×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 4) / الصفحات: ٤١ - ٦٠

نقول: إنّ إسناد هذه الرواية واهي, وفيه العبّاس بن بكار، قال الدارقطني: كذّاب, وقال العقيلي: الغالب على حديثه الوهم والمناكير.. (انظر: ميزان الاعتدال ترجمة رقم ٢ ٢٩٣).

الشبهة الثامنة: وهي بعض الأحاديث الواهية التي يتعلّق بها القوم في زعم أنّ أبا طالب مات مؤمناً.

ونقول: قد ذكرها ابن حجر في الإصابة؛ حيث قال: ومن طريق إسحاق بن عيسى الهاشمي، عن أبيه: سمعت المهاجر مولى بني نفيل يقول: سمعت أبا رافع يقول: سمعت أبا طالب يقول: سمعت ابن أخي محمّد بن عبد الله يقول: أنّ ربّه بعثه بصلة الأرحام، وأن يعبد الله وحده لا يعبد معه غيره، ومحمّد الصدوق الأمين.

ومن طريق ابن المبارك، عن صفوان بن عمرو، عن أبي عامر الهوزني: أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج معارضاً جنازة أبي طالب وهو يقول: وصلتك رحم.

ومن طريق عبد الله بن ضميرة، عن أبيه، عن عليّ: أنّه لمّا أسلم، قال له أبو طالب: الزم ابن عمّك.

ومن طريق أبي عبيدة معمر بن المثنى، عن رؤبة بن العجاج، عن أبيه، عن عمران بن حصين: أنّ أبا طالب قال لجعفر بن أبي طالب لمّا أسلم: صل جناح ابن عمّك، فصلّى جعفر مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

ومن طريق محمّد بن زكريا الغلابي، عن العبّاس بن بكار، عن أبي بكر الهذلي، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال: جاء أبو بكر بأبي قحافة وهو شيخ قد عمى، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ألا تركت الشيخ حتّى آتيه؟ قال: أردت أن يأجره الله، والذي بعثك بالحقّ لأنا كنت أشد فرحاً بإسلام أبي طالب منّي بإسلام أبي، ألتمس بذلك قرّة عينك.

٤١
وأسانيد هذه الأحاديث واهية.. (الإصابة في تمييز الصحابة ٤/١١٣ــ١١٦).

الشبهة التاسعة: ما هي الفائدة من البحث في أنّ أبا طالب مات مؤمناً أو كافراً؟

نقول: يجب معرفة هؤلاء هل هم ماتوا على إيمان أو على كفر, وخصوصاً من عاصر منهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وكان قريباً له, فبهذا الحكم تُبنى أحكام شرعية أُخرى, فمثلاً لا يجوز أن يكون في سند الرواية أو الحديث شخص غير مسلم, فكيف سنأخذ بالأحاديث ونحن لا نعلم هل هؤلاء الذين نقلوا لنا الحديث مؤمنون أو مشركون؟! وكذلك لا يجوز أن نطلق على كافر (رضي الله عنه) أو (رحمه الله) أو أشباه ذلك, ولهذا لزم علينا البحث في التاريخ عن كلّ ذلك.

الشبهة العاشرة: كيف يكون كافراً وهناك أحاديث عند الشيعة تقول أنّه مات مؤمناً؟

نقول: على فرض صحّة تلك الأحاديث فإنّ الشيعة ليس لديهم حديث إلّا وله ما يعارضه ويناقضه, وهاك أقوال علماء الشيعة أنفسهم في ذلك:

فيقول السيّد دلدار علي اللكهنوي الشيعي الاثنا عشري في (أساس الأُصول ص٥١ ط لكهنو الهند): ((إنّ الأحاديث المأثورة عن الأئمّة مختلفة جدّاً، لا يكاد يوجد حديث إلّا وفي مقابله ما ينافيه، ولا يتّفق خبر إلّا وبإزائه ما يضادّه، حتّى صار ذلك سبباً لرجوع بعض الناقضين عن اعتقاد الحس..)).

ويقول عالمهم ومحقّقهم وحكيمهم ومدقّقهم وشيخهم حسين بن شهاب الدين الكركي في كتابه (هداية الأبرار إلى طريق الأئمّة الأطهار ص١٦٤ الطبعة الأُولى ١٣٩٦هـ): ((فذلك الغرض الذي ذكره في أوّل التهذيب من أنّه ألّفه لدفع التناقض بين أخبارنا لمّا بلغه أنّ بعض الشيعة رجع عن المذهب لأجل ذلك)).

فالتعارض جاءت به روايتهم والتناقض والتضادّ منهم، بل والكذب انتشر في

٤٢
مجاميعهم الحديثية المعتبرة، كما اعترف به أحد علمائهم، وهو: السيّد هاشم معروف الحسيني في كتابه (الموضوعات في الآثار والأخبار ص١٦٥، ٢٥٣ الطبعة الأُولى ١٩٧٣م)، قال: ((ما وضع قصّاص الشيعة مع ما وضعه أعداء الأئمّة عدداً كثيراً من هذا النوع للأئمّة الهداة عليهم السلام ولبعض الصلحاء والأتقياء)).

