×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 7) / الصفحات: ٢١ - ٤٠

فالاختلاف في جزئيات الفروع بما فيه دليل، ولكن لم يصل إليه بعض، ليس بشيء في مقابل ما فاتنا من فيوضات حكمه وعدله، ومقابل مقدار تأخّرنا الزمني، وتأخّر البشرية ككلّ في طيّ مراحل الكمال.

والكلام في هذا الباب واسع لا تكفي فيه هذه السطور، ولكن نحاول فتحه لمن يريد السلوك.

فهل يصحّ بعد هذا أن يدّعي مدّع بالقول: ماذا استفدنا من وجودهم(عليهم السلام) ؟!

ثمّ إنّ القول بوجود الاختلاف في المسألة الواحدة على ثلاثين قولاً، ليس كما فهمه المستشكل ظاهراً! فإنّ جمع الاختلاف وأقوال العلماء أجمعين في مسألة فقهية كلّية؛ نعم قد يصل إلى هذا العدد، مثلاً: جميع أقوالهم في عنوان: صلاة الجماعة؛ لأنّ عنوان صلاة الجماعة يشتمل على العديد من المسائل تحته، وتحت هذه المسائل فروع ومسائل، فإذا خالف أحد الفقهاء في فرع الفرع، أو في ميزة هذا الفرع، يكون قد أحدث قولاًَ جديداً في أصل عنوان صلاة الجماعة, وأمّا نفس الأقوال في فرع الفرع، فإنّها قد لا تتعدّى الاثنين أو الثلاث؛ وذلك لأنّ الأحكام الشرعية لا تتعدّى الخمسة أصلاً، فهي: الحرمة والكراهة والإباحة والاستحباب والوجوب، فكيف ستكون الأقوال ثلاثين؟!

ثمّ لا تنسى اختلافهم في وجه الاستدلال؛ فإنّه يعدّ نوعاً من الاختلاف أيضاً، وهذا بالضبط ما موجود لدى علماء العامّة، فهل أفادتهم عصمة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وعصمة القرآن، في رفع الاختلاف مثلاً؟!

وأمّا ادّعاؤه بأنّ ما وصل إلينا من الأقوال الثلاثين فهو عن الأئمّة، بأن كان هنالك ثلاثين رواية مختلفة، فهو من جيبه ولم يقله الكاشاني! بل الذي صدر من

٢١

الأئمّة(عليهم السلام)حقّ واحد، كالصادر من قبل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والنازل في القرآن, وأمّا الاختلاف، فهو منّا، كما شرحنا آنفاً؛ فلاحظ!

(اتّباع الإمام هو طاعة للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)

« محبّ الخير ــ اليمن ــ سُنّي »

السؤال:

السلام على من اتّبع الهدى..

أمّا بعد: إنّ الإيمان بكون رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) خاتم الأنبياء والمرسلين يحصل به مقصود الإمامة في حياته وبعد مماته، فمن ثبت عنده أنّ محمّداً(عليه الصلاة والسلام) رسول الله، وأنّ طاعته واجبة عليه، واجتهد في طاعته بحسب الإمكان.

إنّ قيل: بأنّه يدخل الجنّة، استغنى عن مسألة الإمامة، ولم يلزمه طاعة سوى الرسول(عليه الصلاة والسلام).

وإن قيل: لا يدخل الجنّة إلّا باتّباعه الإمام، كان هذا خلاف نصوص القرآن الكريم؛ فإنّه سبحانه وتعالى أوجب الجنّة لمن أطاع الله ورسوله في غير موضع من القرآن، ولم يعلّق دخول الجنّة بطاعة إمام أو إيمان به أصلاً، كمثل قوله تعالى: ﴿وَمَن يطع اللَّهَ وَالرَّسولَ فَأولَئكَ مَعَ الَّذينَ أَنعَمَ اللَّه عَلَيهم منَ النَّبيّينَ وَالصّدّيقينَ وَالشّهَدَاء وَالصَّالحينَ وَحَسنَ أولَئكَ رَفيقاً﴾(١)، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ

١- النساء ٤: ٦٩.

٢٢

يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾(١).

