×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 7) / الصفحات: ٦١ - ٨٠

والشيعة الإمامية يتمسّكون بحديث الاثني عشر خليفة، المروي عن سمرة بن جندب بطرق كثيرة عند أهل السُنّة، وبأحاديث تصل حدّ التواتر في أنّ عددهم اثنا عشر من طرقهم عن الأئمّة(عليهم السلام) ، وبروايات كثيرة تذكر أسماءهم(عليهم السلام)على التعيين.

(اشتراط كون الإمام قرشياً)

« محمّد ناصر ــ الإمارات ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وشاكرين لكم جهودكم..

سؤالنا إلى المركز القيم والكريم:

(لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان). الراوي: عبد الله بن عمر ــ خلاصة الدرجة: صحيح ــ المحدّث: البخاري ــ المصدر: الجامع الصحيح ــ الصفحة أو الرقم: ٣٥٠١١١٧٨٠٨ـ

أنّه بلغ معاوية، وهو عنده في وفد من قريش: أنّ عبد الله بن عمرو بن العاص يحدّث: أنّه سيكون ملك من قحطان. فغضب معاوية، فقام فأثنى على الله بما هو أهله، ثمّ قال: أمّا بعد، فإنّه بلغني أنّ رجالاً منكم يتحدّثون أحاديث ليست في كتاب الله تعالى، ولا تؤثر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأُولئك جُهّالكم، فإيّاكم والأماني التي تضلّ أهلها؛ فإنّي سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: (إنّ هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلّا كبّه الله على وجهه، ما أقاموا الدين). الراوي: معاوية ابن أبي سفيان ــ خلاصة الدرجة: صحيح ــ المحدّث: البخاري ــ المصدر: الجامع

٦١
موسوعة الأسئلة العقائدية (ج ٧) » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ٦١ - ص ٩٠)

الصحيح ــ الصفحة أو الرقم: ٣٥٠٠١١٦٨٦٨.

أنّه سيكون ملك من قحطان، فغضب، فقام فأثنى على الله بما هو أهله، ثمّ قال: أمّا بعد، فإنّه بلغني أنّ رجالاً منكم يحدّثون أحاديث ليست في كتاب الله، ولا تؤثر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأُولئك جهّالكم، فإيّاكم والأماني التي تضلّ أهلها؛ فإنّي سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: (إنّ هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلّا كبّه الله في النار على وجهه، ما أقاموا الدين). الراوي: عبد الله بن عمرو بن العاص ــ خلاصة الدرجة: صحيح ــ المحدّث: البخاري ــ المصدر: الجامع الصحيح ــ الصفحة أو الرقم: ٧١٣٩.

هل تجوز الخلافة لغير القرشيين على ضوء تلك الأحاديث؟ وهل تلك الأحاديث تنسف الخلافة عند أهل السُنّة (العامّة)؟ ومن هم أُولئك الخلفاء غير القرشيين؟

هل أبو حنيفة يجوّز الخلافة في غير القرشيين، فلذا نجد أكثر العثمانيين هم على المذهب الحنفي؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

هذا الحديث الشريف هو واحد من الأحاديث الكثيرة التي حصرت الخلافة العظمى والإمامة الكبرى برجال من قريش, وهو من أبرز الأدلّة على قضية النص في الخلافة دون الشورى, وقد استفاد منه بعضهم في مقام التصدّي لمنصب الخلافة ومنع الآخرين من الترشيح لها؛ إذ كان ــ أي: هذا البعض ــ يواجه الآخرين من الأنصار، وغيرهم من غير القرشيين، الذين يريدون التصدّي للخلافة، بمثل هذه الأحاديث.

٦٢

كما حصل من أبي بكر يوم السقيفة عندما واجه الأنصار بأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (الأئمّة من قريش)(١), أي: أنّه لا يجوز لكم الترشيح للخلافة؛ لأنّكم لستم من قريش.

وكما حصل لمعاوية عندما سمع أحدهم يقول بجواز الخلافة لغيره، فقام خطيباً، وقال: (إنّ هذا الأمر في قريش, لا يعاديهم أحد إلّا كبّه الله على وجهه).

وهكذا نجد غيرها من المواقف التي تستند إلى هذه الأحاديث التي يستفاد منها التنصيص على وجوب أن يكون الإمام قرشياً.. ومن هنا قال القاضي عياض كما ينقل ذلك المناوي في (فيض القدير): (اشتراط كون الإمام قرشياً مذهب كافّة العلماء، وقد عدوّها من مسائل الإجماع)(٢).

إلّا أن هذا التعميم ليس على حاله كما فهمه أو رواه أبو بكر ومعاوية! بل هناك نصوص تشير إلى تحديد العدد باثني عشر إماماّ لا غير من قريش, وتحديد الصفات بأنّ في مدّة إمامتهم عزّة الدين ومنعته, وأنّ إمامتهم تستمر إلى قيام الساعة.. الأمر الذي يدعو إلى التدقيق الجيد في من تتوفّر فيهم هذه الصفات؛ ليصحّ الائتمام بهم وإصابة الحقّ من خلاله, وبالعودة إلى (حديث الثقلين) ــ الكتاب والعترة ــ الذي أشار إلى بقاء التلازم الوجودي بين الكتاب والعترة إلى يوم القيامة، وملاحظة أحاديث (الأئمّة الاثني عشر) يتّضح المراد من مجموع هذه الأحاديث الشريفة، ويمكن التوصّل إلى الأشخاص المعنيين بها، وأنّهم: أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)لا غير.

