×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ندوات مركز الأبحاث العقائدية ج 8 / الصفحات: ٤٤١ - ٤٦٠

النظير معناه أنها حلال وهدية أو تمليك لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ، كذلك أموال خديجة فإنّها لم تكن صدقة.

وقد روي أنّ سلمان الفارسي جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله) بمائدة عليها رطب، فقال: ما هذه؟ قال: هذه صدقة عليك وعلى أصحابك.

فقال (صلى الله عليه وآله) : يا سلمان ! إنا لا نأكل الصدقة.

فذهب بها سلمان، فلمّا كان من الغد جاءه سلمان بمائدة عليها رطب، فقال (صلى الله عليه وآله) : ما هذه المائدة؟ قال: هذه هدية.

فقال (صلى الله عليه وآله) لأصحابه: ادنوا فكلوا، فأكلوا (١).

إذن هي بالنية، فاللحم الذي تصدّقوا به لأمة عائشة كان لها صدقة، وهي أهدته للنبي(صلى الله عليه وآله) فله هديّة، والمناط هو نية المتصدِّق أو المُهدي.

١- المعجم الكبير ٦ : ٢٢٨ .

٤٤١

( ١٢٢ ) المالية الخاصة للنبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام)

الشيخ علي الكوراني

٤٤٢

٤٤٣

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين وأفضل الصلاة وأتمّ السلام على سيدنا ونبيّنا وهادينا وشفيعنا محمد وآله الطيّبين الطاهرين.

السلام عليكم أيها الأخوة المؤمنون ورحمة الله وبركاته.

أحبّ أوّلاً أن أشكر مركز الأبحاث العقائدية وأن أتذكّر أخانا المجاهد الشيخ فارس (رحمة الله عليه وحشره الله مع نبيه وأئمته الطاهرين)، وأن أشيد بأخيه سماحة العلامة الشيخ محمّد الحسون، العالم الفاضل الذي واصل جهود هذا المركز وطوّرها، وسيكون هذا المركز ـ إن شاء الله ـ من مراكز أهل البيت المقبولة عندهم روحي لهم الفداء.

تمهيد

نحن في عصر أهل البيت (عليهم السلام) ، وعصرهم هو العصر الذي وعد الله عزّ وجلّ به رسوله (صلى الله عليه وآله) ورسله (عليهم السلام) بأن يبدأ مرحلة جديدة للحياة الإنسانية على الأرض، ينهي فيها الظلم، ويقيم دولة العدل الإلهي، ويستثمر جهود مائة وأربعة وعشرين ألف نبي على يدِ خاتم أهل البيت (عليهم السلام) ، إمامنا المهدي أرواحنا لهُ الفداء.

وقد ظهرت عدّة معالم لهذا العصر، ومن معالم كوننا في عصر أهل البيت (عليهم السلام) أنّ النواصب بدئوا يتقرّبون إلى المسلمين باللهج بأهل البيت

٤٤٤
وذكرهم (عليهم السلام) في فضائياتهم التي تُبثّ ضد أتباع أهل البيت (عليهم السلام) ، وضد أهل البيت (عليهم السلام) أنفسهم، فسمعت أنّهم قرئوا تعزية كاملة.

كنت في البحرين فوزعوا هناك أشرطة وسيديات في فضائل أهل البيت (عليهم السلام) ، يقرؤها أحدهم بصوت جميل، يتقرّبون إلى المسلمين ليظهروا أنّهم هم يحبون أهل البيت (عليهم السلام) ، ويدّعون ذلك كذباً، فالذي يحبّ أهل البيت (عليهم السلام) لا يأمر كلّ منظّمته ومسلّحيه فيضعهم في طريق زوار أمير المؤمنين (عليه السلام) في اليوسفية واللطيفية ليطلبوا من الناس سبّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) وإلا فيقتلوهم، نعم يطلبون منهم سبّ أمير المؤمنين (عليه السلام) ، ولو كان عندهم ذرّة من حبّ أهل البيت (عليهم السلام) لما طالبوا شيعة أهل البيت (عليهم السلام) بذلك.

