×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 4) / الصفحات: ٢١ - ٤٠

٤ــ لو سلّمنا بحديث البخاري، فإنّ قول أبي طالب: على ملّة عبد المطّلب، ليس سوى دليل على إيمانه، أليست ملّة عبد المطّلب هي الحنيفية، ففي الحقيقة آمن أبو طالب طبقاً لهذه الرواية، وأنّه أعلن عن إيمانه بطريق التورية، حتّى لا يشعر به الكفّار من قريش آنذاك.

والخلاصة: إنّ الآية لم تنزل بحقّ أبي طالب عليه السلام، وإنّه مات مؤمناً لا مشركاً.

(سبب نزول ﴿إِنَّكَ لا تَهدِي مَن أَحبَبتَ﴾)

« حسني ــ مصر ــ سُنّي »

السؤال:

فيمن نزلت آية: ﴿إِنَّكَ لا تَهدِي مَن أَحببتَ وَلَكِنّ اللَّهَ يَهدِي مَن يَشَاءُ﴾(١)؟

أُريد الإجابة بالبرهان.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قد أجاب عن هذه الآية السيّد ابن طاووس في كتابه (الطرائف)، فقال:

((ومن عجيب ما بلغت إليه العصبية على أبي طالب من أعداء أهل البيت عليهم السلام، أنّهم زعموا أنّ المراد بقوله تعالى لنبيّه صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿إِنَّكَ لا تَهدِي مَن أَحبَبتَ﴾، أنّها نزلت في أبي طالب رضي الله عنه.

١- القصص (٢٨): ٥٦.

٢١
وقد ذكر أبو المجد بن رشادة الواعظ الواسطي في مصنّفه كتاب (أسباب نزول القرآن) ما هذا لفظه:

قال: قال الحسن بن مفضل في قوله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّكَ لا تَهدِي مَن أَحبَبتَ﴾ كيف يقال: إنّها نزلت في أبي طالب رضي الله عنه، وهذه السورة من آخر ما نزل من القرآن بالمدينة وأبو طالب مات في عنفوان الإسلام والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بمكّة؟

وإنّما هذه الآية نزلت في الحارث بن نعمان بن عبد مناف وكان النبيّ يحبّ إسلامه، فقال يوماً للنبيّ: إنّا نعلم أنّك على الحقّ وأنّ الذي جئت به حقّ، ولكن يمنعنا من اتّباعك أنّ العرب تتخطّفنا من أرضنا لكثرتهم وقلّتنا، ولا طاقة لنا بهم، فنزلت الآية، وكان النبيّ يؤثر إسلامه لميله إليه))(١).

(روايات ذكرت في تفسير القمّي)

« عبد الله ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

هل هناك أحد من مفسّري الشيعة قال بأنّ الآية: ﴿إِنَّكَ لا تَهدِي مَن أَحبَبتَ﴾ نزلت في أبي طالب؟

وماذا عن تفسير القمّي (٢/١٤٢)؛ حيث إنّ النص هو: ((وأمّا قوله: ﴿إِنَّكَ لا تَهدِي مَن أَحبَبتَ﴾، قال: نزلت في أبي طالب عليه السلام؛ فإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول:

١- الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف: ٣٠٦ في إيمان أبي طالب رضي الله عنه.

٢٢
يا عمّ قل لا إله إلّا الله بالجهر نفعك بها يوم القيامة، فيقول: يا بن أخي أنا أعلم بنفسي, (وأقول بنفسى ط). فلمّا مات شهد العبّاس بن عبد المطّلب عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه تكلّم بها عند الموت بأعلى صوته, فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أمّا أنا فلم أسمعها منه، وأرجو أن تنفعه يوم القيامة.

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: لو قمت المقام المحمود لشفعت في أبي وأُمّي وعمّي وأخ كان لي مؤاخياً في الجاهلية))، ويوجد في الهامش ما يثبت إيمان أبي طالب..

ولكن السؤال: هل أنّ القمّي يقول بأنّ الآية نزلت في أبي طالب عليه السلام؟

وشكراً لكم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: إنّ تفسير علي بن إبراهيم القمّي المطبوع مؤلّف من تفسيرين، وهما تفسير القمّي، والآخر روايات عن أبي الجارود، وإنّ الجامع لهذا التفسير هو الراوي لهما، وهو: أبو الفضل العبّاس بن محمّد بن القاسم، أو الراوي عنه. إذن لا يمكن أن ينسب كلّ ما في تفسير القمّي لعلي بن إبراهيم, والنصّ ورد فيه: (قال: نزلت...) ولا يعلم من المراد بالقائل.

ثانياً: لو قلنا: إنّ هذه الفقرة من قول القمّي باعتبار أنّ الفقرة السابقة أشارت إلى علي بن إبراهيم.

