×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

موسوعة الأسئلة العقائدية (ج 8) / الصفحات: ٤١ - ٦٠

ص٦٥١ الفصل ١٢ في بيان أولاد الحسين)، وانظر في ترجمة فاطمة بنت الحسين من مصادر الشيعة الإمامية: (تاريخ اليعقوبي ١/٣٧٤، الأصيلي ٦٥ ــ ٦٦، وعمدة الطالب ص١١٨)، ومن كتب الأنساب: (أنساب الأشراف ٤/٦٠٧، جمهرة أنساب العرب ٤١ ــ ٨٣، ونسب قريش ص٥١).

وماتت فاطمة بنت الحسين سنة ١١٧هـ، وهي السنة نفسها التي ماتت فيها أختها سكينة بنت الحسين وفاطمة الكبرى بنت عليّ بن أبي طالب.

ولعلّ القارئ الكريم في شوق لما يشفي العلّة، ويودّ أن يقرأ النصوص الصريحة من مصادر علماء الشيعة الإمامية المثبتة لزواج فاطمة بنت الحسين من عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفّان، وهاك البيان:ــ

١ــ ذكر ابن الطقطقي (ت٧٠٩هـ) ــ وهو نسابة شيعي من أكابر علماء الشيعة ــ في كتابه (الأصيلي في أنساب الطالبيين) هذا الزواج، قال: ((خلف فاطمة بنت الحسين عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفّان فولدت له)).

٢ــ ذكر ابن عنبة (ت٨٢٨هـ) ــ وهو نسّابة شيعي معروف ــ في كتابه (عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب) هذا النكاح ص١٨٨ هامش الكتاب قال المحقّق: ((وكانت فاطمة تزوّجت بعد الحسن المثنى عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفّان الأموي... فولدت له أوّلاداً منهم محمّد المقتول مع أخيه عبد الله بن الحسن ويقال له: الديباج، والقاسم ورقية بنو عبد الله بن عمرو))(عمدة الطالب ص١١ الهامش).

والخلاصة: إنّ زواج فاطمة بنت الحسين من عبد الله بن عمرو بن عثمان ابن عفّان ثابت في مصادر الشيعة الإمامية وأهل السُنّة وقد ذكر ذلك في (٢٧) سبعة وعشرين مرجعاً، منها ثلاثة مراجع للشيعة الإمامية وهي: (الأصيلي في

٤١
أنساب الطالبيين لابن الطقطقي (ت٧٠٩هـ) ص٦٥ ــ ٦٦، عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب لابن عنبة (ت٧٤٨هـ) ص١١٨، وتاريخ اليعقوبي ٢/٣٧٤).

ومن مراجع وكتب التاريخ والأنساب نشير إلى: (المعارف لابن قتيبة

(ت٢٧٦هـ)، وتاريخ الإسلام للذهبي (ت٧٤٨هـ) ص٤٤٢ أحداث ١٢٠ ــ ١٠١هـ، والمنتظم في تاريخ الأُمم والملوك لابن الجوزي (ت٥٩٧هـ) ١٧/١٨٢ رقم٦٣٠، وأنساب الأشراف لأحمد بن يحيى البلاذري ٢/١٩٨، والبداية والنهاية لابن كثير (ت٧٧٤هـ)، والعقد الفريد لابن عبد ربّة، وتقريب التهذيب لابن حجر العسقلاني ٢/٤٨٢ ــ ٦٠٩، وتهذيب التهذيب لابن حجر (ت٨٥٢هـ) ١٢/٤٤٢ رقم٢٨٦٣ و١٠/٤٩٦ رقم٨٩٤٨، وتاريخ دمشق لابن عساكر ٢٧٢ ــ ٢٧٩ ــ ٢٨٠، ونسب قريش لمصعب الزبيري (ت٢٣٦هـ) ص٥١، الطبقات الكبرى لابن سعد ٨/٤٧٣ ــ ٤٧٤، والتاريخ لابن معين ٢/٧٣٩، والثقات لابن حبّان ٣/٢١٦، والمعرفة والتاريخ ٣/٢٦٥، والكامل في التاريخ لابن الأثير (ت٦٣٠هـ) ٥/٥١٨ ــ ٥٢٣، ٦/٢١٦، وتهذيب الكمال للمزّي (ت٧٤٢هـ) ٣/١١٩٢ ــ ٣٩٢، والكاشف للذهبي ٣/٤٣٢ رقم١١٠، وجامع التحصيل ٣٩٤ رقم١٠٣٢، وخلاصة تهذيب التهذيب ص٤٩٤، والتذكرة الحمدونية ١/٤٨٢، وجمهرة أنساب العرب لابن حزم ص٤١ ــ ٨٣).

دعائنا لكم بالتوفيق مأجورين.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

٤٢
أوّلاً: إنّ هذا الكاتب متناقض في كلامه، فهو يتّهم علماء الشيعة بالتغافل عن ذكر هذا الزواج، وأنّهم ينكرونه أحياناً.. ثمّ بعد أسطر يقول: ((والخلاصة أنّ زواج فاطمة بنت الحسين من عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفّان ثابت في مصادر الشيعة الإمامية))!

فإذا كان ثابتاً في مصادرهم، فكيف يصحّ أن ينسب إليهم إنكاره؟! مع أنّ هذه القضية تخص علماء النسب ــ أعم من كونهم من الشيعة أو من أهل السُنّة ــ ذكروها في كتبهم.

