×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 5) / الصفحات: ٤٤١ - ٤٦٠

يقول أبو شامة نقلاً عن ابن الأثير: (وكان نور الدين قد شرع بتجهيز السير إلى مصر لأخذها من صلاح الدين؛ لأنّه رأى منه فتوراً في غزو الفرنج من ناحيته، فأرسل إلى الموصل وديار الجزيرة وديار بكر، يطلب العساكر ليتركها بالشام لمنعه من الصليبيين، ليسير هو بعساكره إلى مصر، وكان المانع لصلاح الدين من الغزو: الخوف من نور الدين؛ فإنّه كان يعتقد أنّ نور الدين متى زال عن طريقه الفرنج، أخذ البلاد منه، فكان يحتمي بهم عليه ولا يؤثر استئصالهم)(١).

وياليت الله مدّ في عمر نور الدين ريثما يزيل هذا الجاحد للنعمة، المتخاذل عن النصرة، فيتغير بذلك وجه التاريخ، ولا يبقى للصليبيين أثر في البلاد الإسلامية، ولكنّ نور الدين أتاه أمر الله الذي لا يرد، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، ولتكون أمام صلاح الدين الفرصة ليعيد هذا الموقف نفسه مرّة ثانية مع الخليفة الناصر العبّاسي، (ولتنكب الأمّة نكبة أُخرى بتمزيق صفوفها، وتوريث بلادها كما تورث القرى والمزارع لورثة صلاح الدين، فتعاد القدس التي سفكت دماء المسلمين في سبيل استردادها، تعاد بسبب ترتيبات صلاح الدين إلى الصليبيين)(٢).

(هنا أيضاً وقف صلاح الدين الموقف نفسه من الخليفة الناصر، فرفض قدوم جيش الخلافة لقتال الصليبيين والقضاء عليهم؛ لأنّه اعتقد أنّه سيصبح والياً من ولاة الخليفة تابعاً له)(٣).

١- الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية ١: ٢٢٨ لعبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي، المعروف بـ(أبي شامة). وذكر مثله ابن الأثير وابن النديم وسواهما من المؤرّخين.

٢- صلاح الدين الأيّوبي بين العبّاسيين والفاطميين والصليبيين، لحسـن الأمين: ١٥٨ ــ ١٥٩.

٣- صلاح الدين الأيّوبي بين العبّاسيين والفاطميين والصليبيين: ١١٨.

٤٤١

وأمام الرسالة الأخيرة التي أرسلها الخليفة الناصر، والتي لم يفصح العماد الأصفهاني عن شيء من مضمونها، والتي استشعر صلاح الدين الشدّة فيها، والإصرار على إرسال جيش قوي لطرد الصليبيين، قرّر صلاح الدين في نفسه التمرّد على الخليفة، إلى حدّ قتال جيشه لو جاء إلى فلسطين.

ولذلك فقد راح يهيئ وسائل المقاومة ويرتب المحالفات، وخاصّة بعدما جاءت الأخبار بقدوم حملة صليبية ألمانية كبيرة، اجتازت القسطنطينية وشقّت طريقها في الأناضول، ودخلت مدينة قونيه وتحالفت مع الملك السلجوقي قلج أرسلان.

فمن جهة حاول صلاح الدين أن يلين للخليفة الناصر، ويطمئنه على قدرته على القيام وحده بواجب صدّ هذه الحملة وردّها على أعقابها، فأوفد رسولاً إليه، وزوّده برسالة يقول فيها: (والخادم منفرد في عبء هذا الفادح الباهظ بالنهوض، وهو واثق بأنّ بركات الدار العزيزة تدركه ولا تتركه، وأنّ الذي يستبعد مـن النصر القريب يتّسق ويتّسع بـه سلكه ومسلكه إن شـاء الله)(١).

ومن جهة ثانية، كان يوقّع معاهدة الصلح والسلام مع الصليبيين، وينزل عند شروطهم، ويتنازل لهم عمّا كان في يده وتحت سلطانه من مدن فلسطين وغير فلسطين، ويتحالف معهم لقتال جيش الخليفة إن هو جاء إلى فلسطين.

فما أن تمّ له إنجاز هذا التحالف واستكمال متطلباته، حتّى كتب إلى الخليفة معلناً رفض أمراء جيشه مواصلة القتال، وبالتالي تململهم من قدوم جيش الخليفة؛ لأنّ العسكر قد أنهكتهم الحرب حتّى سئموا وملّوا وضجروا وكلّوا(٢).

١- انظر: نص الرسالة في كتاب العماد الأصفهاني المتقدّم ذكره.

٢- للوقوف على تفاصيل مفاوضات صلاح الدين مع الصليبيين وصولاً إلى عقد الهدنة وإحلال السلام بينهما، ورسائل صلاح الدين إلى الخليفة الناصر يمكن الـرجوع إلى كتاب: (الفتح القسّي في الفتح القدسي: ٣١٦) لعماد الدين الأصفهاني.