ولو كانت الإمامة أصلاً للإيمان أو الكفر، أو هي أعظم أركان الدين التي لا يقبل الله عمل العبد إلّا بها كما تقول الروايات الشيعية، لَذَكر الله عزّ وجلّ الإمامة في تلك الآيات وأكّد عليها لعلمه بحصول الخلاف فيها بعد ذلك، ولا أظنّ أحداً سيأتي ليقول لنا بأنّ الإمامة في الآيات مذكورة ضمناً تحت طاعة الله وطاعة الرسول؛ لأنّ في هذا تعسّفاً في التفسير.

بل يكفي بياناً لبطلان ذلك أن نقول: بأنّ طاعة الرسول في حدّ ذاتها هي طاعة للربّ الذي أرسله، غير أنّ الله عزّ وجلّ لم يذكر طاعته وحده سبحانه ويجعل طاعة الرسول مندرجة تحت طاعته، بل أفردها لكي يؤكّد على ركنين مهمين في عقيدة الإسلام (طاعة الله، وطاعة الرسول)، وإنّما وجب ذكر طاعة الرسول بعد طاعة الله كشرط لدخول الجنّة؛ لأنّ الرسول مبلّغ عن الله وأنّ طاعته طاعة لمن أرسله أيضاً، ولمّا لم يثبت لأحد بعد رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) جانب التبليغ عن الله، فإنّ الله عزّ وجلّ علّق الفلاح والفوز بالجنان بطاعة رسوله والتزام أمره دون أمر الآخرين.

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾(٢)، فإنّ الله عزّ وجلّ أمر المؤمنين بطاعته وطاعة

١- النساء ٤: ١٣.

٢- النساء ٤: ٥٩.

٢٣
رسوله وطاعة أُولي الأمر منهم، لكن عند التنازع فالردّ لا يكون إلّا إلى الله والرسول دون أُولي الأمر؛ لأنّ الله عزّ وجلّ هو الربّ، والرسول هو المبلّغ عن الله، وهو معصوم لا يخطأ في بيان الحقّ عند التنازع، أمّا أُولي الأمر، فلأنّهم ليسوا مبلّغين عن الله ولا عصمة لديهم، بل مسلمون امتنّ الله عليهم بالسلطة، وأمرنا الله بطاعتهم ما أقاموا الدين، ولذلك لم يجعل الله الردّ إليهم.

و صلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه واتّبع هداه إلى يوم الدين.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

للإمام دور يؤدّيه، وهو: هداية الناس، فإذا قبلنا قولك من حصول مقصود الإمامة في حياة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، فكيف تفسّر لنا قولك: إنّ مقصود الإمامة يحصل بعد مماته؟

فالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أوصانا بالتمسّك باثنين معاً، وهما الكتاب والعترة حتّى نأمن من الضلال وعدم الهداية، فإذا خالفنا الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله هذا فهل نُعدّ نحن مطيعين له؟ وهل نأمن من الضلال وعدم الهداية؟! إنّ ما تدّعيه خلافاً لنص الحديث الصريح!!

ثمّ إنّ طاعته(صلى الله عليه وآله وسلم) ذكرت في القرآن وذكرت مطلقة، فلا بدّ من إطاعته في كلّ أوامره ونواهيه اللازمة علينا حتّى تحصل الطاعة المطلقة.

أمّا أنّك تفترض حسب قولك أن تطيعه (بحسب الإمكان)، أي: بمقدار ما، ولا تطيعه في الباقي لعدم الإمكان وأنّ ذلك يكفي، فنحن نقول: لا، إنّ ذلك لا يكفي! لأنّ كلّ ما أمر به الله ورسوله فهو ممكن، وبالتالي وجبت طاعته(صلى الله عليه وآله وسلم) فيه.

٢٤

ومن ضمن ما أمر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) به هو اتّباع أهل البيت(عليهم السلام)ومودّتهم والتمسّك بهم، ونصب عليّاً(عليه السلام)إماماً للناس في بيعة الغدير، وقال في حقّه: (اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله)، فهل الذي يخذل عليّاً(عليه السلام)ويشمله دعاء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بالخذلان سيدخل الجنّة؟!

إذاً لا بدّ أن تقول: إنّ طاعة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) المطلقة حسب نص القرآن هي التي ستدخل الجنّة، ونحن معك في ذلك، ولكن نقول: إنّ من ضمن أوامر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم): اتّباع أهل البيت(عليهم السلام)والاقتداء بهم، وتنصيب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) للأئمّة(عليهم السلام) ، وبذلك سوف تحتاج إلى الاعتقاد بالإمامة.