١- انظر: مسند أحمد بن حنبل ٣: ١٢٩ مسند أنس بن مالك، ٤: ٤٢١ أوّل مسند البصريين، المستدرك على الصحيحين، للنيسابوري ٤: ٧٦ كتاب معرفة الصحابة.

٢- فيض القدير، للمنّاوي ٣: ٢٤٧، فتح الباري، لابن حجر ١٣: ١٠٦.

٦٣

نعم, خالف أبو حنيفة في ذلك ولم يشترط كون الإمام قرشياً, وقد عمل بفتواه هذه الأتراك العثمانيون، وأطلقوا عليه بسبب هذه الفتوى الإمام الأعظم.

(هل يردّ حديث: (الخلافة ثلاثون...) قول الشيعة بالإمامة؟)

« حمد ــ الإمارات ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أهل السُنّة يرون بضرورة وجود إمام فإنّهم يرون أنّ الصحابة أجمعوا على اختيار الخليفة قبل دفن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، لكنّهم يرون أنّ اختيار الإمام يكون إمّا عن طريق الشورى أو...

ويقولون: لو كانت الإمامة أصلاً في الدين، كما يزعم الشيعة، لما قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): (الخلافة ثلاثون عاماً، ثمّ يأتي الملك)، فلماذا يأتي الملك إذا كانت الإمامة من الله؟ وإذا كانت من الله هل يستطيع إنسان انتزاع منصب إلهي لإنسان آخر؟ هل استطاع أيّ إنسان انتزاع النبوّة من أحد الأنبياء(عليهم السلام) ؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نحن لا نسلّم بصحّة هذا الحديث(١)؛ فهو لم يُروَ في مصادرنا الحديثية، وروي عند القوم بخبر مرفوع عن سفينة، ولو استدلّ به بعض منّا فهو من باب الإلزام للطرف المقابل.

١- انظر: مسند أحمد بن حنبل ٥: ٢٢٠ حديث أبي عبد الرحمن سفينة، مسند ابن الجعد: ٤٧٩، مسند ابن راهويه ٤: ١٦٤.

٦٤

ولو أردنا قبول الحديث والتسليم به، فهو يبيّن مدّة خلافة عليّ(عليه السلام)بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلا ينفي تشريع وجعل الإمامة، فالمولى عزّ وجلّ أراد أن تكون بعد النبوّة الإمامة، ولذلك أوصى بها، ولكن القوم أرادوا شيئاً آخر، وهو رفض الإمامة وجعلها خلافة وملوكية..

فما يذكره الحديث، لو سلّمنا بصحّته، هو: الإخبار عن مدّة الخلافة الواقعية لعليّ(عليه السلام)، وينطبق على قولنا: مَن جعل الإمامة بالوصية طريقاً للهداية بعد النبوّة.

وأمّا إنّ الإمامة من قبل الله فكيف يمكن أن تُغتصب؟ فهذا صحيح! فإنّ الإمامة المجعولة من الله سبحانه وتعالى للمصطفين، كالنبوّة، لا يمكن أن تُسلب؛ لأنّها رتبة وجودية كمالية ثابتة للإمام.

نعم، الذي سُلب وغُصب شأن من شؤونها، وهو: الحكم والمنصب السياسي، كما كان يُسلب من الأنبياء في الأُمم السابقة، بل ويُقتلون، ولكن لم يخرجهم ذلك عن النبوّة؛ فلاحظ!

(كيفية اختيار الإمام)

« م / سائل ــ السعودية»

السؤال:

لماذا يختار الله الإمام ويجعله من الأوصياء دون أخيه الذي تربّى في نفس البيت؟

٦٥

أم أنّ الاختيار مبنيّ على صفات خاصّة وهبها الله للإمام الذي تمّ اختياره، فإن كان، ألا ينافي ذلك العدالة الإلهية؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: إنّ الله سبحانه وتعالى لا يسأل عمّا يفعل؛ لأنّه حكيم وعالم وقادر, فباعتبار حكمته وعلمه وقدرته يفعل ما يشاء.

فاختيار الله سبحانه وتعالى للإمامة وللنبوّة إنّما هو فعل من أفعال الله التي لا يسأل عنها.

مع هذا نجد أنّ هناك نصوصاً تدلّ على سبب الاصطفاء والاختيار؛ فالله سبحانه وتعالى في عالم الذرّ ــ وهو عالم خروج البشر من صلب آدم(عليه السلام)على شكل ذرّــ أخذ الميثاق على النبييّن، فقال، كما عن الإمام الباقر(عليه السلام): (ألست بربّكم، وأنّ هذا محمّد رسولي، وأنّ هذا عليّ أمير المؤمنين؟

قالوا: بلى.