ثمّ إنّ هناك مغالطة في قوله: ((وعلماء الشيعة يتغافلون عن هذا النكاح وينكرونه أحياناً...))، واللذان ذكرهما لا يعدّان من علماء الشيعة، بل هما كاتبان لهما مؤلّفات في بعض المسائل! وكذلك هما ليسا كلّ علماء الشيعة، فكان حري على الكاتب أن يقول: ((وبعض كتّاب الإمامية يتغافلون عن هذا النكاح وينكرونه أحياناً)).

هذا وأنّ من أنكر هذا الزواج قد أبدى رأيه، ورأي الواحد حتّى وإن كان من العلماء لا يحسب على كلّ الطائفة!! كيف والقائل ليس كذلك؟ مع أنّه مصيب في ردّ الروايات غير المعقولة والمتناقضة في كيفية زواج فاطمة بنت الحسين من عبد الله بن عمرو بن عثمان.

ثانياً: إنّ الأخبار التي ذكرت كيفية الزواج متعارضة فيما بينها! وبعضها لا يمكن التصديق به.

فمنها ما يذكر أنّها نذرت أو حلفت للحسن بن الحسن حين موته أنّها تعتق كلّ مملوك لها إن هي تزوّجت بعده، ثمّ إنّها خالفت نذرها ويمينها وتزوّجت عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفّان بعد أن أرسل لها وصيفاً له، وهي على جنازة

٤٣
الحسن تضرب وجهها، قائلاً: ((يقول لك مولاي: اتّقي على وجهك فإنّ لنا فيه مأرباً))، فأرسلت يدها وما لطمت حتّى دفن، ثمّ خطبها وأخلف لها عن يمينها الضعفين، نقل ذلك مصعب الزبيري في (نسب قريش)(١)، ومصعب هذا لا يؤمن على أخبار العلويين لاشتهاره وأبيه بالعداوة لهم، مع أنّ هذه القصّة مردودة بما رواه البخاري من أهل السُنّة(٢)، والمفيد من الشيعة(٣)، من أنّ فاطمة بنت الحسين ضربت على قبر الحسن بن الحسن فسطاطاً لمدّة سنة كانت تقوم الليل وتصوم النهار(٤).

ثمّ هل يعقل من فاطمة ــ وهي المعروفة بعقلها وكمالها وشرفها ودينها ــ أن تقبل الزواج منه في الأيام الأولى للوفاة وهي في العدّة، وتتزوّج به بعد العدّة، بل هل يعقل أن يدخل عليها عبد الله بن عمرو بن عثمان وهي على جنازة زوجها تضرب وجهها حاسرة، حتّى يرسل لها من يقول لها ما قال؟! إنّ هذا لا يحدث عند عوّام الناس، فكيف في بيوت الرفعة والشرف كبيوت بني هاشم وآل عليّ؟!

ومن ثمّ روى ابن عساكر بسنده، قال: ((فلمّا حلّت للأزواج خطبها الرجال، فقالت: على ابن عمّي ألف ألف ــ زاد ابن البغدادي: دين ــ وقالا: فلست أتزوّج إلّا على ألف ألف أقضي بها دينه، قال: فخطبها ابن عمرو بن عثمان، فاستكثر

١- نسب قريش: ٥٢ ولد الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب.

٢- صحيح البخاري ٢: ٩٠ باب ما يكره من اتّخاذ المساجد على القبور.

٣- الإرشاد ٢: ٢٦ باب ذكر ولد الإمام الحسن عليه السلام.

٤- انظر: الهواتف، لابن أبي الدنيا: ٩٢ الحديث (١٣١)، تغليق التعليق، لابن حجر ٢: ٤٨٢، باب ما يكره من اتّخاذ المساجد على القبور، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٧٠: ١٩ (٩٤٠٠).

٤٤
الصداق، فشاور عمر بن عبد العزيز، فقال: ابنة الحسين وابنة فاطمة انتهزها، قال: فتزوّجها على ألف ألف، قال: ثمّ بعث ــ زاد الجنيد ــ إليها، وقالا: بالصداق كاملاً فقضت دينها، ثمّ دخل بها))(١)، فعلم أنّ ما أعطاها كان من الصداق لا لحلّ يمينها.

بل أنّها لم ترض أن تتزوّج عبد الله بن عمرو بن عثمان بعد أن خطبها إلّا بعد أن حرّجت عليها أُمّها، كما نقل أبو الفرج الأصفهاني بسنده: ((أنّ فاطمة بنت الحسين لمّا خطبها عبد الله أبت أن تتزوّجه، فحلفت أُمّها عليها أن تتزوّجه، وقامت في الشمس وآلت ألّا تبرح حتّى تتزوّجه، فكرهت فاطمة أن تحرج فتزوّجته))(٢).

ومن هنا يعلم أن هذا الزواج حاله حال غيره من الزيجات التي أضطر إليها بنو هاشم وآل بيت عليّ عليه السلام بالخصوص آنذاك، نتيجة للضغوط الكبيرة المالية والاجتماعية والسياسية التي تعرّضوا لها بعد مقتل الحسين عليه السلام.

فهذه سكينة بنت الحسين تقول لهشام بن عبد الملك، لمّا دخلت عليه هي وفاطمة بنت الحسين ــ عند زواجه من بنت فاطمة من عبد الله بن عمرو بن عثمان وجرى بينهم الكلام ــ : ((والله، يا أحول لقد أصبحت تهكم بنا، أما والله ما أبرزنا لك إلّا يوم الطفّ...))(٣).