٤٤٢

على أنّ صلاح الدين الذي أبرم هذا الصلح مع الصليبيين أعداء الأمّة الإسلامية، ورسم هذه الصورة الهزيلة لجيشه، زاعماً في رسالته للخليفة أنّ جيشه قد ملّ القتال وسئم الحرب، وغدا عاجزاً ضعيفاً عن مواصلة الكرّ والفرّ، كان يعدّ لحرب جديدة، ولكن لا لإنقاذ الوطن الإسلامي مـن خطر الصليبيين هذه المرّة، وإنّما لتوسيع رقعة مملكته الخاصّة على حساب ممالك إسلامية أُخرى؛ (لأنّ إنقاذ الوطن الإسلامي من الصليبيين يحدّ من نفوذه ويقلّل من هيمنته، أمّا القتال في مناطق أُخرى، فإنّه يزيد من نفوذه ويكثر من هيمنته، فإذا ضمن ذلك فليبق الصليبيون في بلاد الشام، ولو أنّ المناطق التي عزم على القتال فيها، هي مناطق أجنبية يريد إدخالها ضمن المناطق الإسلامية لهان الأمر، ولكنّ صلاح الدين الذي عزم على مسالمة الصليبيين وإنهاء الحرب معهم والتسليم بوجودهم، صلاح الدين هذا كان يخطّط لغزو البلاد الإسلامية، وسفك دماء المسلمين، تحقيقاً لمطامعه الشخصية، عزم على ترك الصليبيين في أمان، واتّجه لترويع المسلمين الآمنين)(١).

ويذكر ابن الأثير في (تاريخه)، وابن كثير في (البداية والنهاية)، أنّ صلاح الدين كان عازماً على أن يغزو بنفسه بلاد الأناضول، التي كانت وقتذاك بلاداً إسلامية، يحكمها أولاد قلج أرسلان السلجوقي، وأن يوجّه أخاه (العادل) لغزو

١- صلاح الدين الأيّوبي بين العبّاسيين والفاطميين والصليبيين، لحسـن الأمين: ١٢٢ ــ ١٢٣.

٤٤٣

بلاد (خلاّط) والدخول منها إلى أذربيجان، ومن ثمّ بلاد العجم، لكنّ المنيّة عاجلت صلاح الدين، وحالت بينه وبين الإقدام على جريمة أُخرى من جرائمه الكثيرة في حقّ الإسلام والمسلمين، كما حالت من قبل بين نور الدين زنكي وبين السير إلى مصر؛ لإنزال عقوبة الموت بصلاح الدين الذي نكل بوعده ونكص عن التوجه لقتال الصليبيين، حسب الخطة التي رسمها لـه نور الدين زنكي، وليُّ نعمته وصاحب الفضل الذي لا ينكر عليه.

ما الذي فعله صلاح الدين؟

وقبل أن نصل إلى ختام هذا البحث، نسأل أنفسنا والتاريخ هذا السؤال المهم عمّا فعله حقّاً صلاح الدين، ونستنطق التاريخ فنجده يقول بكلّ صراحة:

١ــ قضى صلاح الدين على الدولة الفاطمية في مصر، وأباد المكتبات العظيمة التي أنشاؤوها، وشتّت الكتب التي سهروا طويلاً على جمعها وترتيبها، ووضعوها بين أيدي العلماء، لينهلوا من معينها الفياض، ونكّل بأتباعهم وأشياعهم بكلّ قسوة ووحشية.

هذه الدولة العظيمة، التي كانت طوال فترة حكمها، السدّ المنيع أمام أطماع الروم البيزنطيين، والحارس القوّي اليقظ على ثغور دولة الإسلام، سواء في الشام بالمشرق، أو في إفريقيا بالمغرب، متابعة في ذلك الدور العظيم، الذي كانت تقوم به قبلها الدولة الحمدانية في حلب، بقيادة سيف الدولة الحمداني، والتي قضى عليها هي الأُخرى أسياد صلاح الدين وآباؤه.

لقد كانت الدولة الفاطمية في صراع دائم وثابت مع الروم البيزنطيين، ورغم كلّ الحشود الضخمة، والجهود الحثيثة، والإصرار من قبل البيزنطيين

٤٤٤

للوصول إلى القدس، فإنّ الفاطميين استطاعوا بصمودهم وشجاعتهم صدّ هؤلاء عن القدس، بل عن كلّ البلاد الإسلامية في المشرق والمغرب على السواء، وظلت الضربات الفاطمية تلاحقهم حتّى ردتهم إلى أنطاكية، ولمّا حاق الفشل الذريع بالإمبراطور البيزنطي، عاد آيباً إلى القسطنطينية، حيث مات فيها مقهوراً في أوائل سنة ٩٧١م(١).

٢ــ اكتفى صلاح الدين بالنصر الذي حقّقه في معركة حطين، والتي انتهت بانتزاع القدس من أيدي الصليبيين، وبدلاً من متابعة الحرب، واضعاً يده في يد الخليفة الناصر العبّاسي حتّى طرد الصليبيين من كافة الأرجاء والمدن الإسلامية، آثر مصلحته الشخصية في بسط نفوذه على بلاد الشام، وتمكين ملكه فيها، بعيداً عن نفوذ الخليفة، أو تدخّله في شؤون تصريفه لأُمور مملكته هذه.