وقد سكت الإعلام العربي عن هذا الأمر، فهو يحاول أن يطمسها علينا كي لا نفضح هؤلاء النواصب الذين يدّعون زوراً وبهتاناً أنّهم يحبون أهل البيت (عليهم السلام) ، ويُعدُّ هذا من علامات تراجعهم.

وقفة مع قناة المستقلّة

بدأت قناة المستقلة المعبّئة ضد أهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم، المناظرات برائدها قاضي القطيف مع جمعية إحياء التراث في الكويت، كانوا خائفين من موجة الاستبصار، فجلسوا في الدمام، ودعوا محمد الهاشمي وعثمان الخميس، فقالوا: من أجل أن نوقف مدَّ الاستبصار في أبنائنا علينا أن نبيّن

٤٤٥
الإشكالات، فنشوّه مذهب أهل البيت (عليهم السلام) حتى لا يتأثّر أولادنا من أبناء وبنات المتعصّبين سلفياً، فيصيرون شيعة مخلصين ومن أتباع أهل البيت (عليهم السلام) ، وقد أبصر واستبصر الكثير من أوساط هؤلاء وطلبتهم وبيوت علماء النواصب ـ والحمد لله ـ بنور أهل البيت (عليهم السلام) .

ثمّ تحاول قناة المستقلة أن تقول: نحن نحبّ أهل البيت (عليهم السلام) ، طيب لا بأس بذلك، لكننا نقول: إن كنتم تحبون أهل البيت (عليهم السلام) فلِمَ لم تنعكس فضائلهم الكثيرة في مصادركم وأحاديثكم، فلا نجد لها انعكاساً لا في راديو، ولا في تلفاز، ولا في مناهج دراسية، ولا المساجد، فأتوا بعائض القرني يتكلّم عن فضائل أهل البيت (عليهم السلام) وحده، ولم يسمحوا بالمداخلات ولا أن يؤخذ عليهم بإشكال.

موجة ولاء لأهل البيت والإمام المهدي (عليهم السلام)

وعلى أي حال فهذه من علامات دخولنا لعصر أهل البيت (عليهم السلام) ، وموجة ولائهم عامة، حتى اضطر أعدائهم ـ الذين يقتلونا إن لم نسبّهم ـ بأن يمدحوهم.

وموجة الإمام المهدي (عليه السلام) أيضاً عارمة، فالعالم يلهج بذكره، ولذلك اضطروا أن يُظهروا مهدياً كلّ مدة، فمرّة من الفريجة، ومرّة من القصيم، ومرّة من المنطقة، وواحد يدّعي المهدوية في الكويت أيضاً، كما أنّهم يُظهرون مهديّاً آخر كأنه من أتباع ابن تيمية السلفي بلحيته الطويلة

٤٤٦
ودشداشته القصيرة وبيده عصا وهو منهم، هكذا هو تصوّرهم، و هذا دليل على أنّ عصر أهل البيت (عليهم السلام) كاسح، ومن هنا يضطرّون هم إلى مراعاته و مداراته.

دور الإعلام العالمي

من أعمالهم التي عملوها أيضاً هو الإعلام العالمي، فنفط الحجاز لصاحب الزمان (عليه السلام) والأرض وما فيها لأهل البيت (عليهم السلام) ، وهذا النفط ـ على الأقل ـ فيه خُمس، لكن أين أنفقوه؟ أنفقوا الملايين لتشويه مذهبنا، والتنقيص من مقام أهل البيت (عليهم السلام) ، ورفع زعماء قريش فلان وفلان وفلان، جعلوهم مقابل النبي (صلى الله عليه وآله) ، فالرسول (صلى الله عليه وآله) جعل القرآن وأهل البيت (عليهم السلام) بقوله: (وعترتي)، فأتوا بـ (القرآن وسنّتي أو صحابتي)، أنفقوا ملايين الريالات والدولارات والجنيهات والفرنكات في البلاد العربية وفي المهجر الغربي من أجل تشوية مذهب أهل البيت (عليهم السلام) وتشويهنا.