وأمّا وجوب اتّباع الإمام حتّى نضمن الدخول إلى الجنّة، فإنّه لا يخالف النصوص القرآنية؛ لأنّ طاعة الإمام جزء من طاعة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، فهو الذي أمرنا بطاعة الإمام، فعدم الالتزام بطاعة الإمام معناه عدم الالتزام بطاعة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، ونحن قلنا: لا بدّ من طاعة الرسول طاعة مطلقة حتّى نحصل على المراد من تلك الآيات القرآنية.

وإذا أبيت قبول ذلك، فإنّنا ننقض عليه بنفس أُسلوبك من القرآن الكريم، وإن كنّا لا نعتقد بصحّة ذلك؛ قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾(١)، والآية ظاهرة بأنّ المطلوب من الناس يوم الجمع، ويوم التغابن، وهو يوم القيامة: الإيمان بالله، والعمل الصالح، وأنّهما سيدخلانهم الجنّة.

١- التغابن ٦٤: ٥٩

٢٥

فلقائل يقول لك، وعلى نسق ما قلت أنت: إن قيل: لا يدخل الجنّة إلّا بالإيمان بالرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، كان هذا خلاف نصوص القرآن الكريم؛ فإنّه سبحانه أخبر عن أنّ من يؤمن بالله ويعمل صالحاً يدخل الجنّة، ولم يعلّقه بالإيمان بالرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أو طاعته أصلاً.

وله أن يقول لك أيضاً: ولو كانت النبوّة أصلاً من أُصول الدين ومن أعظم أركانه التي لا يقبل إيمان وعمل عبد إلّا بالاعتقاد بها، كما يقوله المسلمون كافّة، لذكرها الله عزّ وجلّ في تلك الآية، وغيرها من الآيات، وأكّد عليها؛ لعلمه بأهميتها.. ولا نظنّك تستطيع أن تقول: إنّ الإيمان بنبوّة نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم) مذكورة ضمناً في هذه الآية وغيرها، لأنّ هذا سيكون تعسّفاً في التفسير..

إذا قال قائل ذلك.. فماذا ستقول، وماذا يكون جوابك؟

إنّ أيّ قولٍ وجواب منك سيكون قولنا وجوابنا في الإمامة.

وأمّا قولك: إنّ الإمامة لم تذكر في القرآن، فهذا ما لا نقبله منك.. فارجع إلى ما أجبنا عليه في عنوان (أُصول الدين).

أمّا عدم قبولك كون طاعة الإمام هي في ضمن طاعة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأنت تنظر إلى هذه الآية القرآنية لوحدها فقط، وتقول: إنّ طاعة الإمام غير مذكورة في الآية، ولكن ماذا تفعل بالآيات الأُخر والروايات الكثيرة التي تذكر وجوب طاعة الإمام، بعد أن يثبت وجودها ودلالتها، ألا يكون تركها ترك لطاعة الله وترك لطاعة الرسول؟!

٢٦

ثمّ إنّنا نقول: إنّه لا بدّ من الإيمان بالقرآن كلّه؛ لصريح قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾(١)، وأنت تقول: أنّ الله لم يُرجع إلى أُولي الأمر، فماذا تفعل بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾(٢)، أليس هذا ردّاً إلى أُولي الأمر؟!

ثمّ ما هي الطاعة المطلقة لأُولي الأمر المذكورة في قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم﴾(٣) التي يجب الالتزام بها؟

ألا تدلّ على عصمة أُولي الأمر؟

فإن قلت: لا، فإنّك بذلك جوّزت على الله أن يلزمنا بفعل المعاصي؛ وقد اعترف الفخر الرازي بدلالة الآية على العصمة(٤) حتّى يتخلّص ويفرّ من أمر الله بالمعصية!

(دليل عقلي على وجوب اتّباع الأئمة من أهل البيت(عليهم السلام)

« عبد المحسن ــ السعوديةــ إمامي »

السؤال:

أريد أدلّة عقلية على أنّ الشيعة على صحّ؟ وأنّ اعتقادهم بالأئمّة الاثني عشر هو الحقّ؟

١- البقرة ٢: ٨٥.

٢- النساء ٤: ٨٣.

٣- النساء ٤: ٥٩.

٤- تفسير الرازي ١٠: ١٤٤ ذيل آية ٥٩ من سورة النساء.

٢٧

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

هناك قاعدة عقلية نصها: (فاقد الشيء لا يعطيه).