ولتحقيق هذه الغاية بادر إلى مسالمة الصليبيين وموادعتهم، بل إلى التحالف معهم لقتال جيش الخلافة لو جاء إلى فلسطين، هذه المسالمة التي تنازل صلاح الدين مـن أجل الوصول إليها، عن معظم مدن فلسطين ولبنان للصليبيين، واعترف لهم بشرعية وجودهم فيها خلافاً لتعاليم الإسلام ورغبة المسلمين، بما فيهم الخليفة الناصر العبّاسي.

٣ــ في عام ١١٩٠م أصدر صلاح الدين مرسوماً دعا فيه اليهود إلى

١- للوقوف على تفاصيل هذه الحروب التي انتهت بهزيمة البيزنطيين، يمكن العودة إلى كتاب (المعزّ لدين الله) للأُستاذين: الدكتور حسن إبراهيم حسن والدكتور طه أحمد شرف، وكتاب (المجالس والمسايرات) للنعمان بن محمّد، وكتاب (خطط الشام) للمقريزي، وكتاب ابن القلانسي (ذيل تاريخ دمشق).

٤٤٥

الاستيطان في القدس، وكان الصليبيون أثناء فترة احتلالهم للمدينة قد حظروا على اليهود الإقامة فيها، وحين زار الحاخام اليهودي (يهوذا بن سليمان الحريزي) القدس عام ١٢١٦م، وجد فيها جماعة يهودية معتبرة، مكوّنة من مهاجرين من فرنسا والمغرب وسكان عسقلان السابقين(١).

وترد الموسوعة اليهودية إصدار ذلك المرسوم إلى نفوذ اليهودي موسى بن ميمون طبيب صلاح الدين، فتقول بشكل صريح وواضح كلّ الوضوح: (استخدم ابن ميمون نفوذه في بلاط صلاح الدين لحماية يهود مصر، ولمّا فتح صلاح الدين فلسطين أقنعه ابن ميمون بأن يسمح لليهود بالإقامة فيها من جديد وابتناء كُنُسٍ ومدارس)(٢).

ويشير الدكتور جورج طرابيشي إلى هذا النفوذ بقوله: (بعد أن فتح صلاح الدين القدس، استحصل ابن ميمون لأبناء ملّته على إذن في التوطّن فيها وفي فلسطين بصفة عامّة)(٣).

وبهذا المرسوم انفتح الطريق منذ ذلك اليوم لقيام دولة إسرائيل، وما وصلت إليه في عصرنا الحاضر من طغيان وفساد في الأرض.

٤ــ قبل أن يموت صلاح الدين، قام بتقسيم البلاد التي كان يحكمها بين ورثته على الشكل الذي يحدّده ابن كثير، كما يلي:

١- انظر الموسوعة اليهودية ١٤: ٦٦٩ التي افتتحت هذا الكلام بقولها: (كان موقف صلاح الدين من اليهود والمسيحيين شديد التسامح).

٢- .Zeitlin, Mimonades: ١٧٨.

٣- الدكتور الطرابيشي: (معجم الفلاسفة): ٣٢.

٤٤٦

ــ (مصر): لولده (العزيز عماد الدين أبي الفتح).

ــ (دمشق وما حولها) لولده (الأفضل نور الدين علي).

ــ (حلب وما إليها) لولده (الظاهر غازي غياث الدين).

ــ (الكرك والشوبك وبلاد جعبر وبلدان كثيرة على قاطع الفرات) لأخيه (العادل).

ــ (حماه ومعاملة أُخرى معها) لابن أخيه (الملك المنصور محمّد بن تقي الدين عمر).

ــ (حمص والرحبة وغيرها) لابن عمّه (أسد الدين بن شيركوه).

ــ (اليمن) جميعه بمعاقله ومخاليفه لأخيه (ظهير الدين سيف الإسلام طفتكين بن أيوب).

ــ (بعلبك وأعمالها) لابن أخيه (الأمجد بهرام شاه بن فروخ شاه).

ــ (بصرى وأعمالها) لـ (الظافر بن الناصر).

ويضيف ابن كثير بعد هذا النص قائلاً: (ثمّ شرعت الأُمور بعد صلاح الدين تضطرب وتختلف في جميع الممالك)(١).

ويقول الدكتور حسين مؤنس واصفاً تلك القسمة: (قسّم صلاح الدين الإمبراطورية ممالك بين أولاده وإخوته وأبناء أخويه، كأنّها ضيعة يملكها، لا وطناً عربياً إسلامياً ضخماً يملكه مواطنوه!)(٢).

ثمّ يقول عمّا آل إليه الحال بين ورثة صلاح الدين: (عملوا أثناء تنافسهم بعضهم مع بعض، على منح (بقايا الصليبيين) في أنطاكية وطرابلس وعكا

١- صلاح الدين الأيّوبي بين العبّاسيين والفاطميين والصليبيين، لحسـن الأمين: ١٣٠.

٢- صلاح الدين الأيّوبي بين العبّاسيين والفاطميين والصليبيين: ١٣٠ ــ ١٣١.

٤٤٧

امتيازات جديدة، فتنازل لهم السلطان (العادل) عن الناصرة..

وكانت بقيّة من أهل مملكة بيت المقدس الزائلة قد أقامت في عكا، واستمسكت بلقب (ملوك بيت المقدس)، فاعترف لهم به هذا (العادل) في ثلاث معاهدات.. وحاول الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين صاحب حلب، أن يتحالف مع الصليبيين على عمّه (العادل)..

