×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 5) / الصفحات: ١ - ٢٠

موسوعة الأسئلة العقائدية (ج ٥) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ١ - ص ٣٠)



١

٢

٣

٤

٥

الإسراء والمعراج*

*انظر ــ ما يتعلّق بهذا الموضوع ــ : (رؤية الله عزّ وجلّ)(المعاد)

٦

٧

(ذكر المعراج في القرآن الكريم)

« محرّم البياتي ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

ذكرت كلمة الإسراء في القرآن الكريم، ولكن لم يذكر المعراج فيه، فما تعليقكم؟

وما الأدلّة القطعية على المعراج الجسدي، كما تقولون؟

والسلام عليكم ورحمة الله تبارك وتعالى.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

المعراج لا يُعدّ أمراً غير ممكن من جهة الدليل العقلي، ولا من جهة معطيات وموازين العلوم المعاصرة، وهو بالإضافة إلى ذلك أمر إعجازي خارق للعادة، لذلك قام الدليل النقلي عليه، فينبغي قبوله والإيمان به.

ولقد دلّت الآيات والروايات المتواترة من طريق العامّة والخاصّة على وقوع المعراج بالجسد الشريف، ومنكر ذلك منكر لضروري الدين الثابت بالكتاب والسُنّة والإجماع..

فعن الرضا(عليه السلام) : (مَن كذّب بالمعراج فقد كذّب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)(١). وعن

١- صفات الشيعة، للصدوق: ٥٠.

٨

الصادق(عليه السلام) : (ليس من شيعتنا مَن أنكر أربعة أشياء)، وعدّ منها المعراج(١).

والذي يدلّ على أنّه تعالى عُرج بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بروحه وجسده إلى السماوات أُمور، نشير إليها على نحو الإجمال:

منها: ما استدلّ به الطبرسي في (مجمع البيان) ممّا روي أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) طاف في السماوات ورأى الأنبياء والعرش وسدرة المنتهى والجنّة والنار ونحو ذلك(٢).

ومنها: ما رواه المجلسي في (البحار) من أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أخبر عن دخوله الجنّة في المعراج: وقال: فإذا أنا برطب ألين من الزبد، وأطيب من المسك، وأحلى من العسل، فأخذت رطبة فأكلتها فتحوّلت الرطبة نطفة في صلبي، فلمّا أن هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة(عليها السلام)، ففاطمة حوراء إنسية(٣).

وما رواه أيضاً: ثمّ قال: يا محمّد! مد يدك فيتلقّاك ما يسيل من ساق عرشي الأيمن، فنزل الماء، فتلقّيته باليمين... يا محمّد! خذ ذلك فاغسل وجهك... ثمّ اغسل ذراعيك اليمين واليسار... وامسح بفضل ما في يدك من الماء رأسك ورجليك... فأمّا المسح على رجليك فإنّي أُريد أن أوطئك موطئاً لم يطأه أحد قبلك ولا يطأه أحد غيرك... الخ(٤).

والذي يدلّ عليه: أنّ ظاهر الآيات القرآنية الواردة في أوائل سورة الإسراء، وكذلك سورة النجم تدلّ على وقوع المعراج في اليقظة، ولازمه: أن يكون العروج بالروح والجسد، كما يؤكّد هذا الأمر كبار علماء الإسلام من الشيعة

١- المصدر نفسه.

٢- مجمع البيان ٦: ٢١٥ سورة الإسراء.

٣- بحار الأنوار ١٨: ٣٥١، الباب ٣ إثبات المعراج ومعناه.

٤- بحار الأنوار ١٨: ٣٥٧.

٩

والسُنّة؛ وعدم ذكر كلمة (معراج) في القرآن لا يعني أنّ صفته غير مذكورة، بل قد ذكرت صفة معراجه (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا سيّما في الآيات (٥ ــ ١٨ من سورة النجم)، قال تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى _ ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى _ وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى _ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى _ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى _ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى _ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى _ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى _ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى _ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى _ عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى _ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى _ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى _ لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾(١). وتفسير هذه الآيات يرجع فيه إلى التفاسير المعتبرة.