وقال أيضاً: ((وبعد التتبّع في الأحاديث المنتشرة في مجاميع الحديث، كالكافي والوافي وغيرهما، نجد أنّ الغلاة والحاقدين على الأئمّة الهداة لم يتركوا باباً من الأبواب إلّا ودخلوا منه لإفساد أحاديث الأئمّة والإساءة إلى سمعتهم..)).

والصحابي المغيرة بن شعبة من أهل بيعة الرضوان الذي رضي الله عنهم، والله تعالى لا يرضى إلّا عن رضيّ يستحقّ الرضى؛ لأنّه تعالى يعلم ما كان وما يكون.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قبل الإجابة على الشبهات بشأن إيمان أبي طالب نودّ الإشارة إلى أنّ جواب ما ذكره في المقدّمة تجده مفصّلاً ضمن عناوين: (ردّ شبهات حول علم الحديث عند الشيعة)، و(شبهات يثيرها المخالفون حول علم الحديث عند الشيعة)، وغيرها في موضوع (الحديث)، وسيأتي.

وأمّا بخصوص الكلام عن إيمان أبي طالب عليه السلام:

الأوّل: إنّ الرواية جاءت مرسلة في تفسير القمّي، على أنّها قول لعلي بن إبراهيم القمّي؛ فقد جاء قبلها: ((وقال علي بن إبراهيم في قوله: ﴿أُولَئِكَ يُؤتَونَ أَجرَهُم مَّرَّتَينِ بِمَا صَبَرُوا...﴾... ثمّ قال: وأمّا قوله: ﴿إِنَّكَ لا تَهدِي مَن

٤٣
أَحبَبتَ﴾))(١)، والنص واضح بأنّه قول لعلي بن إبراهيم، وإذا عرفنا شهرة هذه الرواية بأسانيدها العامّية يتطرق الاحتمال لتحديد المصدر الذي أخذ منه علي بن إبراهيم قوله هذا.

ولعلّ القمّي رضيها لعدم دلالتها على عدم إسلام أبي طالب! فإنّ فيها طلب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم منه أن يجهر بالشهادة، وهذا لا ينفي إقراره بها في السرّ، فإنّ أبا طالب كان يكتم إيمانه كما هو معروف، ومع ذلك فقد شهد العبّاس بأنّه نطق بها في آخر رمق من حياته. وعلى هذا يكون معنى الآية مورد النزول ــ لو قلنا به ــ هو: إنّك يا محمّد لم تهدِ عمّك الذي تحبّه، ولكنّ الله هداه، وهو ما ذكره بعض المفسّرين.

فهذا النصّ بهذه الرواية في تفسير القمّي ليس فيه دلالة على موت أبي طالب مشركاً، ولا حجّة علينا بما ورد عند العامّة في صحاحهم من روايات تذكر شأن النزول لهذه الآية بما يدلّ على بقاء أبي طالب على الشرك.

ويؤيّد ما ذكرنا: ما رواه القمّي بعدها من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لو قمت المقام المحمود لشفعت في أبي وأُمّي وعمّي وأخ كان لي مؤاخياً في الجاهلية)(٢).

وأخيراً نود الإشارة إلى أنّ النصّ الذي أورده هذا المستشكل يختلف عمّا هو موجود في تفسير القمّي! فقد حذف منه بعض الكلمات التي فيها دلالة؛ فإنّ في تفسير القمّي: (ياعمّ قل لا إله إلّا الله بالجهر انفعك بها يوم القيامة)، فحذفت كلمة (بالجهر)، وكذلك: ((فلمّا مات شهد العبّاس بن عبد المطّلب عند رسول

١- تفسير القمّي ٢: ١٤٢.

٢- تفسير القمّي ٢: ١٤٢.

٤٤
الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه تكلّم بها بأعلى صوته))، فحذف (بأعلى صوته)!

الثاني: إنّ رواية الضحضاح المروية في النوادر نقلها الراوندي عن (الأشعثيات)، ويسمّى (الجعفريات) أيضاً، وكتاب (الأشعثيات) غير معتمد عليه عندنا، وسيأتي الكلام في اعتباره في موضوع: (الكتب)، ضمن عنوان: (كتاب الجعفريات، أو الأشعثيات).

ثمّ إنّ هذا الوارد ليس فيه تصريح باسم عمّه المعنيّ؛ فإن كان المقصود أبا طالب، فهو كذب صراح؛ لإجماع أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم على إيمانه، وإن كان المقصود أبو لهب فله وجه.