وعندما أقبل الإمبراطور فريدريك الثاني يقود الحملة الصليبية السادسة ونزل عكا سنة ١٢٢٧م، أسرع الملك (الكامل) سلطان مصر وتنازل له عن بيت المقدس وجزء من أرض فلسطين يمتد من الساحل إلى البلد المقدّس، ووقّع معاهدة بذلك في ١٨ شباط ١٢٢٩م..

وفي سنة ١٢٤٤م تقدّم أيّوبي آخر، هو الصالح إسماعيل صاحب دمشق، فجعل للصليبيين الملكية الكاملة لبيت المقدس، وسلّم لهم قبّة الصخرة)(١).

ويعقّب السيّد الأمين على ذلك فيقول: (لم يكد صلاح الدين يموت، حتّى استقل كلّ واحد من ورثته بما ورثه عن صلاح الدين، وتمزّقت البلاد وفقدت وحدتها، وتشتّت الشعب قطعاً قطعاً لا تربطها رابطة، ولم يقنع كلّ وارث بما ورثه، بل راح كلّ واحد منهم يطمع في ما في يد غيره، ويستعين على غريمه بالصليبيين؛ ففي سنة ٦٣٨هـ سلم الصالح إسماعيل صاحب دمشق للصليبيين صيدا، وهونين، وتبنين، والشقيف، ليساعدوه على ابن أخيه الصالح أيوب صاحب مصر.. وفي سنة ٦٢٥هـ شباط ١٢٢٩م سلّم الكامل والأشرف ولدا العادل ــ أخي صلاح الدين ــ القدس وما حولها، للملك الصليبي فريدريك الثاني، وسلّماه

١- صلاح الدين الأيّوبي بين العبّاسيين والفاطميين والصليبيين: ١٣٠ ــ ١٣١.

٤٤٨

معها الناصرة، وبيت لحم، وطريقاً يصل القدس وعكا، ليساعدهما على أقربائهما.. ويصف ابن الأثير وقع هذه الرزية على العالم الإسلامي بقوله: واستعظم المسلمون ذلك وأكبروه، ووجدوا له من الوهن والتألّم ما لا يمكن وصفه)(١).

فماذا بقي لصلاح الدين هذا ممّا يمكن أن يتفاخر به مؤيدوه بتحرير القدس، وقد أدت تصرفاته الرعناء ومطامعه الشخصية، إلى أن يعود الصليبيون إلى القدس؟!

إنّ هذه الحقائق عن مخازي صلاح الدين الأيّوبي، لم ينفرد بها السيّد الأمين ولم يخترعها من عند نفسه، وإنّما انتزعها من بطون كتب التاريخ، وخاصّة من المؤرّخين الذين عاصروا صلاح الدين، والفترة التي تلت عصره، وكانوا من المقرّبين إليه والأثيرين عنده، وقام مشكوراً بجهد كبير ليكشف لنا هذه الحقائق الناصعة، مأخوذة من مؤرّخين لا يرقى الشكّ إلى ولائهم لصلاح الدين، وبالتالي إلى صدق ما كتبوه عنه وعن ورثته، من مثل: العماد الأصفهاني، والقاضي بهاء الدين بن شداد، وابن الأثير، وابن كثير، والنعمان بن محمّد، والمقريزي، وابن القلانسي، ومن إليهم، ونقله عنهم بعد ذلك جمع كثير من المؤرّخين المعاصرين، منهم: الدكتور حسن إبراهيم حسن، والدكتور طه أحمد شرف، والدكتور حسين مؤنس، وسواهم.

ختام البحث:

هذا هو صلاح الدين الأيّوبي، وهذه هي شخصيته الحقيقية كما أفصح عنها التاريخ، لم يكن مجاهداً إسلامياً، ولا بطلاً قومياً عربياً، وإنّما كان مجرّد طالبٍ لسلطة،

١- صلاح الدين الأيّوبي بين العبّاسيين والفاطميين والصليبيين: ١٣١ ــ ١٣٢.

٤٤٩

وطامع بملك، وقد نالهما عبر مراحل طويلة من خداعه للمسلمين والعرب، فباسم الجهاد سالم الصليبيين، بل وتحالف معهم، وباسم الجهاد قاتل شعوباً إسلامية، وقضى على دول إسلامية في مصر واليمن وسواهما، وكان قاسياً جدّاً لدرجة الوحشية مع المسلمين الذين يحكمهم، ومتسامحاً لدرجة مريبة جدّاً مع اليهود والصليبيين.

ولا بأس أن ننقل في هذا الختام حديث الدكتور حسين مؤنس عن سيرة صلاح الدين مع الشعب، والمعاملة السيئة والقاسية التي كان هو وعمّاله يعاملون بها الناس: (كانت مشاريعه ومطالبه متعدّدة لا تنتهي، فكانت حاجته للمال لا تنتهي، وكان عمّاله من أقسى خلق الله على الناس؛ ما مرّ ببلده تاجرٌ إلّا قصم الجُباةُ ظهره، وما بدت لأي إنسان علامة من علامات اليسار إلّا أُنذر بعذاب من رجال السلطان. وكان الفلاّحون والضعفاء معه في جهد؛ ما أينعت في حقولهم ثمرة إلّا تلقّفها الجُباةُ، ولا بدت سنبلة قمح إلّا استقرّت في خزائن السلطان، حتّى أملق الناس في أيامـه، وخلّفهم على أبواب محن ومجاعات حصدت الناس حصداً)(١).

