×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 3) / الصفحات: ٨١ - ١٠٠

ونحن نقول أيضاً: إنّ النهي في: ﴿لاَ تَحْزَنْ﴾ أيضاً نهي عن معصية، فما الفرق؟

نعم، الفرق بيننا: أنّا لا نثبت ذلك لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما عرفت من تفسيرنا للآية، ولأنّا نلتزم بعصمة الرسول المطلقة بأدلّة يقينية، فنأوّل كلّ ما خالف دليل العقل.

وإن اعترضت وقلت: إنّي لا أثبت أنّ النهي في ﴿لاَ تُصَلِّ﴾ نهي عن معصية؛ لأنّ له لازم باطل، وهو إثبات المعصية لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّك لم تفهم كلامي، وقلبته.. ولعلّ هذا مرادك فعلاً.

فنقول:

١ــ إنّ قولك هذا خلاف ما فسّره العامّة من الآية، وما استدلّوا به أيضاً بهذه الآية.

٢ــ ثمّ إنّ قولك هذا يردّه قول عمر نفسه حسب روايتكم! وإلّا لماذا نهى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا لم يكن المراد بالنهي النهي عن معصية، وإذا لم يفهم العرب منه ذلك، وعمر عربي كما هو مشهور!!

ز ــ قد ذكر المؤرخون أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما صلّى على هذا الرجل لغرض سياسي؛ لأنّه كان رئيس قومه وزعيمهم، وأراد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بفعله هذا أن يستميلهم للإسلام، وقد تحقّق ما أراده رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؛ فإنّه بفعله الظاهري، وهو قيامه عليه، استمال قومه, وما قاله حقيقة هو الدعاء عليه بالنار. ولكن أنّى لهذا أن يدركه عمر، فكان يرى لنفسه حقّ الاعتراض!! والله المستعان على ذلك.

وعليه، يظهر أنّ هذه الآية الثانية لا تصلح للمعارضة، بل ربّما تصلح للتأييد بأنّ النهي يرد على المعصية حسب ما فسّرتموه أنتم.

٨١

ثمّ إنّك تعترض علينا بتفسيركم أنتم للقرآن، وبما تروونه أيضاً، وتريد أن تجعله نقضاً علينا.. ومن الواضح أنّ من قواعد المناظرة أن تأتي بنقض يكون من المتّفق عليه، أو يقبله ويسلّمه المنقوض عليه، فأنت بهذه المعارضة دلّلت على جهلك بقواعد المناظرة والجدل.

وأخيراً لا بدّ هنا من أن نضيف شيئاً للفائدة والتوضيح:

قال العلّامة السيّد جعفر مرتضى العاملي: ((ويقول المفيد وغيره: إنّ حزن أبي بكر إن كان طاعة لله، فالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لا ينهى عن الطاعة، فلم يبق إلّا أنّه معصية(١).

وأجاب الحلبي وغيره: بأنّ الله خاطب نبيّه بقوله: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾(٢)، فنهي الله لنبيّه لم يكن إلّا تأنيساً وتبشيراً له، وكذلك نهي النبيّ لأبي بكر(٣).

ونحن نرى أنّ جواب الحلبي هذا في غير محلّه! وذلك: لأنّ حزن أبي بكر، وشكّه في نصر الله، الذي يشير إليه قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) له: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾(٤) كان ممّا لا يجمل ولا يحسن؛ إذ كان عليه أن يثق بنصر الله سبحانه وتعالى لنبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، بعدما رأى المعجزات الظاهرة، والآيات الباهرة، الدالّة على أنّ الله تعالى سوف ينجي نبيّه من كيد المشركين.

١- الإفصاح: ١٩١ مسألة أخرى: بيان بطلان ما زعموه من فضائل لأبي بكر في آية ((ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ))، وكنز الفوائد، للكراجكي: ٢٠٣ منام الشيخ المفيد.

٢- يونس ١٠: ٦٥.

٣- السيرة الحلبية ٢: ٢١٠، باب عرض رسول الله(صلى الله عليه وسلم) نفسه على القبائل.

٤- التوبة ٩: ٤٠.

٨٢

وعليه، فلا يمكن أن تكون الآية واردة في مقام مدحه وتقريظه، ولا بدّ من حمل النهي على ما هو ظاهر فيه، ولا يصرف عن ظاهره إلّا بقرينة. بل ما ذكرناه يكون قرينة على تعيّن هذا الظاهر.

ولا يقاس حزن أبي بكر بحزن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، والمشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾، وغيرها؛ لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما كان يحزن من أجل ما يراه من العوائق أمام دعوته، والموانع التي تعترض طريق انتشار وانتصار دينه، لما يراه من استكبار قومه، ومقامهم على الكفر والطغيان. فالنهي له(صلى الله عليه وآله وسلم) في الآية المتقدّمة، ولموسى(عليه السلام) في آية أُخرى، ليس نهي تحريم، وإنّما هو تأنيس وتبشير بالنصر السريع لدينه، وللتنبيه على عدم الاعتناء بقولهم، وعدم استحقاقهم للحزن والأسف.