ثمّ إنّ الأئمّة كذّبوا رواية الضحضاح المروية عند العامّة؛ فعن أبي عبد الله عليه السلام أنّه قيل له: إنّ الناس يقولون: إنّ أبا طالب في ضحضاح من نار يغلي منه دماغه! قال عليه السلام: (كذبوا والله إنّ إيمان أبي طالب لو وضع في كفّة ميزان وإيمان هذا الخلق في كفّة ميزان لرجح إيمان أبي طالب على إيمانهم)(١).

وعن الرضا عليه السلام أنّ عبد العظيم بن عبد الله العلوي كتب إليه عليه السلام: عرّفني يا بن رسول الله عن الخبر المروي: أنّ أبا طالب في ضحضاح من نار يغلي منه دماغه.

فكتب إليه الرضا عليه السلام: (بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد، فإنّك إن شككت في إيمان أبي طالب كان مصيرك إلى النار)(٢).

وعن أبي عبد الله عليه السلام أنّه قال: (يا يونس! ما يقول الناس في أبي طالب؟) قلت: جعلت فداك، يقولون: هو في ضحضاح من النار، وفي رجليه نعلان من نار يغلي منهما أُمّ رأسه. فقال: (كذب أعداء الله، إنّ أبا طالب من رفقاء النبييّن

١- الحجّة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب، للسيّد فخار: ٨٥.

٢- الحجّة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب: ٨٢.

٤٥
والصدّيقين والشهداء الصالحين وحسن أولئك رفيقاً)(١).

وفي رواية: قلت لأبي عبد الله: إنّ الناس يزعمون: أنّ أبا طالب في ضحضاح من نار، فقال: (كذبوا، ما بهذا نزل جبرائيل على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم)، قلت: وبما نزل؟ قال: (أتى جبرائيل في بعض ما كان عليه فقال: يا محمّد! إنّ ربّك يقرؤك السلام ويقول لك: إنّ أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان وأظهروا الشرك، فآتاهم الله أجرهم مرّتين، وإنّ أبا طالب أسرّ الإيمان وأظهر الشرك، فآتاه الله أجره مرّتين)، وما خرج من الدنيا حتّى أتته البشارة من الله تعالى بالجنّة)، ثمّ قال عليه السلام: (كيف يصفونه بهذا وقد نزل جبرائيل ليلة مات أبو طالب فقال: يا محمّد! اخرج عن مكّة فما لك بها ناصر بعد أبي طالب؟!)(٢).

الثالث: لم يذكر ابن أبي الحديد المعتزلي ما يمكن الاحتجاج به علينا؛ فهو ذكر آراء المذاهب، وقال: إنّ الإمامية قالت بموته مسلماً بينما المخالفون اختلفوا، فمنهم من قال: إنّه مات على دين عبد المطّلب.. وهذا يكفي للاحتجاج به عليهم، مع أنّ ابن أبي الحديد من أهل السُنّة فهو معتزلي، وإقراره بأنّ الإمامية تقول بإيمان أبي طالب يكفي في ردّ هذا المستشكل.

وما ذكره من الآيات القرآنية وتفسيرها والروايات كلّها من قول المخالفين، فهو بصدد ذكر آرائهم واحتجاجاتهم على غيرهم، وهي ليست بحجّة علينا؛ لأنّها لم تثبت عندنا بشكل يمكن الاحتجاج به علينا، مع أنّه نقل جواب الشيعة على ما أورده، فليت هذا المستشكل جاء بكلام ابن أبي الحديد كاملاً حتّى يكون منصفاً!

١- كنز الفوائد، للكراجكي: ٨٠.

٢- الحجّة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب: ٨٣.

٤٦
ثمّ إنّه لا نعلم ما هو الأدهى في إثبات كون آباء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأنبياء كافّة مؤمنين غير كافرين، فهلا فرح بذلك، وما كان عليه لو كان آزر عمّ إبراهيم عليه السلام لا أبوه، ومع ذلك فقد مضى الكلام في الجواب على دعوى كفر آباء الأنبياء في العنوان السابق؛ فليراجع!

الرابع: إذا لم يكن حديث العبّاس بن معبد صحيحاً فإنّه يصلح شاهداً على تلك الأحاديث التي تشير إلى إيمان أبي طالب، مع أنّ الشيعة لا تستدلّ على إيمان أبي طالب بهذا الحديث، لأنّهم يثبتون له الإيمان قبل ذلك، ولكن كان يكتمه؛ فراجع استدلالهم تعرف!

ومع ذلك نعجب من هذا المستشكل الذي قَبل أنّ هذا الحديث يدلّ على إيمان أبي طالب، ولكنّه ردّه سنداً، مع إنّه نفس مضمون الحديث الذي نقله القمّي في تفسيره, ولكن جعله هناك يدلّ على عدم إسلام أبي طالب؛ لأنّه ورد من طريق الشيعة!

