×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 3) / الصفحات: ٦١ - ٨٠

عن الشيخ المفيد أبي عبد الله محمّد بن محمّد النعمان(رضي الله عنه)، أنّه قال: ((رأيت في المنام سنة من السنين، كأنّي قد اجتزت في بعض الطرق، فرأيت حلقة دائرة فيها أناس كثير, فقلت: ما هذا؟

قالوا: هذه حلقة فيها رجل يقص.

فقلت: ومن هو؟

قالوا: عمر بن الخطّاب.

ففرّقت الناس ودخلت الحلقة، فإذا أنا برجل يتكلّم على الناس بشيء لم أحصله، فقطعت عليه الكلام، وقلت: أيّها الشيخ! أخبرني ما وجه الدلالة على فضل صاحبك أبي بكر عتيق بن أبي قحافة من قول الله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾(١)؟

فقال: وجه الدلالة على فضل أبي بكر في هذه الآية في ستّة مواضع:

الأوّل: أنّ الله تعالى ذكر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وذكر أبا بكر وجعله ثانيه, فقال: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾.

والثاني: أنّه وصفهما بالاجتماع في مكان واحد، لتأليفه بينهما، فقال: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾.

١- التوبة ٩: ٤٠.

٦١
موسوعة الأسئلة العقائدية (ج ٣) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ٦١ - ص ٩٠)

والثالث: أنّه أضافه إليه بذكر الصحبة ليجمع بينهما بما يقتضي الرتبة، فقال: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾.

والرابع: أنّه أخبر عن شفقة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عليه ورفقه به لموضعه عنده، فقال: ﴿لاَ تَحْزَنْ﴾.

والخامس: أنّه أخبر أنّ الله معهما على حدّ سواء, ناصراً لهما ودافعاً عنهما، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.

والسادس: أنّه أخبر عن نزول السكينة على أبي بكر لأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لم تفارقه سكينته قطّ, فقال: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾(١).

فهذه ستّة مواضع تدلّ على فضل أبي بكر من آية الغار, لا يمكنك ولا غيرك الطعن فيها.

فقلت له: حبرت كلامك في الاحتجاج لصاحبك عنه، وإنّي بعون الله سأجعل ما أتيت به كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف.

أمّا قولك: إنّ الله تعالى ذكر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وجعل أبا بكر معه ثانيه, فهو إخبار عن العدد، لعمري لقد كانا اثنين، فما في ذلك من الفضل؟! فنحن نعلم ضرورة أنّ مؤمناً ومؤمناً، أو مؤمناً وكافراً، أو كافراً وكافراً، اثنان فما أرى لك في ذلك العدد طائلاً تعتمده.

وأمّا قولك: إنّه وصفهما بالاجتماع في المكان, فإنّه كالأوّل؛ لأنّ المكان يجمع الكافر والمؤمن، كما يجمع العدد المؤمنين والكفّار, وأيضاً: فإنّ مسجد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أشرف من الغار, وقد جمع المؤمنين والمنافقين والكفّار, وفي ذلك قوله

١- التوبة ٩: ٤٠.

٦٢

عزّ وجلّ: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ _ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾(١)، وأيضاً: فإنّ سفينة نوح قد جمعت النبيّ، والشيطان، والبهيمة والكلب، والمكان لا يدلّ على ما أوجبت من الفضيلة، فبطل فضلان!

وأمّا قولك: إنّه أضافه إليه بذكر الصحبة, فإنّه أضعف من الفضلين الأوّلين؛ لأنّ اسم الصحبة يجمع المؤمن والكافر, والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً﴾(٢)، وأيضاً: فإنّ اسم الصحبة يطلق بين العاقل والبهيمة, والدليل على ذلك من كلام العرب الذي نزل القرآن بلسانهم، فقال الله عزّوجلّ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾(٣)، أنّهم قد سمّوا الحمار صاحباً، فقالوا:


إنّ الحمار مع الحمير مطيةفإذا خلوت به فبئس الصاحب

وأيضاً: قد سمّوا الجماد مع الحيّ صاحباً, قالوا ذلك في السيف، فقالوا شعراً:


زرت هنداً وذاك غير اختيانومعي صاحب كتوم اللّسان

يعني: السيف, فإذا كان اسم الصحبة يقع بين المؤمن والكافر، وبين العاقل والبهيمة، وبين الحيوان والجماد، فأيّ حجّة لصاحبك فيه؟!

وأمّا قولك: إنّه قال: ﴿لاَ تَحْزَنْ﴾، فإنّه وبال عليه ومنقصة له، ودليل على خطئه؛ لأنّ قوله: ﴿لاَ تَحْزَنْ﴾، نهي، وصورة النهي قول القائل: ((لا تفعل))، فلا يخلو أن

١- المعارج ٧٠: ٣٦، ٣٧.