فحزن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) هنا يدلّ على عمق إيمانه، وفنائه في ذات الله تعالى، وهو لا يقاس بحزن من يحزن من أجل نفسه، ومن أجل نفسه فقط.

والآيات صريحة فيما نقول: فنجد آية تقول: إنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يحزن لمسارعة قومه في الكفر: ﴿وَلاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾(١)، و﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾(٢))، وأُخرى تقول: إنّه يحزن لما بدا له من تكذيبهم إياه: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ﴾(٣))، وثالثة تقول: إنّه كان يحزن لاتّخاذهم آلهة من دون الله: ﴿فَلاَ يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾(٤).

١- آل عمران ٣: ١٧٦، المائدة ٥: ٤١.

٢- لقمان ٣١: ٢٣.

٣- الأنعام ٦: ٣٣.

٤- يس ٣٦: ٧٦.

٨٣

وهكذا سائر الآيات، كما لا يخفى على من لاحظها. فالآيات على حدّ قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾(١)، فهو حزن حسن منه(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو يدلّ على كمال صفاته، وسجاحة أخلاقه. صلوات الله عليه وآله الطاهرين.

أضف إلى كلّ ما تقدّم: إنّنا لو لم نعرف واقع حزن أبي بكر، فإنّنا لا يمكن أن نقيسه على حزن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) المعصوم، بل علينا أن نأخذ بظاهر النهي، وهو التحريم، ولا يعدل عن ظاهره إلّا بدليل))(٢).

سادساً: وأمّا قوله تعالى حكاية عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، فإنّنا نجزم بأنّ الله سبحانه مع نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) مؤيّداً ومسدّداً وحافظاً، وحفظ الله لنبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) فيه مصالح كثيرة يتوقّف عليها أمر البلاد والعباد، ولا نرى وجهاً ليكون الله سبحانه مع أبي بكر بالمستوى الذي يكون فيه مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لوجود الفارق بين المنزلتين. فالمعية هي للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بالأصالة، ومجيئوها بصيغة الجمع وجه بلاغي تكرّر في موارد كثيرة من القرآن الكريم.

ثمّ إنّ القول بأنّ الله سبحانه كان مع أبي بكر بالمستوى الذي كان فيه مع نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) مؤيّداً وحافظاً ومسدّداً لا يمكن المصير إليه؛ لموانع خارجية! ولعلّ الشهادة التي شهد بها البخاري بأنّ فاطمة(عليها السلام) ماتت وهي واجدة ــ أي غاضبة ــ على أبي بكر(٣)، وما رواه الحاكم في (المستدرك) وصحّحه عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): بأنّ

١- فاطر ٣٥: ٨.

٢- الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) ٤: ٢٠٩ ــ ٢١١ الباب الرابع، الفصل الثاني.

٣- صحيح البخاري ٥: ٨٢ كتاب المغازي، باب غزوة خيبر.

٨٤

الله يرضى لرضى فاطمة ويغضب لغضبها(١)، يمنعنا من أن نقول: إنّ الله سبحانه ــ وهو المحيط بعباده ابتداءً وانتهاءً ــ كان مع أبي بكر.

إذ كيف يكون الله سبحانه مع شخص سيكون في علمه محلاًّ لغضبه وعدم رضاه؟!

اللّهمّ إلّا أن نقول ــ إن أردنا المعية للاثنين معاً ـ ـ: أنّها معية علمية لا معية تأييد وتسديد.. لكن هذا مخالف لسياق الآية؛ فالمعية معية حفظ وتأييد وتسديد، وهي مختصة بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وإن وردت بلسان الجمع. أو على أكثر التقادير: أنّها جاءت من أجل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وإنّما شملت أبي بكر لوجوده مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فهي مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾(٢)؛ فقد جاءت: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ على سبيل التعريف والتنبيه لأبي بكر ليذهب حزنه وخوفه ويذكّره بأنّ الله سوف يحفظهم وينجّيهم، وأنّه لا داعي لخوفه، وأنّ أبا بكر سوف ينجو مقدّمة لنجاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)؛ لأنّه لازم للواقع الخارجي، فهو كان مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).

وأمّا أنّه وردت رواية بأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أراد بلفظ (معنا): هو والإمام عليّ(عليه السلام) البائت على فراشه، فلا ضير ولا إشكال في ذلك من حيث المضمون؛ لموقع عليّ(عليه السلام) من الحقّ، وورود الحديث الصحيح: (عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ)(٣).

١- المستدرك على الصحيحين ٣: ١٥٤.

٢- الأنفال ٨: ٣٣.