وهذا والي المدينة عبد الرحمن بن الضحاك الفهري خطب فاطمة بنت الحسين بعد وفاة عبد الله بن عمرو بن عثمان، فأبت ذلك، فألحّ عليها حتّى هدّدها إن لم تقبل فإنّه يأخذ أكبر ولدها وهو عبد الله بن الحسن ويتّهمه بشرب الخمر

١- تاريخ مدينة دمشق ٧٠: ٢٠ (٩٤٠٠).

٢- مقاتل الطالبيين، لأبي الفرج: ١٣٩ محمّد بن عبد الله بن عمرو الديباج، والأغاني ٢١: ٧٩ ذكر عبد الله بن الحسن بن الحسن.

٣- تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر ٧٠: ٢١ (٩٤٠٠).

٤٥
ويجلده أمام الناس, وما استطاعت التخلّص منه إلّا بشكواه إلى يزيد بن عبد الملك(١).

فهذه الزيجات وقعت في مثل هكذا ظروف، نقل لنا التاريخ بعضها وسكت عن بعض!

ثمّ إنّه ليس هناك مانع شرعي من مثل هكذا زواج، ومجرّد أن تكون تلك الشجرة ــ شجرة بني أُميّة ــ ملعونة لا يمنع من صحّة الزواج منها، وهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد تزوّج أُمّ حبيبة وهي بنت أبي سفيان بن حرب بن أُميّة، إذ الزواج يصحّ على ظاهر الإسلام وإن كان نتيجة ضغوط وظروف معيّنة تضطر أحد الأطراف على القبول، وما أكثر ما يقع مثل ذلك عند المسلمين منذ بدأ الإسلام إلى الآن.

(السيّدة نفيسة)

« حمد ــ الإمارات ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

١ــ هل السيّد نفيسة رضي الله عنها من الموالين لأهل البيت عليهم السلام؟

٢ــ أليس قول السيّدة للإمام الشافعي: ((متعك الله بالنظر إلى وجهه الكريم))، إشارة بصحّة مذهب الشافعي؟

٣ــ هل كانت معاصرة لأحد الأئمّة؟

١- انظر: تاريخ اليعقوبي ٢: ٣١٢ أيام يزيد بن عبد الملك، تاريخ الطبري ٥: ٣٦٧ أحداث سنة ١٠٤هـ، الكامل في التاريخ، لابن الأثير ٥: ١١٣.

٤٦
الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

السيّدة نفيسة من ذرّية الحسن المجتبى عليه السلام، فهي نفيسة بنت الحسن بن زيد ابن الإمام الحسن عليه السلام بن الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام (١)، وكانت سيّدة جليلة لها كرامات، كان زوجها إسحاق بن جعفر الصادق عليه السلام من أهل الفضل والصلاح والورع والاجتهاد، وكان يقول بإمامة أخيه موسى بن جعفر عليه السلام(٢)، وهو أحد الشهود على الوصيّة للرضا عليه السلام(٣)، ومن البعيد أن لا يعرّفها زوجها ولاية الأئمّة من أهل البيت عليهم السلام، وأن لا تقبل منه مع ما معروف من صلاحها وعبادتها وكراماتها، وقد نقل مدى طاعتها لزوجها وأنّها ما كانت تأكل إلّا من مال زوجها.

وأمّا ما نقل من دخول الشافعي عليها وسماعها منها وأنّه كان يطلب منها الدعاء له عند مرضه، وأنّها قالت لمن أرسله في مرض موته: ((متّعك الله بالنظر إلى وجهه الكريم))، وأنّه عرف أنّها نعت إليه نفسه، وأنّ جنازته أدخلت بيتها فصلّت عليه، أو صلّت عليه مأمومة، وغير ذلك من النقولات(٤)، فكلّها لم تثبت، ونقلت على وجه القيل، ولم نجد فيها وجهاً مُسنّداً.

١- أخبار الزينبيات، للعبيدلي: ٢٤ ترجمة زينب بنت يحيى بن الحسن بن زيد، الطبقات الكبرى، للشعراني: ١٠٢ (١٣٧) السيّدة نفيسة بنت الحسن بن زيد، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، للمقريزي ٤: ٣٢٤ مشهد السيّدة نفيسة، مرشد الزوار إلى قبور الأبرار، للشارعي ١: ١٦٠ ذكر الأشراف الذين قدموا مصر ومن دفن بها منهم، السيّدة نفيسة، سير أعلام النبلاء، للذهبي ١٠: ١٠٦ نفيسة.

٢- الإرشاد، للمفيد ٢: ٢١١ أولاد الإمام الصادق عليه السلام.

٣- الكافي، للكليني ١: ٣١٦ الحديث (١٥) كتاب الحجّة، باب الإشارة والنص على أبي الحسن الرضا عليه السلام.

٤- مرشد الزوار إلى قبور الأبرار، للشارعي ١: ١٧١ السيّدة نفيسة.

٤٧
قال ابن حجر: ((حضور الإمام (الشافعي) الوليمة عندها لا أعرفه، بل ورد أنّ الشافعي لمّا مات مرّوا بجنازته عليها فصلّت عليه، ولم يثبت هذا أيضاً(١).

وإن صحّ النقل في كلّ ذلك فهو لا يدلّ على صحّة مذهب الشافعي، بل حتّى حسن حاله، فإنّ هذه الأُمور في نفسها لا تدلّ على ذلك، فسماع الحديث والتحديث لا يدلّ على صحّة مذهب المحدّث أو السامع، والدعاء لشخص بالشفاء أو الصلاة على جنازته يكون للصالح والطالح، ولو سلّمنا الملازمة في مثل هذه الأُمور.. لكنّها لم تصدر عن الإمام المعصوم حتّى تثبت لها الحجّية.