٢- الكهف ١٨: ٣٧.

٣- إبراهيم ١٤: ٤.

٦٣

يكون الحزن قد وقع من أبي بكر طاعة أو معصية, فإن كان طاعة فإنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لا ينهى عن الطاعات، بل يأمر بها ويدعو إليها, وإن كان معصية فقد نهاه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عنها، وقد شهدت الآية بعصيانه، بدليل أنّه نهاه.

وأمّا قولك: إنّه قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، فإنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قد أخبر أنّ الله معه، وعبّر عن نفسه بلفظ الجمع، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾(١)، وقد قيل أيضاً في هذا: إن أبا بكر, قال: ((يا رسول الله! حزني على أخيك عليّ بن أبي طالب ما كان منه)), فقال له النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ أي: معي ومع أخي عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) .

وأمّا قولك: إنّ السكينة نزلت على أبي بكر, فإنّه ترك للظاهر؛ لأنّ الذي نزلت عليه السكينة هو الذي أيّده بالجنود، وكذا يشهد ظاهر القرآن في قوله: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾(٢)، فإن كان أبو بكر هو صاحب السكينة فهو صاحب الجنود، وفي هذا إخراج للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من النبوّة..

على أنّ هذا الموضع لو كتمته عن صاحبك كان خيراً له! لأنّ الله تعالى أنزل السكينة على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في موضعين كان معه قوم مؤمنون فشركهم فيها, فقال في أحد الموضعين: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾(٣) وقال في الموضع الآخر: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا﴾(٤)، ولما كان في هذا الموضع خصّه وحده

١- الحجر ١٥: ٩.

٢- التوبة ٩: ٤٠.

٣- الفتح ٤٨: ٢٦.

٤- التوبة ٩: ٢٦.

٦٤

بالسكينة, فقال: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾، فلو كان معه مؤمن لشركه معه في السكينة كما شرك من ذكرنا قبل هذا من المؤمنين, فدلّ إخراجه من السكينة على خروجه من الإيمان.

فلم يحر جواباً، وتفرّق الناس، واستيقظت من نومي))(١).

(آية: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ لا فضل فيها لأبي بكر، كما قال المفيد(رحمه الله))

« علي أسيري ــ الكويت ــ إمامي »

السؤال:

باسمه جلّت أسماؤه..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

سادتي الكرام، تعرفون مناظرة الشيخ المفيد+ في حلمه الشهير.

وللوهابية ردّ على هذه المناظرة، أرجو الردّ عليه..

((يقول المفيد: ((أمّا قولك: إنّ الله تعالى ذكر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وجعل أبا بكر معه ثانيه, فهو إخبار عن العدد، لعمري لقد كانا اثنين، فما في ذلك من الفضل؟! فنحن نعلم ضرورة أنّ مؤمناً ومؤمناً، أو مؤمناً وكافراً، أو كافراً وكافراً، اثنان فما أرى لك في ذلك العدد طائلاً تعتمده)).

قد علمنا أنّ الله سبحانه وصف الكثرة ونسبها إلى الكفر، أو اتّباع الهوى، وقد علمنا أنّه وصف القلّة ونسبها إلى الإيمان، والشواهد كثيرة, ولكن قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ ليس إخباراً عن العدد كما يقول المفيد, بل لبيان انفصال

١- الاحتجاج، للطبرسي ٢: ٣٢٥ ــ ٣٢٩ احتجاج الشيخ المفيد.

٦٥

الكفر والإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ثمّ: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾(١)، الكفر في كفّة، والإيمان في كفّة أُخرى, وقول رسول الله: (حدّثنا عفان، قال: حدّثنا همام، قال: أخبرنا ثابت، عن أنس: أنّ أبا بكر حدّثه، قال: قلت للنبيّ(صلى الله عليه وسلم) ونحن في الغار: لو أنّ أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه, فقال: (يا أبا بكر ما ظنّك باثنين الله ثالثهما)).

فإن كان الله سبحانه ثالثهما (الله، ثمّ رسول الله، وأبو بكر الصدّيق)، ولم يكن هذا فضل، فلعمري ما عساه يكون؟!

يقول المفيد: ((إنّه وصفهما بالاجتماع في المكان, فإنّه كالأوّل؛ لأنّ المكان يجمع الكافر والمؤمن كما يجمع العدد المؤمنين والكفّار, وأيضاً: فإنّ مسجد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أشرف من الغار, وقد جمع المؤمنين والمنافقين والكفّار, وفي ذلك يقول الله عزّ وجلّ: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ _ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾(٢)، وأيضاً: فإنّ سفينة نوح قد جمعت النبيّ، والشيطان، والبهيمة والكلب، والمكان لا يدلّ على ما أوجبت من الفضيلة، فبطل فضلان)).

