×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 8) / الصفحات: ٥٠١ - ٥٢٠

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

هناك جملة من الأحاديث المنسوبة إلى أئمّة أهل البيت عليهم السلام يتشبث بها المخالفون والمشكّكون لتمرير غاياتهم، قد أجاب عنها علماؤنا جملة وتفصيلاً، فقد كانوا يذكرون مثل هذه الأحاديث التي يحتجّ بها الطرف المخالف ليقوموا بالردّ عليها وكشف زيفها وتناقضها.

ومنها هذا الحديث المزعوم عن الإمام عليّ عليه السلام: (لا أجد أحداً يفضّلني على أبي بكر وعمر إلّا جلدته حدّ المفتري), فقد ذكره أصحابنا في كتبهم التي ورد بعضها في السؤال للردّ عليه ودحض حجّة المخالف, ولو أنّك تأمّلت جيداً في هذه المسألة، لعلمتم بأنّ أصحابنا كانوا في معرض الردّ على هذا الحديث وأمثاله، ليس إلّا!

ثمّ إنّ هذا الحديث أصله من مرويات أهل السُنّة لا من مرويات الشيعة الإمامية! وهو حديث باطل من وجوه:

الوجه الأوّل: أنّه حديث آحاد، لم يذكره أصحاب الكتب الستّة ولا المسانيد! وإنّما له طرق لا تخلو من إشكال، فبعضها ضعيف ورد من طريق محمّد بن طلحة المولع بتحسين صورة الخلفاء الثلاثة مع أهل البيت عليهم السلام، وهو مضعّف، يروي عن المجاهيل، وله أحاديث منكرة، وكان الناس يكذّبونه(١).

وقد اضطرب في إسناده: فرواه مرّة عن أبي عبيدة الحكم، عن الحكم بن جحل، عن عليّ عليه السلام(٢)، ومرّة عن أبي عبيدة بن الحكم، عن عليّ عليه السلام من دون

١- انظر: الطبقات الكبرى، لابن سعد ٦: ٣٧٦ محمّد بن طلحة.

٢- الاستيعاب، لابن عبد البرّ ٣: ٩٧٣ (١٦٣٣) عبد الله بن أبي قحافة، السُنّة، لابن أبي عاصم: ٥٦١ الحديث (١٢١٩)، المؤتلف والمختلف، للدارقطني ٢: ٨٠٧، باب حجل وجحل وحجل، الاعتقاد، للبيهقي: ٣٥٨، باب اجتماع المسلمين على بيعة أبي بكر، فضائل الصحابة، لابن حنبل: ٢٤ الحديث (٤٩)، و٩٨ الحديث (٣٨٩)، السُنّة، لعبد الله بن أحمد بن حنبل: ٥٦٢ الحديث (١٣١٢) قول أولاد عليّ، الشريعة، للآجري ٥: ٢٣٢ الحديث (١٧٦٤).

٥٠١
توسط أبيه الحكم(١)، ومرّة عن الحكم، عن أبيه، عن عليّ عليه السلام من دون توسط أبي عبيدة(٢)، وأُخرى عن شعبة، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عليّ عليه السلام(٣)؛ والحكم بن جحل البصري لم يثبت سماعه عن عليّ عليه السلام، فهو من السادسة(٤)، وأبوه مجهول لم يذكروه، وابنه أبو عبيدة أميّة بن الحكم لا يعرف(٥)، فلا ينفع ما رواه مهجع عن أبيه أميّة بن الحكم عن أبيه الحكم(٦).

وهناك طريق آخر عن الحكم، فيه حفص بن سليمان البزّاز(٧)؛ كذّبوه بل اتّهموه بوضع الحديث(٨).

ورواه الحسن بن عمارة البجلي، عن المنهال بن عمرو، وعن سويد بن غفلة(٩)، والحسن بن عمارة البجلي كان قاضي المنصور على بغداد، يروي ما لا

١- المحلّى، لابن حزم ١١: ٢٨٦ (٢٢٣٨) مسألة فيمن فضل على أبي بكر.