هذا وفي ما نقل من قولها: ((متّعك الله بالنظر إلى وجهه الكريم))، نحو إشكال! فإنّ الأخذ بظاهر هذا الدعاء مشكل؛ لما تعتقد الإمامية من عدم إمكان رؤية الله

عزّ وجلّ، فلا يصدر هذا الدعاء إلّا من صاحب عقيدة أشعرية أو حشوية. نعم يمكن تصحيحه بالحمل على النظر إلى رحمة الله، كما في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ _ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾(٢)؛ فلاحظ!

وقد عاصرت هذه السيّدة الكريمة الإمامين الكاظم والرضا عليهما السلام، فإنّها ولدت سنة (١٤٥هـ)، وتوفّيت في سنة (٢٠٨هـ)(٣).

١- الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر ٢: ٩٤٩، الباب السادس، الفصل السادس في نبذة من فتاويه، القاهريات، السيّدة نفيسة بنت الحسن والإمام الشافعي.

٢- القيامة (٧٥): ٢٢ ــ ٢٣.

٣- مرشد الزوار إلى قبور الأبرار، للشارعي ١: ١٥٩ السيّدة نفيسة.

٤٨

(الحسين صاحب فخ)

« عبد الله ــ السعودية ــ إمامي »

السؤال:

السلام عليكم..

من هو الحسين الفخّي، ومن هو محمّد بن عبد الله؟

وما صحّة ما ذكر (علي عبد السلام): بأنّ أئمّتنا كانوا تابعين لثوراتهم. نقله من كتاب (مقاتل الطالبيين) لأبي الفرج الأصفهاني؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الحسين الفخي: هو الحسين بن عليّ بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن عليّ ابن أبي طالب عليهم السلام.

وذكر القاضي النعمان في (شرح الأخبار): إنّه خرج سنة تسع وستّين ومائة بالمدينة وبايعه فيها كثير من الشيعة، ثمّ خرج إلى مكّة فدخلها، فسار إليه سليمان ابن جعفر والتقى الطرفان بفخٍ، فتقاتلا، فقتل الحسين في يوم التروية سنة تسع وستّين ومائة، وجلب رأسه إلى الهادي الخليفة العبّاسي(١).

وفي (التعليقة على منهج المقال) للوحيد البهبهائي: ((قوله: الحسين بن علي بن الحسن صاحب فخّ... آخر دعاة الزيدية، قتل في زمن الهادي موسى بن المهدي العبّاسي وحُمل رأسه إليه. نقل البخاري النسابة عن الجواد عليه السلام أنّه قال: (لم يكن

١- انظر: شرح الأخبار ٣: ٣٢٧ الجزء الرابع عشر، صاحب فخ.

٤٩
لنا بعد الطفّ مصرع أعظم من فخّ), وفي (الوجيزة): فيه ذمّ أيضاً, وفي (البلغة): ممدوح، وفيه ذمّ أيضاً، والظاهر أنّ الوجيزة مثل البلغة))(١).

وروى أبو الفرج الأصفهاني في (مقاتل الطالبين) بإسناده عن محمّد بن إسحاق، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ(صلوات الله عليهما) حديث بكاء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لمّا مرّ بفخ ونزول جبرئيل، وقوله: يا محمّد! إنّ رجلاً من ولدك يقتل في هذا المكان وأجر الشهيد معه أجر شهيدين.

وروى أيضاً بإسناده عن الصادق عليه السلام في حديث نزوله بفخ وصلاته فيه وقوله: (يقتل هاهنا رجل من أهل بيتي في عصابة تسبق أرواحهم أجسادهم إلى الجنّة).

وروى أيضاًَ عن زيد بن عليّ، قال: (انتهى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى موضع فخ فصلّى بأصحابه صلاة الجنازة، ثمّ قال: (يقتل هاهنا رجل من أهل بيتي في عصابة من المؤمنين، ينزل لهم بأكفان وحنوط من الجنّة، تسبق أرواحهم أجسادهم إلى الجنّة)))(٢).

ولكن قال السيّد الخوئي قدس سره في (معجم رجال لحديث): ورد في عدّة روايات ما يدلّ على حسنه، ولكنّها بأجمعها ضعيفة لا يعتمد على شيء منها.

روى محمّد بن يعقوب الكليني عن بعض أصحابنا، عن محمّد بن حسّان، عن محمّد بن رنجويه، عن عبد الله بن الحكم الأرمني، عن عبد الله بن جعفر ابن إبراهيم الجعفري، قال: حدّثنا عبد الله بن المفضّل مولى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، قال: لمّا خرج الحسين بن عليّ المقتول بفخ واحتوى على المدينة دعا موسى بن جعفر عليه السلام إلى البيعة، فأتاه فقال له: يا بن عمّ! لا تكلّفني ما كلّف ابن

١- التعليقة على منهج المقال: ١٤٤ قوله: الحسين بن علي بن الحسن صاحب فخّ، وانظر: سرّ السلسلة العلوية، لأبي نصر: ١٤ أولاد الإمام الحسن عليه السلام، رجال المجلسي (الوجيزة): ١٩٦ (٥٦٨).

٢- مقاتل الطالبيين: ٢٨٩ الحسين بن علي بن الحسن صاحب فخّ.