فثبتت لهم النبوّة، وأخذ الميثاق على أُولي العزم: أنّني ربّكم ومحمّد رسولي وعليّ أمير المؤمنين وأوصياؤه من بعده ولاة أمري، وخزّان علمي ــ عليهم السلام ــ وأنّ المهدي أنتصر به لديني، وأظهر به دولتي، وأنتقم به من أعدائي، وأُعبد به طوعاً وكرهاً.

قالوا: أقررنا يا ربّ وشهدنا.

ــ إلى أن قال ــ : ثمّ أمر ناراً فأجّجت، فقال لأصحاب الشمال: ادخُلوها. فهابوها، وقال لأصحاب اليمين: ادخُلوها. فدخلوها، فكانت عليهم برداً وسلاماً،

٦٦

فقال أصحاب الشمال: يا ربّ! أقلنا، فقال: قد أقلتكم، اذهبوا فادخلوها، فهابوها، فثمّ ثبتت الطاعة والولاية والمعصية)(١).

فمنهم من آمن ومنهم من كفر في ذلك العالم, وهذه الدنيا إنّما هي صورة عن ذلك العالم.

إذاً، على ما في هذه الآيات أنّ سبب الاختيار والاصطفاء كان بسبب كيفية الاستجابة والقبول من قبل البشر لما طلبه الله منهم. هذا أوّلاً.

ثانياً: إنّ اختياره للأنبياء والأوصياء ليس اختياراً اعتباطياً، وإنّما اختارهم بعد أن امتحنهم في العوالم الثلاث ــ عالم الأرواح وعالم الطينة وعالم الذرّ ــ فامتحن الأنبياء وشرط عليهم الزهد، فوجدهم أوفياء لهذا الشرط؛ (فشرطوا لك ذلك وعلمت منهم الوفاء)(٢)، وامتحن أهل البيت(عليه السلام)بالصبر، فوجدهم صابرين, لذا في زيارة فاطمة(عليها السلام) نقول: (فوجدَكِ لما امتحَنكِ به صابرة)(٣).

إذاً، اختيار الله سبحانه وتعالى يكون بعد الامتحان والاختبار، وبعد الإجابة للدعوة الإلهية: ألست بربّكم؟ فأوّل من قال: بلى، هو رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؛ لهذا اختاره الله من بين الخلق, ثمّ بعد ذلك أمير المؤمنين(عليه السلام)، ثمّ فاطمة الزهراء(عليها السلام) ، وهكذا بقية الأئمّة، ثمّ الأنبياء، ثمّ المؤمنون الواحد تلو الآخر الأقرب فالأقرب، فكلّ من أجاب دعوة الله تعالى تقرّب إليه.

١- الكافي، للكليني ٢: ٨ الحديث ١، باب الإيمان والكفر، باب آخر منه.

٢- إقبال الأعمال، لابن طاووس ١: ٥٠٤ الباب ٣٧ فصل ١٨، المزار، للمشهدي: ٥٧٤، الباب ٩ دعاء الندبة.

٣- المزار، للمفيد: ١٧٨ القسم الثاني من الكتاب، باب ٧.

٦٧

إذاً، اختيار الإمام(عليه السلام)دون أخيه لم يكن اختياراً اعتباطياً، وإنّما اختياره عن حكمة وبعد اختباره وامتحانه، فنجح في اختباره وامتحانه، وهذا لا ينافي العدالة الإلهية.

(اختيار الأئمّة(عليهم السلام)

« أبو علي ــ السعودية ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أرجو التفضّل بالإجابة على السؤال التالي: نحن نعتقد أنّ الإمامة أعلى مقاماً من النبوّة، ونستدلّ على ذلك بالآية: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً...﴾(١) الخ.. الآية.

ونستدلّ بالرواية: (إنّ الله اتّخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتّخذه نبيّاً)، ثمّ تقول الرواية: (اتّخذه خليلاً)، وهكذا إلى أن وصل مقام الإمامة.

والسؤال ــ مع علمي بالنفي، إلّا أنّني أحبّ معرفة الإجابة المفصّلة مع الأدّلة ـ ـ: هل احتاج الأئمّة لكلّ المراحل التي مرّ بها النبيّ إبراهيم عليه وعلى نبيّنا وآله السلام حتّى نالوا مرتبة الإمامة؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

١- البقرة ٢: ١٢٤.

٦٨

إنّ الأنبياء يخضعون للاختبار وكذلك الأئمّة، كما يخضع بقية الناس إلى الاختبار، ووفق ما يعمل الجميع يحصل كلّ واحد على الدرجة التي يستحقّها نتيجة النجاح في الاختبار.