لله، ثُمَّ للتاريخ

من الكتب التي نشروها كتاب: (لله، ثم للتاريخ)، وما جاء في قصّته واضح الكذب، يدّعون أنّ الذي ألّفه أحد علماء النجف، وأنّه كان مع الإمام الخميني، وسافر معه، ثمّ تواصل المؤلف نفسه بالهند مع أحد علماء

٤٤٧
الهند، والملفت للنظر أنّ ذلك العالم كان يعيش قبل مائتي سنة، فهو كذب في كذب، وروّجوا له في العالم، فطبعوا منه الملايين، وترجموهُ بلغات مختلفة.

قبل ثلاث سنوات نشرت صحيفة في السعودية أنّ الكراسات التي وزّعت في الحج بلغت نحو عشرة ملايين كراساً، وقد جمعنا منها سبعة وعشرين نوعاً، نصفها على الأقل ضدنا.

وذُكرَت في أحدها كرامات ومعجزات لابن باز، فادّعوا أنّ أحدهم أسلمَ على يده وأذّن، وأنفقوا الكثير من الأموال في سبيل تأليف كتاب، ثم تُرجم عالمياً، ثمّ كتب بعض الشيعة بأنه يظهر أنّ هذا نفسه هو حسين الموسوي مؤلف كتاب (لله ثم للتاريخ)، فأكملوا قصّته، وأنهُ استبصر، وكشف الموضوع، وأجاب على كل الشبهات التي طرحت، فرجع أولئك عن قولهم وبدأوا يقولون بأنّ الكتاب الأوّل مكذوب!

ويذكّرني هذا بقصة، أحد النواصب أراد يدافع عن يزيد، فاخترع حديثاً في أنّ يزيد يذهب في يوم القيامة للنبي (صلى الله عليه وآله) ، فيقول: يا رسول الله! أنت العطف والرحمة والحنان، وأنا أستغفر الله لأنّي قتلت ابنك فسامحني، فيحيله (صلى الله عليه وآله) إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) ، ويحال ويحال حتى يصل إلى الإمام الحسين (عليه السلام) ، فيعفو عنهُ ويعفون عنه، وحينئذ يعطيه الله الكارت ليدخل الجنة.

٤٤٨
هذا الخطيب كان يخطب، فوقف أحد الأشخاص، وكان شيعياً، فقال له: يا حضرة الشيخ! هذا الحديث له تكملة.

فقال: ما هي تكملته؟

قال: تكملته أنّ يزيد أخذ الكارت وأراد الذهاب للجنة، فعندما دخلها عرفه كلّ أهل الجنة، فتجمهروا وخرجوا باعتصام ومظاهرة، يهتفون بأنّ يزيد إن دخل الجنة فنحن نخرج منها، فيخرجه الله عزّ وجلّ فيرجعون ويمنعه من الدخول، ويقول: أنا لا أخرّب جنّتي من أجل هذا.

فتهجّم الشيخ عليه، فقال: ماذا تقول؟!

فأجابه: بأنّ الحديث الذي قراءته لنا لهُ تكمله، وهذه هي تكملته.

فقال الشيخ: كلا فالحديث كذب من أصله.

هؤلاء أيضاً يقولون كذلك بالنسبة لكتاب (لله، ثم للتاريخ)، يقولون بأنّه كذب من أصله، إذن ما دام كذباً فكيف نشرتموه في العالم؟!

المهم إخواني الأعزاء أنّنا في عصر أهل البيت (عليهم السلام) ، والنواصب ومن عادانا هم في الواقع أعداء لأهل البيت (عليهم السلام) ، فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت، لأنّك لم تجد رجلاً يقول: أنا الناصب محمداً وآل محمد، ولكنّ الناصب من نصب لكم وهو يعلم أنّكم تتوالونا وأنّكم من شيعتنا(١).

١- ثواب الأعمال: ٢٠٧.

٤٤٩
فلا يستطيع الناصبي السلفي المُكَفِّر أن يقول: أنا أكره علي بن أبي طالب، بل يقول: أكرهكم أنتم، وقد اتّضح ذلك في اللطيفية حيث ذُبح من لم يسبّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، وهذا هو الحقد.