فنقول: إنّ إيراد رواية متداولة في عصره ومضمونها قريب ممّا موجود في كتب المخالفين لا يعني الجزم بصحّتها, بل أوردها من باب إيراد الأخبار المذكورة في تفسير الآية القرآنية, ثمّ إنّه لم يذكر لها سنداً، بل أوردها مرسلة.

ثالثاً: لو أردنا قبول الرواية وغض الطرف عن سندها، فيمكن قبول الرواية

٢٣
من جهة أنّ أبا طالب كان يكتم إيمانه، إذ قالت الرواية: قل: لا إله إلّا الله بالجهر، بمعنى أنّه يقول بها بالسرّ.

فيكون مضمون الرواية مناقضاً لمضمون الآية, فلا يصحّ التطبيق إلّا على نحو القول أنّ الآية لم تكن نازلة في أبي طالب, ولعلّ هذا ما أراده القمّي، إذ أنّ قوله: ((نزلت في أبي طالب)) من قول القمّي، وليس من ضمن الرواية، فالرواية مستقلّة عن الآية؛ فتأمّل!

رابعاً: إنّ ما ذكره القمّي هو جمع لثلاث روايات ذكرها المخالفون وليست هي رواية واحدة، ومضامينها تختلف, فلا يمكن القول بصحّتها جميعاً, ولا يمكن النسبة إلى القمّي بقبول كلّ مضامينها مع اختلافها فيما بينها.

(دعوى نزول آية: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ بحقّ أبي طالب)

« محمّد »

السؤال:

ما تقولون في هذه الآية: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾(١).

فقد زعم بعض العامّة أنّها نزلت في أبي طالب؛ إذ كان هو يمنع الأذى عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن في نفس الوقت لم يؤمن به، وهذا الادّعاء جاء في كتبهم اعتماداً على بعض الروايات؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

١- الأنعام (٦): ٢٦.

٢٤
هذا الكلام من المزاعم المكذوبة في سبيل دعم الباطل، ولا يبتني على أيّ أساس علمي متين؛ فإنّ الرواية المزعومة مرسلة بين حبيب بن أبي ثابت وابن عبّاس(١)، فإنّ حبيباً يروي عمّن سمع ابن عبّاس يقول:... الخ.

وما رواه الحاكم قبل هذه الرواية بسند عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عبّاس(٢) كذب من الرواة، أو من حبيب المدلّس نفسه، يفضحه الرواية المرسلة، فلا يفيد تصحيح الحاكم لها.

كما يفضحه ما رواه الطبراني عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عبّاس، بلا واسطة(٣)، وما حاوله الهيثمي في (مجمع الزوائد)(٤) من توثيقه لا طائل منه بعد أن رواها ابن عساكر في (تاريخه)(٥) عن قيس بن الربيع مرسلة أيضاً.

بل في تفسير الثوري وهو الراوي عن حبيب في (المستدرك) جاء السند هكذا: ((سفيان عن حبيب بن أبي حبيب، أخبرني من سمع ابن عبّاس يقول: ... الخ))(٦)، فلا تكون الرواية حجّة.. هذا أوّلاً.

ثانياً: إنّ الرواة المذكورين في الرواية لا يمتلكون المواصفات اللازمة للوثاقة؛ فحبيب بن أبي ثابت كان مدلّساً كثير الإرسال، ومغموزاً، ولا يتابع على أحاديثه عن عطاء(٧).

١- المستدرك على الصحيحين، للحاكم ٢: ٣١٥ تفسير سورة الأنعام.

٢- المستدرك على الصحيحين ٢: ٣١٥ تفسير سورة الأنعام.

٣- المعجم الكبير ١٢: ١٠٤ حبيب بن أبي ثابت.

٤- مجمع الزوائد ٧: ٢٠ سورة الأنعام.

٥- تاريخ مدينة دمشق ٦٦: ٣٢٣.

٦- تفسير الثوري: ١٠٦ سورة الأنعام، ومثله تفسير عبد الرزّاق الصنعاني ٢: ٢٠٥.

٧- الثقات، لابن حبّان ٤: ١٣٧ حبيب بن أبي ثابت، التبيين لأسماء المدلّسين، لسبط ابن العجمي: ١٩ (١٠)، تهذيب التهذيب، لابن حجر ٢: ١٥٦ (٣٢٣)، طبقات المدلّسين، لابن حجر: ٣٧ (٦٩)، تقريب التهذيب، لابن حجر ١: ١٨٣ (١٠٨٧).

٢٥
وسفيان الثوري أيضاً كان مدلّساً، ويكتب عن الكذّابين(١).

ثمّ مع هذا هل يبقى أدنى شكّ في كذب الحديث؟!!

ثالثاً: ورد عن ابن عبّاس بعدّة طرق، ما يدلّ على أنّ الآية نزلت في حقّ مطلق المشركين بنحو عامّ، وأيضاً جاء هذا التفسير الصحيح للآية عن الآخرين(٢).