ومن المفيد أيضاً أن نذكر أنّ عقيدة المعراج لا تقتصر على المسلمين، بل هناك ما يشابهها في الأديان الأُخرى، بل إنّنا نرى في المسيحية أكثر ممّا قيل في معراج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)؛ إذ يقول هؤلاء، كما في إنجيل (مرقس)، و(لوقا)، و(يوحنا): إنّ عيسى بعد أن صُلب وقُتل ودُفن، نهض من مدفنه وعاش بين الناس أربعين يوماً قبل أن يعرج إلى السماء، ليبقى هناك في عروج دائم(٢).

تعليق:

« أشرف علي ــ العراق ــ إمامي »

بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ التمعّن في ما جاء في سورتي الإسراء والنجم يشير إلى أنّ حادثتي

١- النجم ٥٣: ٥ ــ ١٨.

٢- العهد الجديد: إنجيل مرقس الإصحاح ١٦، إنجيل لوقا الإصحاح ٢٤، إنجيل يوحنّا الإصحاح ٢١.

١٠

الإسراء والمعراج حادثتين منفصلتين كلّ عن الأُخرى، فسورة الإسراء أشارت صراحة للإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى فقط، أمّا سورة النجم فأشارت صراحة إلى المعراج فقط، وأنّ كلمة الإسراء تعني السير ليلاً، أمّا المعراج فتعني الصعود للأعلى..

ثمّ إنّ الروايات التاريخية أشارت إلى أنّ النبيّ تحدّث لقومه عن الإسراء، وهذا أمر منطقي؛ لأنّه بإمكانه أنّ يستدلّ على صحّة إسرائه بالأدلّة الواقعية، كون بعضهم قد ذهب إلى بيت المقدس، ولديهم معلومات عن طريق الشام، أمّا أن يحدّثهم عن المعراج، فهذا ما لا فائدة مرجوّة منه؛ لأنّه لايعقل أن يصدّقوه، فإخبارهم عنه فيه مضرّة، إلّا أن يكون للمؤمنين فقط، ولذا فبعض الروايات أشارت لارتداد بعض المسلمين لمّا حدّثهم عن معراجه للسماء.

لكن الرواة اليهود جمعوا بين الحادثتين ليقولوا أنّ المسجد الأقصى أفضل من المسجد الحرام، لذا عُرج برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) منه إلى السماء.

والحمد لله.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ولكن هذا الاحتمال، من أنّ اليهود جمعوا بين الحادثتين، لا يردّ ما دلّت عليه الروايات؛ قال المجلسي في (البحار): (اعلم أنّ عروجه(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى بيت المقدس ثمّ إلى السماء في ليلة واحدة بجسده الشريف ممّا دلّت عليه الآيات والأخبار المتواترة من طرف الخاصّة والعامّة)(١).

١- بحار الأنوار ١٨: ٣٨٩.

١١

(معناهما وأهدافهما)

« أحمد البلوشي ــ السعودية »

السؤال:

ما معنى الإسراء والمعراج؟ وما هي أسبابه ونتائجه؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لقد أُسري إلى بيت المقدس ــ حسب نصّ القرآن في سورة الإسراء ــ بالنبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) بروحه وجسده من مكّة المكرّمة، وذلك في السنوات الأُولى من البعثة. كما عُرج بروحه وجسده(صلى الله عليه وآله وسلم) من بيت المقدس إلى السماء، كما وردت بذلك الأخبار الكثيرة.