٢- تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٣٠: ٣٨٣ (٣٣٩٨).

٣- المصدر نفسه.

٤- التاريخ الكبير، للبخاري ٢: ٣٣٦ (٢٦٦١)، الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم ٣: ١١٤ (٥٣١)، تقريب التهذيب، لابن حجر ١: ٢٣٠ (١٤٤٦).

٥- الكنى والألقاب للإمام مسلم ١: ٥٩١ (٢٤١٢)، ميزان الاعتدال، للذهبي
١: ٣٧٥ (١٠٢٨).

٦- تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٤٤: ٣٦٥ (٥٢٠٦).

٧- المصدر نفسه.

٨- انظر: تهذيب الكمال، للمزّي ٧: ١٠ (١٣٩٠).

٩- من حديث خيثمة بن سليمان: ١٢٤، باب مجاورة النبيّ صلي الله عليه وسلم لأصحابه في الجنّة، الشريعة، للآجري ٥: ٢٣٣٨ الحديث (١٨٢٩)، باب ذكر مذهب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام في أبي بكر وعمر وعثمان، شرح أصول اعتقاد أهل السُنّة، للالكائي ٧: ١٣٧٣ الحديث (٢٤٥٦)، كلام أهل البيت عليهم السلام في أبي بكر وعمر، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٣٠: ٣٨٤ (٣٣٩٨)، ٤٤: ٣٦٦ (٥٢٠٦)، تاريخ واسط، لابن سهل ١٦٦، الهيثم بن سعيد.

٥٠٢
أصل له، متّهم بالكذب والوضع، متروك الحديث(١). ومن قرأ متن ما نقله ابن عمارة رأى إمارات الوضع لائحة فيه لما تضمّن من الكذب الواضح المخالف لما ورد في الأخبار القطعية.

ورواه عبد الملك بن عمير، عن سويد(٢)، وعبد الملك هذا ذابح سفير الإمام الحسين عليه السلام عندما أُلقي من فوق القصر(٣)، تولّى القضاء في الكوفة لبني أُميّة، قالوا عنه مخلّط، مضطرب الحديث جدّاً، مدلّس غير حافظ، وضعّفه أحمد جدّاً، فلا يفيد توثيق الآخرين له(٤).

وهناك طريق ثالث مردّد بين الثقة والضعيف، وهو حديث سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء أو زيد بن وهب، عن سويد بن غفلة به.

وأبو الزعراء اسمه عبد الله بن هاني، قال البخاري: لا يتابع على حديثه(٥)، وقال النسائي وابن المديني: لا أعلم روى عنه سوى سلمة بن كهيل(٦). فالنتيجة: إنّه

١- تهذيب الكمال، للمزّي ٦: ٢٦٥ (١٢٥٢).

٢- طبقات المحدّثين بأصبهان، لأبي الشيخ الأصبهاني ٣: ٤٢٥ (٤٣٧)، فضائل الخلفاء الراشدين، لأبي نعيم: ١٨٤ الحديث (٢٣٩).

٣- تاريخ الطبري ٤: ٢٠٠ ذكر الخبر عن مسير الحسين عليه السلام من مكّة متوجهاً إلى الكوفة.

٤- تهذيب التهذيب، لابن حجر ٦: ٣٦٤ (٧٦٥).

٥- التاريخ الكبير ٥: ٢٢١ (٧٢٠).

٦- من لم يرو عنه غير واحد، للنسائي: ٢٦٠، الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم ٥: ١٩٥ (٩٠٢).

٥٠٣
ضعيف وإن وثّقه العجلي(١)، وابن حبّان(٢)؛ لأنّ قول البخاري وابن المديني مقدّم على قولهما كما هو مقرّر في مصطلح علم الحديث.

وما حاوله البرقاني لا يفيد بعد أن نصّ من سبقه على أنّ أبا الزعراء هو عبد الله ابن هاني لا حجّية بن عدي الكندي، وتمسك ابن حجر بقوله وبتوثيق البوشنجي قلّة تحقيق(٣).