نعم، قد يخبر الله تعالى عن شخص بأنّه إمام أو نبيّ، لكن هذا العلم السابق منه تعالى وإخباره لا يغيّر من تكليف ذلك النبيّ أو الإمام، ولذا ورد عندنا: القول لبعض الأنبياء: أنّك لو عملت كذا (لمحوتك من ديوان النبوّة)(١)، وكان خوف الأئمّة كبيراً لئلا يحصل البداء فيهم، والذي يدلّ على حصول الاختبار على الأئمّة ما ورد في رواية في كتاب (الخصال)، للشيخ الصدوق:

(حدّثنا أبي ومحمّد بن الحسن(رضي الله عنهما)، قالا: حدّثنا سعد بن عبد الله، قال: حدّثنا أحمد بن الحسين بن سعيد، قال: حدّثني جعفر بن محمّد النوفلي, عن يعقوب بن يزيد، قال: قال أبو عبد الله جعفر بن أحمد بن محمّد بن عيسى بن محمّد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، قال: حدّثنا يعقوب ابن عبد الله الكوفي، قال: حدّثنا موسى بن عبيدة, عن عمرو بن أبي المقدام, عن أبي إسحاق, عن الحارث, عن محمّد بن الحنفية(رضي الله عنه) .. وعمرو بن أبي المقدام, عن جابر الجعفي, عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: (أتى رأس اليهود عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)| عند منصرفه عن [من] وقعة النهروان وهو جالس في مسجد الكوفة، فقال: يا أمير المؤمنين! إنّي أُريد أن أسألك عن أشياء لا يعلمها إلّا نبيّ أو وصيّ نبيّ.

قال: سل عمّا بدا لك يا أخا اليهود.

١- انظر: عدّة الدّاعي، لابن فهد الحلّي: ٢٠٤، الباب الرابع، القسم الثالث: خاتمة في الرياء.

٦٩

قال: إنّا نجد في الكتاب أنّ الله عزّ وجلّ إذا بعث نبيّاً أوحى إليه أن يتّخذ من أهل بيته من يقوم بأمر أُمّته من بعده، وأن يعهد إليهم فيه عهداً يحتذي عليه ويعمل به في أُمّته من بعده، وأن الله عزّ وجلّ يمتحن الأوصياء في حياة الأنبياء ويمتحنهم بعد وفاتهم، فأخبرني: كم يمتحن الله الأوصياء في حياة الأنبياء؟ وكم يمتحنهم بعد وفاتهم من مرّة؟ وإلى ما يصير آخر أمر الأوصياء إذا رضي محنتهم؟

فقال له عليّ(عليه السلام): والله الذي لا إله غيره, الذي فلق البحر لبني إسرائيل وأنزل التوراة على موسى(عليه السلام)،| لئن أخبرتك بحقّ عمّا تسأل عنه لتقرّنّ به؟

قال: نعم.

قال: والذي فلق البحر لبني إسرائيل وأنزل التوراة على موسى(عليه السلام)،| لئن أجبتك لتسلمنّ؟

قال: نعم.

فقال له عليّ(عليه السلام): إنّ الله عزّ وجلّ يمتحن الأوصياء في حياة الأنبياء في سبعة مواطن ليبتلي طاعتهم, فإذا رضي طاعتهم ومحنتهم، أمر الأنبياء أن يتّخذوهم أولياء في حياتهم وأوصياء بعد وفاتهم، ويصير طاعة الأوصياء في أعناق الأُمم ممّن يقول بطاعة الأنبياء..

ثمّ يمتحن الأوصياء بعد وفاة الأنبياء(عليهم السلام)في سبعة مواطن ليبلو صبرهم, فإذا رضي محنتهم، ختم لهم بالسعادة ليلحقهم بالأنبياء, وقد أكمل لهم السعادة.

قال له رأس اليهود: صدقت يا أمير المؤمنين، فأخبرني: كم امتحنك الله في حياة محمّد من مرّة؟ وكم امتحنك بعد وفاته من مرّة؟ وإلى ما يصير آخر أمرك؟

فأخذ عليّ(عليه السلام)بيده، وقال: انهض بنا أُنبئك بذلك. فقام إليه جماعة من أصحابه، فقالوا: يا أمير المؤمنين! أنبئنا بذلك معه.

٧٠

فقال: إنّي أخاف أن لا تحتمله قلوبكم.

قالوا: ولم ذاك يا أمير المؤمنين؟

قال: لأُمور بدت لي من كثير منكم.

فقام إليه الأشتر، فقال: يا أمير المؤمنين أنبئنا بذلك, فوالله إنّا لنعلم أنّه ما على ظهر الأرض وصيّ نبيّ سواك, وإنّا لنعلم أنّ الله لا يبعث بعد نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم) نبيّاً سواه، وأنّ طاعتك لفي أعناقنا موصولة بطاعة نبيّنا.

فجلس عليّ(عليه السلام)وأقبل على اليهودي، فقال: يا أخا اليهود إنّ الله عزّ وجلّ امتحنني في حياة نبيّنا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) في سبعة مواطن، فوجدني فيهنّ ــ من غير تزكية لنفسي ــ بنعمة الله له مطيعاً.

