×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 3) / الصفحات: ١٠١ - ١٢٠

من الملاحظ جدّاً أنّ خطّة الشيعة هو تدمير كلّ ما هو مقدّس في الإسلام تحت التستر بمحبّة أقرباء رسول الله، لكنّهم في الحقيقة ذئاب خاطفة حاقدة على الإسلام! فأيّ دين يطعن بالكتاب الذي أُنزل عليهم؟! وأيّ دين يسبّ زوجات نبيّهم؟! وأيّ دين يسبّون تلاميذ نبيّهم؟! وأيّ دين يرفعون البشر إلى ما فوق النبوّة، بل إلى درجة الإلوهية؟!

فإذا طعن بالكتاب الذي أُنزله الله وسبّ تلاميذ النبيّ ونساءه، فماذا بقي من الدين؟

نصيحتي للشيعة قبل أن يفوتهم القطار: أن لا يصدّقوا كذب المعمّمين، ولا يصدّقوا الروايات المنسوبة إلى عليّ وذرّيته، فهي كذب، وهم بريئون منها.

عليكم مراجعة مروياتكم والتأكّد من نسبتها إلى قائليها وعرضها على كتاب الله، فالقرآن هو الفصل وهو أصل الدين والشريعة.

ألا تلاحظون أنّ دينكم لا يؤخذ من القرآن، بل من المرويات المكذوبة، بل ومن أُناس ليسوا بأنبياء، ولا صحابه، ولا تابعين!

إنّ الدين لا يؤخذ إلّا من القرآن، ففيه تبيان كلّ شيء، والسُنّة تطبّق ما ورد فيه. من هنا يؤخذ الدين فقط، وأمّا قول الصحابي فهو ليس وحياً بحدّ ذاته، فإن أصاب أخذنا به، وإن أخطأ دون قصد تركناه واستغفرنا له من أجل خطأه الغير مقصود وترضيّنا عنه، لأنّ الصحابة (المهاجرين والأنصار) وعدهم الله بجنّات النعيم، والله لا يخلف وعده.

فلن تربحوا شيئاً بسبّ صحابة رسول الله وأُمّهات المؤمنين أزواجه، بل هو الخسران المبين.

١٠١

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله.

١ــ لا أحد يستطيع التشكيك بوجود الشخصيات المشهورة من الصحابة كعليّ(عليه السلام) ، وكذلك أبي بكر وعمر، وغيرهم من الصحابة، لكن كون أبي بكر في الغار يمكن التشكيك فيه، لوجود التناقض في أقوالكم! بوجود آخر مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو الدليل، في حين أنّ الآية تتحدّث عن اثنين!

٢ــ نحن وأنتم متّفقون بأنّ عليّاً(عليه السلام) لم يرتدّ، فهو عندكم من العشرة المبشّرة بالجنّة، والأحاديث عندنا في فضله كثيرة.

ونحن لا نقول بارتداد بعض الصحابة جزافاً من دون دليل، وارتداد عليّ(عليه السلام) محال، ولكن فرض المحال ليس بمحال، فلو كان هناك أدنى شبة بارتداده ــ نعوذ بالله ــ لذكرها ابن تيمية مثلاً.

٣ــ صريح البخاري أنّ الصحابة سترتدّ ولا يبقى منهم إلّا مثل همل النعم! فلا يعبأ بقولك في قبال قول البخاري.

٤ــ أنت تنفي نزول السكينة على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، بدليل أنّه معصوم من قبل الله سبحانه وتعالى، في حين يصرّح القرآن بنزول السكينة على النبيّ، بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ...﴾(١)! كما أنّ الضمائر السابقة على قوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾(٢) في آية الغار والضمائر اللاحقة ترجع إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلا يمكن فرض

١- التوبة ٩: ٢٦.

٢- التوبة ٩: ٤٠.

١٠٢

رجوع الضمير في (عليه) على أبي بكر. وللمزيد راجع عنوان (السكينة لم تنزل عليه) هنا.

ثمّ إنّ العصمة عن الناس غير السكينة، ومع ذلك فإنّ آية العصمة متأخّرة النزول في آخر حياة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد أن رجع من حجّة الوداع وأراد إبلاغ ولاية أمير المؤمنين(عليه السلام) .

٥ــ لسنا نحن الذين فرضنا محبّة الأقارب، بل القرآن فرض مودّة القربى، حيث قال تعالى: ﴿قُل لاَ أَسأَلُكُم عَلَيهِ أَجراً إلّا المَوَدَّةَ فِي القُربَى﴾(١)، فتمسّكنا بالمودّة للقربى معناه تمسّكنا بالقرآن.