وهناك طريق رابع رواه عطية بن عطية، عطاء بن رباح عن سويد(٤)، وعطية ابن عطية مجهول، قال فيه الذهبي: عن عطاء لا يعرف وأتى بخبر موضوع طويل(٥).

ثمّ إنّه قد أجمع أهل الأثر من أصحابنا الإمامية على أنّ سويد بن غفلة راوي هذا الحديث كان كثير الغلط، وبه ردوا الخبر الذي رواه عن عليّ عليه السلام، واعتبروه من روايات الناصبة، قال ذلك الفضل بن شاذان فيما نقله عنه الشيخ المفيد(٦).

ورواه أبو بكر بن عيّاش، عن أبي الحصين مرسلاً(٧)، فأبو الحصين الأسدي عثمان بن عاصم بن حصين، لم يرو عن عليّ عليه السلام، وهو ناصبي مشهور، فلا يؤمن في روايته عن عليّ عليه السلام، قال فيه العجلي: كان صاحب سُنّة ــ نقول: وهو عندهم من يكره عليّاً عليه السلام ــ وقال في موضع آخر: كان عثمانياً، وقال أبو بكر بن عيّاش: سمعت

١- معرفة الثقات ٢: ٦٥ (٩٨٧).

٢- الثقات ٥: ١٤ باب العين.

٣- تهذيب التهذيب، لابن حجر ٢: ١٩٠ (٣٩٩).

٤- تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٣٠: ٣٨٣ (٣٣٩٨).

٥- ميزان الاعتدال ٣: ٨٠ (٥٦٧٢).

٦- الفصول المختارة: ١٦٧ فصل: جواب الفضل بن شاذان على رواية تفضيل عليّ عليه السلام أبا بكر وعمر على نفسه.

٧- أنساب الأشراف، للبلاذري ٢: ٤٤١ (٤٩١).

٥٠٤
أبا الحصين يقول: ما سمعنا هذا الحديث حتّى جاء هذا من خراسان فنعق به ــ يعني: أبا إسحاق ــ: (من كنت مولاه فعليّ مولاه)، فاتّبعه على ذلك الناس(١).

نقول: من كان هكذا كيف يؤخذ بروايته عن عليّ عليه السلام مرسلاً.

ورواه الأعمش، عن أبي عطية جابر بن حميد، عن عليّ عليه السلام(٢)، وأبو عطية جابر بن حميد مجهول، لم يذكروه.

وروي عن أبي معشر، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن عليّ عليه السلام(٣).

والصحيح أنّه مرسل، أرسله أبو معشر كما بيّنه الدارقطني، قال في (العلل): ((وسئل عن حديث علقمة بن قيس عن عليّ، قال: (خير هذه الأُمّة بعد نبيّها أبو بكر وعمر، فمن وجدت فضّلني عليهما فهو مفتري، عليه ما على المفتري، ولو كنت تقدّمت لعاقبت)، فقال: يرويه إبراهيم النخعي، واختلف عنه، فرواه الحجّاج بن دينار، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عليّ، ورواه مغيرة بن مقسم، واختلف عنه، فرواه محمّد بن عبد العزيز التيمي، عن مغيرة، عن أبي معشر، عن إبراهيم مرسلاً عن عليّ، وخالفه مروان بن شجاع، عن إبراهيم، عن مغيرة مرسلاً،

١- تهذيب الكمال، للمزّي ١٩: ٤٠٦ (٣٨٢٨).

٢- تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٤٤: ٣٦٥ (٥٢٠٦).