ماليّة النبي والأئمة (عليهم السلام)

إخوتي الأعزاء! موضوعنا في هذه الفقرة: مالية النبي والأئمة (عليهم السلام) ، ولهذا الموضوع مسائل عديدة وأبعاد متعدّدة، ففيها: مسألة الأنفال التي نبحثها بحثاً، وفيها مسألة صدقات النبي (صلى الله عليه وآله) التي اعطيت عنها فكرة، وكذلك صدقات أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وفيها قضية فدك.

تشريع الخمس لآل محمّد (عليهم السلام)

كما أنّ فيها قضيّة الوكلاء والأخماس، التي تحتوي على الكثير من المسائل، ولكنّنا نريد أن نستفيد من القضية نفسها، ولأختم في هذه الليلة حديثي في هذا الموضوع.

نريد أن نتعرّف على بُعدِها العقائدي والمستقبلي، فبالنسبة للبُعد العقائدي في القضية ذكرنا أنهُ لايمكن لأحد من المسلمين ـ حتى الزرقاوي وجماعته الذي يقتلون الناس لأنهم لا يسبّون علي بن أبي طالب (عليهما السلام) ـ إذا

٤٥٠
سألته بأنّ: الخمس المشرَّع في الشريعة لمن هو؟ يقول: لآل محمد، ومنهم من يقول: لبني هاشم.

فإذا سُئِل: من هو أوّلهم؟ يقول: كبيرهم علي بن أبي طالب لهُ الخمس، نعم لهُ الخمس، لكن عليكم أن تسبّوه! والذي لا يسبّ نقتله!

إذن تشريع الخمس لأهل البيت (عليهم السلام) وتحريم الصدقات عليهم يُعدُّ تنزيهاً لهم والحال أنّها غير محرّمة على نساء النبي (صلى الله عليه وآله) ، وهذا من أقوى الأدلة على أنّ آل محمد (عليهم السلام) الذين حرّمت عليهم الصدقات وشرّع الله لهم الأخماس لا تدخل فيهم نساء النبي (صلى الله عليه وآله) ، وهم يعترفون بذلك.

فتحت موضوعَ بحثٍ قبل فترة على شبكات الإنترنيت، فقلت: ما هي قصة رواية الـ (كخ كخ) التي يرويها البخاري(١)، وما الذي حُرِّم على أهل البيت (عليهم السلام) وهو حلالٌ لنساء النبي (صلى الله عليه وآله) ؟ فلم يدخل ولا واحد من كُتَّاب الوهابية هذا الموضوع، فهم يهربون منه لأنه حازم، فالصدقة محرّمة على أهل البيت آل محمد (عليهم السلام) ، ولكنّها لا تحرم على نساء النبي (صلى الله عليه وآله) ، إذن خلاص! انتهى! فهن لسن من أهل البيت.

ولكنّهم أهل مكابرة ولا يريدون الاعتراف، وإلاّ فمسألة آل النبي (عليهم السلام) هو (صلى الله عليه وآله) من حدّدهم، طيب! كلّ المهن لهم حقّ أن يضعوا لأنفسهم مصطلحاً، كـ (الحدّادين والخبازين)، ويضع كلّ صنف من العلماء مصطلحات لعلومهم وأعمالهم، ولكنّ النبي (صلى الله عليه وآله) لا يحقّ له أن يضع

١- صحيح البخاري ٢: ١٣٥.

٤٥١
ندوات مركز الأبحاث العقائدية ج ٨ » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ٤٥١ - ص ٤٨٠) مصطلحاً بأنّ (آل محمد) من هم! له الحق في ذلك، فعندما حدّدهم بالكساء فذاك مصطلح نبوي(١)، وكذلك لمّا سمّاهم بالأسماء(٢).

طيب! صارت مصطلحاً، فقالوا: كلا لا نريد أن تتكلم بالمصطلح يا رسول الله!! فنحن أهل اللغة وأهل بيتك أعمّ، وهذا كمن يقال له: تجب عليك الصلاة، والصلاة مصطلحٌ لهذه العبادة الخاصّة بوضوءٍ وركوعٍ وسجودٍ وتلاوة، فيقول: كلا يا رسول الله! أنا آخذ الصلاة بمعناها اللغوي، أصلي لله فادعوه، والصلاة هي الدعاء لغةً، إذا قلتم بأنّ هذا لا مانع منه فلا مانع من ذاك أيضاً، وإلا فلِمَ لا يصح في الصلاة، ويصح في مصطلح أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) ؟!