٦ــ نحن لا نقول بتحريف القرآن، ولا نسبّ أُمّهات المؤمنين، ولا الصحابة.

نعم، نبيّن سوء حال بعضهم، والهدف هو إظهار الحقّ لا النيل من رموز الآخرين، وأمّا تفضيلنا للأئمّة(عليهم السلام)، فهو في حدود القرآن والسُنّة الصحيحة التي وردتنا عن المعصومين(عليهم السلام).

٧ــ لا يمكن أن نعد الروايات الواردة عن المعصومين(عليهم السلام كذباً، لأنّها وردت إلينا عن طريق الثقات، ولا يمكن تكذيب الثقات، لثبوت الحجّية لما ينقلونه شرعاً.

٨ــ من ضمن منهجنا عرض الروايات على الكتاب، فالروايات التي لا توافق الكتاب فهي زخرف، على حدّ تعبير أئمّتنا(عليهم السلام) (٢).

٩ــ نحن نأخذ من الأئمّة المعصومين(عليهم السلام)، لأنّه ثبت عندنا بالدليل القطعي حجّية قولهم، وأنّهم مسدّدون من السماء معصومون.

١- الشورى ٤٢: ٢٣.

٢- التوبة ٩: ١٠٠.

١٠٣

١٠ــ نحن لا نقبل مقولة: ((حسبنا كتاب الله)) التي ابتدعها عمر بن الخطّاب، بل القول الصحيح الذي نتمسّك به، هو: التمسك بالكتاب والعترة، كما أمرنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث الثقلين.

١١ــ لا يمكن قبول أنّ جميع الصحابة موعودون بالجنّة، ومرضي عنهم! بل الآية تشير إلى بعضهم، فقالت: ﴿مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾(١)، ولا شكّ في نفاق البعض وكفره، كما لا شكّ في ارتداد البعض بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

(لا معارضة بين نهي أبي بكر عن الحزن ونهي الله لنبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) عن الحزن)

« مرتضى ــ بلجيكا ــ إمامي »

السؤال:

لماذا يكون الحزن المشار إليه في آية الغار الشريفة, الواقع أو الصادر من أبي بكر, حزن معصية, مستدلّين بنهي النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم), لأبي بكر عن الحزن, لأنّ النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) لا ينهى إلّا عن المعاصي والموبقات, مع أنّا نجد في القرآن الكريم إنّ الحزن صدر أو وقع من كثير من الأولياء، وأيضاً هنالك بعض الآيات التي ظاهرها أنّ الله عزّ وجلّ نهى أو ينهى نبيّه الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) عن الحزن, مثل: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾(٢)، أو ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً ألَّا يَجِدُوا مَا

١- انظر: المحاسن، للبرقي ١: ٢٢٠ الحديث ١٢٨ ــ ١٣٠ كتاب مصابيح الظلم باب ١١، الكافي، للكليني ١: ٦٩ كتاب فضل العلم، باب الأخذ بالسُنّة، مسند أحمد بن حنبل ٦: ٢٠٦.

٢- النحل ١٦: ١٢٧.

١٠٤

يُنْفِقُونَ﴾(١), إذا كان الصدور أو وقوع الحزن معصية, فعندئذٍ ألا يعارض هذا ما نعتقده من عصمة الأنبياء؟ وإذا لم تكن معصية، فلماذا قلنا: إنّ حزن أبي بكر كان حزن معصية؟

أرجو الجواب بإسهاب, لأنّ هذه المسألة محلّ إشكال وابتلاء عقائدي.

ودمتم سالمين.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ مطلق الحزن ليس محرّماً، أو مكروهاً، بل من الحزن ما هو ممدوح.

روي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): (ما عبد الله عزّ وجلّ على مثل طول الحزن)(٢).

وروي عن أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) : (إنَّ من أحبّ عباد الله إليه عبداً أعانه الله على نفسه, فاستشعر الحزن، وتجلبب الخوف, فزهر مصباح الهدى في قلبه)(٣).

وعن الإمام الصادق(عليه السلام) قال: (يصبح المؤمن حزيناً ويمسي حزيناً, ولا يصلحه إلّا ذاك)(٤).

فالمنهيّ عنه في الآية ــ آية الغار ــ هو خصوص الحزن المذموم لا الممدوح.