٣- المحلّى، لابن حزم ١١: ٢٨٦ (٢٢٣٨)، السُنّة، لابن أبي عاصم: ٤٦٦ الحديث (٩٩٣)، المذكّر والتذكير والذكر، لابن أبي عاصم: ٨٩، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٣٠: ٣٧٠ (٣٣٩٨)، و٤٤: ٣٦٥ (٥٢٠٦)، شرح أصول اعتقاد أهل السُنّة، للالكائي ٨: ١٤٧٩ الحديث (٢٦٧٨)، الاعتقاد والهداية، للبيهقي ١: ٣٦١ باب استخلاف أبي بكر عمر بن الخطّاب، فضائل الصحابة، لابن حنبل ١: ٣٣٦ الحديث (٤٨٤)، السُنّة، لعبد الله بن أحمد بن حنبل ٢: ٥٨٨ الحديث (١٣٩٤)، فضائل الخلفاء الراشدين، لأبي نعيم: ١٤٠ الحديث (١٦٩)، الحجّة في بيان المحجّة، لأبي القاسم الأصفهاني ٢: ٣٦٩ الحديث (٣٢٧).

٥٠٥
ولم يذكر فيه أبا معشر، والأشبه بالصواب: قول من قال عن أبي معشر وأرسله))(١)، ولا نعرف كيف حسّنه الألباني(٢) بعد هذا؟!

ورواه محمّد بن يونس الكديمي، نا عقبة بن سنان الهدادي، ثنا الهيثم بن شداخ، عن الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن عبد الله بن سلمة، قال: سمعت عليّاً... الخ(٣). ومحمّد الكديمي كذّاب، كان يضع الحديث على الثقات(٤)، وخالفه أحمد ابن حامد بن سفيان، وإبراهيم بن أحمد بن مروان، فروياه عن الأعمش، عن رجل، عن عبد الخير، عن عليّ.

قال الخطيب: ((كذلك أخبرنا علي بن أحمد بن عمر المقري، نا أبو بكر الطلحي، نا أحمد بن حمّاد، نا عقبة بن سنان الذراع أبو بشر، وأنا علي بن محمّد بن عبد الله المعدّل، نا عبد الصمد بن علي، إملاءً، قال: حدّثني إبراهيم بن أحمد بن مروان الواسطي، قال: حدّثني عقبة بن سنان بن سعد الهدادي، نا الهيصم بن شدّاخ العبدي، نا الأعمش، عن رجلٍ، عن عبد خير، عن عليّ عليه السلام، قال: (سبق رسول اللهصلى الله عليه وسلم، وصلّى أبو بكر، وثلّث عمر)، هذا آخر حديث إبراهيم، قال أحمد بن حمّاد: وقال: مننه [عقبة] فهو ما شاء الله، فمن يصلّي على أبي بكر وعمر فعليه حدّ المفتري من الجلد وإسقاط الشهادة))(٥)، فخالفه اثنان عن رجلٍ لا يعرف، عن عبد خير. ولعلّ هذا الرجل هو شعيب بن ميمون الواسطي، فدلّسوه، حيث رواه عن حصين

١- علل الدارقطني ٤: ٩٥ (س٤٤٨)، بقية مسند علي بن أبي طالب.

٢- انظر: كتاب السُنّة ومعه ظلال الجنّة في تخريج السُنّة: ٤٧١ الحديث (٩٩٣).

٣- تلخيص المتشابه في الرسم، للخطيب البغدادي ١: ٣٥٢ عقبة بن سنان بن عقبة الهدادي، تفسير الكشف والبيان، للثعلبي ٩: ٢٣٦ سورة الحديد آية ٩ ــ ١١.

٤- تهذيب التهذيب، لابن حجر ٩: ٤٧٥ (٨٨٦).

٥- تلخيص المتشابه في الرسم ١: ٣٥٣ (٥٧٨).

٥٠٦
ابن عبد الرحمن عن عبد خير(١)، وشعيب بن ميمون مجهول، يروي المناكير عن المشاهير(٢). وأصله رواه هشيم، عن حصين، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عمر في تفضيل أبي بكر(٣)، وسيأتي.

ورواه عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه(٤)، وابن الزناد ممّن ضعف، ولم يحتج بحديثه(٥).

ورواه ابن شهاب عن عبد الله بن كثير(٦)، وهو مرسل.