وفي مبحث الإمامة والقدوة نقول: الفاقد للهداية لا يصلح أن يكون هادياً مهدياً, وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه القاعدة العقلية بقوله تعالى: ﴿أَفَمَن يَهدِي إِلَى الحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إلّا أَن يُهدَى فَمَا لَكُم كَيفَ تَحكُمُونَ﴾(١), والاستفهام الأخير الوارد في الآية استنكاري يشير إلى أنّ اتّباع المهتدي إنّما هو حكم عقلي فطري تعمل به الفطرة السليمة, والمخالف له يكون محلّ استغراب واستنكار حقيقيين.

فالاعتقاد بإمامة الأئمّة المعصومين(عليهم السلام)بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يكون وفق هذه القاعدة العقلية التي تقول: إنّ الاقتداء يجب أن يكون بالهادين المهديّين, والاقتداء بمن يحتاج إلى الهداية في نفسه خلاف معنى الاهتداء من الأساس؛ لأنّ فاقد الشيء لا يعطيه.

ونحن عندما نراجع النصوص التي ثبتت صحّتها عند المسلمين جميعاً (سُنّة وشيعة) في حقّ أهل البيت(عليهم السلام)نجدها تشير إلى أنّهم عنوان الهداية عند المسلمين, فمثل قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث الثقلين المتواتر: (إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً)(٢), يشير

١- يونس ١٠: ٣٥.

٢- انظر: مسند أحمد بن حنبل ٣: ١٤، ١٧، ٢٦، ٥٩ مسند أبي سعيد، ٤: ٣٦٧ حديث زيد ابن أرقم، كتاب السُنّة، لابن أبي عاصم: ٦٢٩ الحديث ١٥٥١ ــ ١٥٥٨، سنن الدارمي ٢: ٤٣٢ كتاب فضائل القرآن، باب فضل من قرأ القرآن، فضائل الصحابة، للنسائي: ١٥، ٢٢، المستدرك على الصحيحين، للنيسابوري ٣: ١٠٩، ١٤٨، السنن الكبرى، للبيهقي ٢: ١٤٨ جماع أبواب صفة الصلاة.

٢٨

إلى أنّ الهداية والعصمة من الضلال يكون من نصيب المتّبع لأهل البيت(عليهم السلام)والقرآن معاً.

وأيضاً قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق وهوى)(١)، الدال بكلّ وضوح على أنّ اتّباع أهل البيت(عليهم السلام)هو المنجي من الهلكة.

فالمتّبع لأهل البيت(عليهم السلام)إنّما يمشي آمناً مطمئناً بهذا الاتّباع المبارك، خلاف اتّباع غيرهم ممّن لم ينصّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على وجوب اتّباعهم، وإنّما وصلوا إلى قيادة المجتمع الإسلامي بفعل ظروف سياسية معروفة، فهؤلاء لا يمكن للعقل والقلب أن يطمئن إلى الاقتداء بهم وأخذ دين الله عنهم، وقائلهم يقول: (إنّ لي شيطاناً يعتريني، فإذا غضبت فاجتنبوني، وإن زغت فقوموني)(٢), مع فرض وجود

١- انظر: المستدرك على الصحيحين، للنيسابوري ٢: ٣٤٣ كتاب التفسير، سورة هود، ٣: ١٥١ كتاب معرفة الصحابة، المعجم الأوسط، للطبراني ٤: ١٠، المعجم الكبير، للطبراني ٣: ٤٥ ــ ٤٦ الحديث ٢٦٣٦ ــ ٢٦٣٨، الجامع الصغير، للسيوطي ١: ٣٧٣ الحديث ٢٤٤٢، تفسير الرازي ٢٧: ١٦٧، تفسير الدرّ المنثور، للسيوطي ٣: ٣٣٤، وغيرها.

٢- انظر: المصنّف، للصنعاني ١١: ٣٣٦ الحديث ٢٠٧٠١ كتاب العلم، باب لا طاعة في معصية، المعجم الأوسط، للطبراني ٨: ٢٦٧، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٣: ٣٠٣، ٣٠٤، الإمامة والسياسة، لابن قتيبة ١: ٢٣، وغيرها.

٢٩

الهادي المهتدي وهم أهل البيت(عليهم السلام)المنصوص عليهم من قبل الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم), وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ــ وهذه قاعدة عقلية أُخرى ـ ـ: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)(١).