فليخبرني المفيد بعد أن علمنا معاني الاجتماع: هل اجتمع رسول الله مع أبي بكر الصدّيق في الغار بصفة مؤمن مع كافر، أم مؤمن مع مؤمن، أم مؤمن مع منافق، أم رسول مع بهيمة؟

١- التوبة ٩: ٤٠.

٢- المعارج ٧٠: ٣٦، ٣٧.

٦٦

وهل يطبّق كلامه هذا في اجتماع رسول الله مع عليّ، أو مع فاطمة، أو مع الحسن، أو الحسين؟

قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾(١)، فهل تقوى على القول أنّ اجتماع الله سبحانه برسله لا فضل فيه؟ وهل اجتماع رسول الله مع أبي بكر الصدّيق في الغار في الهجرة اجتماع للدنيا، أم للآخرة؟

إن قلت: للدنيا، خرجت بعارها وشنارها, وإن قلت: للآخرة، فكيف لا يكون اجتماعاً مرحوماً؟!

يقول المفيد: ((وأمّا قولك: إنّه أضافه إليه بذكر الصحبة, فإنّه أضعف من الفضلين الأوّلين؛ لأنّ اسم الصحبة تجمع المؤمن والكافر, والدليل على ذلك: قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً﴾(٢)، وأيضاً: فإنّ اسم الصحبة يطلق على العاقل والبهيمة, والدليل على ذلك: من كلام العرب الذي نزل القرآن بلسانهم، فقال الله عزّ وجلّ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾(٣)، أنّهم قد سمّوا الحمار: صاحباً، فقالوا:


إنّ الحمار مع الحمير مطيةفإذا خلوت به فبئس الصاحب

وأيضاً: قد سمّوا الجماد مع الحيّ صاحباً, قالوا ذلك في السيف، فقالوا شعراً:

١- المائدة ٥: ١٠٩.

٢- الكهف ١٨: ٣٥.

٣- إبراهيم ١٤: ٤.

٦٧


زرت هنداً وذاك غير اختيانومعي صاحب كتوم اللّسان

يعني: السيف, فإذا كان اسم الصحبة يقع بين المؤمن والكافر، وبين العاقل والبهيمة، وبين الحيوان والجماد، فأيّ حجّة لصاحبك فيه؟!)).

وهذه مثل السابقة... فأيّ معاني الصحبة يصدق على صحبة رسول الله وأبي بكر؟ صحبة مؤمن لكافر، أم مؤمن لمنافق، أم مؤمن لمؤمن، أم مؤمن مع بهيمة؟ وهل تطبّق ما قاله شيخكم المفيد في نزع فضيلة الصحبة على أصحاب الحسين يوم عاشوراء؟

ألا تقولون في زيارتكم للحسين: (السلام على الحسين، وعلى عليّ بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين)، فما فضل صحبة الحسين؟! وهل صحب الحسين معه بهائم، أم منافقين، أم كفّار؟

وماذا عن صحبة موسى والخضر(عليهما السلام) في قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً﴾(١)، هل تنكر فضيلة الصحبة هنا وتقول: ((خير يا طير!!))، وماذا عن قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾(٢)، المودّة والرحمة التي جعلت من الزوجة تستحقّ اسم (صاحبة)، يا المفيد! هل هي فضيلة، أم منقصة؟!

١- الكهف ١٨: ٧٦.

٢- الروم ٣٠: ٢١.

٦٨

يقول المفيد: ((﴿لاَ تَحْزَنْ﴾، فإنّه وبال عليه ومنقصة له، ودليل على خطئه؛ لأنّ قوله: ﴿لاَ تَحْزَنْ﴾، نهي، وصورة النهي قول القائل: ((لا تفعل))، فلا يخلو أن يكون الحزن قد وقع من أبي بكر طاعة أو معصية, فإن كان طاعة فالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لا ينهى عن الطاعات، بل يأمر بها ويدعو إليها, وإن كانت معصية فقد نهاه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عنها، وقد شهدت الآية بعصيانه، بدليل أنّه نهاه)).

أحمل هذا على قوله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾(١), وقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾(٢)، وهذا نهي. وقد وقع استغفار رسول الله للمنافقين؛ قال ابن عمر: ((لمّا توفّي عبد الله بن أبي بن سلول، جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ليصلّي عليه, فقام عمر وأخذ بثوب رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ، فقال: يا رسول الله, أتصلّي عليه وقد نهاك الله أن تصلّي عليه؟ فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) : (إنّما خيّرني الله تعالى فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾، وسأزيد على سبعين)، قال: إنّه منافق. فصلّى عليه رسول الله(صلى الله عليه وسلم) : فأنزل الله عزّ وجلّ: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾(٣)، فترك الصلاة عليهم.

