×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ندوات مركز الأبحاث العقائدية ج 8 / الصفحات: ٤١ - ٦٠

الفرج مثلاً أو انتظار بعض العلائم التي يأمل المؤمن أن تحدث عاجلاً ليفوز بالظهور.

سؤال: هل تحريف الروايات كان لخدمة الحكومات الغاصبة في زمان المُحرِّفين، أم إن هذا التحريف هو من تدبير عدو الإمام (عج)؟

الجواب: قد تكون بعض التحريفات في ذهني أن هذه الزيادة في بعض الروايات أعني في روايات الترمذي >واسم أبيه اسمُ أبي< هذا يحتمل بعض العلماء أنهُ يكون تحريفٌ لأجل سياسة ذلك الوقت أرادوا أن يثبتوا الإمامة لمحمّد بن الحسن ذي النفس الزكية، قالوا بأنّ اسم أبيه اسم أبي، حتّى يكون المهدي هو محمّد بن عبد الله بن الحسن في ذلك الزمان، يمكن أن تكون بعض التحريفات مثل هذه الرواية لأجل حكومات ذلك الوقت، لكن بعض التحريفات التي حدثت ليس لها دليل إلاّ عِداء وعناد، وإلاّ الحقّ موجود، الحق مشهور كالشمس في رابعة النهار، لا يمكن إنكاره، لذلك أغلبهُ يكون من حيث العناد، وقد يكون هناك تجاهل أو جهل.

والذي نشاهدهُ أنّ أغلب الاعتراضات من العناد والعياذ بالله، لو كان المهدي من أبناء بني أمية ما كانوا اعترضوا عليه، الظاهر أنّ الاعتراضات بعد هذا البيان بعد هذا الوضوح أغلبها من جهة العناد، وقد تكون بعضها من جهة خدمة بعض الحكومات السابقة الغاصبة.

٤١
سؤال: سؤالي ما نواجههُ في الانترنيت من إشكال في إيصال مفاهيم التشيّع للآخرين هو مسألة ولادة المهدي المنتظر، وطول العمر، سبب الغيبة حيث نحتاج إلى تحليل مبني على أسس علمية لهذه التساؤلات؟

الجواب: نعم، إن شاء الله على العين، سنبيّنُ فيما يأتي مسألة طول العمر للإمام المهدي أرواحنا فداه، سبب الغيبة، حكم الغيبة على ما يوافق الوجدان، وتوافقهُ العقول بالإضافة إلى الروايات الشريفة، وكذلك طول العمر نُبينهُ إن شاء الله على ضوء القرآن الكريم والروايات الشريفة. ثمّ على صعيد الوجدان ثمّ الأسسُ العلمية كذلك حتّى سننقل إن شاء الله بعون الله بعض النصوص الطبيّة التي تُبرهن على إمكان طول العمر، بل وجودهُ وتجربته وتحليله، سنبيّنهُ إن شاء الله.

سؤال: أرجو منكم تسليط الضوء على الأدلّة الوجدانية التي يتحرّك بسببها وجدان الإنسان ليعتقد في الإمام المهدي المنتظر أرواحنا فداه؟

الجواب: لا شكّ أنّ الوجدان مما يتبع العقل، والعقل يدرك بعد ملاحظة الأدلّة الشريفة حقيقة هذه العقيدة، حينما أدرك العقل وجدانية هذه العقيدة، والأمور الوجدانية مُصدّقة للأمور العقلية والبديهيات العقلية دائماً، لذلك بعد ثبوت الإمام المهدي عقلاً يكون ثابتاً وجداناً أيضاً، فسنُبيّن بعون الله وحوله وقوتِه إن شاء الله ما يكون من أدلّة عقلية على الإمام المهدي وما يترتّب حولهُ من البحوث.

٤٢
سؤال: هل علامات الظهور حتمية الحدوث أم أنّ بعضها مشروط بشرط، ولا تحدث هل يجب أن تسوء الأوضاع أكثر لكي تتحقّق العلامات؟

الجواب: هذا ما نبيّنهُ إن شاء الله في البحث الأخير، قبل ظهور الإمام المهدي أرواحنا فداه، علامات الظهور تنقسم إلى أقسام ثلاثة، بعض العلامات هي علامات الغيبة، لا الظهور، بعض العلامات العلامة القريبة من الظهور، والقسم الثالث العلامات التي تقارن الظهور في سنتهِ أو ما يُقارب سنته، في تلك العلامات من القسم الثالث التي هي الحرية أن تكون علامات ظهور الإمام أرواحنا فداه، تلك العلامات فيها قسمين: قسم علامات حتمية وهي خمسة، وقسم علائم غير حتمية: وهي: سبعة، سنبينها إن شاء الله بعون الله.