وأمّا أهداف الإسراء والمعراج، فقد أورد بعضها السيّد جعفر مرتضى العاملي في (الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: فهي:

أوّلاً: إنّ حادثة الإسراء والمعراج معجزة كبرى خالدة، ولسوف يبقى البشر إلى الأبد عاجزين عن مجاراتها وإدراك أسرارها، ولعلّ إعجازها هذا أصبح أكثر وضوحاً في القرن العشرين وهذا القرن، بعد أن تعرّف هذا الإنسان على بعض أسرار الكون وعجائبه، وما يعترض سبيل النفوذ إلى السماوات من عقبات ومصاعب.

وثانياً: يلاحظ أنّ هذه القضية قد حصلت بعد البعثة بقليل، وقد بيّن الله سبحانه الهدف من هذه الجولة الكونية؛ فقال في سورة الإسراء: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ

١٢

آيَاتِنَا﴾(١)، وإذا كان الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الأُسوة والقُدوة للإنسانية جمعاء، وإذا كانت مهمّته هي: حمل أعباء الرسالة إلى العالم بأسره، فإنّ من الطبيعي: أن يعدّه الله سبحانه إعداداً جيّداً لذلك، وليكن المقصود من قصّة الإسراء والمعراج هو: أن يشاهد الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) بعض آثار عظمة الله تعالى، في عملية تربوية رائعة، وتعميق وترسيخ للطاقة الإيمانية فيه، وليعدّه لمواجهة التحدّيات الكبرى التي تنتظره، وتحمّل المشاق والمصاعب والأذايا التي لم يواجهها أحد قبله، ولا بعده.

وثالثاً: لقد كان الإنسان ــ ولا سيّما العربي آنئذ ــ يعيش في نطاق ضيّق، وذهنية محدودة، ولا يستطيع أن يتصوّر أكثر من الأُمور الحسّية، أو القريبة من الحسّ، التي كانت تحيط به، أو يلتمس آثارها عن قرب. فكان ــ والحالة هذه ــ لا بدّ من فتح عيني هذا الإنسان على الكون الأرحب، الذي استخلفه الله فيه، ليطرح على نفسه كثيراً من التساؤلات عنه، ويبعث الطموح فيه للتعرّف عليه، واستكشاف أسراره، وبعد ذلك إحياء الأمل وبثّ روح جديدة فيه، ليبذل المحاولة للخروج من هذا الجوّ الضيّق الذي يرى نفسه فيه، ومن ذلك الواقع المزري، الذي يعاني منه، وهذا بالطبع ينسحب على كلّ أُمّة، وكلّ جيل، وإلى الأبد.

ورابعاً: والأهمّ من ذلك: أن يلمس هذا الإنسان عظمة الله سبحانه، ويدرك بديع صنعه، وعظيم قدرته، من أجل أن يثق بنفسه ودينه، ويطمئن إلى أنّه بإيمانه بالله، إنّما يكون قد التجأ إلى ركن وثيق لا يختار له إلّا الأصلح، ولا يريد له إلّا الخير، قادر على كلّ شيء، ومحيط بكلّ الموجودات.

وخامساً وأخيراً: إنّه يريد أن يتحدّى الأجيال الآتية ويخبر عمّا سيؤول إليه

١- الإسراء ١٧: ١.

١٣

البحث العلمي من التغلّب على المصاعب الكونية، وغزو الفضاء، فكان هذا الغزو بما له من طابع إعجازي خالد هو الأسبق والأكثر غرابة وإبداعاً، وليطمئن المؤمنون، وليربط الله على قلوبهم، ويزيدهم إيماناً(١).

تعليق:

« شيماء ــ العراق ــ إمامية »

السلام عليكم..

جزاكم الله خير الجزاء.

أرجو توضيح النقاط: الثانية، والثالثة، والرابعة، وهل المقصود به: النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أو غيره؟

وإذا كان هو فلماذا يقول الإمام عليّ(عليه السلام) : (لو كُشف الغطاء ما ازددت يقينا)، وأنّ معلّمه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن غير أن يحتاج إلى أدلّة مثل النبيّ، وكان إيمانه بهذه الدرجة العالية.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

النقطة الثانية:

تتحدّث عن إراءة الله تعالى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عجائب الآيات الكونية في رحلته عبر السماوات، كما هو نصّ الآية الكريمة: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾(٢), وتكون فائدة هذه

١- راجع: الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)، للعاملي ٣: ٥ ــ ٥٠ الفصل ٣ الإسراء والمعراج.