وبهذا يظهر القول الفصل في الآية، ويفنّد مزاعم الكذّابين.

رابعاً: الظهور الأوّلي المتبادر من الآية ــ بغضّ النظر عن الروايات والتفاسير ــ هو: أنّ الفعلين المذكورين في الآية ينهون وينأون ــ على نمط واحد من جهة الإيجاب أو السلب، فلا يتبادر من الآية أنّ الفعل الأوّل ــ ينهون ــ هو أمر إيجابي ومطلوب، وفي الوقت نفسه الفعل الثاني ــ ينأون ــ مذموم ومردود، بل الاثنان هما من طبيعة عمل الكفّار في قبال الإسلام والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا ما يؤيّده أيضاً سياق الآيات السابقة عليها؛ إذ تصرّح بأنّ موضوع الآية هم الكفّار.

خامساً: إنّ الرواية المزعومة متعارضة مع الأدلّة الصريحة على إيمان أبي

١- تهذيب التهذيب، لابن حجر ٤: ٩٩ (١٩٩)، الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم
٤: ٢٢٢ (٩٧٢)، طبقات المدلّسين، لابن حجر:٣٢ (٥١)، تقريب التهذيب، لابن حجر ١: ٣٧١ (٢٤٥٢).

٢- تفسير مجاهد ١: ٢١٤ سورة الأنعام، تفسير القرآن العظيم، لعبد الرزّاق الصنعاني ٢: ٢٠٥،جامع البيان، للطبري ٧: ٢٢٧ الحديث (١٠٢٤٧ ــ ١٠٢٥٥)، تفسير ابن كثير ٢: ١٣٢، تفسير الثعالبي ٢: ٤٥٤، البداية والنهاية، لابن كثير ٣: ١٥٥، فصل وفاة أبي طالب، السيرة النبوية، لابن كثير ٢: ١٣١، فصل وفاة أبي طالب وخديجة، تفسير ابن أبي حاتم ٤: ١٢٧٦، معاني القرآن، للنحاس ٢: ٤١٠.

٢٦
طالب عليه السلام.

فيسقط الحديث المذكور عن الحجّية.

(كذب حديث الضحضاح)

« حاتم ــ السعودية ــ سُنّي »

السؤال:

اتّقوا الله، لا تعليق بعد كلام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم:

عن أبي سعيد الخدري: أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكر عنده عمّه أبو طالب فقال: (لعلّه تنفعه شفاعتي يوم القيامة. فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه).

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قال المعتزلي شارح نهج البلاغة نقلاً عن الشيعة: ((قالوا: وأمّا حديث الضحضاح من النار فإنّما يرويه الناس كلّهم عن رجل واحد وهو المغيرة بن شعبة، وبغضه لبني هاشم وعلى الخصوص عليّ عليه السلام مشهور معلوم، وقصّته وفسقه أمر غير خاف))(١).

وإن تعجب، فإنّك لا تجد المغيرة بن شعبة في طريق حديث الضحضاح الواصلة إلينا، فكيف سكت ابن أبي الحديد عن هذا ولم يردّ على الشيعة؟ مع أنّه ردّ عليهم بما لا يصل إلى هذا من الردود الموهونة.

١- شرح نهج البلاغة ١٤: ٧٠ اختلاف الرأي في إيمان أبي طالب.

٢٧
فيظهر من ذلك أنّ أصل وضع الخبر من قبل المغيرة كان معروفاً عندهم، ثمّ حدثت بعد ذلك من الزمان هذه الطرق لتمرير الحديث؛ فإنّ فضيحة المغيرة غير مستورة!

وهذا النقل وإن لم نجد له مستنداً من طرق الحديث، ولكنّه يجعلنا نشكّك في هذه الطرق ورواتها.

فرواة طرقه لا يخرجون عن مطعون فيه، أو مجهول، أو مجسّم.

فعبد الملك بن عمير في طريق مسلم والبخاري وأحمد، كان قاضي الكوفة في زمن الأمويين، وهو الذي أجهز على عبد الله بن يقطر رسول الحسين عليه السلام وبه رمق(١)، وهو الذي قيل فيه الشعر المعروف لمّا حكم لكلثم بن سريع(٢)، فهو لا يبعد عن المغيرة بن شعبة بشيء كثير.

وفي طريقهم الثاني، عبد الله بن خبّاب، مولى بني عدّي من بني النجار، وهو مجهول، مسكوت عنه عند الأكثر، غير معروف، قال ابن عدي في (الكامل): ((سمعت بن حمّاد يقول: قال السعدي: عبد الله بن الخبّاب الذي يروي عنه ابن الهاد، سألت عنه فلم أرهم يقفون على جده ومعرفته، قاله السعدي))(٣)، وفي (تهذيب الكمال) للمزّي: ((قال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: سألتهم عنه، فلم أرهم يقفون على حده ومعرفته))(٤).