قال: وفيم، وفيم يا أمير المؤمنين؟

قال: أمّا أوّلهنّ: فإنّ الله عزّ وجلّ أوحى إلى نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم) وحمّله الرسالة وأنا أحدث أهل بيتي سنّاً, أخدمه في بيته وأسعى (في قضاء) بين يديه في أمره, فدعا صغير بني عبد المطّلب وكبيرهم إلى شهادة أن لا إله إلّا الله وأنّه رسول الله، فامتنعوا من ذلك وأنكروه عليه وهجروه, ونابذوه واعتزلوه واجتنبوه، وسائر الناس مقصين له ومخالفين عليه, قد استعظموا ما أورده عليهم ممّا لم تحتمله قلوبهم وتدركه عقولهم..

فأجبت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وحدي إلى ما دعا إليه مسرعاً مطيعاً موقناً, لم يتخالجني في ذلك شكّ, فمكثنا بذلك ثلاث حجج وما على وجه الأرض خلق يصلّي أو يشهد لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بما آتاه الله غيري وغير ابنة خويلد ــ رحمها الله ــ وقد فعل.

٧١

ثمّ أقبل (عليه السلام)على أصحابه، فقال: أليس كذلك؟!

قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

فقال(عليه السلام): وأمّا الثانية يا أخا اليهود: فإنّ قريشاً لم تزل تخيّل الآراء وتعمل الحيل في قتل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى كان آخر ما اجتمعت في ذلك يوم الدار ــ دار الندوة ــ وإبليس الملعون حاضر في صورة أعور ثقيف, فلم تزل تضرب أمرها ظهراً لبطن حتّى اجتمعت آراؤها على أن ينتدب من كلّ فخذ من قريش رجل, ثمّ يأخذ كلّ رجل منهم سيفه، ثمّ يأتي النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو نائم على فراشه فيضربونه جميعاً بأسيافهم ضربة رجل واحد فيقتلوه, وإذا قتلوه منعت قريش رجالها ولم تسلّمها، فيمضي دمه هدراً..

فهبط جبرئيل(عليه السلام)| على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فأنبأه بذلك، وأخبره بالليلة التي يجتمعون فيها، والساعة التي يأتون فراشه فيها, وأمره بالخروج في الوقت الذي خرج فيه إلى الغار, فأخبرني رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالخبر, وأمرني أن أضطجع في مضجعه، وأقيه بنفسي, فأسرعت إلى ذلك مطيعاً له، مسروراً لنفسي بأن أُقتل دونه..

فمضى (عليه السلام)لوجهه، واضطجعت في مضجعه، وأقبلت رجالات قريش موقنة في أنفسها أن تقتل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلمّا استوى بي وبهم البيت الذي أنا فيه، ناهضتهم بسيفي، فدفعتهم عن نفسي بما قد علمه الله والناس.

ثمّ أقبل (عليه السلام)على أصحابه، فقال: أليس كذلك؟!

قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

٧٢

فقال(عليه السلام): وأمّا الثالثة يا أخا اليهود، فإنّ ابني ربيعة وابن عتبة كانوا فرسان قريش دعوا إلى البراز يوم بدر، فلم يبرز لهم خلق من قريش، فأنهضني رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مع صاحبَيّ ــ رضي الله عنهما ــ وقد فعل، وأنا أحدث أصحابي سنّاً وأقلّهم للحرب تجربة, فقتل الله عزّ وجلّ بيدي وليداً وشيبة, سوى من قتلت من جحاجحة قريش في ذلك اليوم, وسوى من أسرت, وكان منّي أكثر ممّا كان من أصحابي، واستشهد ابن عمّي في ذلك رحمة الله عليه.

ثمّ التفت إلى أصحابه، فقال: أليس كذلك؟!

قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

فقال عليّ(عليه السلام): وأمّا الرابعة يا أخا اليهود: فإنّ أهل مكّة أقبلوا إلينا على بكرة أبيهم، قد استحاشوا من يليهم من قبايل العرب وقريش طالبين بثأر مشركي قريش في يوم بدر, فهبط جبرئيل(عليه السلام)على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فأنبأه بذلك, فذهب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وعسكر بأصحابه في سدّ أحد..

وأقبل المشركون إلينا، فحملوا إلينا حملة رجل واحد, واستشهد من المسلمين من استشهد, وكان ممّن بقي من الهزيمة, وبقيت مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ومضى المهاجرون والأنصار إلى منازلهم من المدينة، كلّ يقول: قُتل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وقُتل أصحابه..

ثمّ ضرب الله عزّ وجلّ وجوه المشركين، وقد جرحت بين يدي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) نيفاً وسبعين جرحة، منها هذه وهذه ــ ثمّ ألقى(عليه السلام)رداءه وأمرّ يده على جراحاته ــ وكان منّي في ذلك ما على الله عزّ وجلّ ثوابه إن شاء الله.

ثمّ التفت(عليه السلام)إلى أصحابه، فقال: أليس كذلك؟!

٧٣

قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

فقال(عليه السلام): وأمّا الخامسة يا أخا اليهود: فإنّ قريشاً والعرب تجمّعت وعقدت بينها عقداً وميثاقاً لا ترجع من وجهها حتّى تقتل رسول الله، وتقتلنا معه معاشر بني عبد المطّلب, ثمّ أقبلت بحدّها وحديدها حتّى أناخت علينا بالمدينة, واثقة بأنفسها في ما توجّهت له، فهبط جبرئيل(عليه السلام)على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فأنبأه بذلك، فخندق على نفسه ومن معه من المهاجرين والأنصار..