(آيات تدلّ على إمامة الأئمّة(عليهم السلام)

« أحمد إبراهيم ــ الأردن ــ سُنّي »

السؤال:

أُريد آية تدلّ على أنّ عليّاً(رضي الله عنه) وأولاده هم الأوصياء بعد الرسول، كون الولاية أهمّ من الصلاة والصوم والزكاة والحجّ، ومن لم يؤمن بها لا يدخل الجنّة؟

ولا تحدّثني بأحاديثكم التي تثبت الولاية!

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ليس من الصحيح أن تحصر المطالبة بالدليل من القرآن الكريم فقط! بل من حقّنا أن نثبت لك الدليل من السُنّة كما نثبتها من القرآن, وتضييق دائرة البحث وجعلها في القرآن فقط مبنىً غير صحيح, ومع ذلك نحن نتنزّل معك إلى هذا المستوى، فنقول:

لدينا آيات صريحة تدلّ على إمامة الأئمّة(عليهم السلام) ، أو بعضهم، وهي واضحة عندنا.

١- انظر: مسند أحمد بن حنبل ٣: ١١٣ مسند أنس بن مالك، سنن الدارمي ١: ٦١، المستدرك على الصحيحين، للنيسابوري ٢: ١٣ كتاب البيوع.

٣٠

نعم, أنتم قد تقولون: إنّها غير صريحة، وغير واضحة, ولكن هذا مجرد دعوى عندكم؛ لأنّكم ابتعدتم عن المصادر الصحيحة لفهم القرآن.

فمن الآيات:

قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾(١).

وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾(٢).

وقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم﴾(٣).

(كيف يُستدلّ على الإمامة بسورة القدر)

« مرتضى حسين ــ بلجيكا ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أهل البيت(عليهم السلام)أمرونا في مقام الاحتجاج أن نحتجّ على المخالف بسورة القدر المباركة, والتي تدلّ على دوامية حضور ووجود حجّة لله على الخلق، تتنزّل عليه الروح والملائكة، ويمضي التقديرات الإلهية للخلق.

١- المائدة ٥: ٥٥.

٢- النساء ٤: ٨٣.

٣- النساء ٤: ٥٩.

٣١
موسوعة الأسئلة العقائدية (ج ٧) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ٣١ - ص ٦٠)

ولكن في الاحتجاج بهذه الآية مع المخالف حصل لي بعض التساؤلات, إذ أنّه استدرك علَيَّ بأنّه لا يلزم بأن تنزل الملائكة في ليلة القدر مثلاً على شخص واحد, وكذلك لا يلزم أن يكون ذلك الشخص حجّة لله عزّ وجلّ, بل يكون وليّاً من أولياء الله الصالحين, واستشهد بهذه الآيات الكريمة:

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلّا تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾(١).

﴿يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إلّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾(٢).

﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾(٣).

﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾(٤).

﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إلّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾(٥).

١- فصّلت ٤١: ٣٠.

٢- النحل ١٦: ٢.

٣- البقرة ٢: ٩٠.

٤- غافر ٤٠: ١٥.

٥- إبراهيم ١٤: ١١.

٣٢

واستدركت عليه قائلاً: إنّ هذه الآيات تتحدّث عن الأنبياء والرسل بدليل إضافة (الإنذار), ﴿أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إلّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾.

ولكن قال لي: إنّ النبوّة والرسالة قد ختمت.

وقال: هذا الذي تتحدّث عنه ممكن أن يحصل للفقهاء، فهم كذلك منذرين, كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾(١)، فإنّه يظهر بذلك أن ليس هناك دليل على أنّ الذي تنزل عليه الملائكة يجب أن يكون حجّة الله وإماماً على الخلق, بل يمكن أن يكون وليّاً، أو أولياء صالحين لله عزّ وجلّ, مثل الفقهاء والعلماء.

انتهت المقالة, أحببت أن أعرف كيفية الاحتجاج على أنّ الذي تنزل عليه الملائكة والروح في ليلة القدر لا بدّ أن يكون واحداً في كلّ عصر, وكذلك أنّ هذا الشخص الذي تنزل عليه الملائكة والروح لا بدّ أن يكون حجّة الله وخليفته؟

وشكراً لكم.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لنقبل منه ذلك على وجه التسليم بأنّ الملائكة تنزل على وليّ من أولياء الله، فليس المهم تسميته بالوليّ، أو الحجّة، أو الإمام، بل المهم وجود شخص له

١- التوبة ٩: ١٢٢.