سؤال: هل كانت غيبة الإمام المهدي (عج) من الناحية المادية الجسمية؟

الجواب: سنذكر بعون الله إن المراد من غيبة الإمام المهدي بمعنى الخفاء وعدم الرؤية، لا عدم الظهور وعدم الجسمية، لا أن جسمهُ (روحي فداه) غير حاضر بيننا فإنّه حاضر حضوراً جسمياً بيننا، وإنّما غائب بمعنى أنّه خفي عن عيوننا، سنذكر روايات معتبرة في أنّه في كلّ سنة يحضر الموسم، يرى الناس، ولا يرونه، يحضر عرفات، يرى الناس ولا يرونه، وأنّه ليطأ فروشكم، ولكن لا ترونه، يأتي في المجلس يرى جسمهُ يكون حاضراً،

٤٣
لكن غيبتهُ غيبة خفاءٌ عنا، لا غيبة من جسمه، لا عدم حضور جسمه، نبينهُ إن شاء الله في كلامنا في الغيبة بعون الله تعالى.

سؤال: هل يمكن أن نتصوّر أنّ جند الإمام الحجة (عجل الله فرجه) على ثلاث أقسام:

الأوّل: مباشر من نوع الملائكة وخواص الإنس والجنّ.

والثاني: نوع يتلقّى الأمر بشكل غير مباشر، ولكن لمعرفة بأنّها من قبل الحجة (عليه السلام) .

والثالث: يتصل به (عليه السلام) بشكل معنوي وإيجابي نفسه والأنواع الثلاثة ملائكة وأنس وجن؟

الجواب: بعون الله تعالى سنبيّنُ في الفصل الخامس ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) ، وقيام جند الإمام المهدي وقوّتهُ السماوية والأرضية، تنقسم قوّة الإمام إلى عشرة أقسام وعشرة قوى، بعضها قوى سمائية، وبعضها قوى أرضية، جميعها من جند الإمام ومعد لنصرة الإمام المهدي، وجامعها أنّها تكون قوّة ربّ السماء التي حتماً تغلب الأرض، لذلك بعض التساؤلات والاستفهامات أنّه في بعض النصوص في بعض كلماتهم أنّه كيف يغلب المهدي هذه الصواريخ والأسلحة الحديثة، مهما كانت الأسلحة ومهما كانت الوسائل الدفاعية والحربية قوة بشرية، قوة الإمام المهدي قوة إلهية،

٤٤
وهل تكون القوة البشرية غالبة على القوة الإلهية ﴿إِن يَنصُرْكُمُ الله فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ﴾(١).

القوة الإلهية إنها هذه الأقسام الثلاثة مما يكون من جنود الإمام المهدي، ولهُ أنصار، ولهُ جنود، ولهُ انتصارات أخرى.

سنبيّنها في القسم الخامس البحث الخامس تفصيلاً، إن شاء الله تعالى.

١- آل عمران : ١٦٠.

٤٥

( ١١١ ) بحوث حول الإمام المهدي (عج)

السيّد علي الصدر

٤٦

٤٧

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، فاطر السماوات والأرضين، والصّلاة والسّلام على أحبّ خلقه وسيّد رُسله حبيب قلوبنا وطبيب نفوسنا أبي القاسم محمّد، وعلى آله الطيّبين الطاهرين المنتجبين الغرّ الميامين، لاسيّما بقية الله في الأرضين سيّدنا ومولانا الإمام الحجة بن الحسن المهدي (عليه السلام) ، واللعنة الدائمة على أعدائهم وظالميهم وقاتليهم ومنكري فضائلهم ومناقبهم وجاحدي حقوقهم قاطبة من الجن والأنس إلى يوم الدين، آمين ربّ العالمين.

انتهى بنا الكلام في ليلة أمس إلى الاستدلال على وجود الإمام المهدي (عليه السلام) ، في مقابل من ينكر وجودهُ أو ولادتهُ أو بقائهِ.

أثبتنا ذلك بطرق ثلاثة، أدلة ثلاثة:

الطريقة الأولى: التنصيص على الإمام المهدي (عليه السلام) من الكتاب الكريم والكتب المقدّسة والسُنّة المتواترة المتفق عليها بين الفريقين، كما قرأناها.