فقدمت قريش فأقامت على الخندق محاصرة لنا, ترى في أنفسها القوّة وفينا الضعف، ترعد وتبرق، ورسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يدعوها إلى الله عزّ وجلّ، ويناشدها بالقرابة والرحم، فتأبى, ولا يزيدها ذلك إلّا عتوّاً..

وفارسها وفارس العرب يومئذ: عمرو بن عبد ودّ, يهدر كالبعير المغتلم، يدعو إلى البراز ويرتجز، ويخطر برمحه مرّة وبسيفه مرّة، لا يقدم عليه مقدم, ولا يطمع فيه طامع, ولا حمية تهيجه، ولا بصيرة تشجّعه, فأنهضني إليه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وعمّمني بيده، وأعطاني سيفه هذا ــ وضرب بيده إلى ذي الفقار ــ. فخرجت إليه ونساء أهل المدينة بواكٍ، إشفاقاً علَيَّ من ابن عبد ودّ, فقتله الله عزّ وجلّ بيدي, والعرب لا تعد لها فارساً غيره, وضربني هذه الضربة ــ وأومأ بيده إلى هامته ــ فهزم الله قريشاً والعرب بذلك، وبما كان منّي فيهم من النكاية.

ثمّ التفت (عليه السلام)إلى أصحابه، فقال: أليس كذلك؟!

قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

فقال(عليه السلام): وأمّا السادسة يا أخا اليهود: فإنّا وردنا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مدينة أصحابك خيبر على رجال من اليهود وفرسانها من قريش وغيرها, فتلقّونا بأمثال

٧٤

الجبال من الخيل والرجال والسلاح, وهم في أمنع دار وأكثر عدد, كلّ ينادي ويدعو ويبادر إلى القتال، فلم يبرز إليهم من أصحابي أحد إلّا قتلوه، حتّى إذا احمرّت الحدق, ودُعيت إلى النزال، وأهمّت كلّ امرئ نفسه، والتفت بعض أصحابي إلى بعض، وكلّ يقول: يا أبا الحسن! انهض..

فأنهضني رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى دارهم، فلم يبرز إليَّ منهم أحد إلّا قتلته, ولا يثبت لي فارس إلّا طحنته، ثمّ شددت عليهم شدّة الليث على فريسته, حتّى أدخلتهم جوف مدينتهم مسدّداً عليهم, فاقتلعت باب حصنهم بيدي حتّى دخلت عليهم مدينتهم وحدي، أقتل من يظهر فيها من رجالها, وأسبي من أجد من نسائها حتّى افتتحتها وحدي, ولم يكن لي فيها معاون إلّا الله وحده.

ثمّ التفت (عليه السلام)إلى أصحابه، فقال: أليس كذلك؟!

قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

فقال(عليه السلام): وأمّا السابعة يا أخا اليهود: فإنّ رسول لله(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا توجّه لفتح مكّة أحبّ أن يعذر إليهم ويدعوهم إلى الله عزّ وجلّ آخراً، كما دعاهم أوّلاً، فكتب إليهم كتاباً يحذّرهم فيه، وينذرهم عذاب الله، ويعدهم الصفح، ويمنّيهم مغفرة ربّهم, ونسخ لهم في آخره سورة براءة ليقرأها عليهم, ثمّ عرض على جميع أصحابه المضيّ به، فكلّهم يرى التثاقل فيه, فلمّا رأى ذلك ندب منهم رجلاً فوجّهه به، فأتاه جبرئيل، فقال: (يا محمّد لا يؤدّي عنك إلّا أنت، أو رجل منك)..

فأنبأني رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك، ووجّهني بكتابه ورسالته إلى أهل مكّة، فأتيت مكّة، وأهلها من قد عرفتم، ليس منهم أحد إلّا ولو قدر أن يضع على كلّ جبل منّي إرباً لفعل, ولو أن يبذل في ذلك نفسه وأهله وولده وماله, فبلّغتهم رسالة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وقرأت عليهم كتابه, فكلّهم يلقاني بالتهدّد والوعيد ويبدي لي البغضاء,

٧٥

ويظهر الشحناء من رجالهم ونسائهم, فكان منّي في ذلك ما قد رأيتم.

ثمّ التفت إلى أصحابه، فقال: أليس كذلك؟

قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

فقال(عليه السلام): يا أخا اليهود! هذه المواطن التي امتحنني فيهن ربّي عزّ وجلّ مع نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، فوجدني فيها كلّها بمنّه مطيعاً, ليس لأحد فيها مثل الذي لي، ولو شئت لوصفت ذلك، ولكنّ الله عزّ وجلّ نهى عن التزكية.