الخامس: إنّ الحديث المنقول عن القاضي عياض لا نعرفه، وإن كان فيه دلالة على كون أبي طالب من الحنفاء، فهو يدلّ على كونه موحّداً لا يعبد الأصنام، فلا ينقض عليه بأنّ أبا جهل كان يعتقد صدق النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ومع ذلك لم يسلم وبقي يعبد الأصنام، ثمّ إنّه شتّان ما بين فعلهما! فأبو طالب دافع عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، بينما أبو جهل عادى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

السادس: القول بأنّ الرجل لا يعدّ من أهل الإسلام إلّا بنطق الشهادتين، فيه مغالطة واضحة هنا؛ فهو مردود صغرى في أبي طالب، وغير مقبول على إطلاقه في الكبرى..

فأمّا الصغرى: فلا نسلّم بأنّ أبا طالب لم ينطق بالشهادتين، نعم لم ينطق بها

٤٧
علناً ولم يشهر إسلامه أمام قومه، ورواياتنا كثيرة في أنّه كتم إيمانه.

ولو أردنا أن نبحث عن إسلام جميع الصحابة لَما وجدنا في التاريخ من يشير إلى النطق بالشهادتين لكثير من الصحابة، ولكن يعرف إسلامهم من خلال أفعالهم وسلوكهم، كذلك أبو طالب، فكلّ أفعاله تشير إلى إسلامه، فإذا لم تجدوا رواية عندكم تشير إلى نطقه بالشهادتين فهل معنى ذلك كفره وعدم إسلامه، وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا تقولون بكفر آلاف الصحابة الذين لم يعثر لهم على النطق بالشهادتين.

وأمّا الكبرى: فإنّ عدم النطق بالشهادتين لعذر لا لعناد، مع الإيمان الباطني، يخرج صاحبه عن المعاند، نعم لا تجري عليه أحكام الإسلام لعدم علمنا بإسلامه، ولكن إيمانه الباطني ينفعه عند الله.

هذا، وأمّا إذا تحقّق لنا عذره والغرض من عدم جهره بالشهادتين وأنّه مقرّ بهما في قلبه وما يظهر من إشارته وكنايته في كلامه، بل إقراره بهما علناً، ولكن بألفاظ أُخرى كما في شعر أبي طالب، فإنّا نحكم بإسلامه حسب علمنا بأنّه يكتمه.

السابع: نحن لا نقول بإسلام أبي طالب لمجرّد كونه عمّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، بل نقول: إنّه كان زوجاً لفاطمة بنت أسد، وهي مسلمة بلا خلاف، ومع ذلك لم يفرّق النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بينها وبينه، كما فعل مع غيره، وهذا يشير حتماً إلى إسلامه.

الثامن: صريح القرآن يشير إلى عدم انتفاع بعض الناس بشفاعة الشافعين أصلاً، وهم الكافرون والمشركون..

قال ابن حجر في (فتح الباري): ((قال ابن بطال: أنكر المعتزلة والخوارج الشفاعة في إخراج من أُدخل النار من المذنبين وتمسّكوا بقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ

٤٨
شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ وغير ذلك من الآيات، وأجاب أهل السُنّة بأنّها في الكفّار))(١).

وجاءت الشفاعة في الآية مطلقة، فالمنفي عن الكافرين والمشركين جنس الشفاعة، أي جميع مراتبها حتّى التخفيف، والآيات الدالّة على ذلك كثيرة في القرآن(٢)، والرواية باختصاصها بأهل لا إله إلّا الله مشهورة معروفة عندكم؛ فقد رواها أحمد، وهي: (قيل لي: سل؛ فإنّ كلّ نبيّ قد سأل، فأخّرت مسألتي إلى يوم القيامة فيه، فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلّا الله)(٣)، وقال عنه في (مجمع الزوائد): ((رواه أحمد ورجاله ثقات))(٤).

وكتاب البخاري الصحيح عندكم يشير إلى انتفاع أبي طالب بالشفاعة، فالجمع يكون أنّ أبا طالب غير داخل في هذا القسم الذي أشار لهم القرآن بعدم الشفاعة، بل في قسم أهل لا إله إلّا الله.

ثمّ إنّ هذا المستشكل خبط خبط عشواء؛ إذ قسّم الشفاعة إلى قسمين: شفاعة عامّة، وسمّاها: العظمى، وهي تشمل أمّته صلى الله عليه وآله وسلم وآحاد الناس، ثمّ قال: إنّها تشمل كلّ الناس برّهم وفاجرهم, وهذا أوّل خبط وتناقض, ثمّ قال: وهناك شفاعة خاصّة وهي تشمل أمّته من أهل لا إله إلّا الله, وقال بعد ذلك: ومن شفاعته الخاصّة شفاعته لعمّه أبي طالب، مع إنّه لا يقول بإسلام أبي طالب, وهذا ثاني خبط وتناقض!