أمّا المعارضة بحزن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو حزن الأنبياء(عليهم السلام)، فهي ساقطة، لأنّه ثبت عندنا عصمته (صلى الله عليه وآله وسلم) وعصمتهم(عليهم السلام) من الزلاّت وجميع المعاصي, فوجب أن يحمل قوله

١- التوبة ٩: ٩٢.

٢- مكارم الأخلاق، للطبرسي: ٤٦٢ الباب الثاني، الفصل الخامس.

٣- نهج البلاغة ١: ١٥١ الخطبة ٨٧.

٤- الدعوات، للراوندي: ٢٨٧ في المستدركات الحديث ١٨، وانظر: شعب الإيمان، للبيهقي ١: ٢٢٥ الحديث ٢١٩.

١٠٥

تعالى له (صلى الله عليه وآله وسلم): ﴿وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾، على أجمل الوجوه والأقسام، وأحسن المعاني في الكلام من تخفيف الهمّ عنه وتسهيل صعوبة الأمر عليه رفقاً به وإكراماً وإجلالاً وإعظاماً له, ولم يكن أبو بكر عندنا وعند خصومنا معصوماً فيؤمن منه وقوع الخطأ, ولا إمارة أيضاً تدعو إلى أن يكون الظنّ به حسناً, بل الدلالة حاصلة على عكس ذلك، إذ أنّه مع تواجده مع النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي كان يخبر من يسلم على يده بأنّ الله سينصره على عدوّه ومعانده، وأنّه سبحانه وتعالى وعده بإعلاء كلمته وإظهار شريعته, الأمر الذي يوجب الثقة وعدم الحزن والمخافة.

ثمّ مع ما ظهر من الآيات الموجبة لسكون النفس وإزالة الخوف، من نسج العنكبوت على باب الغار، وتبييض الطائر هناك في الحال، وغيرها من الأُمور التي توجب الثقة بالله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) وعدم الخوف والحزن من غلبة الأعداء, نرى ظهور الحزن من أبي بكر والقلق الذي أوجب نهي النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) له عن ذلك, وقد كشف لنا هذا النهي عن قبح هذا الحزن, وأنّ أبا بكر عاص في حزنه، لأنّه ثمرة شكّه في كلّ ما سمع وشاهد من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من الآيات والبيّنات في نصر الله سبحانه لنبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وتأييده له, فإن سلّمنا بذلك، وإلّا فلا أقلّ من ورود هذا الاحتمال في حقّ أبي بكر في هذا المقام لعدم عصمته, وهو بخلافه في مقامات نهي النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو الأنبياء(عليهم السلام) عن الحزن, إذ لا يمكن أن يتطرّق احتمال النهي عن المعصية في حقّهم، وذلك لثبوت عصمتهم بالدليلين العقلي والنقلي، فلا تقع المعارضة.

ثمّ إنّه وإن ورد النهي عن الحزن في الآيات التي ذكرتها، ولكنّه لم يردّ مطلقاً، بل ذكر فيها سببه، وهو حزن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على عدم إيمان قومه وكفرهم، كما في الآية الأُولى، وعدم وجدانهم ما ينفقون في الآية الثانية، ولكنّهما سببان غير مذمومان،

١٠٦

فلا يكون الحزن المتعلّق بهما مذموماً، فيحمل على أحسن الوجوه من التسلية وتخفيف الهمّ والرفق، وأمّا حزن أبي بكر في آية الغار فقد ذكر مطلقاً، ولم يذكر سببه مع ورود النهي عنه، ولذا يكون الظاهر منه النهي عن المرجوح، ويفهم منه الذمّ؛ فتأمّل!

(السكينة لم تنزل عليه)

« علي المؤمن ــ السعودية ــ سُنّي»

السؤال:

لماذا تبغضون أبا بكر، وهو الذي أنزل الله السكينة عليه؟!

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ليس لأيّ شيعي عداوة شخصية مع أبي بكر، وإنّما الحبّ والبغض يكون بالتعرّف على حقائق الأشخاص ومواقفهم، وذلك بالرجوع إلى الكتاب والسُنّة والعقل والتاريخ.

هذا، وإنّ السكينة وردت في القرآن الكريم عدّة مرّات:

١ــ ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾(١)، وهذه الآية هي المعروفة بآية الغار، والدليل اللغوي أثبت أنّ السكينة هنا نزلت على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لا غير؛ لأنّ الضمائر جميعها السابقة واللاحقة في الآية ترجع إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

١- التوبة ٩: ٤٠.