٥٠
عمّك عمّك أبا عبد الله، فيخرج منّي ما لا أريد، كما خرج من أبي عبد الله ما لم يكن يريد، فقال له الحسين: إنّما عرضت عليك أمراً فإن أردته دخلت فيه، وإن كرهته لم أحملك عليه والله المستعان. ثمّ ودّعه، فقال له أبو الحسن موسى ابن جعفر عليه السلام حين ودّعه: يا بن عمّ! إنّك مقتول فأجد الضراب، فإنّ القوم فسّاق يظهرون إيماناً ويسترون شركاً، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون، أحتسبكم عند الله من عصبة، ثمّ خرج الحسين وكان من أمره ما كان، قتلوا كلّهم كما قال عليه السلام(١). ثمّ قال رحمه الله: وهذه الرواية ضعيفة السند أيضاً، ولا يعتمد عليها(٢).

نقول: الروايات المادحة التي ضعّفها السيّد الخوئي قدس سره كلّها من طرق الزيدية(٣)، والرواية من طرقنا التي يشم منها الذمّ ضعيفة أيضاً كما عرفت.

ولكن اتّفق طريق الكليني وطرق الزيدية إلى عبد الله بن إبراهيم الجعفري، عن عبد الله بن المفضّل مولى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، أنّ الإمام موسى الكاظم عليه السلام قال للحسين صاحب فخ عندما عزم على الخروج: إنّك مقتول فأجد الضراب، فإنّ القوم فسّاق يظهرون إيماناً ويسترون شركاً (عند أبي الفرج الأصفهاني: ويضمرون نفاقاً وشركاً) وإنّا (فأنا) لله وإنا إليه راجعون، أحتسبكم عند الله من عصبة (عند أبي الفرج: وعند الله عزّ وجل أحتسبكم من عصبة)(٤). فهذا

١- الكافي ١: ٣٦٦ كتاب الحجّة، باب ما يفصل به بين دعوى المحقّ والمبطل في أمر الإمامة الحديث (١٨).

٢- معجم رجال الحديث، للخوئي ٧: ٤٤ (٣٥٢٤).

٣- انظر: مقاتل الطالبيين، لأبي الفرج: ٢٨٥ الحسين بن علي بن الحسن صاحب فخّ، المصابيح من أخبار المصطفى والمرتضى والأئمّة، لأبي العبّاس (مخطوط): ٢٦٣ ذكر خروج أبي عبد الله الحسين بن علي بن الحسن الفخّي.

٤- الكافي ١: ٣٦٦ كتاب الحجّة، باب ما يفصل به بين دعوى المحقّ والمبطل في أمر الإمامة الحديث (١٨)، مقاتل الطالبيين: ٢٩٨ الحسين بن علي بن الحسن صاحب فخّ، وانظر: أخبار فخ، لابن سهل: ١٣٥ خبر الحسين بن علي الفخي.

٥١
نوع مدح له ولمن معه يثبت به حسنه؛ ولكن يبقى الكلام في الأخذ بهذا النصّ الواصل بطرق ضعيفة من الطرفين وإن اتّفقت عليه؛ والله أعلم.

ومن يميل إلى مدحه يمكن له الاستئناس بما رواه أبو الفرج الأصفهاني، وابن جرير الطبري، من أنّ الحسن بن علي الفخي دعا إلى الرضا من آل محمّد في بيعته(١)، وما رواه أبو الفرج من قول الحسين بن علي الفخي ويحيى بن عبد الله: ((ما خرجنا حتّى شاورنا أهل بيتنا وشاورنا موسى بن جعفر، فأمرنا بالخروج))(٢)، وما رواه السيّد ابن طاووس في قصّة دعاء الجوشن عن الإمام موسى الكاظم عليه السلام، من أنّ موسى الهادي العبّاسي قال متوعّداً الإمام موسى الكاظم عليه السلام بعد مقتل الحسين الفخي: ((والله، ما خرج حسين إلّا عن أمره، ولا اتبع إلّا محبّته؛ لأنّه صاحب الوصية في أهل هذا البيت، قتلني الله إن أبقيت عليه))(٣)، وإن كانت الأوّلتان ضعيفتا السند، والأخيرة شهادة من طاغية فاسق، والله أعلم.

وأمّا محمّد بن عبد الله وهو ابن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام وهو الملقّب بالنفس الزكية، فقد جاء في روايات متعدّدة أنّه ادّعى الخلافة ودعا الإمام جعفر الصادق عليه السلام إلى البيعة، وتكلّم معه بكلام غليظ حتّى بلغ الأمر إلى أنّه أمر بحبسه عليه السلام، وكان عليه السلام يعظه ويصرفه عمّا يريد ويخبره بأنّ الأمر لا يتم له، ولم يصغ إلى ذلك.. حتّى انتهى الأمر إلى قتله(٤).

١- مقاتل الطالبيين: ٢٩٩ الحسين بن علي بن الحسن صاحب فخّ، تاريخ الطبري ٦: ٤١٢ ذكر خروج الحسين بن علي بن الحسن المقتول بفخّ.

٢- مقاتل الطالبيين: ٣٠٤ ذكر من خرج مع الحسين صاحب فخّ.

٣- مهج الدعوات: ٢١٨ الدعاء المعروف بدعاء الجوشن.

٤- انظر: معجم رجال الحديث، للخوئي ١٧: ٢٥٠ (١١١١).