٣- تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي ١٤: ٣٢٢ ترجمة يوسف بن محمّد بن علي ٧٦٤٣، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٤٢: ٤٤٩ ترجمة الإمام عليّ(عليه السلام) ، الإمامة والسياسة، لابن قتيبة ١: ٧٣ التحام الحرب، مجمع الزوائد، للهيثمي ٧: ٣٣٦ كتاب الفتن، باب في يوم الجرعة، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٢: ٢٩٧ ذيل خطبة ٣٧، و١٨: ٧٢ ـ٧٧ـ.

٨٥

سابعاً: قوله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾(١)، يراد منه الاثنينية، أي: آدم وحواء(٢)، بقرينة الآيات السابقة لها، أو ــ كما ذهب إليه بعض المفسّرين ـ ـ: جنس بني آدم المتمثّل بآدم وحواء، قبال جنس بني الجانّ المتمثل بالشيطان(لعنه الله)(٣)، بقرينة قوله تعالى بعده: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾(٤).. وإلّا فقد وردت الآيات الكريمة بصيغة الجمع لبيان حادثة الهبوط هذه إلى الأرض كما في قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾(٥), و﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً﴾(٦).

وأمّا القول بأنّ المراد بالمثنّى: آدم وإبليس، فهو ضعيف، ولم يقبله أكثر المفسّرين وإن قاله مقاتل(٧).. ولو سلّمنا، فلا دلالة على دخول حوّاء فيه بالمساواة لآدم حتّى تكون كنفسه، وإنّما على أقصى الاحتمال دخولها بالتبعية، كما يدخل فيه ذرّية آدم وأعوان إبليس؛ لدليل خارج وليس من دلالة اللفظ.

١- طه ٢٠: ١٢٣.

٢- انظر: جامع البيان، للطبري ١٦: ٢٧٨ سورة طه، مدارك التنزيل، للنسفي ٣: ٧٠ سورة طه، الكشّاف، للزمخشري ١: ٢٧٤ سورة البقرة، زاد المسير، لابن الجوزي ٥: ٢٢٥ سورة طه، أنوار التنزيل، للبيضاوي ١: ٧٣ سورة البقرة، البحر المحيط، للأندلسي ١: ٣١٥ سورة البقرة، تفسير أبي السعود ١: ٩١ سورة البقرة، و٦: ٤٧ سورة طه، مجمع البيان، للطبرسي ٧: ٦٣ سورة طه.

٣- انظر: تفسير الرازي ٢٢: ١٢٩ سورة طه، تفسير الآلوسي ١٦: ٢٧٦ سورة طه.

٤- البقرة ٢: ٣٨.

٥- البقرة ٢: ٣٦.

٦- البقرة ٢: ٣٨.

٧- تفسير مقاتل بن سليمان ٢: ٣٤٤ سورة طه، الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي ١١: ٢٥٧ سورة طه، أنوار التنزيل، للبيضاوي ٤: ٤١ سورة طه، تفسير القرآن العظيم، لابن كثير ٢: ٢١٥ سورة المائدة، تفسير الآلوسي ١: ٢٣٦ سورة البقرة.

٨٦

أمّا جعل أبي بكر بمثابة نفس رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ليكون مشمولاً بالسكينة الواردة في الآية، فهو خلاف الظاهر؛ فالضمير للمفرد لا للمثنى، ولا توجد قرينة من الداخل ــ أي: داخل الآية ــ أو خارجها، للمصير إلى هذا المعنى، كما هو الحال الذي ذهب إليه كثير من المفسّرين عند عدّهم أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) بمنزلة نفس النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في آية المباهلة، للاقتصار في خروج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) للمباهلة على فاطمة والحسنين الذين كانوا يمثّلون موقع نسائه وأبنائه، ولم يكن لعليّ(عليه السلام) ــ وقد خرج معه ــ إلّا موقع نفسه المقدّسة، فالقرينة الداخلية: ﴿نَدْعُ.. وَأَنْفُسَنَا﴾(١) تشير إلى دعوة شخص بمنزلة النفس، لا دعوة الإنسان لنفسه ذاتها؛ إذ لا معنى له، والقرينة الخارجية هي: خروج الإمام عليّ(عليه السلام) في المباهلة مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وفاطمة والحسن والحسينF، الدالّ بكلّ وضوح على أنّ منزلته هي منزلة نفس النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، لعدم صلاحية الموقعين الآخرين له في الآية.

هذا إضافة إلى أنّ الضمير للجمع في ﴿أَنْفُسَنَا﴾ يصحّ فيه دخول عليّ(عليه السلام) ، عكس ما جاء في: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾، فالضمير في (عليه) للمفرد، وهو بقرينة الضمائر المتقدّمة والمتأخّرة عليه عائد إلى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).