وبحسب زعم شيخكم المفيد تكون هذه الآية شاهد على معصية رسول الله... والخيار لك.

١- الأحزاب ٣٣: ٣٧.

٢- التوبة ٩: ٨٠.

٣- التوبة ٩: ٨٤.

٦٩

يقول المفيد: ((وأمّا قولك: إنّه قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، فإنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قد أخبر أنّ الله معه، وعبّر عن نفسه بلفظ الجمع، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾(١)، وقد قيل أيضاً في هذا: إن أبا بكر, قال: ((يا رسول الله! حزني على أخيك عليّ بن أبي طالب ما كان منه)), فقال له النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾(٢) أي: معي ومع أخي عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) )).

قوله: ﴿مَعَنَا﴾ يدلّ على معيّة الله سبحانه لرسوله وأبي بكر الصدّيق, وإلّا كان قوله: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ غثاء ولا معنى له، ولقول الرسول: (ما ظنّك باثنين الله ثالثهما)، والحديث الذي جاء به المفيد (موضوع) لا أصل له.. ثمّ إنّك بجعلك كلمة معنا تنصرف لمفرد، هو ترك للظاهر بلا دليل.

يقول المفيد: ((وأمّا قولك: إنّ السكينة نزلت على أبي بكر, فإنّه ترك للظاهر؛ لأنّ الذي نزلت عليه السكينة هو الذي أيّده الله بالجنود، وكذا يشهد ظاهر القرآن في قوله: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾(٣)، فإن كان أبو بكر هو صاحب السكينة فهو صاحب الجنود، وفي هذا إخراج للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من النبوّة..

على أنّ هذا الموضع لو كتمته عن صاحبك كان خيراً؛ لأنّ الله تعالى أنزل السكينة على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في موضعين كان معه قوم مؤمنون، فشركهم فيها, فقال في أحد الموضعين: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ

١- الحجر ١٥: ٩.

٢- التوبة ٩: ٤٠.

٣- التوبة ٩: ٤٠.

٧٠

وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾(١)، وقال في الموضع الآخر: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا﴾(٢)، ولما كان في هذا الموضع خصّه وحده بالسكينة, فقال: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾، فلو كان معه مؤمن لشركه معه في السكينة كما شرك من ذكرنا قبل هذا من المؤمنين, فدلّ إخراجه من السكينة على خروجه من الإيمان))، وهذا بيت القصيد.

إن قلنا: إنّ الله أنزل سكينته على رسوله، كان في هذا أقوى دليل على أنّ أبا بكر الصدّيق في مقام النفس عند رسول الله، قال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾(٣)، (أهبطا) للمثنى، والمراد ثلاثة، فكانت حواء وآدم نفساً واحدة لمعيّتها مع آدم.

وتخصّص رسول الله بالسكينة لا يلزم منها خروج أبي بكر الصدّيق، وإلّا أخرجنا جميع المؤمنين، مستدلّين بهذه الآية بعدم وجود مؤمن واحد في حادثة الهجرة، ولا حتّى عليّ بن أبي طالب نفسه... لأنّ كلمة السكينة جاءت وفيها إقران بين رسول الله والمؤمنين باستثناء هذه الآية.. وبحسب كلام مفيدكم نستنتج أنّه لا يوجد مؤمن واحد سوى رسول الله)). انتهى بلفظه.

أرجو الجواب حفظكم الله، وصلّى الله على محمّد وآله الطيبين الطاهرين.

١- الفتح ٤٨: ٢٦.

٢- التوبة ٩: ٢٦.

٣- طه ٢٠: ١٢٣.

٧١

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: استفادة جعل أبي بكر في كفّة الإيمان قبال كفّة الكفر، استناداً إلى قوله تعالى: ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، لا يمكن التعويل عليه بعد ورود الضمير العائد بصيغة المفرد دون التثنية صراحة في حقّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)؛ فقد قال تعالى: ﴿تَنْصُرُوهُ﴾، و﴿نَصَرَهُ﴾، ولم يقل: (تنصروهما)، أو: (نصرهما)، وقال: ﴿أَخْرَجَهُ﴾، ولم يقل: (أخرجهما)، أي: إنّ الكفّار أخرجوا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فقط، ولم يخرجوا أبا بكر.