نقول: فأي حديث هذا اجتمع عليه الوضّاعون والكذّابون والضعفاء والمجاهيل؟!! وكيف يكون مثل هذا الحديث متواتراً كما زعمه بعض، وقد تقرّر في علم مصطلح الحديث انّ اجتماع الكذّابين والوضّاعين في أسانيد حديث يسقط الحديث لا يقوّيه.

الوجه الثاني: لقد ردّ هذا الحديث الإمام الصادق عليه السلام وكذّبه، فقد أورده الكشي بسنده: عن ميمون بن عبد الله، قال: ((أتى قوم أبا عبد الله عليه السلام يسألونه الحديث من الأمصار، وأنا عنده، فقال لي: أتعرف أحداً من القوم؟ قلت: لا.

فقال: فكيف دخلوا علَيَّ؟!

قلت: هؤلاء قوم يطلبون الحديث من كلّ وجه لا يبالون ممّن أخذوا الحديث.

فقال لرجل منهم: هل سمعت من غيري من الحديث؟

قال: نعم.

١- تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٣٠: ٣٦٩ (٣٣٩٨).

٢- تهذيب التهذيب، لابن حجر ٤: ٣١٢ (٦٠٨).

٣- تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٣٠: ٣٤٣ (٣٣٩٨).

٤- الرياض النضرة، للطبري ١: ٩٠ ذكر أقاويل العلماء في أوّل من أسلم.

٥- تهذيب التهذيب، لابن حجر ٦: ١٥٥ (٣٥٦).

٦- تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٢٦: ٣٤٣ (٣١٠٦).

٥٠٧
قال: فحدّثني ببعض ما سمعت؟

قال: إنّما جئت لأسمع منك، لم أجئ أحدّثك.

وقال للآخر: ذاك ما يمنعه أن يحدّثني ما سمعت، قال: وتتفضّل أن تحدّثني بما سمعت، أجعل الذي حدّثك حديثه أمانة لا تحدّث به أحداً؟

قال: لا.

قال: فاسمعنا بعض ما اقتبست من العلم حتّى نفيد بك إن شاء الله.

قال: حدّثني سفيان الثوري، عن جعفر بن محمّد، قال: النبيذ كلّه حلال إلّا الخمر، ثمّ سكت.

فقال أبو عبد الله عليه السلام: زدنا.

قال: حدّثني سفيان، عمّن حدّثه، عن محمّد بن علي، أنّه قال: من لا يمسح على خفيه فهو صاحب بدعة، ومن لم يشرب النبيذ فهو مبتدع، ومن لم يأكل الجريث وطعام أهل الذمّة وذبايحهم فهو ضال، أمّا النبيذ: فقد شربه عمر نبيذ زبيب فرشحه بالماء، وأمّا المسح على الخفّين: فقد مسح عمر على الخفّين، ثلاثاً في السفر، ويوماً وليلة في الحضر، وأمّا الذبايح: فقد أكلها عليّ عليه السلام، فقال: كلوها فإنّ الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾(١)، ثمّ سكت.

فقال أبو عبد الله عليه السلام: زدنا.

فقال: قد حدّثتك بما سمعت.

قال: أكلّ الذي سمعت هذا؟

قال: لا.

١- المائدة (٥): ٥.

٥٠٨
قال: زدنا.

قال: حدّثنا عمرو بن عبيد، عن الحسن، قال: أشياء صدّق الناس بها وأخذوا بما ليس في الكتاب لها أصل، منها عذاب القبر، ومنها الميزان، ومنها الحوض، ومنها الشفاعة، ومنها النيّة، ينوي الرجل من الخير والشرّ فلا يعمله فيثاب عليه، ولا يثاب الرجل إلّا بما عمل إن خيراً فخيراً وإن شرّاً فشرّاً.

قال: فضحكت من حديثه، فغمزني أبو عبد الله عليه السلام أن كفّ حتّى نسمع.

قال فرفع رأسه إليَّ، فقال: ما يضحكك! من الحقّ أو من الباطل؟

قلت له: أصلحك الله، وأبكى؟! وإنّما يضحكني منك تعجّباً! كيف حفظت هذه الأحاديث؟ فسكت.