هذا هو صلاح الدين الأيّوبي على حقيقته الكاملة، ولكنّ الناس خدّرتهم أنباء الفتوحات المزيفة والبطولات الموهومة، فلم يعودوا يميّزون بين الغث والسمين، ولا بين الصدف والجوهر، وكلّ هذا بفضل التعتيم المستمر على حوادث التاريخ، والتزوير المخطّط من قبل حواشي السلاطين.

أضف إلى ذلك: أنّ الناس عندما يهبطون إلى درك من الضعف والعجز، يحاولون أن يفتّشوا عن بطولات لهم في التاريخ، وعندما لا يجد هؤلاء لهم

١- مجلة (الثقافة) العدد ٤٦٢، انظر: صلاح الدين الأيّوبي بين العبّاسيين والفاطميين والصليبيين: ١٦٤.

٤٥٠

أبطالاً حقيقيين، لا يضيرهم أن يستظلّوا تحت سقف أبطال مزيّفين، ولا يكتفون بذلك بل يجعلون منهم أبطالاً أُسطوريّين، يقاتلون طواحين الهواء باسمهم وتحت راياتهم، ولله في خلقه شؤون، والحمد لله رب العالمين.

تعليق:

« أحمد ناجي ــ النرويج ــ إمامي »

عرضت بحث الأخ إبراهيم محمّد جواد على أحد العامّة فردّ علَيَّ بالمشاركة التالية، وأرجو من مركز الأبحاث العقائديّة الردّ عليها:

(أوّلاً: أنت تخلط يا هذا بين عدّة أُمور مختلفة؛ تتحدّث عن صلاح الدين، ثمّ عن أحفاده وآل بيته بعده لا يستوون مثلاً.

ثانياً: أنت حاقد على صلاح الدين؛ لأنّك لم تستسغ أن يقوم بإسقاط الدولة الفاطمية الإسماعيلية، فأنت تنقم عليه لهذا السبب وليس لغيره.

أمّا حكاية غيرتك على مقاتلة الصليبيين، فأنتم لا تقرّون بمبدأ الجهاد إلّا بوجود الإمام المعصوم، فكيف أخذتك الحميّة على الجهاد وقتال الصليبيين وتحرير بيت المقدس، وأنتم تلعنون فاتح القدس، ألا وهو عمر بن الخطّاب؟!

قولك: إنّ صلاح الدين رفض مساعدة نور الدين في قتال الصليبيين، هذا مردود عليه، بل المعلوم أنّ صلاح الدين جهّز جيشه للقاء نور الدين من أجل مهاجمة الصليبيين، ولكن بمجرد خروجه من مصر ثار بقايا الفاطميين في صعيد مصر وقاموا بأعمال التخريب، وأرادوا بمساعدة الصليبيين استعادة الحكم تحت قيادة رجل يدعى: كنز الدولة، فاضطر صلاح الدين إلى العودة وكتب إلى نور

٤٥١
موسوعة الأسئلة العقائدية (ج ٥) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ٤٥١ - ص ٤٨٠)

الدين بذلك.

ثمّ أنت تعلم أنّه بموت نور الدين اضطرب أمر الشام، وتفرّق بين أُسرة نور الدين في الموصل وحلب ودمشق، فاستدعى أهل دمشق صلاح الدين، فلبّى دعوتهم، وعلى رأسهم كمال الدين الشهرزوري، قاضي دمشق زمن نور الدين، ثمّ استوى على حلب؛ لأنّ أمراءها كاتبوا الصليبيين لمقاتلة صلاح الدين، وفي الأخير بعد موت أمير الموصل سيف الدين غازي وتولّي عز الدين مسعود تصالح هذا الأخير مع صلاح الدين وتواعدا على قتال الفرنجة.

فلو كان صلاح الدين كما قلت يسعى للملك، فقد صار بيده مصر واليمن والشام، ولم يكن لغيره من سلاطين المسلمين مثل ذلك الملك، فقد كان يكتفي بذلك ويهادن الصليبيين، ولكنّه ما أن وحّد البلاد حتّى دعا الناس إلى الجهاد، فهزم الصليبيين في أهمّ معركة لا تزال إلى اليوم لاصقة بأذهانهم وهي معركة حطّين الخالدة، والدليل على ذلك أنّ الجنرال الفرنسي غورو الذي غزا سوريا بعد الحرب العالمية الأُولى عندما دخل إلى دمشق، أوّل ما دخل أتى قبر صلاح الدين فقال: (قم يا صلاح الدين فها نحن قد عدنا).

ثمّ لا تنسى أنّ صلاح الدين لم يحرّر القدس فقط، بل حرّر معها ما بين ستّين حصناً ومدينة، وأهمّها عكا، وبيروت، وصيدا، وعسقلان، وجنين، ونابلس، والكرك، والشوبك، وحيفا، وغيرها، فمنذ سنة ٥٨٣هـ إلى سنة ٥٨٧هـ كان صلاح الدين في معارك دائمة مع الفرنجة، حتّى مقدم الحملة الثالثة بقيادة ريتشارد ملك الانجليز، وفيليب ملك فرنسا، وفريدريك ملك المانيا، وغيرهم من الملوك.