١٠٧

٢ــ ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ... ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ...﴾(١)، والسكينة هنا نزلت على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى المؤمنين، فلا تشمل إلّا من صدق عليه أنّه مؤمن.

وهنا نقول: لا يمكن لأحد أن يدّعي أنّ الآية تشمل فلان وفلان إلّا بعد إثبات إيمانهما من دليل آخر.

ثمّ نسأل: لماذا في الآية الأُولى اختصّت السكينة برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ وفي الثانية نزلت على الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين؟! أليس هذا لوحده يثبت أنّ أبا بكر لو كان من المؤمنين لنزلت عليه السكينة أيضاً في الغار؟!

٣ــ ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ...﴾(٢).

٤ــ ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ...﴾(٣).

٥ــ ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ...﴾(٤).

وكما ترى، فإنّ الآيات ناظرة إلى نزول السكينة على المؤمنين لا غيرهم.

وكلّنا أمل في أن تواصلوا البحث والتحقيق بشكل موضوعي في أمثال هذه المسائل المهمّة التي تعتمد على الأدلّة القطعية.

١- التوبة ٩: ٢٥ ــ ٢٦.

٢- الفتح ٤٨: ٤.

٣- الفتح ٤٨: ١٨.

٤- الفتح ٤٨: ٢٦.

١٠٨

تعليق ١:

« أحمد إبراهيم ــ الأردن ــ سُنّي »

﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾(١)، الله معهما أوّلاً، ثمّ إنّ الرسول(صلى الله عليه وسلم) كان مطمئناً لعلمه أنّهم لن يروه.. أليس يعلم الغيب؟!

فمن هو بحاجة إلى السكينة إذاً: الرسول(صلى الله عليه وسلم) ، أم أبو بكر(رضي الله عنه)؟

الجواب طبعاً: أبو بكر، إذاً فالسكينة نزلت على أبي بكر.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: إنّك لم تبيّن كيفية استدلالك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾؟!

ونحن نقول: إن كان المراد المعيّة العامّة، فإنّ الله مع الكلّ، لقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إلّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إلّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾(٢)، فلو كانا منافقين فالله ثالثهما، وإن كانا مؤمنين فالله ثالثهما, وإن كان أحدهما مؤمناً ونبيّاً والآخر منافقاً وشقيّاً فالله ثالثهما، فلا فضل لأبي بكر بهذه المعيّة.

وإن كان المراد المعيّة الخاصّة ــ أي: معيّة النصرة أو الحفظ ــ فقد نصت الآية أنّ الله نصر نبيّه وحده؛ إذ جاء الضمير فيها مفرداً؛ قال تعالى: ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا...﴾(٣).

١- التوبة ٩: ٤٠.

٢- المجادلة ٥٨: ٧.

٣- التوبة ٩: ٤٠.

١٠٩

وأمّا الحفظ، فإنّ حفظ أبي بكر لازم لحفظ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فهو محفوظ بحفظه(صلى الله عليه وآله وسلم)؛ لأنّه كان معه في الغار.

وما كانت الهجرة ودخول الغار إلّا لحفظ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من الكفّار؛ فقال تعالى: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ولو كان(صلى الله عليه وآله وسلم) وحده لاستمر حفظ الله له، وكان معه حافظاً بما نسجت العنكبوت على فم الغار، وباضت الحمامتان على بابه، فلا فضل لأبي بكر في هذا.

وقول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي بكر: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾(١)، تعريف بما جهله أبو بكر وغفل عنه من نصرة الله وحفظه لأوليائه، فأخبره رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بما جهله بعد أن بان جهله بما ظهر من حزنه وخوفه مع ما رأى من دلائل الله وآياته في الغار، فدّل على عدم توكلّه على الله وعدم وثوقه بما وعد الله رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا بالذمّ والمنقصة أحرى وأوْلى.

ثانياً: قولك: إنّ رسول الله لا يحتاج إلى السكينة ــ على أيّ معنى حملت السكينة؛ لأنّهم ذكروا لها معانٍ عدّة ــ خلاف ما في القرآن الكريم؛ فإنّه يقول: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ...﴾(٢), ويقول أيضاً: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ...﴾(٣)، والآية الأُولى نزلت في حُنين، والثانية تشير إلى قصّة الحديبية، وهما بعد حادثة الغار بسنين، فإذا كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يحتاج إلى سكينة كما قلت، فهاتين الآيتين تصرّحان بنزولها عليه، وإذا كانت سكينته معه وهو في الغار، كما قال بعضكم، فأين ذهبت حتّى احتاجها في حُنين والحديبية؟!