وهناك طريق ثالث عند أحمد ومسلم فيه حمّاد بن سلمة المجسّم، انفرد

١- تلخيص الشافي، للطوسي ٣: ٣٣، فصل في أقوال من خالف إمامة أمير المؤمنين عليه السلام.

٢- شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ١٧: ٦٢، فصل في القضاة وما يلزمهم.

٣- الكامل ٤: ٢٣٦ عبد الله بن خبّاب المديني (١٠٦٤).

٤- تهذيب الكمال ١٤: ٤٤٦ (٣٢٤٢).

٢٨
بذكر أبي طالب عن ابن عبّاس، فهو علّته، وقد ورد الحديث بطرق عن النعمان

ابن بشير، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، من دون ذكر أبي طالب، فكيف دخل هنا أبو طالب عند حمّاد؟! وقد نصّ الذهبي على أنّ له أوهاماً(١)، وهذا أحدها.

ثمّ إنّ هذه الرواية جاءت من طريق المخالفين، فلا حجّة فيها علينا!

والذي يرويه الفريقان، أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال عند جنازة عمّه أبي طالب عليه السلام: (وصلت رحم، وجزيت خيراً)(٢).

ونروي عن الصادق عليه السلام أنّه قال: (يا يونس! ما يقول الناس في إيمان أبي طالب)؟!

قلت: جعلت فداك، يقولون: هو في ضحضاح من نار يغلي منها أُمّ رأسه.

فقال: (كذب أعداء الله، إنّ أبا طالب من رفقاء النبيّين والصدّيقين، والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً)(٣).

ونروي أيضاً عن أمير المؤمنين عليه السلام: أنّه كان جالساً في الرحبة والناس حوله، فقام إليه رجل، فقال له: يا أمير المؤمنين! إنّك بالمكان الذي أنزلك الله فيه، وأبوك معذّب في النار؟

فقال له: (فضَّ الله فاك، والذي بعث محمّداً بالحقّ نبيّاً، لو شفّع أبي في كلّ

١- ميزان الاعتدال ١: ٥٩٠ (٢٢٥١).

٢- الإصابة، لابن حجر ٧: ١٩٨، المصنّف، للصنعاني ٦: ٣٨ (٩٩٣٠)، تفسير ابن كثير ٢: ٤٠٩، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٥٩: ٢٥٠، تاريخ اليعقوبي
٢: ٣٥، إيمان أبي طالب، للمفيد: ٢٦.

٣- كنز الفوائد، للكراجكي: ٨٠، الحجّة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب، للسيّد فخار: ٨٢.

٢٩
مذنب على وجه الأرض لشفّعه الله تعالى فيهم، أبي معذّب في النار ]وأنا[ وابنه قسيم الجنّة والنار؟!

والذي بعث محمّداً بالحقّ، إنّ نور أبي أبي طالب يوم القيامة ليطفئ أنوار الخلائق إلّا خمسة أنوار، نور محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، ونور فاطمة، ونور الحسن والحسين، ونور أولاده من الأئمّة عليهم السلام، ألا إنّ نوره من نورنا، خلقه الله من قبل ]أن[ يخلق آدم عليه السلام بألفي عام)(١).

ونروي أيضاً عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام: قيل له: إنّ الناس يزعمون أنّ أبا طالب في ضحضاح من نار؟

فقال: (كذبوا، ما بهذا نزل جبرئيل على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم).

قلت: وبما نزل؟

قال: (أتى جبرئيل في بعض ما كان عليه فقال: يا محمّد! إنّ ربّك يقرؤك السلام ويقول لك: إنّ أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان وأظهروا الشرك، فآتاهم الله أجرهم مرّتين، وإنّ أبا طالب أسرّ الإيمان وأظهر الشرك، فآتاه أجره مرّتين، وما خرج من الدنيا حتّى أتته البشارة من الله تعالى بالجنّة).

ثمّ قال عليه السلام: (كيف يصفونه بهذا الملاعين وقد نزل جبرئيل ليلة مات أبو طالب فقال: يا محمّد! اخرج من مكّة فما لك بها ناصر بعد أبي طالب)(٢).

فهل تريدنا أيّها السائل أن نصدّق المغيرة الفاسق، أو نتمسّك بما رواه

١- مائة منقبة، لابن شاذان: ١٧٤ المنقبة الثامنة والتسعون، كنز الفوائد، للكراجكي: ٨٠، الاحتجاج، للطبرسي ١: ٣٤٠ احتجاجه على اليهود وغيره.

٢- الحجّة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب، للسيّد فخار: ٨٣.

٣٠
الضعاف الملعونون، ونكذّب أهل البيت عليهم السلام الذين طهّرهم الله تطهيراً؟!!

(شبهات بشأن إيمان أبي طالب)

« أيمن ــ الأُردن ــ مستبصر »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لو سمحتم، أنا عندي استفسار ضروري بمسألة مهمّة جدّاً، أرجو الجواب عليها بأسرع وقت ممكن.