ويبقى قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ دالّا ًعلى بيان العدد لا أكثر.. وإن أبيت إلّا ما تدّعي من الآية، فما هو قولك في عليّ(عليه السلام) الذي بقى في مكّة نائماً في فراش النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ وما قولك في المهاجرين والمسلمين في المدينة؟

فالآية لا تدلّ على ما ادّعيت أصلاً!! بل هو تحذلق لم يقل به أحد من المفسّرين، خاصّة أنّها ذكرت الذين كفروا صراحة، ولم تذكر بأنّ الاثنين مؤمنان، وخرج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بالإيمان قطعاً، فما الدلالة على إيمان أبي بكر؟ إذ الآية ناظرة إلى موقف الكفّار من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فقط، وأنّه هو المُخرَج، ولم يقصدوا أبا بكر بالإخراج، فما ذكر من العدد هو وصف للحال فقط!!

وكذلك هو حال الحديث الذي ذكره السائل ــ بغضّ النظر عن سنده وصحّته؛ فإنّا لا نقبله ــ إذ لا دلالة فيه على إيمان أبي بكر صراحة سوى الإشارة إلى العدد من أنّهما اثنان.. وأمّا أن الله ثالثهما؛ فهو نظير قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إلّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إلّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾(١)، إذا كان المراد: المعيّة العامّة،

١- المجادلة ٥٨: ٧.

٧٢

وهي بمعنى: أنّ الله عالم بحالنا، وأمّا إذا كان المراد من الحديث معنى ما جاء في الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾(١) المحمول على المعية الخاصّة ــ على قول ــ وهي بمعنى: النصرة أو الحفظ، فإنّها لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالأصالة، وما شملت أبا بكر إلّا لأنّه كان في ذلك الظرف مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؛ فإنّ النصرة كانت خاصّة برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بنص الآية: ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ...﴾، وأمّا الحفظ، فإنّ حفظ أبي بكر لازم لحفظ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي هو الغرض الأساس من الهجرة والاختفاء في الغار، فما هي فضيلة أبي بكر هنا؟

وإن أبيت، فإنّ الحديث المدّعى لا يدلّ إلّا على إسلام أبي بكر الظاهري؛ لأنّ الله مع من أسلم مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مقابل الكفّار.

أمّا ((إنّ الله سبحانه وصف الكثرة ونسبها إلى الكفر، أو اتّباع الهوى، وقد علمنا أنّه وصف القلّة ونسبها إلى الإيمان)).. فهذا الكلام أجنبيّ عن المقام؛ إذ ليس في الآية ذكر للقلّة أو الكثرة، وإنّما ذكر للعدد.

ثمّ إنّه لا يمكن اعتبار مطلق القلّة أو الكثرة مناطاً للإيمان أو الكفر، بل ورد في القرآن الكريم أنّ الذم اللاحق بالكثرة إنّما هو من جهة الصفات التي اتّصفوا بها، ككراهة الحقّ، أو عدم العلم، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾(٢)، وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾(٣)، ومدح القلّة من جهة الصفات كذلك، كالاتّصاف بالشكر والإيمان بالأنبياء، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾(٤)، و﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ﴾(٥)..

١- التوبة ٩: ٤٠.

٢- المؤمنون ٢٣: ٧٠.

٣- الأنعام ٦: ٣٧، وغيرها.

٤- سبأ ٣٤: ١٣.

٥- هود ١١: ٤٠.

٧٣

فالمدار في الواقع هو على الصفات لا على العدد بمجرّده؛ إذ ليس كلّ قلّة من الناس هي مؤمنة جزماً، أو كلّ كثرة كافرة، فهذا ما لا يقول به عقل أو نقل.. فلو رجعت إلى الآية فإنّها تذكر العدد فقط ولم تلحقه بصفة، مع أنّ انفراد الضمير بخصوص النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قرينة على حال أبي بكر!!

ثانياً: بعد أن أوضح المفيد أنّ الاجتماع بحدّ ذاته لا يدلّ على حقيقة الشخص من الإيمان وعدمه، بل يكون المرجع في معرفة ذلك إن لم يكن نص فيه إلى مواقف الشخص المعني من الشريعة الإلهية, وهذه المواقف من الشخص المعني خاصّة بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) تدلّ على النفاق.

ويمكن الاطّلاع بشكل تام على حال أبي بكر وبيان صفته وما آلت إليه أُموره من مخالفة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في:

أ ــ تخلّيه عن سرية أُسامة، وقد قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): (لعن الله من تخلّف عن جيش أُسامة)(١).