٢- الإسراء ١٧: ١.

١٤

الرحلة تربوية وتعليمية وإرشادية بالنسبة إلى سائر المؤمنين، إذ أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) سينقل لهم بعض مشاهداته في المعراج، ومن ذلك: تحذيرهم من هول جهنّم التي اطّلع عليها، وحثّهم على العمل الصالح لينالوا ما أعدّ الله لهم من الثواب في الجنان.. وكان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في معراجه قد أطلعه الله تعالى على الجنّة والنار ليصف ذلك للمؤمنين، فيقبلوا على الطاعات، ويتجنّبوا المعاصي.

النقطة الثالثة:

لقد كان العرب لا يعلمون ولا يعرفون شيئاً من العلوم، ولم يعرفوا سوى البادية التي حولهم، ولذلك وصفت حياة العرب قبل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بـ(الجاهلية)، فكان لعروج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى السماء دخل أكيد في فتح آفاق الذهنية العربية على الكون وأسراره، فتحصل لديهم الرغبة في التعليم والمعرفة واستكشاف المجهولات التي اعتادوا عليها.

النقطة الرابعة:

كانت هذه الرحلة السماوية المسماة بـ(المعراج) حافزاً هامّاً للمسلمين لإدراك عظمة الخالق تبارك وتعالى، فيحملهم ذلك على نبذ الأوثان والتخلّص من الشرك؛ لأنّهم سيدركون بأنّ الله تبارك وتعالى هو الخالق لكلّ شيء، فيتوجّهون إلى معنى عظمته وسرّ قدرته، وحينئذٍ يقبلون على الإسلام عن رغبة فيه لا عن إكراه وإجبار، أو عدم قناعة.

وحينئذٍ نفهم بأنّ فائدة المعراج ترجع بالدرجة الأُولى للمسلمين؛ فالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) منكشف على عالم الملكوت، وهو على يقين من ربّه وعظمته، فلا يحتاج إلى المعراج ليؤمن أو يطمئن، فليس بشاكٍّ أصلاً، وليس حال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) هذا يختلف

١٥

عن حال سائر الأئمّة(عليهم السلام) فهم مثله في درجة اليقين ــ ولذا قال أمير المؤمنين(عليه السلام) : (لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً)(١).

ولكن لا تنحصر فائدة المعراج بازدياد اليقين حتّى يرد الإشكال، بل هناك آثار أُخرى: منها: تكوينية ترجع فائدتها إلى عالم الدنيا، مثل: انعقاد نطفة فاطمة من ثمار الجنّة مثلاً، وأُخرى: آثار ترجع إلى عالم الملكوت، مثل: صلاته بالأنبياء والملائكة، ومنها: الترقّي في الكمالات والقرب المعنوي من الله، ومنها: أسرار لا يعلمها إلّا الله ورسوله والأئمّة(عليهم السلام) .

(سنة الإسراء والمعراج)

« شيماء مجني ــ المغرب ــ سُنّية »

السؤال:

ما هي السنة التي وقع فيها المعراج والإسراء؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

يقول السيّد جعفر العاملي في كتابه: (الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم):

(إنّ المشهور هو: أنّ الإسراء والمعراج قد كان قبل الهجرة بمدّة وجيزة؛ فبعضهم قال: ستّة أشهر, وبعضهم قال: في السنة الثانية عشرة للبعثة, أو: في الحادية عشرة، أو: في العاشرة، وقيل: بعد الهجرة.

وفي مقابل ذلك نجد البعض يقول: إنّه كان في السنة الثانية من البعثة، وقيل:

١- مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب ١: ٣١٧، باب درجات أمير المؤمنين(عليه السلام) .