أمّا قولك: إنّ الخليفة العبّاسي الناصر كان أرسل الجيوش لدعم صلاح

٤٥٢

الدين فرفض صلاح الدين ذلك، فالعكس هو الذي حصل، بل أنّه بمجيء الحملة الصليبية الثالثة بقيادة ريتشارد وفيليب استنجد صلاح الدين بكلّ سلاطين المسلمين، من الخليفة الناصر إلى سلطان الموحّدين ببلاد المغرب، وبعث إليهم بالرسل، فمنهم من أجابه، ومنهم من رفض، فالناصر أرسل بعض النفاطين ومعهم الأموال، أمّا سلطان الموحّدين يعقوب المنصور فقد كان هو الآخر في حرب دائمة مع الصلبيين ببلاد الأندلس فلم يكن بإمكانه...).

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّ تقييمنا للأشخاص يكون وفقاً للعقيدة التي يحملها والعمل الذي يترتّب على تلك العقيدة؛ فلمّا كان صلاح الدين الأيّوبي ذو عقيدة فاسدة ونجم عنها أفعالاً مخالفة للشريعة، من قتل وظلم للطائفة المحقّة، فما يستحقّه من الوصف هو: كونه ظالماً من الظالمين، حتّى لو فتحت على يديه جميع بقاع الأرض, فالتقييم للأشخاص لا يأتي من خلال الفعل الخارجي لهم، خاصّة لو كان ذلك بنيّة سيئة، مع ظلم واضطهاد وطغيان، بل يكون من خلال مقدار ما يكون ذلك الشخص مرضياً عند الله سبحانه، وبمقدار رضى الله عن أفعاله، ولم يكن صلاح الدين أحسن حالاً في فتوحاته من بعض الخلفاء السابقين عليه، ومع ذلك فإنّ تلك الفتوحات لم تغيّر حال أولئك من كونهم ظالمين غاصبين غير مرضيين عنده سبحانه وتعالى.

ونحن لا نريد الدخول في التفاصيل؛ فإنّ أيّاً منها لو كان صحيحاً فإنّه لا يغيّر حال الرجل من كونه ذا عقيدة فاسدة، وذا أفعال غير مرضية عنده سبحانه وتعالى.

وهناك بعض الملاحظات على ما قاله هذا الشخص:

٤٥٣

١ــ إنّ قتال الصليبيين يدخل في مبدأ الدفاع عن بيضة الإسلام، لا في الجهاد الابتدائي الذي يحتاج إلى إذن المعصوم.

٢ــ وأمّا أنّ عمر بن الخطّاب فاتح القدس، فإنّه لم يفتحها، بل صالح أهلها وأقرّهم على ما هم عليه، وما يعبدون، وما يملكون، مع أنّه كان بالإمكان فتحها بدون هذا التنازل(١).

٣ــ أمّا أنّ صلاح الدين عاد إلى مصر، لأنّ بقايا الفاطميين ثاروا عليه، فهذه ذريعة ساقها صلاح الدين للتخلّص من مساعدة نور الدين، وهو معروف بنقض العهد، والغدر مع المسلمين، خاصّة الفاطميّين بعد أن دخل مصر، فبحجّة المساعدة غدر بهم وقضى عليهم، مع أنّ المنقول عنه أنّه كان بغاية المسامحة مع ملوك الصليبيين، خاصّة ريشارد قلب الأسد.

٤ــ وأمّا اضطراب بلاد الشام، فهي ذريعة أيضاً؛ لأنّ بلاد الشام من البداية كانت على شكل إمارات، ولكن شعور صلاح الدين بقوّته وطمعه بالملك أدّى به إلى الاستيلاء على الشام وترك الصليبيين، بل والصلح معهم.

٥ــ وأمّا أنّه انتصر في حطّين فهو صحيح، ولكنّه ماذا فعل بعد ذلك؟ فإنّه قد صالح الصليبيين وأعطاهم من المكاسب التي فقدوها واستردّها المسلمون بدمائهم بقدر ما كان سابقاً، بل أعطاهم الشرعية لهم في البقاء في البقاع التي احتلّوها.

٦ــ وأمّا أنّ صلاح الدين كان يرفض مجيء جيوش الناصر فهو شيء معروف عنه، فإنّه كان من جهة يدّعي اتّباعه للعبّاسيين، ومن جهة ثانية يمنع أي

١- انظر: تاريخ الطبري ٣: ١٠٣ أحداث سنة ١٥ للهجرة.

٤٥٤

أمر يمكن أن يؤثّر على استقلاله بالحكم وملك مصر.

٧ــ وأخيراً... إنّ الأخ الأُستاذ إبراهيم محمّد جواد قد وثّق ما قاله بالمصادر، وأمّا هذا المدافع عن صلاح الدين فاكتفى فقط بالدعاوى.. فياليته يناقش حسب المنهج العلمي، لا بالهوى والعصبية!