ب ــ غصبه إرث الزهراء(عليها السلام) ، في حادثة معروفة يتغافل عن التحقيق فيها أهل الحديث والتأريخ؛ لأنّها تكشف عن مثالب القوم بشكل جلي، إذ يمكن أن يوجّه

١- انظر: الطبقات الكبرى، لابن سعد ٢: ١٩٠ سرية أُسامة بن زيد، و٤: ٦٦ ــ ٦٨ أُسامة الحبّ بن زيد، أنساب الأشراف، للبلاذري ١: ٤٧٤ الحديث ٩٥٥ موالي رسول الله، تاريخ اليعقوبي ٢: ٧٧ الأُمراء على السرايا والجيوش، و٢: ١١٣ الوفاة، المصنّف، لابن أبي شيبة ٧: ٥٣٢ الحديث ٣ كتاب الفضائل، ما جاء في أُسامة وأبيه، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٨: ٤٦، ٦٠، ٦٤ ـ٥٩٦ـ أُسامة بن زيد، الملل والنحل، للشهرستاني ١: ٢٣ المقدّمة الرابعة، الخلاف الثاني، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٦: ٥٢ ذيل خطبة ٦٦، شرح المواقف، للجرجاني ٣: ٦٥٠ الموقف السادس، المرصد الرابع، المقصد السابع، تذييل، عن الآمدي.

٧٤

في هذه الحادثة سؤالاً واحداً فقط، هو: متى كان الخبر الواحد المفيد للظنّ ناسخاً للقرآن القطعي السند والظاهر الدلالة، حتّى يستدلّ بحديث: (إنّا معاشر الأنبياء لا نورّث)، ليعارض به آيات المواريث العامّة، ومواريث الأنبياء خاصّة، الواردة في القرآن؟!

ج ــ تصدّيه للخلافة وهو ليس أهلاً لها، بصريح قوله: ((ولّيت عليكم ولست بخيركم))(١)، وقد كان يطلب الهداية من المسلمين وهو زعيمهم بقوله: ((إنّ لي شيطاناً يعتريني... فإن استقمت فأعينوني، وإن زغت فقوّموني))(٢) مع أنّ الله سبحانه وتعالى يقول بآية واضحة: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ _ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾(٣).

١- المصنّف لعبد الرزّاق ١١: ٣٣٦ الحديث ٢٠٧٠٢، باب لا طاعة في معصية، السيرة النبوية، لابن هشام ٤: ١٠٧٥ خطبة أبي بكر بعد أن ولي الخلافة، الطبقات الكبرى، لابن سعد ٣: ١٨٢ ذكر بيعة أبي بكر، أنساب الأشراف، للبلاذري ١: ٥٩٠ الحديث ١١٩٥، ١١٩٦، تاريخ اليعقوبي ٢: ١٢٧ أيّام أبي بكر، تاريخ الطبري ٢: ٤٥٠ حديث السقيفة، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٣٠: ٣٠٢، ٣٠٤ ترجمة أبي بكر، وغيرها.

٢- المصنّف لعبد الرزّاق ١١: ٣٣٦ الحديث ٢٠٧٠١، باب لا طاعة في معصية، الطبقات الكبرى، لابن سعد ٣: ٢١٢ ذكر وصية أبي بكر، الإمامة والسياسة، لابن قتيبة ١: ٢٢ خطبة أبي بكر، تاريخ الطبري ٢: ٤٦٠ ذكر الخبر عمّا جرى بين المهاجرين والأنصار، ذم الكلام وأهله، للهروي ٢: ١٠١ الحديث ٢٥٧، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٣٠: ٣٠٣ ــ ٣٠٤ ترجمة أبي بكر، المعجم الأوسط، للطبراني ٨: ٢٦٧ وغيرها.

٣- الشعراء ٢٦: ٢٢١ ــ ٢٢٢.

٧٥

وليس بعد حادثة اغتصاب الخلافة من أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) شيء، والتي كشف النقاب عن بعض تفاصيلها المؤلمة ابن قتيبة في كتابه (الإمامة والسياسية)(١)، فليرجع إليها من شاء.

وأمّا اجتماع أهل البيت(عليهم السلام) مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ووصف وجودهم تحت الكساء ــ إن كان السائل يعني ذلك ــ فهو بيان للمراد من أهل البيت في آية التطهير، ويشهد لهذا: حديث عائشة الوارد في صحيح مسلم بشأن الحادثة(٢)، وفيه تنصيص بفضلهم.. وأين هذا ممّا تدّعي؟!