إخوتي الأعزاء! من الواضح أنّ هناك تشريعات خاصّة، فأحدهم يروي بأنّ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) خطب في حجة الوداع، فذكر ـ على الأقل ـ خمسة عشر مادة مرتبطة بأهل البيت (عليهم السلام) ، فأخفوها ومزّقوها ونتفوها، ويروي آخر أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) خطب وهو على ناقته، فقال: ألا إنّ الصدقة

١- جاء في مسند أحمد بن حنبل: أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثوبه، فوضعه على علي وفاطمة وحسن وحسين، فقال: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا). مسند أحمد ١ : ٣٣١ .

٢- روى الخوارزمي الحنفي في كتابه مقتل الحسين (عليه السلام) ١ : ١٤٦ بسنده عن أبي سلمى حديثاً حول ليلة الأسراء جاء فيه: .. قال [الله عزّ وجلّ]: يا محمّد! إنّي اطّلعت إلى الأرض اطّلاعة، فاخترتك منها، فشقـَقت لك اسماً من أسمائي، فلا أُذكَر في موضع إلاّ ذُكرتَ معي، فأنا المحمود وأنت محمّد.

٤٥٢
لا تحلّ لي ولا لأهل بيتي، وأخذ وبرة من كاهل ناقته، فقال: ولا ما يساوى هذه، أو: ما يزن هذه(١)، فكان هناك تأكيد واضح إلى هذا الحدّ.

كيفية تعامل النبي والأئمة (عليهم السلام) مع ماليتهم

إنّ النبي والأئمة (عليهم السلام) تعاملوا مع ماليتهم الشخصية بالأسباب الطبيعية، وكَكُل هذه ملاحظة، فقد يسأل أحدٌ، فيقول: أنّ هؤلاء ـ مع ما ذكر من قدرتهم الإلهية والولاية التي أعطاها الله لهم ـ لماذا يعيشون هكذا في الفقر في شِعب أبي طالب؟ وقد مرّت عليهم أزمة وجوع حتى أكلوا ورق الشجر، وأولادهم كانوا يبكون، ويُسمَع بكاؤهم من خارج الشِعب.

والجواب أنّه روي أنّ جبرائيل نزل يوماً على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فقال: إنّ الله جلّ جلاله يقرئك السلام، ويقول لك: هذه بطحاء مكة إن شئت أن تكون لك ذهباً، فنظر النبي (صلى الله عليه وآله) إلى السماء ثلاثاً، ثم قال: لا يا ربِّ، ولكن أشبع يوماً فأحمدك، وأجوع يوماً فأسألك(٢).

ويظهر من ذلك أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) أرقى البشر على الإطلاق، فهو يعرف أنّ ذلك ممكن، ولكن يجب عليه أن يعيش وفق الأسباب الطبيعية، فلم

١- راجع: مسند أحمد ٤: ١٨٦.

٢- مكارم الأخلاق: ٢٤.

٤٥٣
يجب جبرائيل حيث كلّمه الله بواسطته، ولكنّه رفع رأسه نحو السماء، وقال ما قال.

وقفة مع ماليّة الإمام السجاد (عليه السلام)

كذلك نلاحظ ـ كما يظهر من التاريخ ـ أنّ السلطة صادرت الأوقاف التي كانت تحت يد الإمام زين العابدين (عليه السلام) آخر أيامه أيام الحجاج، وقد روي أنّ رجلاً من أصحاب الإمام (عليه السلام) شكا إليه حاله، فقال له: إني أصبحت وعليّ أربعمائة دينار دين لا قضاء عندي لها، ولي عيال ثقال ليس لي ما أعود عليهم به، فبكى علي بن الحسين (عليهما السلام) بكاء شديداً ، فقال له: ما يبكيك يا بن رسول الله ؟ فقال: وهل يُعدّ البكاء إلا للمصائب والمحن الكبار، قالوا: كذلك يا بن رسول الله.