١- التوبة ٩: ٤٠.

٢- التوبة ٩: ٢٦.

٣- الفتح ٤٨: ٢٦.

١١٠

وإن قلت: لا مانع من نزول سكينة على سكينة؟

قلنا: فلا مانع من نزولها عليه في الغار، كما هو نصّ القرآن بعود الضمير المفرد إليه في الآية، وإن كانت سكينته معه حين ذاك.

وإن قلت: أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) احتاج السكينة في حُنين والحديبية؛ لأنّه أصابه بعض اضطراب وخوف، ولم يكن عنده شيء منهما في الغار، وإنّما كانا عند أبي بكر، المعبّر عنه في الآية بالحزن.

قلنا: من أين لك أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أصابه شيء من الخوف والاضطراب في حُنين والحديبية؟! ولا آية ولا رواية تثبت ذلك! فالآيتين في حُنين والحديبية خاليتان من الإشارة إلى ذلك، كما هي آية الغار.

فلتكن السكينة التي نزلت عليه في حُنين والحديبية قد نزلت عليه في الغار، كما هو ظاهر القرآن، ولكن مع فرق جدير بالتأمّل، وهو: أنّها نزلت عليه هناك مع المؤمنين، ونزلت عليه هنا وحده!

قال السيّد الطباطبائي في (الميزان): ((والدليل على رجوع الضمير في قوله: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهُِ﴾ إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم):

أوّلاً: رجوع الضمائر التي قبله وبعده إليه(صلى الله عليه وآله وسلم)، كقوله: ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ﴾، و﴿نَصَرَهُ﴾، و﴿أَخْرَجَهُ﴾، و﴿يَقُولُ﴾، و﴿لصَاحِبِهِ﴾، و﴿وَأَيَّدَهُ﴾، فلا سبيل إلى رجوع ضمير ﴿عَلَيْهِ﴾ من بينها وحده إلى غيره من غير قرينة قاطعة تدلّ عليه.

ثانياً: إنّ الكلام في الآية مسوق لبيان نصر الله تعالى نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث لم يكن معه أحد ممّن يتمكّن من نصرته؛ إذ يقول تعالى: ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ...﴾ الآية، وإنزال السكينة والتقوية بالجنود من النصر، فذاك له(صلى الله عليه وآله وسلم) خاصّة. ويدلّ على ذلك تكرار (إذ) وذكرها في الآية ثلاث مرّات، كلّ

١١١

منها بيان لما قبله بوجه، فقوله: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، بيان لوقت قوله: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾، وقوله: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾، بيان لتشخيص الحال الذي هو قوله: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾، وقوله: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾، بيان لتشخيص الوقت الذي يدلّ عليه قوله: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾(١).

ثالثاً: إنّ الآية تجرى في سياق واحد حتّى يقول: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾، ولا ريب أنّه بيان لما قبله, وأنّ المراد بـ﴿كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هي: ما قضوا به في دار الندوة وعزموا عليه من قتله(صلى الله عليه وآله وسلم) وإطفاء نور الله, وبـ﴿كَلِمَةُ اللَّهِ﴾ هي: ما وعده من نصره وإتمام نوره, وكيف يجوز أن يفرّق بين البيان والمبيّن، وجعل البيان راجعاً إلى نصره تعالى إيّاه(صلى الله عليه وآله وسلم), والمبيّن راجعاً إلى نصرة غيره؟!))(٢).

وأخيراً نقول: كيف يكون الضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ راجعاً إلى أبي بكر، مع أنّ ما تفرّع وعطف عليه راجعاً إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قطعاً وبإجماع المفسّرين، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾(٣)، والضمير في ﴿أَيَّدَهُ﴾، و﴿عَلَيْهِ﴾، يعود إلى مدلول واحد؟ فتأمّل جيدّاً!

تعليق ٢:

« صالح ــ الكويت ــ إمامي »

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

١- التوبة ٩: ٤٠.

٢- تفسير الميزان ٩: ٢٧٩ ــ ٢٨٠.

٣- التوبة ٩: ٤٠.

١١٢

هناك إشكال يطرحه المخالفون بخصوص آية الغار على ما نقوله من أنّ الآية تدلّ على خروج الخليفة الأوّل من دائرة الإيمان بدليل قوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا...﴾(١).