ثمّ إنّا لم نفهم كلامك الأخير من أنّ تخصيص رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالسكينة يلزم منه إخراج جميع المؤمنين؛ لأنّه:

أوّلاً: هذا نص في اختصاص السكينة بالرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)؛ لمقام ضمير المفرد، وليس عاماً حتّى يرد عليه التخصيص، فالنص خاص برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ابتداءً، وليس عاماً وخصص برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأبو بكر لم يكن داخلاً حتّى يخرج بالتخصيص.

١- آل عمران ٣: ٦١.

٨٧

ثانياً: نعم، نحن نخصّص السكينة هنا بالرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) فقط، ولا تشمل جميع المؤمنين؛ إذ ليس شرطاً أن تنزل السكينة دائماً على جميع المؤمنين، وفي كلّ المواقع.

ثالثاً: إنّ صريح القرآن ورد بأنّ السكينة نزلت على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين معه في ظروف زمانية ومكانية محدّدة، وأنّها هنا نزلت في هذا الظرف الزماني والمكاني على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وحده فقط وفقط، فصريح الآية أخرج أبا بكر، ومن هنا يأتي السؤال بلماذا؟!

رابعاً: ثمّ لا نعلم ما هي الملازمة بين نزول السكينة والإيمان، أو عدم نزول السكينة وعدم الإيمان؟! إذ لا يوجد أحد من المسلمين، من علمائهم وعوامّهم، اشترط لا بدّية نزول السكينة على المؤمنين، أو أنّها يجب أن تنزل عليهم في كلّ وقت وإلّا فهم ليسوا مؤمنين، مع العلم أنّ السكينة هي تأييد إضافي من الله تعالى ينزل على الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو على غيره من المؤمنين معه.

نعم، هناك ملازمة بين عدم الإيمان وعدم نزول السكينة من جهة عدم الإيمان؛ فغير المؤمن لا تنزل عليه السكينة ولا عكس.

والمفيد يستدلّ بهذا الشكل:

كلّما ذكر القرآن نزول السكينة في موضع على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وكان المؤمنون معه، نزلت عليهم أيضاً، إلّا في هذا الموضع؛ فقد ذكر القرآن نزولها على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وحده مع وجود أبي بكر معه، فدلّ على خروج أبي بكر من تلك الكلّية، ولا دلالة فيها على خروج عليّ بن أبي طالب؛ لأنّه في هذا الموضع والظرف ــ أي في الغار ــ لم يكن مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، بل كان أبو بكر هو الموجود معه؛ فلاحظ!

٨٨

(من هو ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾؟)

« البحتري ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

في آية الغار، لمن يعود الضمير في قوله عزّ وجلّ: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾(١)؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إن كنت تريد بعود الضمير، الضمير المنفصل (هما)، فمن الواضح أنّه يعود إلى شخص النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وإلى رجل آخر كان معه في الغار، حيث كانا اثنين، وقد أبهم القرآن الكريم اسم الرجل الثاني، ولم يصرّح به، وإن اشتهر عند المخالفين حتّى قطعوا به أنّه: أبو بكر، ولكن لم يثبت عندنا القطع بالتواتر في ذلك الزمان.

وإن كنت تريد: من هو المقصود بـ(ثاني) في قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾، فمن الواضح أنّ المراد بالثاني هنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؛ لأنّ الضمائر من أوّل الآية تعود عليه(صلى الله عليه وآله وسلم) خاصّة الضمير في قوله تعالى: ﴿أخرَجَهُ﴾، و﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ حال من الضمير المنصوب في ﴿أخرَجَهُ﴾.

ومن هنا قالت الشيعة: أن لا فضل في الاثنينية هنا، وإلّا لكانت رتبة أبي بكر أعلى من رتبة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ــ نعوذ بالله ــ لأنّ أبا بكر هو الأوّل والثاني رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في الآية.

١- التوبة ٩: ٤٠.

٨٩

وأنت لو راجعت تفاسير القوم، تجد أن أغلبهم قد تغافل عن ذكر هذا المعنى؛ ليلبسوا على الناس من أنّ المراد بـ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ هو: أبو بكر، وهذا غير صحيح البتة!

قال الرازي في تفسيره عند تعداد فضائل أبي بكر من هذه الآية: ((الرابع: أنّه تعالى سمّاه ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ فجعل ثاني محمّد(عليه السلام) حال كونهما في الغار...)) إلى آخر ما رتبه على هذه الكذبة من فضائل(١).

وقال القرطبي في تفسيره: ((ولهذا قال بعض العلماء: في قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾، ما يدلّ على أنّ الخليفة بعد النبيّ(صلى الله عليه وسلم) أبو بكر الصدّيق(رضي الله عنه)، لأنّ الخليفة لا يكون أبداً إلّا ثانياً))(٢).

نقول: لو أخذنا بقوله وطبّقناه على الآية، لكان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) خليفة لأبي بكر ــ نعوذ بالله ــ لأنّه الثاني في الآية، وهو كفر والعياذ بالله؛ فاقرأ وتدبّر!