١- فتح الباري ١١: ٣٦٨، باب (صفة الجنّة والنار).

٢- انظر: كتاب الغدير، للأميني ٨: ٢٤.

٣- مسند أحمد بن حنبل ٢: ٢٢٢.

٤- مجمع الزوائد، للهيثمي ١٠: ٣٦٧.

٤٩
على أنّ علماءكم قد نصّوا على أنّ الشفاعة العامّة هي: رفع الكرب يوم الحساب؛ قال في (فتح الباري): ((لكن الشفاعة التي وردت في الأحاديث المذكورة في المقام المحمود نوعان، الأوّل: العامّة في فصل القضاء، والثاني: الشفاعة في إخراج المذنبين من النار))(١)، فلا علاقة للشفاعة العامّة بالنار أصلاً.

والشفاعة الثانية المختصّة بمن لا يشرك بالله شيئاً هي الإخراج من النار، ومن الواضح دخول أبي طالب فيها؛ لأنّ الضحضاح في النار.

وأمّا تمحّل ابن حجر في أنّ الحديث الصحيح (أي: حديث الضحضاح) خصّص العموم (أي: العموم في الآية)، فهو موهون بالأحاديث الكثيرة التي تحصر الشفاعة بمن قال: لا إله إلّا الله، بل ورد في الحديث أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم علّق شفاعته لعمّه بقوله لا إله إلّا الله؛ فقد روى ابن هشام أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جعل يقول له: (أي عمّ، فأنت فقلها أستحلّ لك بها الشفاعة يوم القيامة)(٢)، وصحّحه الحاكم في المستدرك(٣).

وبهذا سقط القول بأنّها من خصائص النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن هدمنا أساسه.

وأمّا قول القرطبي باختلاف معنى المنفعة في الآية والحديث، وأنّها في الحديث بمعنى التخفيف، فقد رددناه آنفاً مع أنّه تأويل خلاف الظاهر ليس عليه دليل.

التاسع: كيف يكون كافراً من يقول: أنّ محمّداً نبيٌّ! فهو يقول:

١- فتح الباري، لابن حجر ١١: ٣٦٩.

٢- السيرة النبوية، لابن هشام ٢: ٢٨٤ أبو طالب لا يعطي قريشاً فيطمع رسول الله في إيمانه.

٣- المستدرك على الصحيحين ٢: ٣٣٦ ذكر موت أبي طالب.

٥٠


ألم تعلموا أنّا وجدنا محمّداًنبيّاً كموسى خط في أوّل الكتب

فهاهنا خرج أبو طالب عن ما مثله من المشركين لو قبلنا بما فهمه من الآيات بخصوصهم, ونحن مع ذلك لا نسلّم له هذا الفهم، فهو فهم سقيم يحمّله الوهّابية وأتباع ابن تيمية على الآيات, وإلّا فإنّ المشركين كانوا يعبدون الأصنام، وقد فصّل العلماء في جواب هذه الشبهة والردّ عليهم، وليس هنا محلّه.

العاشر: هناك طريق آخر لحديث أبي بكر الذي يشير إلى إسلام أبي طالب، وهو: ما رواه الطبراني، قال: ((حدّثنا محمّد بن علي بن المديني فستقة، ثنا أبو عمر حفص بن عبد الله الحلواني، ثنا بهلول بن مورق الشامي، عن موسى بن عبيدة، عن أخيه عبد الله بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: جاء أبو بكر...))(١).

وآخر أيضاً مرسل رواه ابن عساكر في تاريخه بسنده عن ليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد(٢).

الحادي عشر: ابن حجر ضعّف الأسانيد التي ذكرها في كتابه (الإصابة).

وهناك أسانيد أُخرى للأحاديث المذكورة، فقوله: إنّ الأسانيد واهية لا يضعف الأحاديث المذكورة بعد ورودها بطرق أُخرى.

الثاني عشر: نحن معك في لا بدّية البحث عن إيمان أبي طالب، بل وغيره من الصحابة، ولو بحث بحال بعض الصحابة مثل ما بحث في إيمان أبي طالب

١- المعجم الكبير ٩: ٤٠.

٢- تاريخ مدينة دمشق ٦٦: ٤٣٢ أبو طالب.

٥١
لوجد إيمان كثير من الصحابة مشكوكاً.

الثالث عشر: وجود الأحاديث المتعارضة عندنا لا يعني عدم قدرة الوصول إلى الحقيقة من ورائها، فيطرح بعضها، ويرجّح بعضها وفق مرجّحات نصّ عليها عندنا, ومع ذلك فهذه دعوى، وقد أجبنا على ما توهّمه حديثاً معارضاً لإيمان أبي طالب من تفسير القمّي في النقطة الأُولى.