فقالوا: يا أمير المؤمنين، صدقت والله، ولقد أعطاك الله عزّ وجلّ الفضيلة بالقرابة من نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم), وأسعدك بأن جعلك أخاه, تنزل منه بمنزلة هارون من موسى, وفضّلك بالمواقف التي باشرتها, والأهوال التي ركبتها, وذخر لك الذي ذكرت وأكثر منه ممّا لم تذكره, وممّا ليس لأحد من المسلمين مثله, يقول ذلك من شهدك منّا مع نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم) ومن شهدك بعده..

فأخبرنا يا أمير المؤمنين، ما امتحنك الله عزّ وجلّ به بعد نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم)، فاحتملته وصبرت, فلو شئنا أن نصف ذلك لوصفناه، علماً منّا به وظهوراً منّا عليه, إلّا أنّا نحبّ أن نسمع منك ذلك، كما سمعنا منك ما امتحنك الله به في حياته فأطعته فيه.

فقال(عليه السلام): يا أخا اليهود! إنّ الله عزّ وجلّ امتحنني بعد وفاة نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) في سبعة مواطن، فوجدني فيهنّ ــ من غير تزكية لنفسي ــ بمنّه ونعمته صبوراً.

أمّا أوّلهنّ يا أخا اليهود: فإنّه لم يكن لي خاصّة دون المسلمين عامّة أحد آنس به، أو أعتمد عليه، أو أستنيم إليه، أو أتقرّب به، غير رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؛ هو ربّاني صغيراً، وبوّأني كبيراً, وكفاني العيلة, وجبرني من اليتم, وأغناني عن

٧٦

الطلب, ووقاني المكسب، وعال لي النفس والولد والأهل، هذا في تصاريف أمر الدنيا مع ما خصّني به من الدرجات التي قادتني إلى معالي الحقّ عند الله عزّ وجلّ..

فنزل بي من وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ما لم أكن أظنّ الجبال لو حملته عنوة كانت تنهض به، فرأيت الناس من أهل بيتي ما بين جازع لا يملك جزعه, ولا يضبط نفسه, ولا يقوى على حمل فادح ما نزل به، قد أذهب الجزع صبره, وأذهل عقله, وحال بينه وبين الفهم والإفهام، والقول والأسماع, وسائر الناس من غير بني عبد المطّلب بين معزٍّ يأمر بالصبر, وبين مساعد باكٍ لبكائهم, جازع لجزعهم..

وحملت نفسي على الصبر عند وفاته بلزوم الصمت والاشتغال بما أمرني به من تجهيزه, وتغسيله وتحنيطه وتكفينه, والصلاة عليه, ووضعه في حفرته, وجمع كتاب الله وعهده إلى خلقه, لا يشغلني عن ذلك بادر دمعة، ولا هائج زفرة، ولا لاذع حرقة، ولا جزيل مصيبة، حتّى أدّيت في ذلك الحقّ الواجب لله عزّ وجلّ ولرسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) علَيَّ, وبلغت منه الذي أمرني به, واحتملته صابراً محتسباً.

ثمّ التفت (عليه السلام)إلى أصحابه، فقال: أليس كذلك؟!

قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

فقال(عليه السلام): وأمّا الثانية يا أخا اليهود: فإنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أمّرني في حياته على جميع أُمّته، وأخذ على جميع من حضره منهم البيعة والسمع والطاعة لأمري, وأمرهم أن يبلّغ الشاهد الغائب ذلك, فكنت المؤدّي إليهم عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أمره إذا حضرته، والأمير على من حضرني منهم إذا فارقته, لا تختلج في نفسي منازعة أحد من الخلق لي في شيء من الأمر في حياة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا بعد وفاته..

٧٧

ثمّ أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بتوجيه الجيش الذي وجّهه مع أُسامة بن زيد، عند الذي أحدث الله به من المرض الذي توفّاه فيه, فلم يدع النبيّ أحداً من أفناء العرب، ولا من الأوس والخزرج، وغيرهم من سائر الناس، ممّن يخاف علَيَّ نقضه ومنازعته، ولا أحداً ممّن يراني بعين البغضاء، ممّن قد وترته بقتل أبيه، أو أخيه، أو حميمه، إلّا وجهه في ذلك الجيش, ولا من المهاجرين والأنصار والمسلمين وغيرهم، والمؤلّفة قلوبهم والمنافقين, لتصفوا قلوب من يبقى معي بحضرته, ولئلا يقول قائل شيئاً ممّا أكرهه, ولا يدفعني دافع من الولاية والقيام بأمر رعيّته من بعده, ثمّ كان آخر ما تكلّم به في شيء من أمر أُمّته أن يمضي جيش أُسامة ولا يتخلّف عنه أحد ممّن أنهض معه, وتقدّم في ذلك أشدّ التقدّم، وأوعز فيه أبلغ الإيعاز، وأكّد فيه أكثر التأكيد..

فلم أشعر بعد أن قبض النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلّا برجال من بعث أُسامة بن زيد وأهل عسكره قد تركوا مراكزهم, وأخلوا مواضعهم, وخالفوا أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في ما أنهضهم له وأمرهم به، وتقدّم إليهم من ملازمة أميرهم، والسير معه تحت لوائه حتّى ينفذ لوجهه الذي أنفذه إليه..