إذ هناك آيات تتحدّث عن نزول السكينة على الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى المؤمنين، وتارة على المؤمنين (راجع سورة الفتح). ولكن هذه الآية تتحدّث عن نزول السكينة على الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) فقط لا غير، ولو كان هناك مؤمن معه في الغار لنزلت السكينة على كليهما.

والإشكال.. هم يشبّهون آية الغار بالآيات التي تتحدّث عن قصّة سيّدنا آدم(عليه السلام) وحواء عندما أكلا من الشجرة، وأُخرجا من الجنّة... فهذه الآيات تتحدّث عن فعل شخصين: ﴿فَأَكَلاَ مِنْهَا﴾(٢)، أو ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾(٣)، إلّا أنّ التوبة أتت بصيغة المفرد لآدم فقط ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾(٤)، ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾(٥)، فهل يدلّ ذلك على أنّ الله سبحانه لم يتب على حواء؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

١- التوبة ٩: ٤٠.

٢- طه ٢٠: ١٢١.

٣- البقرة ٢: ٣٦.

٤- البقرة ٢: ٣٧.

٥- طه ٢٠: ١٢٢.

١١٣

لو أخذنا القول بأنّ المعنى في الآيات هو نبيّ الله آدم(عليه السلام) وزوجته حواء، لا أنّ سياقها سياق المثل والرمز، فإنّ الجواب يكون من جهتين:

الأُولى: أن قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾, ظاهره مختصّ بآدم(عليه السلام) ، ولا دلالة على دخول حواء فيه, فنحن وظاهر الآية ومن دون القرائن الخارجية لا شمول لها لحواء, ولولا ما ثبت من القرآن وما نقل من الديانات السابقة، بحيث أصبح عندنا القطع في دين الإسلام بتوبة حواء أيضاً, لم يكن لنا دلالة من الآية بمجرّدها على ذلك..

إذ من الواضح أنّ تلقّي الكلمات في آية سورة البقرة، والاجتباء في قوله تعالى من سورة طه: ﴿ثُمَّ اجتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيهِ وَهَدَى﴾, مختص بآدم(عليه السلام) ، بل إنّ سياق آيات سورة البقرة، وسورة طه، وسورة الأعراف، كلّها مختصّ بآدم(عليه السلام) بالأصل, إنّما ذكرت زوجه بالتبع.

قال ابن الجوزي: ((وإنّما لم تذكر حواء في التوبة؛ لأنّه لم يجرِ لها ذكر، لا أنّ توبتها ما قبلت))(١).

وقال القرطبي: ((الرابعة: إن قيل: لـِمَ قال: (عليه)، ولم يقل: عليهما، وحواء مشاركة له في الذنب بإجماع، وقد قال: ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾(٢), و﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمنَا أَنفُسَنَا﴾(٣)؟

١- زاد المسير ١: ٥٨ تفسير سورة البقرة.

٢- البقرة ٢: ٣٥.

٣- الأعراف ٧: ٢٣.

١١٤

فالجواب: إنّ آدم(عليه السلام) لمّا خوطب في أوّل القصّة بقوله: ﴿اسْكُنْ﴾(١), خصّه بالذكر في التلقّي، فلذلك كملت القصّة بذكره وحده))(٢).

وقال الثعالبي: ((وإنّما خصّ الله تعالى آدم بالذكر في التلقّي، والتوبة، وحواء مشاركة له في ذلك بإجماع؛ لأنّه المخاطب في أوّل القصّة، فكملت القصّة بذكره وحده))(٣).

وكلامهم واضح باختصاص الخطاب بآدم(عليه السلام) وعدم دخول حواء فيه، وإن كنّا نخالف الثعالبي والقرطبي في مشاركة حواء لآدم(عليه السلام) في التلقّي, بل إنّ التلقّي والاجتباء كان مختصّاً بآدم(عليه السلام) ، نعم هي شاركته في التوبة, ولكن بعد أن علّمها آدم(عليه السلام) الكلمات.

فإذا وضح ذلك، يتّضح أنّ النقض الذي حاوله المستشكل لا موضع له بعد أن كانت الآية مختصّة بآدم(عليه السلام) ولا تشمل حواء, إذ لا يتم له ما أراد إلّا إذا كان ظاهر الآية يشملهما معاً.