الرابع عشر: المغيرة بن شعبة معلوم فسقه عندكم وعندنا، ولا يكفي تطبيق الآية عليه؛ فإنّها حتّى لو انطبقت لا تعطي العصمة لأعماله اللاحقة، وأعماله اللاحقة تنبئ عن فسقه ﴿إِن جَاءكُم فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا...﴾(١).

تعقيب:

« د. جواد كاظم منشد ــ العراق ــ إمامي »

أوّلاً: هل يستطيع من يعتقد بكفر أبي طالب أن يثبت كفره بأدلّة عقائدية أو تاريخية قبل الإسلام؟

هل هناك من روايات تشير إلى أنّ أبا طالب كان يعبد الأصنام منذ صباه حتّى نهاية حياته؟

ثانياً: من الأدلّة على إيمان أبي طالب عليه السلام: مواقف معاوية من أمير المؤمنين عليه السلام؛ فالمعلوم أنّ أمير المؤمنين عليه السلام أنزله الدهر حتّى قيل: عليّ ومعاوية، فكان أن دخل أمير المؤمنين عليه السلام في صراع فكري، وحينما احتجّ

١- الحجرات (٤٩): ٦.

٥٢
معاوية على أمير المؤمنين عليه السلام: ((إنّا نحن بنو عبد مناف))، ردّ عليه أمير المؤمنين عليه السلام في رسالة منها: (ولكن ليس هاشم كأُميّة، ولا عبد المطّلب كحرب، ولا أبو طالب كأبي سفيان، ولا المهاجر كالطليق، ولا الصريح كاللصيق...)، وهنا لو كان أبو طالب كافراً لردّ معاوية أنّ أباه أبو سفيان مسلماً ــ على قولهم ــ وأنّ أبا طالب كافراً، ولكنّه لم يردّ، ولم يصدر عن معاوية شيء من هذا القبيل.

والسلام عليكم.

(معنى: عبد مناف)

« عبّاس عبد الرحيم ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم.. اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد..

يا إخوان! إذا كان سيّدنا أبو طالب عليه السلام مسلماً (ولا أشكّ في هذا طبعاً) فماذا يعني اسمه (عبد مناف)؛ حيث يقال: أنّ مناف هو اسم صنم.

أرجو منكم الإجابة على السؤال والسلام.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

بعد أن ثبت عندنا كون آباء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأجداده كانوا موحّدين، فلا يتصوّر أن تكون أفعالهم ــ ومنها تسمية الأبناء ــ فيها شائبة الشرك أو الدعوة إليه؛ إذ

٥٣
التسمية مع القصد بالأشياء أو الأشخاص هي نوع من الولاء لها، والإدامة لترميزها، وقد مضى الكلام عن كون آباء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم موحّدين في العنوان السابق مفصّلاً؛ فليراجع!

وعليه، فتسمية عبد المطّلب ــ وهو جدّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ــ لأبنائه بأسماء مثل: عبد مناف ــ الذي هو اسم أبي طالب، لو ثبت ذلك؛ لوجود روايات تذكر أنّ اسمه: عمران ــ لا يتصوّر منه أنّه كان يريد به أنّه عبدٌ لذلك الصنم الذي ادّعوا أنّ اسمه: مناف، بل ربّما يكون المراد به أنّه: عبد الفضل والإحسان والشرف؛ لأنّ الإنافة تعني ذلك كلّه، وقد كان عبد المطّلب يرى في نفسه وأولاده أنّهم في قمّة الشرف والفضل والإحسان؛ لأنّهم أسياد قريش وخدمة البيت العتيق.

والخلاصة: إنّه لا يوجد أيّ دليل على أنّ قصد عبد المطّلب من تسمية ابنه كان هو التشبّه أو التمثّل أو التفأول بذلك الصنم المدّعى.

تعليق (١):

« محمّد ــ العراق ــ إمامي »

ولكن نريد الإجابة، هل اسم مناف اسم صنم أم لا؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

كان الجواب السابق تنزّلاً على من يدّعي أنّ (مناف) اسم صنم في الجاهلية، ولكن لم يثبت هذا الأمر أصلاً، وسببه أنّ بعضهم يخلط بين اسم الصنم مناة واسم مناف، وهذا هو الذي ظهر لنا من التتبّع في المصادر.

٥٤

تعليق (٢):

« كريم يوسف ــ العراق ــ إمامي »

منذ بداية عمري وإلى قبل أشهر قليلة نعرف بأنّ اسم أبي طالب رضوان الله عليه هو: (عبد مناف)، وقال لي صديقي: إنّ اسمه ليس عبد مناف، وإنّما اسمه عمران؛ لأنّ أعداء أمير المؤمنين حاولوا كثيراً في إيجاد عيب بسيط في عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وخابوا وخابت آمالهم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا يمكن الجزم بأنّ اسمه عبد مناف، بل هناك ثلاثة أقوال في اسمه:

الأوّل: عبد مناف.

والثاني: عمران.

والثالث: أنّ اسمه كنيته.