فقال الإمام (عليه السلام) : فأيّة محنة ومصيبة أعظم على حرمة مؤمن من أن يرى بأخيه المؤمن خلّة فلا يمكنه سدها، ويشاهده على فاقة فلا يطيق رفعها!

ثمّ تفرقوا عن مجلسهم ذلك، فطعن أحد المعادين على علي بن الحسين (عليهما السلام) ، فقال: عجباً لهؤلاء يدّعون مرّة أنّ السماء والأرض وكل شيء يطيعهم، وأنّ الله لا يردّهم عن شيء من طلباتهم، ثم يعترفون أخرى بالعجز عن إصلاح حال خواصّ إخوانهم.

٤٥٤
فاتّصل ذلك بالرجل صاحب القصة، فجاء إلى علي بن الحسين (عليهما السلام) ، فقال له: يا بن رسول الله! بلغني عن فلان كذا وكذا، وكان ذلك أغلظ علي من محنتي.

فقال علي بن الحسين (عليهما السلام) : فقد أذن الله في فرجك، يا فلانة احملي سحوري وفطوري.

فحملت قرصتين، فقال علي بن الحسين (عليهما السلام) للرجل: خذهما فليس عندنا غيرهما، فإنّ الله يكشف عنك بهما، وينيلك خيراً واسعاً منهما.

فأخذهما الرجل ودخل السوق لا يدري ما يصنع بهما، يتفكّر في ثقل دينه وسوء حال عياله، ويوسوس إليه الشيطان: أين موقع هاتين من حاجتك؟ فمرّ بسماك قد بارت عليه سمكة قد أراحت(١)، فقال له: سمكتك هذه بائرة عليك، وإحدى قرصتي هاتين بائرة علي، فهل لك أن تعطيني سمكتك البائرة وتأخذ قرصتي هذه البائرة؟

فقال: نعم، فأعطاه السمكة وأخذ القرصة.

ثم مرّ برجل معه ملح قليل مزهود فيه، فقال له: هل لك أن تعطيني ملحك هذا المزهود فيه بقرصتي هذه المزهود فيها؟ قال: نعم، ففعل.

فجاء الرجل بالسمكة والملح، فقال: أصلح هذه بهذا، فلمّا شقّ بطن السمكة وجد فيها لؤلؤتين فاخرتين، فحمد الله عليهما، فبينما هو في سروره ذلك إذ قرع بابه، فخرج ينظر من بالباب، فإذا صاحب السمكة وصاحب

١- أراح الشيء: أنتن.

٤٥٥
الملح قد جاءا، يقول كل واحد منهما له: يا عبد الله! جهدنا أن نأكل نحن أو أحد من عيالنا هذا القرص، فلم تعمل فيه أسناننا، وما نظنك إلا وقد تناهيت في سوء الحال، ومرنت على الشقاء، قد رددنا إليك هذا الخبز، وطيبنا لك ما أخذته منا، فأخذ القرصتين منهما.

فلمّا استقرّ بعد انصرافهما عنه قرع بابه، فإذا رسول علي بن الحسين (عليهما السلام) ، فدخل فقال: إنه يقول لك: إن الله قد أتاك بالفرج، فاردد إلينا طعامنا، فإنّه لا يأكله غيرنا، وباع الرجل اللؤلؤتين بمال عظيم قضى منه دينه، وحسنت بعد ذلك حاله.

فقال بعض المخالفين: ما أشد هذا التفاوت! بينا علي بن الحسين (عليه السلام) لا يقدر أن يسدّ منه فاقة، إذ أغناه هذا الغناء العظيم، كيف يكون هذا، وكيف يعجز عن سدّ الفاقة من يقدر على هذا الغناء العظيم؟

فقال علي بن الحسين (عليهما السلام) : هكذا قالت قريش للنبي (صلى الله عليه وآله) : كيف يمضي إلى بيت المقدس ويشاهد ما فيه من آثار الأنبياء من مكة، ويرجع إليها في ليلة واحدة من لا يقدر أن يبلغ من مكة إلى المدينة إلا في اثني عشر يوما؟ وذلك حين هاجر منها.