الطريقة الثانية: الاستدلال بتنصيص والده الإمام العسكري (عليه السلام) على ولادتهِ، وهو صاحب الفراش، مقبول القول في النسب في جميع الآراء الفقهية، ومن جهة أخرى هو إمام معصوم من أهل بيت الوحي صادقٌ من

٤٨
أهل بيت التطهير، فلا يمكن فيه الكذب، نصّ على ولادة ولده الإمام محمّد المهدي (عليه السلام) تنصيصاً بالغاً حد الاعتراف بهِ بين الفريقين أيضاً، والعجب ممن ينكر ذلك مع أنّ في كتبهم روايات بيان العسكري ولادة ولده المهدي.

ثمّ تنصيص وشهادة السيدة حكيمة بنت الإمام الجواد (عليه السلام) على ولادة سيّدنا الإمام المهدي، وحضور الولادة، مع شهادة خادمتي الإمام العسكري، يعني نسيم ومارية، وشهادة القابلة في الولادة مقبولٌ في جميع المذاهب، كما قرأنا النصوص من فقه الخاصة والعامة.

الطريقة الثالثة: رؤية الإمام المهدي حضروا ونظروا وأخبروا بذلك، فكيف يمكن إنكاره؟ ! صار المطلب عيانياً، وهل يحتاج بعد العيان إلى برهان؟ رأوه في جميع المراحل الثلاثة من حياته.

يعني في زمن والدهِ الإمام العسكري السنوات الخمسة، وبعد وفاة وشهادة الإمام العسكري في أيام الغيبة الصغرى، وبعد الغيبة الصغرى في الغيبة الكبرى، شاهدوهُ وأخبروا وشهدوا برؤيةً رؤية بلغت حد التواتر في جميع هذه المراحل الثلاثة.

يعني أحصينا الروايات المعتبرة في زمن الإمام العسكري ممن نظر وحضر وشهد وفي الغيبة الصغرى، وفي الغيبة الكبرى اخترنا في جميع هذه المراحل، لكل مرحلة عشر روايات معتبرة بإسناد موثقة، في كتب معتمدة، حتّى يحصل بها التواتر والعلم، بحيث لا يمكن إنكاره، رؤية عيانية مشهودة

٤٩
في جميع المراحل الثلاثة ممّن يوثق بهم، وفي الكتب الموثوقة، بحيث يحصل العلم بولادتهِ ووجودهِ حتّى في الغيبتين إلى الغيبة الكبرى، واللطيف أنّ بعض الناظرين والشاهدين على رؤية الإمام المهدي من نفس العامة، ذكرنا أنّه هناك بيانات في كتب المنتظر وغير المنتظر من كتب العامة، أخبروا عن رؤية الإمام المهدي، نختار رواية واحدة من العامة، ورواية من الخاصة، يعني رواية رؤية الأولياء، ورواية رؤية الأعداء، وغير الأولياء كِلا الطرفين وكِلا الفريقين شهدوا ونظروا، وأخبروا عن ذلك، بعنوان النموذج نقرأ روايتين لمن أراد التفصيل:

أمّا من رؤية الأولياء رواية صحيحة ينقلها الصدوق (أعلى الله مقامه) في كمال الدين بأسنادهِ الصحيحة إلى معاوية بن حكيم ومحمّد بن أيوب بن نوح ومحمّد بن عثمان العمري (رضي الله عنه) ـ من أجلّة أصحاب الإمام العسكري وموثقين بجلالة الوثاقة خصوصاً العمري محمّد بن عثمان من أصحاب الإمام العسكري وممن وثّقهُ نفس الإمام ووثّق أباه: «العمري وابنهُ ثقتان، فما أدّيا إليك عنّي فعنّي يؤدّيان..، فاسمع لهما، وأطعهما فإنّهما الثقتان المأمونان»(١). مسموع الكلمة ومطاع بين المؤمنين ـ

قالوا: عرض علينا أبو محمّد الحسن بن علي (عليهما السلام) ، ونحنُ في منزله، وكنّا أربعين رجلاً، فقال: هذا إمامكم من بعدي، وخليفتي عليكم، أطيعوه

١- الكافي ١ : ٣٣٠ حديث ١.