وأمّا قول بعض المفسّرين بدخول حواء في الآية للتغليب، فليس هو من ظاهر الآية! بل لِما ثبت من الخارج من قوله تعالى: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَم تَغفِر لَنَا وَتَرحَمنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾(٤), ولِما ثبت بالقطع من دين الإسلام بأنّ التوبة شملت حواء أيضاً, فلا دلالة للآية بما هي على التغليب ودخول حواء فيها, بل ثبت من خارج.

١- البقرة ٢: ٣٥.

٢- الجامع لأحكام القرآن ١: ٣٢٥ تفسير سورة البقرة.

٣- تفسير الثعالبي ١: ٢٢٣ تفسير سورة البقرة.

٤- الأعراف ٧: ٢٣.

١١٥

ونحن نطالب بالدليل على دخول أبي بكر في آية سورة التوبة؛ فالكلام نفس الكلام في قوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾(١)، فإنّها بما هي وحسب دلالة ظاهرها مختصّة برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، لإفراد الضمائر هنا من أوّل الآية، ولا تشمل شخصاً آخر, والادّعاء بأنّها تشمل أبا بكر بالتغليب يحتاج إلى قرائن خارجية، نقلية أو عقلية، تثبت شموله بالسكينة وتأييد الجنود، ودون ذلك خرط القتاد!

بل قام الدليل على عكس ذلك بعدم شموله بالسكينة وتأييد الجنود في الآية بعد المقايسة مع الآيات الأُخر التي ورد فيها ذكر لنزول السكينة على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين معه، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾(٢), وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا﴾(٣).

فلو كان أبو بكر موضعاً لنزول السكينة كما كان المؤمنون مع النبيّ موضعاً لها، لورد ذكره في الخطاب صريحاً, وهذا الموضع هو معقد استدلال الشيعة بعدم نزول السكينة على أبي بكر مع وجوده في الغار.

وبعبارة أُخرى: أنّنا نستدلّ بقياس استثنائي، وهو: كلّما نزلت السكينة على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى المؤمنين معه، ذكرهم القرآن صريحاً, فإذا ورد مورد نزلت فيه

١- التوبة ٩: ٤٠.

٢- الفتح ٤٨: ٢٦.

٣- التوبة ٩: ٢٦.

١١٦

السكينة ومع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) آخرين ولم يذكرهم القرآن، دلّ ذلك على أنّ الموجودين معه ليسوا مؤمنين، وإلّا لذُكروا.

فكان على المستشكل أن يأتي بآيات فيها وقوع التوبة لآدم مع آخرين معه حتّى تتم المقايسة مع الآية المعنية، المنفردة ظاهراً بالتوبة عليه (عليه السلام) , ثمّ الاستدلال بثبوت توبة حواء معه وإن لم تُذكر، ليتم له ما أراد من إثبات التغليب بنزول السكينة على أبي بكر.

الثانية: وممّا مضى يظهر أنّ آدم وحواء(عليهما السلام) وإن اشتركا في النتيجة، وهي قبول التوبة والهبوط إلى الأرض، وذلك لعدم الانفكاك في الخارج؛ لأنّهما خُلقا ليعيشا معاً، ولكن آدم(عليه السلام) اختصّ بنزول الكلمات والاجتباء بنص القرآن, وكذا اختصّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بنزول السكينة وتأييد الجنود، وإن اشترك معه صاحبه في الغار بالنجاة من كفّار قريش، وذلك لعدم الانفكاك في الخارج وملازمة نجاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مع نجاة صاحبه.

فإنّا وإن قطعنا بالتوبة على حواء، وسلّمنا أنّ التوبة تشملها ولو بالتغليب، ولكنّه اشتراك في النتيجة لا أكثر, كما أنّنا نعلم بنجاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وصاحبه في الغار, ولكن أين الاشتراك في النتيجة من الاختصاص بالسكينة وتأييد الجنود؟!

تعليق ٣:

« محمّد المقداد ــ أمريكا ــ إمامي »

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

هناك إشكال يطرحه المخالفون بخصوص فضيلة آية الغار للخليفة الأوّل، وهو:

١١٧

((هدانا الله وإياك.. انظر إلى كيف يفسّر القرآن بعضه بعضاً، جاء في سورة الفتح قوله تعالى مخاطباً نبيّه محمّداً(صلى الله عليه وسلم) : ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾(١)، وبعد هذه الآية نقرأ قوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾(٢).

أرأيت أنّ في نفس الآية عاد الضمير إلى الرسول في: ﴿تُعَزِّرُوهُ﴾ و﴿تُوَقِّرُوهُ﴾، ثمّ عاد الضمير إلى الله في: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾. وهكذا في آية الغار، الحزين كان أبو بكر فأنزل الله سكينته عليه، والمنصور هو المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم) فأيّده بجنود)).

