الباب الأوّل، الفصل الثاني عشر، ذكر ورعه.

٥٠٣

ابن حمّاد، ثنا المفضّل بن غسان، ثنا علي بن صالح، حدّثنا موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن، عن إبراهيم بن عمرو، عن عبيد الله التيمي، حدّثنا القاسم بن محمّد، قال: قالت عائشة: جمع أبي الحديث عن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فكانت خمسمائة حديث، فبات ليلة يتقلّب كثيراً، قالت: فغمّني، فقلت: تتقلّب لشكوى أو لشيء بلغك؟ فلمّا أصبح، قال: أي بنيّة هلمّي الأحاديث التي عندك، فجئته بها، فدعا بنار فأحرقها، وقال: خشيت أن أموت وهي عندك، فيكون فيها أحاديث عن رجل ائتمنته ووثقت به، ولم يكن كما حدّثني، فأكون قد تقلّدت ذلك.

وقد رواه القاضي أبو أُميّة الأحوص بن المفضّل بن غسان الغلابي، عن أبيه، عن علي بن صالح، عن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب، عن إبراهيم بن عمر بن عبيد الله التيمي، حدّثني القاسم بن محمّد، أو ابنه عبد الرحمن بن القاسم، شكّ موسى فيهما، قال: قالت عائشة ــ فذكره وزاد بعد قوله ــ : ((فأكون قد تقلّدت ذلك، ويكون قد بقي حديث لم أجده، فيقال: لو كان قاله رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ما غبي على أبي بكر إنّي حدّثتكم الحديث، ولا أدري لعلّي لم أتتبّعه حرفاً حرفاً.

قال ابن كثير: هذا غريب من هذا الوجه جدّاً، وعلي بن صالح لا يعرف، والأحاديث عن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) أكثر من هذا المقدار بأُلوف، ولعلّه إنّما اتّفق له جمع تلك فقط، ثمّ رأى ما رأى لما ذكرت.

قلت: قال الشيخ جلال الدين السيوطي(رحمه الله): أو لعلّه جمع ما فاته سماعه من النبيّ(صلى الله عليه وسلم) وحدّثه عنه به بعض الصحابة، كحديث الجدّة ونحوه، والظاهر أنّ ذلك لا يزيد على هذا المقدار، لأنّه كان أحفظ الصحابة، وعنده من الأحاديث ما لم يكن

٥٠٤

عند أحد منهم، كحديث: (ما دفن نبيّ إلّا حيث يقبض)، ثمّ خشي أن يكون الذي حدّثه وهم فكره تقلّد ذلك، وذلك صريح في كلامه))(١).

ولكن علي بن صالح هو المديني يعرف ممّن روى عنه، ذكره الخطيب البغدادي (ت٤٦٣هـ) في (المتفق والمفترق)، قال: ((وعلي بن صالح المديني أظنّه زبيرياً روى عنه الزبير بن بكّار الزبيري، والمفضّل بن غسان الغلابي))(٢)، وابن حجر في (التقريب) قال: ((علي بن صالح المدني مستور من الحادية عشرة))(٣)، وقال في (التهذيب): ((علي بن صالح المدني، عن عامر بن صالح الزبيدي، وعبد الله بن مصعب ويعقوب بن محمّد الزهري، وعنه المفضّل بن غسان، والزبير بن بكّار وغيرهما))(٤).

فيكون ما قاله ابن كثير من أنّ ((علي بن صالح لا يعرف)) غفلة أو تغافل، وما قاله الذهبي من أنّ الحديث لا يصحّ(٥)، تعمية عن الحقّ، حيث لم يذكر لماذا لا يصحّ! فالرواة غير علي بن صالح ثقاة، وعلي بن صالح مقبول.

وأمّا ما قاله ابن كثير من أنّ الأحاديث عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالأُلوف فهو لا يدفع الشنعة عن أبي بكر في إحراقه الخمسمائة التي عنده أيّاً كانت العلّة في اقتصاره عليها دون الأُلوف.

١- كنز العمّال ١٠: ٢٨٦ الحديث ٢٩٤٦٠، باب في آداب العلم والعلماء، فصل في رواية الحديث.

٢- المتّفق والمفترق ٣: ١٦٥٢ ـ١٠١١ـ.

٣- تقريب التهذيب ١: ٦٩٦ ـ٤٧٦٨ـ.

٤- تهذيب التهذيب ٧: ٢٩٤ ـ٥٦٥ـ.

٥- تذكرة الحفّاظ ١: ٥ أبو بكر الصدّيق.

٥٠٥

وأمّا ما قاله السيوطي من أنّ أبا بكر أحفظ الصحابة، فهو أوّل الكلام!

نعم، لا ننكر أنّه لا بدّ وأن يكون وعى عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) العشرات من الأحاديث، ولكن يمكن له إغفالها بأن لا يحدّث بها، وبالإحراق تذهب الخمسمائة المكتوبة عن غيره أيضاً، فيكون حقّق بذلك مطلوبه في المنع من استمرار بقاء سُنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حيّة حجّة، لأنّ كلّ حديث منها لا بدّ من أن يكون شاخصاً لقياس مدى التزام من جاء بعده بنهجه، فيكون فيها من التقييد والتحديد ما تنسد به كثير من الأبواب والمخارج التي يحتاج إليها لتحقيق أغراضه، والعلّة التي ذكرها أبو بكر من خشيته وهم من حدّثه وإنّ كان مؤتمناً تصدق على كلّ من حدّث عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى هو، وبالتالي سيتطرّق الشكّ إلى كلّ سُنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)! وهو الهدف الأقصى الذي قصدوا به السُنّة.

ومن هنا روي مرسلاً عن أبي مليكة: ((أنّ أبا بكر جمع أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فقال: إنّكم تحدّثون عن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، أحاديث تختلفون فيها، فمن بعدكم أشدّ اختلافاً، فمن جاءكم يسألكم الحديث عن رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فقولوا: عندنا كتاب الله فأحلّوا حلاله وحرّموا حرامه))(١).

فهذا صريح في الأمر بترك السُنّة والاكتفاء بالقرآن، وطبق العبارة المشهورة لعمر: (حسبنا كتاب الله).

وأمّا ما ادّعاه السيوطي من انفراد أبي بكر بحديث: (ما دفن نبيّ إلّا حيث قبض)، فأصله ادّعاء عائشة انفراد أبيها بهذا العلم، وإلّا فالواقع يكذّبه! حيث لم

١- الأُصول في الفصول، للجصّاص ١: ١٦١، باب تخصيص العموم بخبر الواحد.

٥٠٦

يحضر أبو بكر دفن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، بل تركه وأسرع إلى سقيفة بني ساعدة ينازع على السلطان، وإنّما هو مأثور عن عليّ(عليه السلام) الذي تولّى دفن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).

نعم، انفرد أبو بكر بالتحديث عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بـ(إنّا لا نورّث ما تركناه صدقة)! وكذّبه في ذلك فاطمة وعليّ(عليهما السلام)، وكذا العبّاس.

٥٠٧