أنا تشيّعت بعد طول بحث وتنقيب، ولكنّي تعرّضت قبل أيام لكثير من النقاشات على الانترنت وقد لقيت من موقعكم القيّم الكثير من العون، ولكن هنا بعد عدّة نقاشات مع أحد الإخوان من السُنّة في مسألة إيمان أبي طالب واجهت صعوبة في الردّ عليه بعدما فنّد بعض استدلالتكم عن طرق تضعيف الأحاديث بسندها.

وبما أنّني لا أملك العلم والمراجع في مجال السند، أرجو أن تساعدوني بالردّ عليه، ولكم جزيل الشكر.

وهذا نصّ كلامه:

كما قال الكاشاني (تخبّطات وتعارضات لا يمكن الجمع بينها).

فيقول السيّد دلدار علي اللكهنوي الشيعي الاثنا عشري في (أساس الأُصول

٣١
موسوعة الأسئلة العقائدية ج٤ » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ٣١ - ص ٦٠)ص٥١ ط لكهنو الهند): ((إنّ الأحاديث المأثورة عن الأئمّة مختلفة جدّاً، لا يكاد يوجد حديث إلّا وفي مقابله ما ينافيه، ولا يتّفق خبر إلّا وبإزائه ما يضادّه، حتّى صار ذلك سبباً لرجوع بعض الناقضين عن اعتقاد الحس..)).

ويقول عالمهم ومحقّقهم وحكيمهم ومدقّقهم وشيخهم حسين بن شهاب الدين الكركي في كتابه (هداية الأبرار إلى طريق الأئمّة الأطهار ص١٦٤ الطبعة الأُولى ١٣٩٦هـ): ((فذلك الغرض الذي ذكره في أوّل التهذيب من أنّه ألّفه لدفع التناقض بين أخبارنا لمّا بلغه أنّ بعض الشيعة رجع عن المذهب لأجل ذلك)).

فالتعارض جاءت به روايتهم والتناقض والتضادّ منهم، بل والكذب انتشر في مجاميعهم الحديثية المعتبرة، كما اعترف به أحد علمائهم، وهو: السيّد هاشم معروف الحسيني في كتابه (الموضوعات في الآثار والأخبار ص١٦٥، ٢٥٣ الطبعة الأُولى ١٩٧٣م)، قال: ((ما وضع قصّاص الشيعة مع ما وضعه أعداء الأئمّة عدداً كثيراً من هذا النوع للأئمّة الهداة عليهم السلام ولبعض الصلحاء والأتقياء)).

وقال أيضاً: ((وبعد التتبّع في الأحاديث المنتشرة في مجاميع الحديث، كالكافي والوافي وغيرهما، نجد أنّ الغلاة والحاقدين على الأئمّة الهداة لم يتركوا باباً من الأبواب إلّا ودخلوا منه لإفساد أحاديث الأئمّة والإساءة إلى سمعتهم..)).

فتستدلّون بأحاديث باطلة كما يوضّح الكتاب. ووالله لقد قرأت كلّ ما كتبت أنت فاقرأ ما نقلته...

يطعن كثير من الشيعة في روايات كفر أبي طالب التي في الصحيحين, وهذا الطعن مردود؛ إذ أنّه مبني على التعصّب والهوى المذهبي، وعلى عدم الأمانة العلمية، وإذا اجتمع التعصّب وعدم الأمانة في النقد أصبح البحث أو النقد

٣٢
مردوداً لا قيمة له..

فهذه كتب الشيعة تشهد بذلك؛ ففي تفسير القمّي لقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهدِي مَن أَحبَبتَ﴾(١)، قال: ((نزلت في أبي طالب، فإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: يا عمّ قل لا إله إلّا الله أنفعك بها يوم القيامة، فيقول: يا بن أخي أنا أعلم بنفسي، فلمّا مات شهد العبّاس بن عبد المطّلب عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه تكلّم بها عند الموت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أمّا أنا فلم أسمعها منه وأرجو أن تنفعه يوم القيامة...))(٢).

وقال فضل الله الراوندي (الشيعي) في كتابه (نوادر الراوندي ص١٠): ((قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أهون أهل النار عذاباً عمّي، أخرجه من أصل الجحيم حتّى أبلغ به الضحضاح عليه نعلان من نار يغلى منهما دماغه))).

وقال المجلسي نقلاً عن ابن أبي الحديد في (شرح نهج البلاغة): ((اختلف الناس في إسلام أبي طالب، فقال الإمامية والزيدية: ما مات إلّا مسلماً، وقال بعض شيوخنا المعتزلة بذلك، منهم: الشيخ أبو القاسم البلخي، وأبو جعفر الإسكافي، وغيرهما، وقال أكثر الناس من أهل الحديث والعامّة ومن شيوخنا البصريين وغيرهم: مات على دين قومه، ويروون في ذلك حديثاً مشهوراً: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال عند موته: قل يا عمّ كلمة أشهد لك بها غداً عند الله تعالى، فقال: لولا أن تقول العرب: إنّ أبا طالب جزع عند الموت لأقرّرت بها عينك. وروي أنّه قال: أنا على دين الأشياخ! وقيل: إنّه قال: أنا على دين عبد المطّلب،

١- القصص (٢٨): ٥٦.