ولا يصحّ استبعاد الاسم الأوّل؛ لتصوّر وجود شائبة الإساءة فيه، وذلك لأنّه لم يكن هناك صنم اسمه مناف، وإنّما هو توهّم لا غير، ولو سلّمنا، فإنّه يمكن فهم الاسم بمعنى آخر ليس فيه إساءة إليه، كما قدّمنا آنفاً في السؤالين السابقين.

(وقت تشريع التفريق بين الزوجين إذا أسلم أحدهما)

« طاهر آل سعيد ــ البحرين ــ إمامي »

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

متى تمّ تشريع التفريق بين الزوجة المسلمة والزوج الكافر؟

٥٥
وهل تمّ في المدينة أم في مكّة؟

وهل تمّ قبل إسلام أبو طالب؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لقد ورد في رواية من طرقنا أنّ تشريع التفريق بين الزوجين إذا أسلم أحدهما كان في مكّة.

فقد روى فخار بن معد، وهو من كبار علمائنا في كتابه (الحجّة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب): عن أبي علي الموضح، قال: تواترت الأخبار بهذه الرواية وبغيرها عن عليّ بن الحسين عليه السلام أنّه سئل عن أبي طالب أكان مؤمناً؟

فقال عليه السلام: نعم.

فقيل له: إنّ هاهنا قوم يزعمون أنّه كافر.

فقال عليه السلام: (وا عجباً كلّ العجب!! أيطعنون على أبي طالب أو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, وقد نهاه الله تعالى أن يقرّ مؤمنة مع كافر في غير آية من القرآن، ولا يشكّ أحد أنّ فاطمة بنت أسد رضي الله عنها من المؤمنات السابقات؛ فأنّها لم تزل تحت أبي طالب حتّى مات رضي الله عنه؟!)(١).

وهنا عدّة احتمالات في كلام الإمام عليه السلام:

١ــ إنّا نستفيد من الرواية أنّ هناك عدّة آيات قد ورد فيها حكم التفريق, وليس آية واحدة، وأنّ بعض هذه الآيات نزلت بمكّة, ولا يمانع ذلك نزول آية أُخرى في المدينة بنفس الحكم، وهي آية: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾(٢).

١- الحجّة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب: ١٢٣ الفصل الأوّل.

٢- الممتحنة (٦٠): ١٠.

٥٦

٢ــ أن يكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد ذكر هذا التشريع في مكّة, وإشارة الإمام عليه السلام إلى الآيات قد تكون لبيان الدليل القرآني للتشريع، وإن كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلمه، وطبّقه قبل نزول الآيات؛ ولا مانع من أن تنزل الآيات بعد ذلك في نفس الحكم لفائدة ما.

٣ــ قد يكون ما نقله المفسّرون من أنّ آية: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ نزلت في المدينة غير صحيح، وأنّ هذه الرواية تدلّ على أنّها نزلت في مكّة.

وقد ورد في مرويات أهل السُنّة ما يصلح لتأييد أحد هذه الاحتمالات:

فعن عائشة، قالت: ((كان الإسلام قد فرّق بين زينب وبين أبي العاص, إلّا أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يقدر أن يفرّق بينهما، وكان مغلوباً بمكّة))(١).

وفي سيرة ابن هشام: ((وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يحلّ بمكّة ولا يحرّم، مغلوباً على أمره، وكان الإسلام قد فرّق بين زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين أسلمت وبين أبي العاص بن الربيع, إلّا أنّ رسول صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يقدر أن يفرّق بينهما))(٢).

وعليه لا يمكن الاستدلال بنزول آية: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ في المدينة على أنّ تشريع التفريق لم يكن في مكّة قبل الهجرة؛ فتأمّل!

تعليق:

« أشرف علي ــ العراق ــ إمامي »

إنّ القول: بأنّ من أدلّة إسلام أبي طالب هو عدم تفريق النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بينه وبين زوجته فاطمة, لا يصحّ دليلاً؛ لأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أوّلاً لم يكن بقادر على تطبيق

١- نور الأبصار، للشبلنجي: ٦٥، فصل في ذكر أعمامه صلي الله عليه وسلم...

٢- السيرة النبوّية، لابن هشام ٢: ٤٧٨.

٥٧
التشريع على مَن لا يؤمن به, ثمّ ذلك سيكون مدعاة للطعن بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بأنّه يفرّق بين المرء وزوجه, والأجدر أن تبقى الزوجة عند زوجها عسى أن يكون لها الأثر في هداية زوجها, بينما أخذ الزوجة منه يؤدّي إلى النفور من الإسلام, ثمّ إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لا زال في بدء دعوته والناس في كلّ يوم تعتنق الإسلام، فلماذا يسارع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم للتفريق ممّا يؤدّي إلى النفور منه ومن الإسلام.