٣٣

ارتباط بالسماء تتنزّل عليه الملائكة في ليلة القدر، وإلى ذلك الشخص أشارت سورة القدر، وهو ما تلتزم به الشيعة..

كما أنّه لا بدّ من النظر: أنّه مَن يليق به أن تتنزّل عليه الملائكة والروح، وأن تنزل له من كلّ أمر، هل هو فرد عادي، أم هو قريب من مقام النبوّة؟ ولما كانت النبوّة ختمت بالنبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) فلا بدّ أن يكون هو تالي النبيّ في المقام، ويكون من المصطفين، وهو المعني بـ﴿عَلَى مَن يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ﴾، ولا يليق ذلك إلّا بالإمام.

وأمّا أنّه لماذا لا يكون متعدّداً؟ فهذا يتم إثباته من أدلّة أُخرى خارجة، أو التمسّك بأنّ الروح المذكور في سورة القدر واحد، ولا ينزل إلّا على واحد بتقادير الأُمور على طول السنة في ليلة القدر.

وهناك ملاحظة جديرة بالاهتمام: إنّ قوله: ﴿مِّن كُلِّ أَمرٍ﴾، يعني: تنزل الروح بكلّ الأمر، وهو أمر الله الذي لا اختلاف فيه ولا ترديد، ومن ينزل عليه هذا الأمر يكون معصوماً، وإلّا لاختلف الأمر ولا يكون من أمر الله تعالى. وهذا، نعني: كلّ الأمر، وعدم الاختلاف فيه لا يدّعيه أحد غير أئمّتنا(عليهم السلام) ، فلا مجال لنسبة ذلك إلى غيرهم(عليهم السلام)سواء أكانوا الخلفاء، أم العلماء، أم الصلحاء، أو غيرهم؛ فلاحظ!

وبعد تسليم نزول الروح في كلّ سنة على من هو أهل لذلك من أهل الأرض، يأتي السؤال: من هو هذا الذي له ارتباط بالسماء؟ فإنّه من الواضح القطعي أنّه أوْلى بالاتّباع من غيره؛ فتأمّل!

٣٤

(المراد من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اهتَدَى﴾: الاهتداء إلى ولاية أهل البيت(عليهم السلام)

« ياسر ــ مصر ــ إمامي »

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

اللّهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد..

أودّ أن أعرف تفسير هذه الآية: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهتَدَى﴾(١)، وهل الاهتداء هنا معناه: الولاية لأهل البيت؟

وإن أمكن من كتبنا وكتب أهل السُنّة.

ودمتم في رعاية الله.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قال السيّد الطباطبائي في (تفسير الميزان):

(قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهتَدَى﴾، وعد بالرحمة المؤكّدة عقيب الوعيد الشديد، ولذا وصف نفسه بكثرة المغفرة؛ فقال: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ﴾، ولم يقل: وأنا غافر أو سأغفر.

والتوبة، وهي: الرجوع، كما تكون عن المعصية إلى الطاعة، كذلك تكون

١- طه ٢٠: ٨٢.

٣٥

من الشرك إلى التوحيد، والإيمان أيضاً كما يكون بالله، كذلك يكون بآيات الله من أنبيائه ورسله، وكلّ حكم جاؤوا به من عند الله تعالى، وقد كثر استعمال الإيمان في القرآن في كلّ من المعنيين، كما كثر استعمال التوبة في كلّ من المعنيين المذكورين..

وبنو إسرائيل كما تلبّسوا بمعاصي فسقوا بها، كذلك تلبّسوا بالشرك، كعبادة العجل، وعلى هذا، فلا موجب لصرف الكلام عن ظاهر إطلاقه في التوبة عن الشرك والمعصية جميعاً والإيمان بالله وآياته، وكذلك إطلاقه بالنسبة إلى التائبين والمؤمنين من بني إسرائيل وغيرهم، وإن كان بنو إسرائيل مورد الخطاب؛ فإنّ الصفات الإلهية، كالمغفرة، لا تختصّ بقوم دون قوم.

فمعنى الآية ــ والله أعلم ــ : وإنّي لكثير المغفرة لكلّ إنسان تاب وآمن، سواء تاب عن شرك أو عن معصية، وسواء آمن بي أو بآياتي من رسلي، أو ما جاؤوا به من أحكامي، بأن يندم على ما فعل، ويعمل عملاً صالحاً، بتبديل المخالفة والتمرّد في ما عصى فيه بالطاعة فيه، وهو المحقّق لأصل معنى الرجوع من شيء...