٥٢

تعليق:

« عبد الله ــ السعودية ــ إمامي »

ذكرتم هنا حينما سألنا عن الحسين الفخّي:

((ولكن قال السيّد الخوئي رحمه الله في (معجم رجال لحديث): ورد في عدّة روايات ما يدلّ على حسنه، ولكنّها بأجمعها ضعيفة لا يعتمد على شيء منها.

روى محمّد بن يعقوب الكليني عن بعض أصحابنا، عن محمّد بن حسّان، عن محمّد بن رنجويه، عن عبد الله بن الحكم الأرمني، عن عبد الله بن جعفر بن إبراهيم الجعفري، قال: حدّثنا عبد الله بن المفضّل مولى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، قال: حدّثنا عبد الله بن المفضّل مولى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، قال: لمّا خرج الحسين بن عليّ المقتول بفخ واحتوى على المدينة دعا موسى بن جعفر عليه السلام إلى البيعة، فأتاه فقال له: يا بن عمّ! لا تكلّفني ما كلّف ابن عمّك عمّك أبا عبد الله، فيخرج منّي ما لا أريد، كما خرج من أبي عبد الله ما لم يكن يريد، فقال له الحسين: إنّما عرضت عليك أمراً فإن أردته دخلت فيه، وإن كرهته لم أحملك عليه والله المستعان. ثمّ ودّعه، فقال له أبو الحسن موسى بن جعفر عليه السلام حين ودّعه:

يا بن عمّ! إنّك مقتول فأجد الضراب، فإنّ القوم فسّاق يظهرون إيماناً ويسترون شركاً، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون، أحتسبكم عند الله من عصبة، ثمّ خرج الحسين وكان من أمره ما كان، قتلوا كلّهم كما قال عليه السلام)).

فكيف روايات تدلّ على حسنه إلّا أنّ السيّد الخوئي قال: ((إنّها ضعيفة))؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

هكذا يذكر في كتب الرجال، فأوّلاً يتم عرض الروايات، وبعد ذلك يتم البحث في سندها، فإذا كانت ضعيفة فلا يأخذ بها ولا تناقض فيما ذكر، فدلالة

٥٣
الحديث يوصلنا إلى حسن الرجل، ولكن أسانيد تلك الروايات ضعيفة، فلا يأخذ بالرواية من جهة ضعف سندها، أمّا من يرى خلاف ما يراه السيّد الخوئي من قبول تلك الروايات أو بعضها لقرائن مختلفة يستطيع القول بحسن الرجل، وما ذكرناه كان عرضاً لحال الرجل، دون الجزم بحاله.

(إدريس الأوّل مؤسّس دولة الأدارسة)

« علي الإدريسي ــ المغرب »

السؤال:

السلام عليكم..

نعلم أنّ أوّل دولة شيعية كان تأسيسها بالمغرب من قبل المولى إدريس الأوّل الذي يحظى باحترام كبير لدينا, فهل كانت هذه الدولة بإذن من الإمام آنذاك، أم أنّ الأمر كان بمبادرة شخصية من المولى إدريس؟

وإن كان الأمر كذلك فهل يجوز هذا الأمر؟

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

كما تعلمون فإنّ إدريس الأوّل ــ إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام توفّي في الربع الأخير من المائتين للهجرة ــ قد أتى المغرب بعد ما شهد واقعة فخ وشارك فيها, وهذا الأمر يساعدنا كثيراً في تفسير حركته.

٥٤
إذ أنّ قائد حركة فخ ــ الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهما السلام ــ قد صرّح في خطبته أبّان خروجه على العبّاسيين بأنّه يدعو إلى الرضا من آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم(١).

ونقل إبراهيم بن إسحاق القطّان عنه وعن يحيى بن عبد الله بن الحسن إنّهما قالا: ((ما خرجنا حتّى شاورنا أهل بيتنا، وشاورنا موسى بن جعفر، فأمرنا بالخروج))(٢).

وقد أبّنه الإمام موسى الكاظم عليه السلام عندما جاؤوا بالرؤوس أمام موسى بن عيسى العبّاسي، بقوله: (إنّا لله وإنّا إليه راجعون، مضى والله مسلماً صالحاً، صوّاماً قوّاماً، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، ما كان في أهل بيته مثله)(٣).

وعلى ضوء ما ذكرنا فإنّ حركة إدريس في المغرب بما أنّها كانت امتداداً لحركة فخ واستمراراً لها, فإنّها كانت تحظى بتأييد غير مباشر من الأئمّة عليهم السلام ــ كما هو سيرة الأئمّة عليهم السلام في تأييد الحركات الثورية السليمة في وجه أعداء الدين في ظروف التقيّة ــ فهم عليهم السلام وإن كانوا لم يشاركوا في هذه النهضة ونظائرها ــ لمصالح كانت تفرض عليهم ــ ولكن دعموها بأقوالهم تصريحاً أو تلويحاً.

فمثلاً روي عن الإمام الرضا عليه السلام أنّه قال في حقّ ابنه: (رحم الله إدريس بن إدريس بن عبد الله, فإنّه كان نجيب أهل البيت وشجاعهم, والله ما ترك فينا مثله)(٤),

١- انظر: مقاتل الطالبيين، لأبي الفرج: ٢٩٩ أخبار الحسين بن علي بن الحسن صاحب فخ.

٢- مقاتل الطالبيين: ٣٠٤ ذكر من خرج مع الحسين صاحب فخ.

٣- مقاتل الطالبيين: ٣٠٢ أخبار الحسين بن علي بن الحسن صاحب فخ.