فقال له أبو عبد الله عليه السلام: زدنا.

قال: حدّثني سفيان الثوري، عن محمّد بن المنكدر، أنّه رأى عليّاً عليه السلام على منبر الكوفة وهو يقول: لئن أتيت برجل يفضّلني على أبي بكر وعمر لأجلدنه حدّ المفتري.

فقال أبو عبد الله عليه السلام: زدنا.

فقال: حدّثني سفيان، عن جعفر، أنّه قال: حبّ أبي بكر وعمر إيمان، وبغضهما كفر.

قال أبو عبد الله عليه السلام: زدنا.

فقال: حدّثني يونس بن عبيد، عن الحسن: أنّ عليّاً عليه السلام أبطأ عن بيعة أبي بكر، فقال له عتيق: ما خلفك يا عليّ عن البيعة، والله لقد هممت أن أضرب عنقك، فقال له عليّ عليه السلام: يا خليفة رسول الله! لا تثريب، قال: لا تثريب.

قال له أبو عبد الله عليه السلام: زدنا.

٥٠٩
قال: حدّثني سفيان الثوري، عن الحسن: أنّ أبا بكر أمر خالد بن الوليد أن يضرب عنق عليّ عليه السلام إذا سلّم من صلاة الصبح، وأنّ أبا بكر سلّم بينه وبين نفسه، ثمّ قال: يا خالد! لا تفعل ما أمرتك.

قال له أبو عبد الله عليه السلام: زدنا.

قال: حدّثني نعيم بن عبد الله، عن جعفر بن محمّد، أنّه قال: ودّ عليّ بن أبي طالب أنّه بنخيلات ينبع يستظّل بظلّهن ويأكل من حشفهن، ولم يشهد يوم الجمل ولا النهروان. وحدّثني به سفيان.

قال أبو عبد الله عليه السلام: زدنا.

قال: حدّثنا عبّاد، عن جعفر بن محمّد، أنّه قال: لمّا رأى عليّ بن أبي طالب يوم الجمل كثرة الدماء، قال لابنه الحسن: يا بني! هلكت، قال له الحسن: يا أبه! أليس قد نهيتك عن هذا الخروج؟ فقال عليّ عليه السلام: يا بني! لم أدر أنّ الأمر يبلغ هذا المبلغ.

قال له أبو عبد الله عليه السلام: زدنا.

قال: حدّثني سفيان الثوري، عن جعفر بن محمّد: أنّ عليّاً عليه السلام لمّا قتل أهل صفين، بكى عليهم، ثمّ قال: جمع الله بيني وبينهم في الجنّة.

قال: فضاق بي البيت، وعرقت، وكدت أن أخرج من مسكي، فأردت أن

أقوم إليه وأتوطأه، ثمّ ذكرت غمزة أبي عبد الله عليه السلام فكففت.

فقال له أبو عبد الله عليه السلام: من أي البلاد أنت؟

قال: من أهل البصرة.

قال: فهذا الذي تحدّث عنه وتذكر اسمه جعفر بن محمّد، تعرفه؟

قال: لا.

٥١٠
قال: فهل سمعت منه شيئاً قط؟

قال: لا.

قال: فهذه الأحاديث عندك حقّ؟

قال: نعم.

قال: فمتى سمعتها؟

قال: لا أحفظ.

قال: إلّا أنّها أحاديث أهل مصرنا منذ دهر لا يمترون فيها.

قال له أبو عبد الله عليه السلام: لو رأيت هذا الرجل الذي تُحدّث عنه، فقال لك: هذه التي ترويها عنّي كذب لا أعرفها ولم أُحدّث بها، هل كنت تصدّقه؟

قال: لا.

قال: لم؟!

قال: لأنّه شهد على قوله رجال، ولو شهد أحدهم على عنق رجل لجاز قوله.

قال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم حدّثني أبي، عن جدّي.