تعليق ١:

« أبو الصبر ــ الإمارات ــ سُنّي »

يا إخوتي الأعزّاء، لماذا تنكرون دور سيّدنا أبي بكر؟ يعني أكثر من كون القرآن ذكره؟ ماذا تريدون أكثر من ذلك؟!

طيّب، ألا تخافون إن كنتم تفترون عليه من عذاب يوم عظيم، وهو صاحب الرسول(صلى الله عليه وسلم) ، وأقرب الناس إليه؟

١- تفسير الرازي ١٦: ٦٤ سورة التوبة.

٢- الجامع لأحكام القرآن ٧: ١٤٧ سورة براءة.

٩٠

هل سيسامحكم الرسول؟ هل سيشفع لكم يوم القيامة؟

الآية الكريمة واضحة ولا تحتاج لكلّ هذا التفسير المضلّ.. ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾(١)، من الواضح هنا أنّ الرسول الأعظم اختار سيّدنا أبي بكر ليكون صاحباً له في الهجرة، ومن المعروف أنّ المرء لا يختار في مثل هذه المواقف إلّا أقرب النّاس إليه.. ولا يجبر على ذلك كرهاً..

﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾(٢)، كلمة (صاحبه) تدلّ على مدى قرب أبي بكر للنبيّ... وكيف يقول النبيّ: (إنّ الله معنا)، ويشمل بها أبا بكر فيما لو كان سيّدي أبو بكر من الأعداء؟

اتّقوا الله يا جماعة... وما الفائدة من المكابرة؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لكي تصل إلى الحقيقة، إن كنت تبتغيها، لا بدّ أن تتجرّد عن عواطفك وقناعاتك المسبقة، والأُمور التي تعدّها مسلّمة عندك، وأنّ هذا التقديس لهذه الشخصية التي غرقت فيها يحجبك عن نور الحقيقة، ومجرّد ذكر القرآن لشخص لا يعني دائماً أنّه مدح له؛ فقد ذكر القرآن الكافرين والمنافقين..

وكذلك فإنّ الصحبة لا تعدّ فضيلة خصوصاً إذا كانت من الذين غيّروا وبدّلوا بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).. وكونه أقرب الناس إليه، كلام غير صحيح! ولا نسلّم به، وإنّ

١- التوبة ٩: ٤٠.

٢- التوبة ٩: ٤٠.

٩١
موسوعة الأسئلة العقائدية (ج ٣) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ٩١ - ص ١٢٠)

الدافع لصحبة أبي بكر للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يحتمل وجوهاً متعدّدة، منها ما لا يثبت أيّة فضيلة له؛ فلإثبات كون صحبته فضيلة يحتاج إلى دليل، كأن يكون مدح المعصوم لهذه الصحبة، وهذا ما لم يثبت.

وقولك: ((من الواضح هنا أنّ الرسول الأعظم اختار سيّدنا أبا بكر ليكون صاحباً له في الهجرة))، غير صحيح! فإنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أخذه معه إلى الغار بعد أن صادفه في الطريق، ورسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يخبر بهجرته إلّا عليّاً(عليه السلام) .

والعقيدة المطلوبة من المسلم يجب أن تكون عن أدلّة قاطعة للحجّة، لا عن هوى وعصبية، واعتقادك بشخص؛ لأنّك تهواه، أو نشأت على هواه، لا يغنيك يوم القيامة إلّا إذا كان بحجّة مرضيّة عند الله، فلا تغفل، وراجع نفسك كثيراً، واطلب العلم من أهله.

تعليق ٢:

« عبد الله ــ الجزائر ــ سُنّي »

بسم الله الرحمن الرحيم

أصحاب النبيّ هم خير أصحاب الأنبياء، كما أنّ النبيّ(صلى الله عليه وسلم) خير الأنبياء قاطبة، والصدّيق(رضي الله عنه) وابنته أُمّنا عائشة بنصّ القرآن هي زوج النبيّ في الدنيا والآخرة، ومن اتّهمها فقد اتّهم رسول الله، ومن افترى عليها فقد برأها ربّنا في كتابه.

قال الله تعالى: ﴿محمّد رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً...﴾(١).

١- الفتح ٤٨: ٢٩.

٩٢

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لإثبات هذه الدعوة, أي: دعوى خيرية الأصحاب جميعاً، عليك دفع الأُمور التالية:

١ــ دلالة حديث الحوض الذي رواه البخاري ومسلم والكثير من محدّثي أهل السُنّة غيرهما(١)، بأنّه لا ينجو من الصحابة في الآخرة إلّا مثل همل النعم.. أي: القليل جدّاً, وتفسير هذا الحديث بالمرتدّين بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، هو تفسير بارد لا ينهض بوجه العموم الظاهر المستفاد من كلمة (أصحابي)؛ وأيضاً لقرينة: (أعرفهم ويعرفونني) الدالّة على العشرة والمصاحبة, وكذلك غيرها من القرائن الواردة في هذا الحديث التي لا تنطبق إلّا على من عاشره (صلى الله عليه وآله وسلم) وعرفه, ويحال بينه وبينهم يوم القيامة, فهذا الحديث المتواتر الواضح الدلالة يخصّص أيّ عموم مفترض للآيات الواردة في هذا الشأن, لو سلّمنا بشمولها لكلّ صحابي.