٤- سرّ السلسلة العلوية، لأبي نصر: ١٣ أولاد الإمام أبي محمّد الحسن عليه السلام.

٥٥
حتّى أنّه جاءت رواية مرسلة على لسان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: (عليكم بإدريس بن إدريس فإنّه نجيب أهل البيت وشجاعهم)(١).

ولا يخفى في المقام أنّ سيرة الأدارسة ــ وعلى الأخصّ إدريس الأوّل والثاني ــ خالية من ادّعاء الخلافة أو الإمامة, ممّا يؤيّد علاقتهم بأئمّة زمانهم عليهم السلام, كما هو ظاهر بأدنى تأمّل!

وعلى هذا فإنّ حركتهم حتّى لو قلنا أنّها كانت بمبادرة شخصية وتشخيص للموضوع, فإنّها جاءت لتأييد خطّ الإمامة والولاية لا الدعوة إلى أنفسهم.

نعم, وإن كان هذا لا يدلّ على تصحيح كافّة تصرفاتهم في الحكم من جانب الأئمّة عليهم السلام, ولكن يشير إلى مشروعية حركتهم في الأساس.

تعليق (١):

« علي الإدريسي ــ المغرب »

فيما يتعلّق بتعليقنا على ما جاء في جوابكم على السؤال الذي يخصّ تأييد الأئمّة عليهم السلام لحركة إدريس وإضفاء الشرعية عليها، فإنّنا نسجل الملاحظات التالية:

١ــ إنّ حديث: (رحم الله إدريس بن إدريس بن عبد الله، فإنّه كان نجيب أهل البيت وشجاعهم، والله ما ترك فينا مثله) الذي نسب إلى الإمام الرضا عليه السلام فإنّه لا يستقيم مع الحقيقة التاريخية! لأنّ إدريس توفّي بعد الرضا عليه السلام سنة ٢١٣ هجرية، وفي روايات أُخرى ٢١٤ هجرية، أمّا الرضا عليه السلام فقد توفّي في سنة ٢٠٣ هجرية، هي محط شبه إجماع المؤرّخين والمحدّثين، باستثناء بعض الروايات

١- مجالس المؤمنين، للقاضي نور الله الشوشتري ٢: ٢٨٦ ذكر أولاد الحسن المجتبى عليه السلام.

٥٦
التي تذكر أنّه توفي في عام ٢٠٦ هجرية. (انظر: دائرة المعارف الشيعية حسن الأمين ج١ حياة الرضا).

وفي كلّتا الحالتين فيبقى تاريخ وفاة الرضا عليه السلام متقدّماً بقرابة عقد من الزمن، فكيف يمكن أن يترحّم على إدريس بن إدريس وهو توفّى قبله؟! هذا إذا كان يفهم من عبارة رحم الله إدريس بن إدريس بالدعاء بالرحمة للميت؟

٢ــ نطلب من السيّد الذي تفضل بسرد حديث: (عليكم بإدريس بن إدريس فإنّه نجيب أهل البيت وشجاعهم)، أن يمدّنا إذا أمكن ذلك بسند الحديث، فعلى ما يبدو فإنّ الحديث ضعيف من جانبين.

ــ لأنّه مرسل، ولقد تفضلتم بالإشارة إلى ذلك.

ــ ولأنّه غريب ولم تأت الكتب المعتبرة الحديثية لدى أهل البيت عليهم السلام والفرق الأُخرى على ذكره.

سؤال أخير: هل يوجد لقولة الصادق عليه السلام لموفده السفياني والحلواني للمغرب من أجل الدعوة لأهل البيت ذكر وتأييد في المصادر الإمامية؟

أمّا قولته، فهي جاءت كما ذكرها كلّ من القاضي النعمان في (دعوة الافتتاح)، والمقريزي (اتّعاظ الحنفا)، وابن خلدون، وابن الأثير، على النحو التالي: قال لهما: ((إنّ المغرب أرض بور، فاذهبا فاحرثاها حتّى يأتي صاحب البذر)).

أمّا باقي المقال من إجابتكم فهو ــ وكما أشرنا إلى ذلك في رسالتنا السابقة لكم ــ جيّد ويزيل الغبار عن بعض الإشكالات التي يطرحها بعض الباحثين بالمشرق والمغرب.

ومرّة أُخرى نكرّر لكم شكرنا الجزيل، وفي انتظار جوابكم، أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.

٥٧

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: بالنسبة للحديث المنسوب إلى الإمام الرضا عليه السلام: (رحم الله إدريس بن إدريس بن عبد الله، فإنّه كان نجيب أهل البيت وشجاعهم...)، فإنّ أصله في (سرّ السلسلة العلوية لابن نصر البخاري ــ كان حيّاً سنة ٣٤١هـ ــ والمطبوع في المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف, بتعليق السيّد محمّد صادق بحر العلوم), وجاء فيه: ((وأبو عبد الله إدريس بن عبد الله الأصغر بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام, هرب إلى بلد فاس وطنجة مع مولاه راشد, فاستدعاهم إلى الدين؛ فأجابوه وملّكوه, فأغّتم الرشيد لذلك حتّى امتنع من النوم، ودعا سليمان بن جرير الرقّي, متكلّم الزيدية وأعطاه سمّاً، فورد عليه متوسّماً بالمذهب, فسرّ به إدريس بن عبد الله, ثمّ طلب منه غرّة ووجد خلوة من مولاه راشد فسقاه السمّ وهرب.