٢- تفسير القمّي ٢: ١٤٢ سورة القصص: ٥٦، تفسير البرهان ٣: ٢٣٠.

٣٣
وقيل غير ذلك.

وروى كثير من المحدّثين أنّ قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ _ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إلّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾(١)، أُنزلت في أبي طالب؛ لأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استغفر له بعد موته.

ورووا أنّ قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهدِي مَن أَحبَبتَ﴾ نزلت في أبي طالب.

ورووا أنّ علياً عليه السلام جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد موت أبي طالب، فقال له: إنّ عمّك الضال قد قضى فما الذي تأمرني فيه؟

واحتجّوا بأنّه لم ينقل أحد عنه أنّه رآه يصلّي، والصلاة هي المفرقة بين المسلم والكافر، وأنّ عليّاً وجعفراً لم يأخذا من تركته شيئاً.

ورووا عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: (إنّ الله قد وعدني بتخفيف عذابه لما صنع في حقّي، وإنّه في ضحضاح من نار).

ورووا عنه أيضاً إنّه قيل له: لو استغفرت لأبيك وأُمّك؟ فقال: (لو استغفرت لهما لاستغفرت لأبي طالب فإنّه صنع إليّ ما لم يصنعا، وإنّ عبد الله وآمنة وأبا طالب في حجرة من حجرات جهنّم)))(٢).

قلت: والأدهى والأمرّ أنّهم لم يفعلوا ذلك في آباء الأنبياء كآزر الذي ذكره القرآن أنّه كان كافراً، بينما يعتقد الشيعة أنّه ليس بكافر، وأنّ الآية نزلت في عمّه!!

كما أنّهم يستدلّون ببعض الروايات في كتب السُنّة تدلّ كما يزعمون على

١- التوبة (٩): ١١٣ ــ ١١٤.

٢- انظر كلّ ذلك في: بحار الأنوار ٣٥/١٥٥.

٣٤
إيمان أبي طالب:

الشبهة الأُولى: يحتجّ الشيعة برواية ابن إسحاق: ((قال ابن إسحاق: حدّثني العبّاس بن عبد الله بن معبد، عن بعض أهله، عن ابن عبّاس... إلى أن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أي عمّ قلها ــ أي كلمة التوحيد ــ استحل لك بها الشفاعة يوم القيامة)، فأجابه أبو طالب: يا ابن أخي! والله ــ لولا مخافة السبّة عليك وعلى بني أبيك من بعدي، وأن تظنّ قريش أنّني إنّما قلتها فزعاً من الموت، لقلتها، ولا أقولها إلّا لأسرّك بها، فلمّا تقارب الموت من أبي طالب، نظر العبّاس إليه فوجده يحرّك شفتيه، فأصغى إليه بأُذنيه، ثمّ قال: يا ابن أخي! لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لم أسمع)))(١).

نقول: إسناده فيه مجاهيل، فالسند مبهماً لا يعرف حاله وهو قوله: ((عن بعض أهله))، وهذا إبهام في الاسم والحال، ومثله يتوقّف فيه لو انفرد.. عبّاس بن عبد الله بن معبد بن عبّاس ثقة، لكنّه لم يذكر من حديثه عن ابن عبّاس، ومن طريقه رواه الحاكم في (المستدرك ٢/٤٣٢): من طريق عبّاس بن عبد الله بن معبد، عن أبيه، عن ابن عبّاس. ومن طريق الحاكم رواه البيهقي في (الدلائل ٢/٣٤٦): عن عبّاس بن معبد، عن بعض أهله، عن ابن عبّاس.

(تنبيه): في سؤال العبّاس عن حال أبي طالب ما يدلّ على ضعف ما أخرجه ابن إسحاق من حديث ابن عبّاس بسند فيه من لم يُسمّ: ((أنّ أبا طالب لمّا تقارب

١- السيرة النبوية، لابن هشام ٢: ٢٨.

٣٥
منه الموت بعد أن عرض عليه النبيّ صلي الله عليه وسلم أن يقول لا إله إلّا الله فأبى, قال فنظر العبّاس إليه وهو يحرك شفتيه، فأصغى إليه، فقال: يا ابن أخي, والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها))، وهذا الحديث لو كان طريقه صحيحاً لعارضه هذا الحديث الذي هو أصحّ منه، فضلاً عن أنّه لا يصحّ.