ثم قال علي بن الحسين (عليهما السلام) : جهلوا والله أمر الله وأمر أوليائه معه، إنّ المراتب الرفيعة لا تنال إلا بالتسليم لله جلّ ثناؤه، وترك الاقتراح عليه، والرضا بما يدبّرهم به، إنّ أولياء الله صبروا على المحن والمكاره صبراً لما

٤٥٦
يساوهم فيه غيرهم، فجازاهم الله عزّ وجلّ عن ذلك بأن أوجب لهم نجح جميع طلباتهم، لكنهم مع ذلك لا يريدون منه إلا ما يريده لهم.

الولاية التكوينيّة

إذن القدرة والولاية التكوينيّة أن لا يُردَّ لهم طلب، وهم قادرون على استعمالها ولكن لا يستعملوها إلاّ أن يؤمَروا بذلك، كيف يؤمَروا؟ عند الله وسائل يأمرهم بها، عنده وحي للنبي (صلى الله عليه وآله) ، ووحي لغير الأنبياء (عليهم السلام) ، لا يستفسر أحدهم فيقول: أنتم تعتقدون أنه يوحى إليهم! نعم، ثُمَّ ماذا؟! ولكن وحي لا كوحي النبوّة، ألم يوحِ الله تعالى إلى النحل؟ وأهل البيت (عليهم السلام) أفضل منهم، وأمّا كيفية الوحي فهي بإلهام أو هاتف أو ما شابه ذلك، فقُلنا أنّه قد يكون هناك عشرون وسيلة في تكليم الله تعالى لغيره وإبلاغه ما يريد.

حكمة النظام العام في تركيبة الإنسان

ثُمّ إنَّ الحاجات والأزمات الاقتصادية من زمان المجتمع الأول إلى الآن موجودة في تركيبة الإنسان، فالإنسان بحاجه إلى أن يتعب ويشتغل، له عشر ساعات كي يخرج قوته، فهو أجوف وعليه أن يسعى ويهيء لنفسه مسكناً يستظلُّ به من الحر والبرد، ويتزوّج ويتعب، فلا يحصل على أكله وقوته إلا بجهد، وهذا هو نظامه.

٤٥٧
لماذا هذا النظام؟ يقول الله عزّ وجلّ: ما أسهل أن نرزق كلَّ أهل الأرض، ما أسهله على الله، لكنه أراد أن يبغوا في الأرض، ولو بسط الله الرزق للناس لبغوا في الأرض جبّارين، فالفقر يربّي الإنسان وهو ضرورة له، فإذا شبع الإنسان كيف ستكون حاله؟! لو لا ثلاث لم يطئطئ رأسَ ابن آدم شيءٌ: الفقر والمرض والموت، وجميعها فيه، وإنّ له معهن لوثاق.

إذن من أصول حياة الإنسان محدوديّة الرزق، والحاجة إلى الكدح والطعام بشكل يومي لتبقى هذه الماكنة مشتغلة.

وما أسهله على الله عزّ وجلّ أن يجعل الكرة الأرضية كلّها مروجاً وأنهاراً وثماراً وطعاماً، فلا يحتاج الإنسان إلى أيِّ جهد، أليس من السهل على الله تعالى أن لا يجعل الإنسان محتاجاً إلى مأوى من الحرّ والبرد، فيلطِّف الجو والمناخ في الأرض، لكنّ هذا الأمر ضارٌّ.

لاحظوا إخواني! إنّ سليمان دعا الله عزّ وجلّ فقال: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾(١) ، ماذا تفهم من هذه الآية؟ نحن نريد أن نري الناس نموذجاً، أنّهم إذا أطاعوه كيف تُسخَّر لهم الريح والجن، ويعرفون منطق الحيوانات والطيور والنمل، فهو نموذج يريد الله تعالى تحقيقه لفترة على يد نبي من الأنبياء (عليهم السلام) .

١- ص: ٣٥ .

٤٥٨
قال سليمان: ربِّ هَبْ لي ملكاً لا ينبغي لأحد، فهو طلب ما لا ينبغي، أي: هذا الملك الذي لا ينبغي أن يتكرّر، ليكون نموذجاً فحسب، نموذجاً لواقع يكون على يد الإمام المهدي (عليه السلام) .