إلّا أن يدّعى الإجمال في كلا الدليلين, أي: دليل عموم الكتاب, ودليل عموم الحديث, ويكون التوقّف هو اللازم آنذاك، فيكون البحث عن أدلّة أُخرى خاصّة بكلّ شخص شخص لإثبات خيريته..

٢ــ لقد وردت الآيات الأُولى في سورة التحريم بحقّ من آذى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وفيها تعريض شديد وغليظ.. فهل ترى أنّ دعوى الخيرية هذه تستقيم مع هذا التعريض الشديد الغليظ والتمثيل بالنساء الكافرات؟!! راجع ثمّ أجب!

١- مسند أحمد بن حنبل ١: ٢٣٥، ٢٥٣ عن عبد الله بن العبّاس، وكذا أورده عن عبد الله ابن مسعود، وأبي سعيد الخدري، وحذيفة بن اليمان، صحيح البخاري ٥: ١٩٢، ٢٤٠ كتاب التفسير، وكذا أورده في كتاب الرقاق وكتاب الفتن، صحيح مسلم ١: ١٥٠ كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرّة والتحجيل، وكذا أورده في كتاب الفضائل وكتاب الجنّة، باب فناء الدنيا.

٩٣

وعلى سبيل المثال يمكنك النظر في تفسير الرازي والآلوسي (من علماء أهل السُنّة)(١).

٣ــ جاء في حديث صحيح, صحّحه الحاكم في مستدركه(٢), وحسّنه ابن حجر في (فتح الباري)(٣): أنّ أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) سألوه وقالوا: يا رسول الله! أحد خير منّا؛ أسلمنا معك وجاهدنا معك؟ قال: (نعم، قوم يكونون بعدكم, يؤمنون بي ولم يروني).

وفي مضمون هذا الحديث وردت جملة أحاديث أُخر يمكن مراجعتها في ما رواه: أحمد في (مسنده)(٤), والشوكاني في (فتح القدير)(٥), وكذلك رواها القرطبي في تفسيره(٦), والبيهقي في (الدلائل)(٧), وقوام السُنّة الأصبهاني في (الترغيب)(٨), والطبراني في (الأوسط)، و(الكبير)(٩), وابن عساكر(١٠), والدارمي في سننه(١١), والبخاري في تاريخه(١٢) بأسانيدهم؛ فراجع ثمّة.

١- تفسير الرازي ٣٠: ٤١، تفسير الآلوسي ٢٨: ١٤٦.

٢- المستدرك على الصحيحين ٤: ٨٥ ذكر فضائل الأُمّة بعد الصحابة والتابعين.

٣- فتح الباري ٧: ٥، باب فضائل أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وسلم).

٤- مسند أحمد بن حنبل ٣: ٧١ مسند أبي سعيد الخدري، وكذا في مسند أنس بن مالك، ومسند أبي جمعة حبيب بن سباع، ومسند أبي أمامة الباهلي.

٥- فتح القدير ١: ٣٤، ٣٥ سورة الفاتحة، و٣: ٨٢ سورة يوسف.

٦- الجامع لأحكام القرآن ٤: ١٧٢ تفسير ذيل آية ١١٠ من سورة آل عمران.

٧- دلائل النبوّة ٦: ٥٣٧ جامع أخبار النبيّ، ما جاء في إخباره بقوم لم يروه فيؤمنون به.

٨- الترغيب والترهيب ١: ٨٨ الحديث ٤٨، باب في الترغيب في الإيمان وفضله.

٩- المعجم الأوسط ٥: ٣٤١ من اسمه محمّد، محمّد بن عثمان بن أبي شيبة، المعجم الكبير ٤: ٢٢ حبيب بن سباع.

١٠- تاريخ مدينة دمشق ٨: ٤١٩ ـ٧٣٤ـ، و٩: ١٠٠، ١٠١ ـ٧٦٩ـ، و٢٣: ٣١٨ ـ٢٨٠٣ـ، و٣٠: ١٣٧ــ ١٣٩ ترجمة أبي بكر.

١١- سنن الدارمي ٢: ٣٠٨ كتاب الرقاق، باب في فضل آخر هذه الأُمّة.

١٢- التاريخ الكبير ٢: ٣١٠ ـ٢٥٨٥ـ.

٩٤

تعليق ٣:

« ماهر ــ العراق ــ إمامي »

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين والصلاة والسلام على أشرف الخلق محمّد وآله وصحبه أجمعين.