وأمّا قوله: ﴿ثُمَّ اهتَدَى﴾، فالاهتداء يقابل الضلال، كما يشهد به قوله تعالى: ﴿مَنِ اهتَدَى فَإِنَّمَا يَهتَدِي لِنَفسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيهَا﴾(١)، وقوله: ﴿لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهتَدَيتُم﴾(٢)، فهل المراد: أن لا يضلّ في نفس ما تاب فيه بأن يعود إلى المعصية ثانياً؛ فيفيد: أنّ التوبة عن ذنب إنّما تنفع بالنسبة إلى ما

١- الإسراء ١٧: ١٥.

٢- المائدة ٥: ١٠٥.

٣٦

اقترفه قبل التوبة ولا تكفي عنه لو عاد إليه ثانياً، أو المراد: أن لا يضلّ في غيره؛ فيفيد: أنّ المغفرة إنّما تنفعه بالنسبة إلى المعصية التي تاب عنها.

وبعبارة أُخرى: إنّما تنفعه نفعاً تامّاً إذا لم يضلّ في غيره من الأعمال، أو المراد: ما يعمّ المعنيين؟

ظاهر العطف بـ(ثمّ) أن يكون المراد هو المعنى الأوّل، فيفيد: معنى الثبات والاستقامة على التوبة، فيعود إلى اشتراط الإصلاح، الذي هو مذكور في عدّة من الآيات، كقوله: ﴿إلّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعدِ ذَلِكَ وَأَصلَحُوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(١).

لكن يبقى على الآية بهذا المعنى أمران:

أحدهما: نكتة التعبير بـ(الغفّار) بصيغة المبالغة الدالّة على الكثرة، فما معنى كثرة مغفرته تعالى لمن اقترف ذنباً واحداً ثمّ تاب؟

وثانيهما: أنّ لازمها أن يكون من خالف حكماً من أحكامه كافراً به، وإن اعترف بأنّه من عند الله، وإنّما يعصيه اتّباعاً للهوى لا ردّاً للحكم.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ الآية لاشتمالها على قوله: ﴿تَابَ وَآمَنَ﴾ إنّما تشمل المشرك أو الراد لحكم من أحكام الله، وهو كما ترى.

فيمكن أن يقال: إنّ المراد بالتوبة والإيمان: التوبة من الشرك والإيمان بالله، كما أنّ المعنيين هما المرادان في أغلب المواضع من كلامه التي ذكر التوبة والإيمان فيها معاً، وعلى هذا، كان المراد من قوله: ﴿وَعَمِلَ صَالِحاً﴾: الطاعة

١- آل عمران ٣: ٨٩، النور ٢٤: ٥.

٣٧

لأحكامه تعالى بالائتمار لأوامره والانتهاء عن نواهيه، ويكون معنى الآية: أنّ من تاب من الشرك وآمن بالله وأتى بما كلّف به من أحكامه فإنّي كثير المغفرة لسيئاته، أغفر له زلّة بعد زلّة، فتكثر المغفرة لكثرة مواردها.

وقد ذكر تعالى نظير المعنى، وهو: مغفرة السيئات، في قوله: ﴿إِن تَجتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنهَونَ عَنهُ نُكَفِّر عَنكُم سَيِّئَاتِكُم﴾(١). فقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ ينطبق على آية النساء ويبقى فيه شرط زائد يقيّد حكم المغفرة، وهو: مدلول قوله: ﴿ثُمَّ اهتَدَى﴾، وهو: الاهتداء إلى الطريق، ويظهر أنّ المغفرة إنّما يسمح بها للمؤمن العامل بالصالحات إذا قصد ذلك من طريقه ودخل عليه من بابه.

ولا نجد في كلامه تعالى ما يقيّد الإيمان بالله والعمل الصالح في تأثيره وقبوله عند الله إلّا الإيمان بالرسول، بمعنى التسليم له وطاعته في خطير الأُمور ويسيرها، وأخذ الدين عنه، وسلوك الطريق التي يخطّها، واتّباعه من غير استبداد وابتداع يؤول إلى اتّباع خطوات الشيطان، وبالجملة، ولايته على المؤمنين في دينهم ودنياهم؛ فقد شرّع الله تعالى ولايته وفرض طاعته، وأوجب الأخذ عنه، والتأسّي به في آيات كثيرة جدّاً، لا حاجة إلى إيرادها ولا مجال لاستقصائها، فالنبيّ أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم.