ثالثاً: لا نعرف وجه الإتيان بآية: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾، والاستدلال بها على فضيلة اجتماع أبي بكر مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في الغار!! ثمّ التساؤل عن صفة هذا الاجتماع.. هل هو للدنيا أم للآخرة؟! إذ شتّان ما بين الاثنين، فالآية الأُولى توضّح بأنّ الله سبحانه يجمع الرسل، ولا يجتمع مع الرسل، وهو يجمعهم للحساب، كما أنّه لا يوجد إشكال مطلقاً في اتّصاف الله سبحانه ورسله بالحقّ، كما هو الإشكال الدائر في حقّ أبي بكر واجتماعه في الغار مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)؛ فإنّنا نجزم بأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) هو نبيّ الحقّ، وقد صرّح الحقّ سبحانه بنصرته بقوله تعالى: ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾(٣).

ولكن الإشكال في شخصية أبي بكر ومواقفه ــ التي ذكرنا جزءاً يسيراً منها قبل أسطر ــ ومدى الاستفادة من وجوده في تلك الواقعة (واقعة الغار) للدلالة على إيمانه، أو حسن طاعته لله ولرسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّه هل يمكن أن نصف اجتماع أبي بكر في الغار

١- الإمامة والسياسة: الجزء الأوّل، استخلاف أبي بكر... كيف كانت بيعة عليّ؟

٢- صحيح مسلم ٧: ١٣٠، باب فضائل أهل بيت النبيّ(صلى الله عليه وسلم).

٣- التوبة ٩: ٤٠.

٧٦

مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه للدنيا أو للآخرة؟ فهذا ما لا يمكن تحصيله من ظاهر الآية فقط، فلا بدّ من العودة إلى حال الرجل ومواقفه في الإسلام، للوصول بعد البحث الموضوعي في مفردات حياته إلى قول يبرئ الذمّة في حقّه.

ويمكن القول: إنّ الاجتماع في الغار كان من جهة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) اضطراراً بعد أن لاقى أبا بكر في الطريق فأخذه معه، ومن جهة أبي بكر كان طمعاً في الدنيا، ولا يلزم من اجتماع شخصين في مكان أن تكون نيتهما وأغراضهما واحدة.

رابعاً: هناك فرق بين أصحاب الحسين(عليه السلام) وصحبة أبي بكر للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في الغار، لأنّ أصحاب الحسين(عليه السلام) أثبتوا موقفهم مع الحسين(عليه السلام) في نهضته حتّى النهاية، وقد شهدت لهم دماؤهم بفضل صحبتهم، وصحبة أبي بكر ما زالت موضع أخذ ورد، ممّا يكشف عن وجود كلام في مصداقيتها وعدم وضوح هذه المصداقية، وما جرى بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كشف الكثير من ضعف المصداقية لهذه الصحبة.

وأمّا الاستدلال بصحبة موسى والخضر(عليهما السلام)، فقد جاءت الآيات واضحة في ثناء الله سبحانه وتعالى عليهما، ولا يقدح في شأنهما أو في شأن موسى(عليه السلام) ما بدر منه في تلك الحادثة بعد ثناء الله عليه في أكثر من موضع وموضع، فهنا الأدلّة واضحة في تقييم الأشخاص، ولا تقع المقارنة بين هذه الحوادث وحادثة صحبة أبي بكر للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في الغار.

وملخّص الكلام: أن لا دلالة للصحبة بحدّ ذاتها في كلّ الموارد المذكورة من: أصحاب الحسين(عليه السلام) ، وصحبة موسى للخضر(عليهما السلام)، وصحبة أبي بكر للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)! وإنّما الدلالة لحقيقة الصاحب؛ فإنّ فضل أصحاب الحسين(عليه السلام) في استشهادهم وصدقهم

٧٧

للصحبة, وفضل صحبة موسى للخضر هي في صحبة نبيّ لولي من أولياء الله علّمه الله الغيب, أمّا صحبة أبي بكر للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنّ قيمتها تظهر من غصبه حقّ فاطمة(عليها السلام) مثلاً، فهل حفظ حقّ الصحبة؟!!

خامساً: إنّ الآية التي أردت النقض بها على كلام المفيد، وهي: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾، لو عرفت تفسيرها الصحيح، تجدها بعيدة عن موضوع النهي؛ فإنّ الله كان قد أخبر رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) سابقاً بعدد نسائه وأسمائهنّ، وكان من بينهنّ زينب بنت جحش، وهي لا زالت على ذمّة زيد، فأخفى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) علمه بأنّ زينب ستكون زوجته في المستقبل خشية من كلام المنافقين، فنزلت الآية إشفاقاً على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّه لا خوف من المنافقين، فأين هذا من النهي؟!

نعم، على ما فسّرها أهل السُنّة قد يرد ما ذكرته، ولكنّا لا نلتزم بما فسّروه، ونلتزم بعصمة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) المطلقة.