(طه حسين)

« بهاء الدين ــ العراق ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

طه حسين: ولادته ونشأته؟ رأيه في أهل البيت(عليهم السلام) ؟ رأيه في الشيعة والتشيّع؟ رأيه في الصحابة؟ إسلامه وأفكاره...؟

ولكم الأجر والثواب.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ولد الدكتور طه حسين في قرية (الكيلو) من محافظة المنيا في صعيد مصر عام (١٣٠٧هـ ــ ١٨٨٣م)، وهو الولد السابع من ثلاثة عشر ولداً لموظّف في شركة السكّر الوطنية، اسمه: (حسين علي)، أُصيب بالجدري في الثالثة من عمره، وفقد بصره على أثرها.

درس في الأزهر من سنة (١٩٠٢م) حتّى سنة (١٩٠٨م)، وحصل على الدكتوراه في الأدب والبلاغة سنة (١٩١٤م) من الجامعة المصرية القديمة.

٤٥٥

سافر إلى فرنسا وتخرّج من السوربون سنة (١٩١٨م)، ثمّ عاد إلى مصر وعُيّن محاضراً في جامعة القاهرة، وفي سنة (١٩٢٨م) عُيّن عميداً في جامعة القاهرة، وفي سنة (١٩٥٠م) أصبح وزيراً للمعارف.

توفّي في القاهرة سنة (١٩٧٣م)(١).

عمل أُستاذاً في كلّية اللغة العربية بجامعة الأزهر، وله عدّة مؤلّفات.

وهو كاتب علماني، اتّبع مناهج المستشرقين في كتاباته، وكان من دعاة التقريب وهواة الوحدة بين الطوائف الإسلامية.

وله آراء في ما يتعلّق بواقعة (السقيفة) وواقعة (الجمل) وغيرها..

فمثلاً: انتهى إلى أنّ ابن سبأ شخصية وهمية خلقها خصوم الشيعة، ودعم رأيه بأمور، منها: أنّ كلّ المؤرّخين الثقات لم يشيروا إلى قصّة عبد الله بن سبأ، ولم يذكروا عنها شيئاً، وأنّ المصدر الوحيد عنه هو: سيف بن عمر، وهو رجل معلوم الكذب ومقطوع بأنّه وضّاع... (٢).

ومن آرائه: أنّ القدماء قد أكبروا الشيخين أبا بكر وعمر إكباراً يوشك أن يكون تقديساً لهما، ثمّ أرسلوا أنفسهم على سجيّتها في مدحهما والثناء عليهما...(٣).

ومن أقواله: (وأنكر المنكرون على عثمان خصلة أُخرى ما نعرف أنّ العذر يمكن أن يقوم له فيها، ذلك أنّه ردّ عمه الحكم بن أبي العاص وأهله إلى المدينة وكان النبيّ قد أخرجهم منها إخراجاً عنيفاً)(٤).

١- انظر: الأعلام، للزركلي ٣: ٢٣١ طه حسين.

٢- الفتنة الكبرى: ١٣٢، المجموعة الكاملة، الخلفاء الراشدون عليّ وبنوه ٤: ٥١٨.

٣- المجموعة الكاملة، الخلفاء الراشدون عليّ وبنوه ٤: ٥١٨.

٤- الفتنة الكبرى: ١٨٤.

٤٥٦

وقال عن عمرو بن العاص: (يكره بيعة عليّ لأنّه لا ينتظر من هذه البيعة منفعة أو ولاية أو مشاركة في الحكم..

ــ إلى أن قال ـ ـ: ويذهب عبد الله (ابن عمرو بن العاص) في ذلك إلى أنّ أباه قد باع دينه بثمن قليل)(١).

وقال في الصحابة: (وإذا دفع أصحاب النبيّ أنفسهم إلى هذا الخلاف وتراموا بالكبائر وقاتل بعضهم بعضاً في سبيل ذلك، فما ينبغي أن يكون رأينا فيهم أحسن من رأيهم هم في أنفسهم)(٢).

وقال ناقداً خصوم الشيعة: (فلا يكتفون منهم بما يسمعون عنهم، أو بما يرون من سيرتهم، وإنّما يضيفون إليهم أكثر ممّا قالوا، وأكثر ممّا فعلوا، ثمّ لا يكتفون بذلك، وإنّما يحمّلون هذا كلّه على عليّ نفسه وعلى معاصريه).

وقال أيضاً: (وخصومهم واقفون لهم بالمرصاد، يحصون عليهم كلّ ما يقولون وما يفعلون، ويضيفون إليهم أكثر ممّا قالوا وما فعلوا، ويحملون عليهم الأعاجيب من الأقوال والأفعال، ثمّ يتقدّم الزمان وتكثر المقالات ويذهب أصحاب المقالات في الجدال كلّ مذهب، فيزداد الأمر تعقيداً وإشكالاً)(٣).

لكن لم تمنعه مثل هذه الآراء من وصم الشيعة ببعض الأكاذيب!

فقال في كتابه (ذكرى أبي العلاء): (التناسخ معروف عند العرب منذ أواخر القرن الأوّل، والشيعة تدين به وببعض المذاهب التي تقترب منه، كالحلول

١- المجموعة الكاملة، الخلفاء الراشدون عليّ وبنوه ٤: ٤٩٠.

٢- الفتنة الكبرى: ١٧٢.

٣- المجموعة الكاملة، الخلفاء الراشدون عليّ وبنوه ٤: ٥٩٩، ٦٠١.