والأجدر أن نقول: إنّ بقاء فاطمة وهي المرأة القديرة عند أبي طالب دليل إسلامه, ولو كان كافراً لتركته هي من تلقاء نفسها اعتماداً على مكانتها، وهي التي اتّخذت من بيت الله مكاناً لولادة ابنها الأقدس أمير المؤمنين عليه السلام.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

النتيجة التي تريدها من كلامك هي واحدة، سواء قلنا: الدليل على إيمان أبي طالب عليه السلام هو عدم تفرقة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بينه وبين زوجه فاطمة.. وطبعاً لا يكون ذلك إلّا بموافقتها.. أو أنّ بقاء السيّدة فاطمة بنت أسد معه كزوجة إلى وفاته دليل على إسلامه..

فقد روي عن عليّ بن الحسين عليه السلام كما في شرح النهج للمعتزلي: ((أنّه سئل عن إيمان أبي طالب، فقال: (وا عجباً, إنّ الله تعالى نهى رسوله أن يقرّ مسلمة على نكاح كافر، وقد كانت فاطمة بنت أسد من السابقات إلى الإسلام, ولم تزل تحت أبي طالب حتّى مات)))(١)، ومنه يفهم وجود الإقرار من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على

١- شرح نهج البلاغة ١٤: ٦٩ اختلاف الرأي في إيمان أبي طالب.

٥٨
ذلك، وهو غير عدم قبوله ولكنّه لا يقدر على التغيير.

(معنى سرّيّة إيمانه)

« محمّد علي ــ السعوديةــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

وبعد، كيف يمكن القول: أنّ أبا طالب عليه السلام أسرَّ الإيمان وأظهر الكفر مع القرائن الواضحة الدالّة على إسلامه وإيمانه لدى الجميع، مثل:

١ــ أشعاره المتواترة التي يصرّح فيها جهراً، وعلى الملأ بإيمانه واتّباعه لدعوة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

٢ــ ما يعرفه المجتمع القرشيّ عامّة من أنَّ عبد المطّلب وأبا طالب لم يكونا من عبدة الأصنام في الجاهلية، بل كانا يعبدان الله ويؤمنان به ويدعوانه جهراً، ولم يكن جميع الناس في الجاهلية يعبدون الأصنام، بل كانت الآلهة متعدّدة ومنها الله جلَّ جلاله فقد كان معبوداً معروفاً.

٣ــ ما ذكره المؤرّخون من أنّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام كان يعيِّر معاوية بكفر آبائه وأجداده ويفخر بأبيه أبي طالب، ولو كان معاوية يعلم أبا طالب كافراً لردّ على عليٍّ قوله بأنّ أباك أنت أيضاً كان كافراً. وهذا واضح.. فكيف يقال بعد هذا كلّه أنّ أبا طالب كان يكتم إيمانه؟!

وهذه بعض الأحاديث التي تقول: أنَّ أبا طالب كان يكتم إيمانه:

٥٩
أخبر أبو الفضل بن شاذان ــ يرفعه إلى الشيخ الصدوق ابن بابويه القمّي رحمهم الله، مرفوعاً عن الإمام الحسن بن عليّ العسكري عليه السلام في حديث طويل ــ يذكر فيه: أنّ الله تبارك وتعالى أوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنّي قد أيّدتك بشيعتين: شيعة تنصرك سرّاً، وشيعة تنصرك علانية، فأمّا التي تنصرك سرّاً فسيّدهم وأفضلهم عمّك أبو طالب، وأمّا التي تنصرك علانية فسيّدهم وأفضلهم ابنه عليّ بن أبي طالب عليه السلام)، ثمّ قال: (وإنّ أبا طالب كمؤمن آل فرعون يكتم إيمانه).

ومن ذلك قول الإمام الصادق عليه السلام: (إنّ جبرئيل عليه السلام أتى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلمـ فقال: يا محمّد! إنّ ربّك يقرئك السلام، ويقول لك: إنّ أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان وأظهروا الشرك، فآتاهم الله أجرهم مرّتين, وإنّ أبا طالب أسرّ الإيمان وأظهر الشرك، فآتاه الله أجره مرّتين).

وجازاكم الله خيراً عن الإسلام وأهله، آمين والسلام.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ليس معنى كتمان أبي طالب الإيمان أنّه لا يعلم أحد بإيمانه، وإنّما يعني أنّ هناك مجموعة من المشركين كانت تتصوّر أنّ أبا طالب معهم لم ينطق بالشهادتين التي يدعو لها النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم. وإلّا فهم يعلمون ــ كما قلت ــ أنّ أبا طالب في الجاهلية لا يعبد الأصنام، لكن النطق بالشهادتين، وإعلان إسلامه، لم يكن بيّناً عندهم، فكانوا يعتقدون أنّه على دينهم؛ لأنّه ما كان يجهر بذلك وإنّما يشير إلى إيمانه في ثنايا كلامه وشعره.

٦٠