فخلّفوا أميرهم مقيماً في عسكره, وأقبلوا يتبادرون على الخيل ركضاً إلى حلّ عقدة عقدها الله عزّ وجلّ لي ولرسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) في أعناقهم، فحلّوها, وعهد عاهدوا الله ورسوله، فنكثوه, وعقدوا لأنفسهم عقداً ضجّت به أصواتهم، واختصّت به آراؤهم، من غير مناظرة لأحد منّا بني عبد المطّلب، أو مشاركة في رأي، أو استقالة لما في أعناقهم من بيعتي, فعلوا ذلك وأنا برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مشغول، وبتجهيزه عن سائر الأشياء مصدود، فإنّه كان أهمّها وأحقّ ما بدئ به منها.

٧٨

فكان هذا يا أخا اليهود أقرح ما ورد على قلبي مع الذي أنا فيه من عظيم الرزية, وفاجع المصيبة, وفقد من لا خلف منه إلّا الله تبارك وتعالى, فصبرت عليها إذ أتت بعد أُختها على تقاربها وسرعة اتّصالها.

ثمّ التفت (عليه السلام)إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟!

قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

فقال(عليه السلام): وأمّا الثالثة يا أخا اليهود: فإنّ القائم بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يلقاني معتذراً في كلّ أيامه، ويلوم غيره ما ارتكبه من أخذ حقّي، ونقض بيعتي، وسألني تحليله, فكنت أقول: تنقضي أيامه, ثمّ يرجع إلَيَّ حقّي الذي جعله الله لي عفواً هنيئاً من غير أن أُحدث في الإسلام، مع حدوثه وقرب عهده بالجاهلية، حدثاً في طلب حقّي بمنازعة، لعلّ فلاناً يقول فيها: نعم، وفلاناً يقول: لا, فيؤول ذلك من القول إلى الفعل.

وجماعة من خواص أصحاب محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) أعرفهم بالنصح لله ولرسوله ولكتابه ودينه الإسلام يأتوني عوداً وبدءاً وعلانية وسرّاً، فيدعوني إلى أخذ حقّي, ويبذلون أنفسهم في نصرتي ليؤدّوا إليَّ بذلك بيعتي في أعناقهم, فأقول: رويداً وصبراً لعلّ الله يأتيني بذلك عفواً بلا منازعة، ولا إراقة الدماء؛ فقد ارتاب كثير من الناس بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وطمع في الأمر بعده من ليس له بأهل, فقال كلّ قوم: منّا أمير, وما طمع القائلون في ذلك إلّا لتناول غيري الأمر.

فلمّا دنت وفاة القائم وانقضت أيّامه، صيّر الأمر بعده لصاحبه, فكانت هذه أُخت أُختها, ومحلّها منّي مثل محلّها، وأخذا منّي ما جعله الله لي, فاجتمع إلَيَّ

٧٩

من أصحاب محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) ممّن مضى وممّن بقي ممّن أخّره الله ممّن اجتمع، فقالوا لي فيها مثل الذي قالوا في أُختها..

فلم يَعدُ قولي الثاني قولي الأوّل صبراً واحتساباً، ويقيناً وإشفاقاً من أن تفنى عصبة تألّفهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) باللين مرّة وبالشدّة أُخرى, وبالنذر مرّة وبالسيف أُخرى، حتّى لقد كان من تألّفه لهم أن كان الناس في الكرّ والفرار والشبع والري, واللباس والوطاء والدثار، ونحن أهل بيت محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) لا سقوف لبيوتنا, ولا أبواب ولا ستور إلّا الجرائد وما أشبهها، ولا وطاء لنا، ولا دثار علينا, يتداول الثوب الواحد في الصلاة أكثرنا, ونطوي الليالي والأيام عامّتنا, وربّما أتانا الشيء ممّا أفاءه الله علينا وصيّره لنا خاصّة دون غيرنا، ونحن على ما وصفت من حالنا، فيؤثر به رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أرباب النعم والأموال تألّفاً منه لهم.

فكنت أحقّ من لم يفرّق هذه العصبة التي ألّفها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يحملها على الخطة التي لا خلاص لها منها دون بلوغها أو فناء آجالها؛ لأنّي لو نصبت نفسي فدعوتهم إلى نصرتي كانوا منّي وفي أمري على إحدى منزلتين: إمّا متّبع مقاتل, وإمّا مقتول إن لم يتّبع الجميع, وإمّا خاذل يكفر بخذلانه إن قصّر في نصرتي، أو أمسك عن طاعتي, وقد علم الله أنّي منه بمنزلة هارون من موسى, يحلّ به في مخالفتي والإمساك عن نصرتي ما أحلّ قوم موسى بأنفسهم في مخالفة هارون وترك طاعته، ورأيت تجرّع الغصص، وردّ أنفاس الصعداء، ولزوم الصبر حتّى يفتح الله أو يقضى بما أحبّ أزيد لي في حظّي، وأرفق بالعصابة التي وصفت أمرهم ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾(١).

١- الأحزاب ٣٣: ٣٨.

٨٠