أمّا بعد.. يقول أحدهم في ردّه: يا أخي لا تجعل العاطفة تحكم في مثل هذه الأُمور، فهذه الأُمور تحتاج دليلاً قطعياً.. أسألك بالله وهل قصّة مهديكم فيها دليل قطعي؟ أتريدون إقناعنا بأنّ أفضلية أبي بكر(رضي الله عنه) غير موجودة؟

وإنّنا إنّما لكثرة محبّتنا لهذه الشخصية العظيمة أصبحنا لا نفرق بين الأُمور العقلية والعاطفية؟

والله ثمّ والله، إنّ أفضليته موجودة رغماً عمّا في نفوسكم، فيكفيه فخراً أن اختاره رسول الله(صلى الله عليه وسلم) ليكون صاحبه، وخير من يرافقه في مثل هذه الشدّة..أمّا عواطفكم أنتم فأين هي من مهديكم الخرافة؟

أعطني آية في مهديكم الأكذوبة الذي حيكت قصّته برواية مفبركة عن حكيمة، اذهب واقرأ جيّداً، فإنّ أحقادكم الصفوية قد عمت قلوبكم وأبصاركم في التبصر بدين الله. وسيبرأ رسول الله وآل بيته وكلّ صحابته منكم لأنّكم خالفتم دين الله.. والسلام.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

٩٥

لقد ثبت بالدليل عندنا من خلال التواتر ولادة الإمام المهدي(عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وليس الأمر متعلّق بحكيمة فقط، بل نستطيع إثبات ولادة الإمام(عجل الله تعالى فرجه الشريف) من خلال التواتر المعنوي، والتواتر دليل قطعي، فلا يعّد ما ذكر دليلاً نقضياً على ما ذكرنا.

وأمّا القول: بأنّ أفضلية أبي بكر موجودة، فهذا ثابت عندكم عاطفياً كما نشأتم عليه، ولم يثبت عندنا، وإلّا فهات الدليل.

وأمّا القول أنّ رسول الله اختاره ليكون صاحبه, فهذا من أوضح الكذب على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)! ولك أن تراجع رواياتكم قبل روايات الآخرين، لترى تناقضها الواضح في ذلك!

وقد أجبنا على ذلك هنا ضمن عنوان (صحبته للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن بطلب منه)؛ فراجع ثمّة.

تعليق ٤:

« أبو فاطمة الجبوري ــ العراق ــ إمامي »

هدانا الله وإيّاكم إلى الحقّ بإذنه.

هل أحد يجبر ربّ العزّة على الإخبار بأنّ أحداً كان مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟! فلو شاء الله ما ذكر القصّة كلّها، ولو لم يكن الصاحب معلوم بالضرورة لذكره الله بالاسم، كما ذكر زيداً، وأبا لهب، ولكن عدم الذكر هنا أبلغ.. فاتقوا الله في كتاب الله.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ ذكر الذين كانوا بالغار بالعدد دون جعل أي علامة مميّزة للآخر، دليل على عدم وجود أهمّية كبيرة في هذه الرفقة، والآيات القرآنية كانت تتحدّث

٩٦

عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم تجعل أهمّية لوجود الآخرين، فقال تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾، و﴿وَأَيَّدَهُ﴾، و﴿نَصَرَهُ﴾(١).

تعليق ٥:

« أبو عبد الرحمن ــ مصر ــ سلفي »

أنتم تقولون بردّة أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وسلم) جميعهم بعد وفاته إلّا قليل منهم، وذلك بدلالة حديث الحوض الذي فيه لفظ: (أصحابي)، وأنتم فسّرتموها على أنّهم أصحاب النبيّ كافّة إلّا قليل.

وقلتم أيضاً: إنّ لفظ (لصاحبه) في آية الهجرة لم يقصد بها أبا بكر(رضي الله عنه)، فكيف نفيتم المعنى عن أبي بكر في الصحبة للنبيّ، وأثبتم معنى الردّة في أصحابه الأطهار(رضي الله عنهم)؟ ما هذا التناقض في الحكم؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ليس هناك تناقض في إجابتنا، فحديث الحوض أشار إلى أصحابه بكلمة الجمع، التي تشير إلى مجموعة من أصحابه وتكرار الزمر التي تمرّ عليه، وقوله بعد ذلك: (فلا أراه يخلص منهم إلّا مثل همل النعم)، يشير إلى أنّ المراد بأصحابه جميعهم.

بينما الآية قد ذكرت أنّ مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) صاحباً، ولم تصرّح به، فلا بدّ من الرجوع إلى الأخبار لتشخيص المراد منه.

١- التوبة ٩: ٤٠.

٩٧

وقد قلنا سابقاً: إنّ المشهور في هذا الصاحب هو: أبو بكر، ولكن هناك من يشكّك في ذلك. نعم، نحن أنكرنا وجود فضيلة خاصّة في هذه الصحبة، كما مرّ من كلام المفيد، فنسبتك لنا أنّنا نفينا صحبة أبي بكر في الغار غير صحيح.