هل يصحّ هذا الاستدلال؟ وكيف يردّ علمياً؟ وهل هناك أحد من علماء أهل السُنّة استدلّ بذلك؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

هذا الإشكال ذكره ابن الجوزي في (زاد المسير)(٣)، وأبو حيّان الأندلسي في (تفسير المحيط)(٤).

وهو في الحقيقة ليس إشكالاً، وإنّما جواب على إشكال!

١- الفتح ٤٨: ٨، الأحزاب ٣٣: ٤٥.

٢- الفتح ٤٨: ٩.

٣- زاد المسير ٣: ٢٩٩ سورة التوبة.

٤- تفسير البحر المحيط ٥: ٤٦ سورة التوبة.

١١٨

فقد ردّ الشيعة على جمع من أهل السُنّة إرجاعهم الضمير في قوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾(١) إلى أبي بكر، بأنّ ذلك لا يتسق مع عود الضمير في الجملة المعطوفة بعده، وهي قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾(٢) إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ومفاد الضميرين متّحد.

ومن هنا أجاب بعض متحذلقي السُنّة بأنّ التأييد بالجنود كان لأبي بكر أيضاً، وهو ما لا يمكن الالتزام به، ولم يحصل خارجاً، وخلاف الإجماع، فهو باطل قطعاً.. ولوضوح بطلانه التجأ ابن الجوزي وأبو حيّان إلى هذا الجواب، وهو: إنّ اختلاف مفاد الضميرين له نظير في آيات القرآن أيضاً، وهو قوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾(٣)، فعاد الضميران في ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ إلى الأقرب وهو رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وعاد الضمير في ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ إلى الأبعد وهو ﴿اللَّهُ﴾؛ لأنّه لا يليق إلّا به تعالى ولا يصحّ عوده إلى غيره.

ولكن هذا أيضاً لا يفيد ولا يصحّح حمل الضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ على أبي بكر:

فأوّلاً: إن شطراً من المفسّرين قالوا: إنّ الضمائر الثلاثة في قوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ تعود على الله سبحانه، ومعنى ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾: تنصروا دينه، ومعنى ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾: تعظموه.

١- التوبة ٩: ٤٠.

٢- التوبة ٩: ٤٠.

٣- الفتح ٤٨: ٩.

١١٩

فالآية على هذا لا تصلح شاهداً لهم، بل هي على خلاف قولهم أدلّ؛ إذ لم يقع فيها اختلاف في عود الضمائر المتعاطفة(١).

وثانياً: سلّمنا أنّ الضمائر في ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ تعود إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) تمسكاً بدعوى ظهورها في المعنى، والعدول في ضمير ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ بعوده إلى الله لامتناع عوده إلى غيره حسب المعنى أيضاً، ولكن هذا لا يتمّ في آية الغار؛ لأنّ الظهور فيها على خلاف حمل الضمير في قوله: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ على أبي بكر، كيف؟! والضمائر من أوّل الآية إلى آخرها تعود إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فكيف ينتقل في ضمير وحيد في وسطها إلى غيره؟

وقد ذكرنا سابقاً من قول العلّامة الطباطبائي: أنّه لا سبيل إلى رجوع الضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ من بينها وحده إلى أبي بكر، بعد أن أُرجعت الضمائر المتقدّمة والمتأخّرة إلى غيره، من غير قرينة قاطعة تدلّ عليه.

فدعواهم كانت تحتمل الصحّة لو كان الظهور مع حمل الضمير على أبي بكر، أمّا والظهور على خلاف ذلك، لوحدة السياق، وعدم القرينة الصالحة لم يبق إلّا التمحّل وخلاف العربية.. والتمسّك بقرينية حزن أبي بكر، كما ذكروه، غير كافية لعدم المانع من حمل الضمير على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) معنى، وأنّ السكينة نزلت عليه(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلا قرينة قاطعة مدّعاة..

١- انظر: مدارك التنزيل، للنسفي ٤: ١٥٣ سورة الفتح، الكشّاف، للزمخشري ٣: ٥٤٢ سورة الفتح، تفسير الرازي ٢٨: ٨٦ سورة الفتح، تفسير جوامع الجامع، للطبرسي ٣: ٣٨٢ سورة الفتح، تفسير الميزان، للطباطبائي ١٨: ٢٧٤ سورة الفتح.

١٢٠