١٦

في الخامسة، وقيل: في الثالثة ــ وهو الأرجح عندنا ــ ولعلّ ابن عساكر يختار ما يقرب ممّا ذكرنا؛ حيث إنّه ذكر الإسراء في أوّل البعثة، كما ذكره عنه ابن كثير.

وقال مغلطاي، بعد أن ذكر بعض الأقوال: (وقيل: كان بعد النبوّة بخمسة أعوام, وقيل: بعام ونصف عام. وقال عياض: بعد مبعثه بخمسة عشر شهراً).

وقال ملا علي القاري: (وذكر النووي: أنّ معظم السلف, وجمهور المحدّثين والفقهاء على: أنّ الإسراء والمعراج كان بعد البعثة بستّة عشر شهراً).

وقال ابن شهر آشوب: (ثمّ فرضت الصلوات الخمس بعد إسرائه في السنة التاسعة من نبوّته). ولكنّه لم يبيّن لنا تاريخه باليوم والشهر.

وقال الديار بكري: (فأمّا سنة الإسراء؛ فقال الزهري: كان ذلك بعد المبعث بخمس سنين. حكاه القاضي عياض, ورجّحه القرطبي, والنووي. وقيل: قبل الهجرة بسنة.... إلخ).

الأدلّة على المختار:

وأمّا ما يدلّ على أنّ الإسراء قد كان في السنوات الأُولى من المبعث؛ فعدا عن الأقوال المتقدّمة, ولا سيّما ما ذكره الزهري والنووي, نشير إلى الأُمور التالية:

أوّلاً: ما روي عن ابن عبّاس أنّ ذلك كان بعد البعثة بسنتين، وابن عبّاس كان أقرب إلى زمن الرسول, وأعرف بسيرته من هؤلاء المؤرّخين, فإذا ثبت النصّ عنه، قُدّم على أقوال هؤلاء.

ولربّما لا يكون هذا مخالفاً لما تقدّم عن الزهري وغيره, إذا كان ابن عبّاس لا يحسب الثلاث سنوات الأُولى, على اعتبار: أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما أُمر بإنذار الناس بعدها.

١٧

ثانياً: قد ورد عن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) : أنّ الإسراء قد كان بعد ثلاث سنين من مبعثه. وهذا هو الأصحّ والمعتمد.

ثالثاً: ويدلّ على ذلك بشكل قاطع: ما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) ، وابن عبّاس, وسعد بن مالك, وسعد بن أبي وقّاص، وعمر بن الخطّاب، وعائشة, من أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعائشة، حينما عاتبته على كثرة تقبيله ابنته سيّدة النساء فاطمة(عليها السلام): (نعم يا عائشة, لمّا أُسري بي إلى السماء أدخلني جبرئيل الجنّة, فناولني منها تفاحة, فأكلتها, فصارت نطفة في صلبي, فلمّا نزلت واقعت خديجة, ففاطمة من تلك النطفة؛ ففاطمة حوراء إنسية, وكلّما اشتقت إلى الجنّة قبّلتها).

ومعلوم ممّا سبق: أنّ فاطمة قد ولدت بعد البعثة بخمس سنوات؛ فالإسراء والمعراج كانا قبل ذلك بأكثر من تسعة أشهر, ولعلّه قبل ذلك بسنتين حتّى أذن الله لتلك النطفة بالظهور, والاستقرار في موضعها.

رابعاً: إنّ سورة الإسراء قد نزلت في أوائل البعثة, ويدلّ على ذلك:

أــ ما رواه البخاري وغيره من أنّ قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾(١) قد نزل بمكّة, ورسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مختف، كان إذا صلّى بأصحابه رفع صوته بالقرآن؛ فإذا سمع المشركون سبّوا القرآن, ومن أنزله, ومن جاء به... الخ.

ومعلوم: أنّ اختفاء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في دار الأرقم إنّما كان في أوائل البعثة.