تعليق ٦:

« هناء الأسدي ــ العراق ــ إمامية »

لو سُئلنا ما هو تفسير الشيعة لهذه الآية, ما المقصود بـ(صاحبه)؟ ومن هو (ثاني اثنين)؟

فجوابكم مبهم وصعب لذوي العقول البسيطة! بصراحة أنا نفسي وجدت صعوبة في تقبل هذا التحليل الذي طرحتموه. نريد جواباً قطعيّاً من كان مع النبيّ في الغار؟ هل كان لوحده أم معه شخص ثانٍ؟

أمّا قول أنّ الضمائر كما حاولت أن أفهم تعود إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فهذا محال تصديقه!! إذاً كيف يخاطبه النبيّ.. وكلّ ما في الآية يشير إلى شخص ثانٍ؟!

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نحن لا ننكر الاثنينية وأنّ مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) شخصاً آخر في الغار عندما نقول بعود الضمائر إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، بل نريد القول بأنّ إنزال السكينة كان على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لا على الشخص الآخر، بقرينة أنّ المقصود بالضمائر في (تنصروه, ونصره, وأخرجه، وصاحبه، وأيده) تعود إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فكذلك في (سكينته).

٩٨

نعم، نقول: إنّ الآية القرآنية أبهمت الشخص الآخر، والمشهور من المنقول أنّه أبو بكر، ومن شكّك في كونه أبا بكر فمن منطلق وجود شخص غيره كان مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو الدليل الذي دلّه على الطريق واسمه (ابن أريقط) من بني الديل بن بكر.

تعليق ٧:

« ابن الحريري ــ سوريا ــ سُنّي »

في بعض الإجابات كان هناك تلميح من خلال الأحاديث التي أوردتموها على أنّ أبا بكر ارتدّ بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وسلم) ، كقولكم: (أعرفهم ويعرفوني), فكيف ذلك؟ وهو خلال مدّة خلافته وهو يقاتل الردّة، وقد قال فيهم: ((ولو منعوني عقال بعير كانوا يؤدّونه لرسول الله(صلى الله عليه وسلم) لقاتلتهم عليه))، فهل هذا من المنطق والعقل؟!

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

اختلف في المرتدّين هل أنّهم حقّاً مرتدّون، أم أنّهم رفضوا الانقياد لأبي بكر، وقالوا: لا ندفع زكاتنا إلّا لمن أُمرنا بالانقياد إليه وولايته.

وعلى فرض التسليم بحصول الردّة من البعض، فهذا لا يمنع الردّة بمعنى آخر من آخرين منهم صحابة، والحديث المعني بتخصصهم بـ(أصحابي)، و(أعرفهم ولا يعرفوني)، وقتال أبي بكر لمن منع الزكاة لا يدلّ على غيرته على الدين، بل يمكن أن يكون الدافع سلطوي، فالمتسلطون من الخليقة

٩٩

ولحدّ الآن يقاتلون ويقتلون لتثبيت سلطتهم، أو اقتصادي، فقوام الدولة التي يترأسها أبو بكر تحتاج إلى الأموال فلا بدّ من القتال لأجله، وهذا هو حال أغلب الحكّام اليوم وقبل اليوم، فأوّل ما يقاتلون عليه هو المال لأنّه عماد السلطة.

تعليق ٨:

« أبو كمال الشرماني ــ الأردن ــ سُنّي »

طبعاً القرآن ليس كتاب سير وتاريخ، لذلك لم يرد أي اسم لصحابي باستثناء زيد، فمن أنكر أنّ أبا بكر كان صاحباً لرسول الله في الغار، عليه أن يثبت أنّ هناك شخصاً كان اسمه عليّاً!

وأمّا اتهام أبي بكر بالردّة، فأقول: لماذا لا يتّهم عليّ مثلاً بالردّة، والتغيير بعد رسول الله؟! (طبعاً نحن المسلمون لا نقر بأيّ ردّة لأيّ صحابي صاحب رسول الله وسمعه وصدّقه حتّى وفاته، خصوصاً الكبار منهم، أمثال: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ).

وأمّا آية الصحبة، أقول: إنّ السكينة نزلت على أبي بكر ولم تنزل على رسول الله، لأنّ رسول الله لم يكن حزيناً ولا خائفاً، فهو يعرف أنّ الله معه باستمرار ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾(١)، وأمّا أبو بكر فكان خائفاً على رسول الله من الأذى، وحزيناً على مصير الإسلام إن تعرّض رسول الله للأذى في حال القبض عليه من الكفّار، فطمأنه رسول الله، وأنزل الله عليه سكينته، إذاً السكينة نزلت على أبي بكر.

١- المائدة ٥: ٦٧.

١٠٠