قال: ما اسمك؟

قال: ما تسأل عن اسمي؟ إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (خلق الله الأرواح قبل الأجساد بألفي عام، ثمّ أسكنها الهواء فما تعارف منها ائتلف هيهنا، وما تناكر منها ثمّ اختلف هيهنا، ومن كذب علينا أهل البيت حشره الله يوم القيامة أعمى يهودياً، وإن أدرك الدجال آمن به، وإن لم يدركه آمن به في قبره).

يا غلام! ضع لي ماءاً، وغمزني، فقال: لا تبرح.

وقام القوم فانصرفوا وقد كتبوا الحديث الذي سمعوا منه.

ثمّ إنّه خرج ووجهه منقبض، قال: أما سمعت ما يُحدّث به هؤلاء؟

٥١١
موسوعة الأسئلة العقائدية ج٨ » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ٤٨٥ - ص ٥١٤)قلت: أصلحك الله ما هؤلاء وما حديثهم؟

قال: عجب حديثهم كان عندي الكذب علَيَّ والحكاية عنّي ما لم أقل ولم يسمعه عنّي أحد، وقولهم: لو أنكر الأحاديث ما صدّقناه! ما لهؤلاء! لا أمهل الله لهم، ولا أملى لهم.

ثمّ قال لنا: إنّ عليّاً عليه السلام لمّا أراد الخروج من البصرة قام على أطرافها، ثمّ قال: لعنك الله يا أنتن الأرض تراباً، وأسرعها خراباً، وأشهدّها عذاباً، فيك الداء الدوي.

قيل: وما هو يا أمير المؤمنين؟

قال: كلام القدر الذي فيه الفرية على الله، وبغضنا أهل البيت، وفيه سخط الله ونبيّه عليه السلام، وكذبهم علينا أهل البيت، واستحلالهم الكذب علينا))(١).

الوجه الثالث: إنّ أصل هذه المقولة صادرة من عمر بحقّ أبي بكر، ثمّ نسبها الوضّاعون إلى عليّ عليه السلام:

فقد روى ابن حزم في (المحلّى) بسنده: ((عن محمّد بن جعفر ــ غندر ــ نا شعبة، عن حصين بن عبد الرحمن، عن ابن أبي ليلى: أنّ الجارود بن العلاء العبدي، قال: أبو بكر خير من عمر، فقال رجل من ولد حاجب بن عطارد: عمر خير من أبي بكر، فبلغ عمر، فضرب بالدرّة الحاجبي حتّى شغر برجله، وقال: قلت عمر خير من أبي بكر! إنّ أبا بكر صاحب رسول اللهصلى الله عليه وسلم، وكان أخير الناس في كذا وكذا، من قال غير ذلك وجب عليه حدّ المفتري))(٢).

وهذا الطريق هو الطريق الذي أوردناه عن محمّد بن طلحة، عن شعبة، عن حصين ابن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، منسوباً إلى عليّ عليه السلام؛ فراجع وتأمّل!

١- رجال الكشي: ٦٩٢ ــ ٧٠٠ الحديث (٧٤١).

٢- المحلّى ١١: ٢٨٦ الحديث (٢٢٣٨)، حكم من فضّل على أبي بكر.

٥١٢
ورواها اللألكائي في (شرح أصول اعتقاد أهل السُنّة)، عن هشيم، عن حصين ابن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عمر(١).

ورواها ابن عساكر بطريقه عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عبّاس(٢)، وروى البلاذري: ((عن المدائني، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن أبيه، عن الشعبي، قال: كان عمر يكتب إلى عمّاله: من فضّلني على أبي بكر فاضربوه حدّ المفتري، أو قال أربعين سوطاً))(٣).