وروى أبو داود، والنسائي، وابن خزيمة، وابن الجارود من حديث عليّ، قال: (لمّا مات أبو طالب، قلت: يا رسول الله إنّ عمّك الشيخ الضال قد مات, قال: اذهب فواره. قلت: إنّه مات مشركاً؛ فقال: اذهب فواره) الحديث..

ووقفت على جزء جمعه بعض أهل الرفض أكثر فيه من الأحاديث الواهية الدالّة على إسلام أبي طالب، ولا يثبت من ذلك شيء. والحديث رواه البيهقي في (الدلائل ٢/٣٤٦)، وقال: ((هذا إسناد منقطع، ولم يكن أسلم العبّاس في ذلك الوقت)).

الشبهة الثانية: هي حديث رواه القاضي عياض في كتاب (الشفاء ١/١٨٣): ((أنّ أبا طالب كان يرى بطلان عقيدة قومه من مبعث محمّد صلى الله عليه وآله وسلم بالإسلام؛ فقد ثبت ــ كما سبقت الإشارة ــ أنّه كان من المتألهين الحنفاء، الذين لم يهيموا بصنم قطّ، ولم يسجدوا لوثن أبداً، كما كان على ذلك أبوه عبد المطّلب تماماً)).

نقول: إنّ هذا ليس دليلاً على إيمان أبي طالب, فقد روي أنّ الأخنس بن شُريق التقى بأبي جهل بن هشام فقال له: يا أبا الحكم! أخبرني عن محمّد أصادقٌ هو أم كاذب؟ فإنّه ليس عندنا أحدٌ غيرنا، فقال أبو جهل: والله إنّ محمّداً لصادق وما كذب قط, ولكن إذا ذهب بنو قصيّ باللواء والسقاية والحجابة والنبوّة فماذا يكون لسائر قريش؟ فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا

٣٦
يُكَذِّبُونَكَ﴾(١).. (تفسير الرازي الكبير ١٢/٢٠٥، وصفوة التفاسير ١/٣٨٣).

الشبهة الثالثة: كيف يكون كافراً من نصر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وحماه وذاد عنه، ودفع أذى الكفّار عن ابن أخيه، وفعل أموراً عجز عنها الكثيرون، فهل تتجرّأ أن تقول عليه هذه المقولة الشنيعة، مع العلم أنّه كان على دين الحنيفية، دين إبراهيم! وقال في حقّه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (والله ما نالت منّي قريش ما أكرهه حتّى مات أبو طالب).

نقول: أعمال أبي طالب مذكورة ومعلومة في التاريخ، والرجل لا يُعد من أهل الإسلام إلّا بنطق الشهادتين للدلالة على ما في القلب من إقرار وتصديق.

الشبهة الرابعة: كيف يكون عمّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كافراً؟!

نقول: وماذا يضرّ المرء إن كفر أهله أو أحد أبنائه أو إحدى زوجاته، والله يقول: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزرَ أُخرَى﴾(٢)، وهؤلاء الأنبياء وهم صفوة الخلق حصل لهم مثل هذه الأمور، ولم يقدح ذلك في سيرتهمِ، أو أن يحط من قدرهم والله سبحانه يقول: ﴿إِنَّكَ لا تَهدِي مَن أَحببتَ وَلَكِنّ اللَّهَ يَهدِي مَن يَشَاءُ﴾(٣), فهذا الأمر ينبغي علينا أن لا نستنكر وقوعه، لأنّه قد وقع للأنبياء السابقين؛ فنوح أحد أبنائه وأيضاً زوجته في النار لكفرهما، وهذا إبراهيم والده كافر، وامرأة لوط في النار، وعمّ المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم أنزلت بسببه سورة ندعو عليه بها، وأنّه في النار (أبو لهب)، فالأمر بيد الله سبحانه يهدي مَن يشاء ويضلّ مَن يشاء.

الشبهة الخامسة: كيف يشفع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لمشرك, مع أنّ الشفاعة للمؤمنين فقط

١- الأنعام (٦): ٣٣.

٢- فاطر (٣٥): ١٨.

٣- القصص (٢٨): ٥٦.

٣٧
دون المشركين؟

نقول: إنّ للرسول صلى الله عليه وآله وسلم شفاعة عامّة، وهي شفاعته العظمى، وهي على قسمين: ‏شفاعته لأمّته، وشفاعة لآحاد الناس، وشفاعته العظمى، هي المقام المحمود، والذي قال ‏عنه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾(١)، وذلك حين يبلغ الكرب ‏والغمّ بأهل المحشر ما لا يطيقون، فيقول بعضهم: ألا تنظرون من يشفع لكم عند ربّكم؟ ‏فيأتون آدم فيعتذر، وهكذا نوح وإبراهيم وموسى وعيسى حتّى يأتون إلى نبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، فيشفع لجميع الناس، أوّلهم وآخرهم، وبرّهم وفاجرهم، ليخرجوا من ذلك ‏الكرب والهول، إلى عرض الأعمال على الله والمحاسبة، كما في الصحيحين من حديث أبي ‏هريرة، فشفاعته العظمى ليست مقصورة على المؤمنين، ولا على أمّته.‏

أمّا شفاعته الخاصّة لأمّته فهي نائلة كلّ من مات من أمّته لا يشرك بالله شيئاً؛ ففي ‏الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لكلّ ‏نبيّ دعوة مستجابة، فتعجّل كلّ نبيّ دعوته وإنّي اختبأت دعوتي شفاعة لأمّته يوم القيامة ‏فهي نائلة إن شاء الله تعالى من مات من أمّته لا يشرك بالله شيئاً).