فخرج راشد خلفه، فضربه على وجهه ضربة منكرة وهرب, وفاته وعاد، وقد مضى إدريس لسبيله, وكانت له جارية حامل فوضعت المغاربة التاج على بطنها، فولدت بعد أربعة أشهر ابناً سمّوه إدريس بن إدريس بن عبد الله.

(سرّ) قد خفي على الناس حديث إدريس بن إدريس؛ لبعده عنهم, ونسبوه إلى مولاه راشد, وقالوا: هو احتال في ذلك لبقاء الملك له, ولم يعقّب إدريس بن عبد الله, وليس الأمر كذلك, فإنّ داود بن القاسم الجعفري ــ وهو أحد كبار العلماء, ومن له معرفة بالنسب ــ حكى أنّه كان حاضراً هذه القصّة.

وولد إدريس بن إدريس على فراش أبيه, وقال: كنت معه بالمغرب, فما رأيت أشجع منه, ولا أحسن وجهاً ولا أكرم نفساً.

٥٨
وقال الرضا عليّ بن موسى عليه السلام: (رحم الله إدريس بن إدريس بن عبد الله, فإنّه كان نجيب أهل البيت وشجاعهم, والله ما ترك فينا مثله).

ثمّ أورد شعراً لإدريس بن إدريس, رواه داود بن القاسم(١).

وقد نقل هذا الكلام عن أبي نصر البخاري, ابن عنبة في (عمدة الطالب), ثمّ نقل عن (العمدة) الآخرون، مثل صاحب (أعيان الشيعة), والشيخ عبّاس القمّي في (منتهى الآمال).

ولكن في (عمدة الطالب), عندما نقل رواية الرضا عليه السلام, نقلاً عن أبي نصر البخاري, أورد قوله هكذا: ((وقال الرضا بن موسى الكاظم عليه السلام: (إدريس بن إدريس بن عبد الله, من شجعان أهل البيت, والله ما ترك فينا مثله)))(٢).

وأنت تلاحظ عدم وجود جملة (رحم الله)، ووجود اختلاف في الجملة الثانية أيضاً! ومن هذا نستطيع أن نستنتج:

١ــ ربّما يوجد تصحيف في أحد الكتابين (سرّ السلسلة العلوية)، أو (عمدة الطالب). إذا اعتبرنا ما في (عمدة الطالب) كنسخة أُخرى, خاصّة وإنّ (سرّ السلسلة العلوية) طبع على نسختين مخطوطتين الأُولى بتاريخ (١٣٣٣هـ) والثانية بتاريخ (ذي القعدة ٩٦٧هـ)، وتاريخ وفاة صاحب (عمدة الطالب) ابن عنبة في ٨٢٨ هـ, وقد طبعت (العمدة) في المطبعة الحيدرية على ثلاث نسخ, أحدها بخطّ حسين بن مساعد الحائري فرغ منها يوم ٢٩ ربيع الأوّل سنة ٨٩٣هـ، كتبت على نسخة: بخط المؤلّف في سنة ٨١٢ هـ.

فلاحظ تقدّم تاريخ نسخة (عمدة الطالب) على نسخة (سرّ السلسلة العلوية)!

١- سرّ السلسلة العلوية: ١٢ ــ ١٣ أولاد الإمام أبي محمّد الحسن عليه السلام.

٢- عمدة الطالب: ١٥٨.

٥٩

٢ــ لو لاحظت بدقّة العبارة المنقولة عن (سرّ السلسلة العلوية), هكذا: ((قال الرضا عليّ بن موسى عليه السلام: (رحم الله إدريس بن إدريس...))), وأنت تعلم أنّ جملة: ((عليه السلام)) تضاف من النسّاخ, فخطر في ذهننا أنّ عبارة أبو نصر البخاري الأصلية كانت هكذا: ((قال الرضا عليّ بن موسى رحمه الله: إدريس ابن إدريس...)).

فعبارة: (رحم الله)، كانت: (رحمه الله)، وهي راجعة إلى الرضا عليه السلام, ومثل هذا غير بعيد في الخطوط القديمة؛ فلاحظ!

٣ــ الظاهر أنّ مراد الإمام الرضا عليه السلام من كلامه هذا، هو إثبات نسب إدريس ابن إدريس لأهل البيت عليهم السلام، لما تعرف من الكلام في ذلك, خاصّة في مثل زمان الإمام عليه السلام زمن الدولة العبّاسية, فإنّ التهمة في مثل هذا التشنيع نسبت إليهم وإلى الأغالبة.

٤ــ إنّ الرواية قد نقلها أبو نصر البخاري مرسلة.

٥ــ وقد يكون التصحيف من جهة إضافة كلمة (إدريس) الثانية، إذ ربّما كان الأصل هو: رحم الله إدريس بن عبد الله, فإنّه كان نجيب أهل البيت وشجاعهم, والله ما ترك فينا مثله، على ما احتمله السيّد الأمين في (الأعيان)، كما هو ظاهر كلامه(١). فعند ذلك ينحل الإشكال لتأخّر تاريخ شهادة الإمام الرضا عليه السلام عن تاريخ موت إدريس بن عبد الله مسموماً كما هو واضح.

ثانياً: لم يتيسّر لنا كتاب (مجالس المؤمنين) حتّى نراجع ما نقله من الحديث المرسل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن قد نقله عنه الشيخ عبّاس القمّي في (منتهى الآمال)؛ فراجع!

١- انظر: أعيان الشيعة ٣: ٢٣١ إدريس العلوي الحسني.

٦٠