الوجه الرابع: ما ذكره بعض علماء الشيعة، منهم:

القاضي النعمان في (شرح الأخبار في فضائل الأئمّة الأطهار)، قال: فهذا الحديث لا يصحّ؛ لِما فيه من الباطل, والحدّ لا يجب على من فضّل مفضولا ً على فاضل، ولو قال: أفضل الناس أبو بكر، لم يكن ذلك ممّا يوجب فضله عليه, وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما أقلّت الغبراء ولا أظلّت الخضراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ), فلم يكن أبو ذرّ بهذا القول أصدق من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا من المتعارف في الكلام أن يقول الرجل: فلان أكرم الناس، وأجود الناس، ولا يعني بذلك أنّه لا أكرم ولا أجود منه(٤).

والفضل بن شاذان، كما نقله عنه المفيد رحمه الله، قال: ((وبعد، فإنّ نفس الحديث متناقض؛ لأنّ الأُمّة مجمعة على أنّ عليّاً عليه السلام كان عدلاً في قضيته، وليس من العدل

١- شرح أصول اعتقاد أهل السُنّة ٧: ١٣٦٩ الحديث (٢٤٤٨)، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٣٠: ٣٤٣ (٣٣٩٨)، أسد الغابة، لابن الأثير ٣: ٢١٦ عبد الله بن عثمان القرشي أبو بكر، تاريخ الإسلام، للذهبي ٣: ١١٤ أبو بكر بن أبي قحافة.

٢- تاريخ مدينة دمشق ٤٤: ١١٩ (٥٢٠٦).

٣- أنساب الأشراف ١٠: ٨٢ أبو بكر بن أبي قحافة.

٤- شرح الأخبار في فضائل الأئمّة الأطهار ٢: ٢٥١ من فضائل أمير المؤمنين عليه السلام.

٥١٣
أن يجلد حدّ المفتري مَن لم يفتر، لأنّ هذا جور على لسان الأُمّة كلّها، وعليّ بن أبي طالب عليه السلام عندنا بريءٌ من ذلك))(١).

والصدوق في (عيون أخبار الرضا عليه السلام) عن المأمون العبّاسي في مناظرته مع علماء الكلام وأهل الحديث، أنّه قال: كيف يجوز أن يقول عليّ عليه السلام: أجلد الحدّ على من لا يجب عليه الحدّ، فيكون متعدّياً لحدود الله عزّ وجلّ، عاملاً بخلاف أمره! وليس تفضيل من فضّله عليهما فرية, وقد رويتم عن أبي بكر أنّه قال: وليتكم ولست بخيركم، فأيّ الرجلين أصدق عندكم: (أبو بكر على نفسه، أم عليّ على أبي بكر)!! مع تناقض الحديث في نفسه(٢).

والشيخ المفيد رحمه الله في (الفصول المختارة)، قال: ((مع أنّه لو كان هذا الحديث صحيحاً، وتأويله على ما ظنّه القوم، لوجب أن يكون حدّ المفتري واجباً على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحاشا له من ذلك؛ لأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد فضّل أمير المؤمنين عليه السلام على سائر الخلق، فآخى بينه وبين نفسه، وجعله بحكم الله في المباهلة نفسه، وسدّ أبواب القوم إلّا بابه، وردّ كبراء أصحابه عن إنكاحهم ابنته سيّدة نساء العالمين عليها السلام وأنكحه، وقدّمه في الولايات كلّها ولم يؤخّره، وأخبر أنّه يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، وأنّه أحبّ الخلق إلى الله، وأنّه مولى من كان مولاه من الأنام، وأنّه منه بمنزلة هارون من موسى بن عمران، وأنّه عليه السلام أفضل من سيّدي شباب أهل الجنّة، وأنّ حربه حربه وسلمه سلمه، وغير ذلك ممّا يطول شرحه إن ذكرناه.

وكان يجب أيضاً أن يكون عليه السلام قد أوجب الحدّ على نفسه إذ أبان عن فضله على سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث يقول: (أنا عبد الله وأخو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم

١- الفصول المختارة: ١٦٧ جواب الفضل بن شاذان عن الرواية عن عليّ عليه السلام بالتفضيل عليه.

٢- عيون أخبار الرضا عليه السلام ١: ٢٠٢، باب ذكر ما يتقرّب به المأمون إلى الرضا عليه السلام.

٥١٤