وكان جُلّ بني إسرائيل على إيمانهم بالله سبحانه وتصديقهم رسالة موسى وهارون متوقّفين في ولايتهما أو كالمتوقّف، كما هو صريح عامّة قصصهم في

١- النساء ٤: ٣١.

٣٨

كتاب الله، ولعلّ هذا هو الوجه في وقوع الآية ــ ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهتَدَى﴾ ــ بعد نهيهم عن الطغيان وتخويفهم من غضب الله.

فقد تبيّن أنّ المراد بالاهتداء في الآية على ما يهدي إليه سائر الآيات هو: الإيمان بالرسول، باتّباعه في أمر الدين والدنيا، وبعبارة أُخرى هو: الاهتداء إلى ولايته.

وبذلك يظهر حال ما قيل في تفسير قوله: ﴿ثُمَّ اهتَدَى﴾؛ فقد قيل: الاهتداء لزوم الإيمان والاستمرار عليه ما دامت الحياة. وقيل: أن لا يشكّ ثانياً في إيمانه. وقيل: الأخذ بسُنّة النبيّ وعدم سلوك سبيل البدعة. وقيل: الاهتداء هو أن يعلم أنّ لعمله ثواباً يُجزى عليه. وقيل: هو تطهير القلب من الأخلاق الذميمة. وقيل: هو حفظ العقيدة من أن تخالف الحقّ في شيء؛ فإنّ الاهتداء بهذا الوجه غير الإيمان وغير العمل، والمطلوب على جميع هذه الأقوال تفسير الاهتداء بمعنى لا يرجع إلى الإيمان والعمل الصالح؛ غير أنّ الذي ذكروه لا دليل على شيء من ذلك)(١).

وفي (تفسير نور الثقلين) للشيخ الحويزي ذكر بعض الروايات التي تشير إلى أنّ الهداية هي: الهداية إلى ولايتهم:

٩٢ــ علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير ومحمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن فضّال، جميعاً عن أبي جميلة، عن خالد بن عمّار، عن سدير، قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام)وهو داخل وأنا خارج

١- تفسير الميزان ١٤: ١٨٧ ــ ١٩٠.

٣٩

وأخذ بيدي، ثمّ استقبل البيت، فقال: (يا سدير! إنّما أمر الناس أن يأتوا هذه الأحجار فيطوفوا بها، ثمّ يأتونا فيعلمونا ولايتهم لنا، وهو قول الله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهتَدَى﴾)،.ثمّ أومأ بيده إلى صدره: (إلى ولايتنا...)، والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة.

٩٣ــ في تفسير علي بن إبراهيم: وقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهتَدَى﴾، قال: إلى الولاية.

حدّثنا أحمد بن علي، قال: حدّثنا الحسين بن عبد الله، عن السندي بن محمّد، عن أبان، عن الحارث بن عمر، عن أبي جعفر(عليه السلام)في قوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهتَدَى﴾، قال: (ألا ترى كيف اشترط ولم ينفعه التوبة والإيمان والعمل الصالح حتّى اهتدى، والله لو جهد أن يعمل، ما قبل منه حتّى يهتدي). قال: قلت: إلى من جعلني الله فداك؟ قال: (إلينا).

٩٤ــ في أمالي الصدوق(رحمه الله): بإسناده إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) حديث طويل، وفيه يقول لعليّ(عليه السلام): (ولقد ضلّ من ضلّ عنك، ولن يهتدي إلى الله من لم يهتد إليك وإلى ولايتك، وهو قول ربّي عزّ وجلّ: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهتَدَى﴾، يعني: إلى ولايتك).

٩٥ــ في مجمع البيان: وقال أبو جعفر(عليه السلام): ثمّ ﴿اهتَدَى﴾ إلى ولايتنا أهل البيت، فوالله لو أنّ رجلا عبد الله عمره ما بين الركن والمقام ثمّ مات ولم يجئ بولايتنا، لأكبّه الله في النار على وجهه. رواه الحاكم أبو القاسم الحسكاني بإسناده. وأورده العيّاشي في تفسيره بعدّة طرق.

٤٠