أهل البيت (عليهم السلام) واختلافهم في التعامل الاقتصادي

إذن! النبي الأكرم والأئمة (عليهم السلام) تعاملوا مع المشكلة الاقتصادية بالأسباب الطبيعية، صادروا ملكيتهم الشخصية، وأخذوها منهم، فطالبوا بها، نمّوها، وتعاملوا بها في مساعداتهم الناسَ بالأسباب الطبيعية إلاّ أن يؤمروا بمعجزة، ولكنّ للإمام المهدي (عليه السلام) برنامج آخر، يروون أنّه الخليفة الذي يعطي المال حثواً بغير عدٍّ (١)، وعندما يُخرِج الشخص زكاة ماله وخسمه والحقوق التي عليه لا يجد من يقبلها، لأنّ الناس غير محتاجة.

وكذا الدعاء الذي نقرأه في شهر رمضان: اللهم أشبع كل جائع، متى هذا يكون هذا الدعاء؟ أي: اللهم عجّل فرج الإمام، أشبع كل جائع واكس كل عريان، متى ما كانت هذه تكون تلك ولا تكون قبله أبداً، فالناس جياع

١- روى الطوسي بسنده عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: لا يزال بكم الأمر حتى يولد في الفتنة والجور من لا يعرف غيرها، حتى يملأ الأرض جورا، فلا يقدر أحد يقول الله ، ثم يبعث الله (عزّ وجلّ) رجلاً مني ومن عترتي، فيملأ الأرض عدلاً كما ملاها من كان قبله جوراً، وتخرج له الأرض أفلاذ كبدها، ويحثو المال حثواً ولا يعده عدّاً. أمالي الطوسي : ٥١٢ . كما روى أحمد في مسنده عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): يكون في آخر أمتي خليفة يحثو المال حثواً لا يعدّه عدّاً. مسند أحمد ٣ : ٣١٧ .

٤٥٩
في العالم العربي، وشاعت الأمراض وسرقة الثروات وشاع الظلم في العالم، إذن هذا الدعاء يدلّ على روحيتك في حبِّ الخير وعموم الخير لكل الناس، ولكن من يستطيع أن يحقّقه؟ الإمام المهدي (عليه السلام) .

فإذا سُئلنا أنّ هذه الحالة المالية عبر التاريخ لكلّ من النبي والأئمة (عليهم السلام) ، وكذا للدول والشعوب، كيف يمكنها أن تصل إلى مرحلة الانفجار والشمول على يد الإمام (عليه السلام) ؟

نقول: إنّ الله عندما يعطي هذه القدرات والثروات بيد معصوم فمعناه أنّه تعالى مطمئنٌّ بأنّ هذا المعصوم لا يعمل بالباطل ولا يطغى، لا هو ولا أسرته، ويكون له تقسيم عادل، ويدير ويراقب العمّال من صافّته، سخيٌّ بالمال، شديدٌ على العمّال، رحيمٌ بالمساكين، كأنما يلعق المساكين الزبد والعسل، وقد جاء في الحديث: تُخرِج الأرض أفلاذ أكبادها كالاسطوانةِ من الذهب، وهذا حديث صحيحٌ متفقٌ عليه وقد رواه الجميع، وهذا يظهر بعد ثمانية أشهر، فهو يتمّ حركتهُ كاملاً ويكون العالم العربي والإسلامي بيده (عليه السلام) ، فتُخرِج الأرض أفلاذ أكبادها، يعني: كلّ الذهب الذي هو في باطن الأرض يخرج على الأرض، وما أسهل ذلك على الله تعالى، فقد تكون حركة خاصة للقمر أو لكوكب آخر هي التي تؤثِّر في أن يُجذَب كلّ الذهب، كالمغناطيس الذي يجذب أشياء معينة.

والرواية أنّه تُجمع إليه أموال الدنيا كلّها ما في بطن الأرض وظهرها، فيقول للناس: تعالوا إلى ما قطعتم فيه الأرحام وسفكتم فيه الدماء وركبتم

٤٦٠