٤٥٧

والرجعة، وليس بين أهل الأدب من يجهل ما كان من سخافات الحميري، وكثير من ذلك)(١).

وليت شعري! في أيّ كتاب من كتب الشيعة وجد ذلك؟! ولكن قد يعتذر عنه معتذر بأنّ كتابه (ذكرى أبي العلاء) كان من أوّل كتبه؛ إذ نال به درجة الدكتوراه، ولم يكن حينذاك قد ترسّخت أقدامه في تحقيق التراث والاطّلاع على عقائد الشيعة.

ومع ما ادّعاه في بداية كتابه (الفتنة الكبرى) من دعاوى عريضة في الإنصاف والحيادية والموضوعية وتقصّي الحقّ وتحرّي الصواب، لم يستطع أن يقرّ بأنّ الحقّ كان في جانب من ثاروا على عثمان! بل أقصى ما استطاع أن يفعله بادّعائه هذا هو: أن يكون في خانة المعتزلين عن عليّ(عليه السلام) ؛ إذ قال: فأنا أُريد أن أذهب مذهب سعد وأصحابه (رحمه الله) ، لا أُجادل عن أولئك ولا عن هؤلاء(٢).

ولم يمنعه هذا الادّعاء من أن يرسل نفسه إرسالاً في مدح أبي بكر وعمر، ويرفعهما إلى ذروة العلياء، ويغمض عينيه، بل يقفز قفزاً على كلّ ما يمكن أن يُثلبا به، من بداية وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأحداث السقيفة إلى آخر أيام عمر، بل كرّر نفس الادّعاءات في فضائلهما التي ملؤوا بها الطوامير، وما نراه إلّا متعمّداً قاده هواه فيهما ومذهبيته السُنّية.

كما لم يمنعه من أن ينتحل الأعذار تلو الأعذار لعثمان في ما خاله من أمور

١- انظر: الغدير، للأميني ٢: ٢٥٢ ترجمة السيّد الحميري، فرية طه حسين على الشيعة.

٢- الفتنة الكبرى: ٥.

٤٥٨

الدين، تابعاً بذلك هواه المذهبي، وإن لم يستطع إعذاره في أُمور السياسة والمال؛ لمصادمة ما فعله مع الفطرة السليمة.

ولا يسعنا في هذه العجالة أن نتطرّق إلى جميع آراء طه حسين، ولكن رأينا فيه بإيجاز: أنّه رجل أديب أكثر من كونه باحثاً في التاريخ، بل إنّه كان عاجزاً عن تمحيص الصحيح والمنحول من الروايات، وإنّما يرسل آراءه فيها حسب ما يستسيغه ويوافق هواه.

نعم، قد يكون لما اتّخذه من آراء تأثير في تشخيصه لجملة من الأخطاء التاريخية، وكان لنزعته العلمانية الأثر في الكشف عن حقائق في التراث الإسلامي ما كان يجرؤ نظراؤه على التطرق إليها. ولكن كان لهذه النزعة العلمانية نفسها وما أخذه من المستشرقين الأثر الواضح في نظرته إلى القرآن وآراءه فيه، تلك الآراء التي انتُقد عليها أشدّ الانتقاد وكانت السبب في الطعن بصحّة إسلامه وعقائده.

(عالم سبيط النيلي)

« باحث ــ العراق »

السؤال:

ما هو رأيكم بكتابات عالم سبيط النيلي؟ وهل توجد ردود على هذه الكتابات؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

إنّنا نلاحظ من خلال قراءة عامّة لمجمل كتابات هذا الكاتب، أنّه يقحم نفسه

٤٥٩

في ما لا يحسن الدخول فيه، فعلوم مثل: التفسير والكلام والحديث والرجال، وأمثالها، لها أوّليات ينبغي للكاتب في هذه المجالات أن يلمّ بها، وإلّا عادت عليه آراؤه وأفكاره وبالاً، وعُدّ قوله تطفّلاً على ذوي الاختصاص والمعرفة..

وبعبارة أُخرى: لا يمكن أن نعدّ مَن يقرأ كتاباً في الطبّ، أو يدرس الطبّ دراسة سطحية ولا يمارسه أن يكون طبيباً، فالاختصاص لا بدّ له من إلمام وممارسة كي يصير صاحبه صاحب ملكة وبصيرة في اختصاصه، وهذا المقدار يفتقر إليه هذا الكاتب ممّا نلاحظه من كتاباته، وما يطرحه لا يعدو مجموعة أفكار تفتقر إلى الكثير من الأُسس العلمية في طرحها.

تعليق:

« صادق ــ البحرين ــ إمامي »

لقد كان السؤال عن الكتاب وليس عن أهلية المؤلّف، فهل هو الهروب ممّا لابدّ منه؟

وهل تكفي القراءة العامّة للحكم على نظرية متكاملة لم يتم للآن طباعة مؤلّفاتها؟

الرجاء الردّ على سؤال الأخ بما طلب من معرفة رأيكم في المؤلّفات، وإن كان هناك من ردّ عليها.

للأهمية: إذا كنتم لا تريدون الردّ، فأنا أعذركم، لكن لا تراوغوا في الإجابة!

شكراً جزيلاً.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الأوّل: لم يكن الجواب عن شخصية المؤلّف، وإنّما كان عن آرائه التي تعكس

٤٦٠