وأجاب المحقّق الروحاني على ذلك, بأنّ من الممكن أن يكون(صلى الله عليه وآله وسلم) حينئذ

١- الإسراء ١٧: ١١٠.

١٨

مختفياً في شِعب أبي طالب.

ولكن لنا أن نناقشه بأنّ شعب أبي طالب لم يكن محلّ اختفاء لهم, وإنّما كانوا محاصرين فيه, فالتعبير بالاختفاء يدلّ على أنّ ذلك قد كان في أوائل البعثة.

ووجود هجوم في سورة الإسراء على عقائد المشركين, لا يضر؛ إذا كانت السورة قد نزلت في أوائل البعثة.

ب ــ ما ذكره البعض في مقال له من أنّ سورة (الإسراء) قد نزلت بعد (الحجر) بثلاث سور، وسورة (الحجر) قد نزلت في المرحلة السرية.

وفيها جاء قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾(١) الأمر الذي تسبّب عنه الجهر بالدعوة وإظهارها.

وإيراد المحقّق الروحاني هنا بأنّ في السورة ما يدلّ على وجود الصدام بين النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والمشركين، وهذا الصدام إنّما حصل بعد الاختفاء في دار الأرقم, وبعد الإعلان بالدعوة.

يجاب عنه بما تقدّم: من أنّ من غير البعيد أن تكون هذه السورة قد نزلت تدريجاً؛ فبدأ نزولها في أوّل البعثة، ثمّ أُكملت في فترة التحدّي والمجابهة بين النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والمشركين.

ويدلّ على قِدم نزولها أيضاً: قول ابن مسعود عن سور الإسراء, والكهف, ومريم: (إنّهنّ من العتاق الأُول, وهنّ من تلادي).

وابن مسعود ممّن هاجر إلى الحبشة, ورجع منها والنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يتجهّز إلى بدر.

١- الحجر ١٥: ٩٤.

١٩

إلّا أن يقال: إنّ ابن مسعود إنّما هاجر إلى الحبشة بعد الطائف, أي: في الهجرة الثانية, لا في الأُولى؛ فلاحظ! فإنّ ذلك لا يلائم قوله: (إنّهنّ من العتاق الأُول).

خامساً: إنّ سورة النجم ــ التي يذكرون أنّها تذكر المعراج في آياتها ــ قد نزلت هي الأُخرى في أوائل البعثة؛ فإنّها نزلت بعد اثنين أو ثلاث وعشرين سورة, ونزل بعدها أربعة وستّون سورة في مكّة...

سادساً: ويؤيّد كون هذه القضية قد حصلت في أوائل البعثة: أنّه حين عُرج به(صلى الله عليه وآله وسلم) صار الملائكة يسألون: أوَ قد أُرسل إليه؟

فإنّ هذا يشير إلى أنّ ذلك إنّما كان في أوّل بعثته (صلى الله عليه وآله وسلم) لا بعد عشرة، أو اثنتي عشرة سنة, فإنّ أمره(صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد اشتهر في أهل السماوات حينئذ، بل يمكن أن يكون قد اشتهر ذلك منذ الأيّام الأُولى من البعثة.

سابعاً: ما يدلّ على أنّ الإسراء قد كان قبل وفاة أبي طالب: فإنّ بعض الروايات تذكر أنّ أبا طالب(رحمه الله) قد افتقده ليلة, فلم يزل يطلبه حتّى وجده, فذهب إلى المسجد, ومعه الهاشميون, فسلّ سيفه عند الحجر, وأمر الهاشميين بإظهار السيوف التي معهم, ثمّ التفت إلى قريش, وقال: لو لم أره ما بقي منكم عين تطرف. فقالت قريش: لقد ركبت منّا عظيماً.

ثامناً: ما روي من أنّ جبرئيل قال للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) حين رجوعه: حاجتي أن تقرأ على خديجة من الله ومنّي السلام.

تاسعاً: وعن عمر: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ثمّ رجعت إلى خديجة, وما تحولّت عن جانبها.

٢٠