وكذلك الآية الثانية التي ذكرتها وهي: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، فهي أيضاً لا يتم بها النقض على تفسيرها الصحيح عندنا، وبيان ذلك بنقاط.. وسيأتي لاحقاً ما يلزم تفسيرها عندكم:

أ ــ فإنّ سياق الآيات يدلّ على أنّها نزلت في غزوة تبوك وهي كانت في سنة ثمان، أي: قبل موت عبد الله بن أُبي بن سلول سنة تسع، فليس للآية ربط بمسألة موت ابن سلول.

ب ــ ثمّ إنّ الآية تبيّن عدم فائدة استغفار النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) للمنافقين في حصول المغفرة لهم من الله سبحانه، وأنّه لا يغفر لهم أبداً، حتّى لو استغفر لهم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، أمّا نفي

٧٨

فائدة أُخرى اجتماعية دنيوية تترتّب على فعل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) الخارجي، وهو الاستغفار لو حدث، فهذا شيء آخر، وكذا على ما فسّرها أهل السُنّة من خلال الرواية التي ذكرتها بخصوص فعل عمر؛ فإنّه سيكون في الآية تخيير وليس نهياً، وسيأتي الكلام عن الرواية لاحقاً.

ج ــ إنّ النهي ورد في الآية ٨٤ من التوبة: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، وهي أيضاً كما يظهر من سياق الآيات نازلة في غزوة تبوك سنة ثمان، ولا علاقة لها بموت ابن سلول، وإنّا نفهم ــ والله العالم ــ من سياق الآيات: أنّ آية الاستغفار (٨٠ التوبة)، والآيات التي بعدها، إلى آية النهي عن الصلاة (التوبة ٨٤)، نازلة في الذين تخلّفوا عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في غزوة تبوك، وأنّ الله يخبره أنّ الله لا يغفر لهم أبداً حتّى لو استغفر لهم الرسول، وأنّه إذا مات أحدهم لا تصلّ عليه ولا تقم على قبره، ثمّ إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أعلم بمواقع مصاديق الآيات، فإن فعل في واقعة معيّنة (فرضاً) ولمصلحة هو يعرفها، يكون فعله(صلى الله عليه وآله وسلم) تخصيصاً لعمومها، نلتزم به ولا نعترض عليه؛ لأنّه هو المشرّع، و﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾(١)، وهذا تنزّلاً على أنّ النهي في الآية يشمل عبد الله بن أُبي بن سلول، وهو أوّل الكلام.. فلاحظ!

د ــ إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يستغفر لابن سلول؛ فعن الصادق(عليه السلام) ، قال: (لمّا مات عبد الله بن أُبي بن سلول، حضر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) جنازته، فقال عمر: يا رسول الله! ألم ينهك الله أن تقوم على قبره؟! فسكت، فقال: ألم ينهك الله أن تقوم على قبره؟! فقال له: ويلك، وما يدريك ما قلت؟! إنّي قلت: اللّهمّ أُحش جوفه ناراً، واملأ

١- النجم ٥٣: ٣.

٧٩

قبره ناراً، واصله ناراً. قال أبو عبد الله الصادق(عليه السلام) : فأبدى من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ما كان يكره)(١)!!

هـ ــ فظهر أنّ ما أوردته من الرواية عن ابن عمر باطلة؛ فإنّ فيها: أنّ عمر قال لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): ((أتصلّي عليه وقد نهاك الله أن تصلّي عليه...))، ثمّ لمّا صلّى عليه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نزلت: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً...﴾، فمن أين جاء عمر بالنهي وهو بعد لم ينزل على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث إنّه نزل بعد قول عمر حسب الرواية المزعومة؟!!

ثمّ إنّ فيها إثبات المعصية لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ــ والعياذ بالله ــ وهو على تفسيركم لهذه الآيات ثابت ــ أستغفر الله ــ.

مع ملاحظة ما في هذه الرواية من فظاظة عمر، وعدم احترامه لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، واعتراضه عليه، وهو الذي لا ينطق عن الهوى، وهو مذكور أيضاً في الرواية من طريقنا التي مضت.

و ــ نقول: نحن نعجب من هواك وعصبيتك بعدما كشفا عن جهلك!! فإنّك أثبت المعصية لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في سبيل دفاعك عن أبي بكر، ولم تذكر تفسيراً مقنعاً للآية والرواية التي أوردتها تنزّه فيها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عن المعصية!! بل إنّك أكّدتها ــ نعوذ بالله ــ.

ومع ذلك فما قلته مؤيّد لنا؛ لأنّك تقرّ أنّ النهي الوارد في الآية نهي عن معصية، ونختلف معك في زعمك أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فعلها ــ نعوذ بالله ــ.

١- الكافي، للكليني ٣: ١٨٨ الحديث ١، باب الصلاة على الناصب.

٨٠