ومن شفاعته الخاصّة ببعض الأفراد شفاعته لعمّه أبي طالب؛ ففي الصحيحين: عن أبي ‏سعيد الخدري: أنّه سمع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وذُكر عنده عمّه، فقال: (لعلّه تنفعه ‏شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه)‏.

وقد استُشكل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لعلّه تنفعه شفاعتي) مع قوله تعالى عن ‏المشركين: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾(٢)، وللجمع بينهما طريقان:

١- الإسراء (١٧): ٧٩.

٢- المدثر (٧٤): ٤٨.

٣٨
الأُولى: ‏أن يقال: إنّ الشفاعة ممنوعة لكلّ كافر بهذه الآية.

الطريقة الثانية: أن يقال: إنّ المراد ‏بكونهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين: هو أنّهم لا يخرجون بها من النار، وليس المراد أنّهم لا ‏يخفّف عنهم، وخصّ أبو طالب بالشفاعة؛ لثبوت الحديث الصحيح الذي خصّص العموم.

‏قال ابن حجر في فتح الباري: ((وأجيب بأنّه ــ يعني أبا طالب ــ خُصّ، ولذلك عدّوه من ‏خصائص النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل: معنى المنفعة في الآية يخالف معنى المنفعة في ‏الحديث، والمراد بها في الآية: الإخراج من النار، وفي الحديث: المنفعة بالتخفيف، وبهذا جزم ‏القرطبي، وقال البيهقي في البعث: صحّت الرواية في شأن أبي طالب، فلا معنى للإنكار من ‏حيث صحّة الرواية، ووجهته عندي أنّ الشفاعة في الكفّار قد امتنعت لوجود الخبر ‏الصادق في أنّه لا يشفع فيهم أحد، وهو عامّ في حقّ كلّ كافر، فيجوز أن يخص منه من ‏ثبت الخبر بتخصيصه)).

الشبهة السادسة: هي استدلالهم ببعض أشعار أبي طالب والتي تفيد أنّه مقّر بوجود الله، وكلّ هذا يدلّ على إيمانه.

نقول: إنّ هذا الكلام ذكره الله تعالى حكاية عن المشركين, فهذا توحيد الربوبية، وهو: اعتقاد العبد أنّ الله تعالى هو الربّ المنفرد بالخلق والرزق والملك والتدبير، وأنّه المحيي المميت، النافع الضار، المنفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، الذي له الأمر كلّه، وبيده الخير كلّه، القادر على ما يشاء، ليس له في ذلك شريك، ويدخل في ذلك: الإيمان بـ(القدر)، وهذا التوحيد لا يكفي العبد في حصول الإسلام، بل لا بدّ أن يأتي بلازمه من توحيد الإلوهية؛ لأنّ الله تعالى حكى عن المشركين أنّهم مقرّون بهذا التوحيد لله وحده؛ قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ

٣٩
الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾(١).

وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾(٢).

وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾(٣)..

فهم كانوا يعلمون أنّ جميع ذلك لله وحده ولم يكونوا بذلك مسلمين، بل قال تعالى عنهم: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾(٤)، فإيمانهم عنهم هو توحيد الربوبية، وأمّا شركهم وكفرهم فدعاؤهم غير الله تعالى، وسؤالهم لأصنامهم، وتوجّههم لهم بالذبح والنذر والتعظيم، وغير ذلك من الشركيات، وهذا التوحيد لم يذهب إلى نقيضه طائفة معروفة من بني آدم، بل القلوب مفطورة على الإقرار به أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره.

الشبهة السابعة: روي من طريق محمّد بن زكريا الغلابي، عن العبّاس بن بكار، عن أبي بكر الهذلي، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال: جاء أبو بكر بأبي قحافة وهو شيخ قد عمى، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ألا تركت الشيخ حتّى آتيه؟ قال: أردت أن يأجره الله، والذي بعثك بالحقّ لأنا كنت أشدّ فرحاً بإسلام أبي طالب منّي بإسلام أبي، ألتمس بذلك قرّة عينك.. (الرياض النضرة ١/٣٩٧).

١- يونس (١٠): ٣١.

٢- الزخرف (٤٣): ٨٧.

٣- العنكبوت (٢٩): ٦٣.

٤- يوسف (١٢): ١٠٦.

٤٠