٥٠
ولا تتفرّقوا من بعدي في أديانكم فتهلكوا، أما أنّكم لا ترونهُ بعد يومكم هذا(١).

رؤية جماعة من الموثقين شهدوا برؤية ووجود الإمام المهدي.

وأمّا من شهد بالرؤية من المخالفين، ففي حديث الأودي الذي نقلهُ شيخ الطائفة بإسناده المعتبرة في الغيبة ـ في حدود سنة ثلاث مائة ـ وعن الاودي أنّه قال ـ بينا أنا في الطواف، وقد طفت ستة، وأريدُ أن أطوف السابعة فإذا أنا بحلقة عن يمين الكعبة، وشابٌ حسن الوجه، طيب الرائحة، هيوب، ومع هيبته متقرّبٌ إلى الناس، فتكلّم فلم أر أحسن من كلامه، ولا أعذب من منطقه في حسن جلوسه، فذهبتُ أكلّمهُ، فزبرني الناس، فسألت بعضهم من هذا؟

فقال: ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يظهر للناس في كلّ سنة يوماً لخواصّه، فيحدثهم ويحدّثونه، فقلتُ: مُسترشد أتاك، فأرشدني هداك الله.

قال: فناولني حصاة فحوّلت وجهي، فقال بعض جلسائه: ما الذي دفع إليك بن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فقلت حصاة، فكشفت عن يدي، فإذا أنا بسبيكة من ذهب ـ أعجاز حتّى يتيقّن أنّهُ الإمام، يتيقن من الناحية الغيبية ـ وإذا أنا به قد لحقني، فقال: ثبتت عليك الحُجّة، وظهر لك الحقّ، وذهب عنك العمى، أتعرفني؟

قلت: اللهم لا.

١- كمال الدين : ٤٣٥ حديث ٢.

٥١

فقال: أنا المهدي، أنا قائم الزمان، أنا الذي أملاها عدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً(١).

يخبرهُ وهو عارف عندما يخبر في كلا الفريقين خبر النظر إلى الإمام المهدي ورؤيته تكشف عن وجوده، فالأدلّة الثلاثة الفريق الأوّل والثاني والثالث يتبيّن صراحاً وصريحاً وجود الإمام المهدي، ولادتهُ وبقاؤه خصوصاً ما استدللنا به ليلة أمس الحديث الشريف المتفق عليه بين الفريقين بأنّ مائة وثلاث وستين حديثاً من العامة، وسبعاً وعشرين حديثاً من الخاصّة، قول رسول الله الأئمة بعدي اثنا عشر، أولهم علي، وأخرهم المهدي، لا يزال ما زال هذا الدين قائماً إلى يوم القيامة، يلزم أن يكون فرد من أهل البيت، استشهد الإمام العسكري، من بعد الإمام العسكري لا يوجد غير الإمام المهدي وغير ولده المنحصر بالفضل، إذن وجود الإمام المهدي عيان لا يحتاج إلى بيان، عيانُ بالأدلة والبينات والحجج القطعية العلمية، لا يمكن إنكارها، فما نقلنا سابقاً ليلة أمس عن بعض المخالفين أنّ المهدي أسطورة عجيبٌ من الكلام وإنكارٌ للحقيقة وإنكار للشمس، والعجيب المضحك للثكلى أنّه رأيت تفحصتُ أنّ استدلالهم على هذا الإنكار رؤية وجود الإمام المهدي ينكرون ففي الخطوط العريضة لمحب الدين الخطيب صفحة ١٦ عبارته لم يولد المهدي ولم يوجد; لأنّ ولادته لم تسجّل في سجل مواليد العلويين.

١- الغيبة للشيخ الطوسي : ٢٥٤ حديث ٢٢٣.

٥٢
عجيب هذا الكلام من الخطيب، هل كانت ولادة العلويين تُسجّل في سجلاّت خاصّة؟ ! وهل كانت تحفظ عندك ما رأيتها فأنكرتها؟ !

سلمنا ما رأيت اسم الإمام المهدي في السجلاّت، هلا تراها في البينات من الآيات والروايات. كيف يُنكر مع هذا الوضوح مع هذا الوجود البيّن الظاهر؟ !

إذن المسألة الأولى الموضوع الأوّل للبحث، وهو وجود الإمام المهدي وولادتهُ بقاؤه من الأمور التي لا يشكُّ فيها، وقيام الاستدلال العلمي عليها، فهو (روحي فداه) حيٌّ موجود إلى ظهوره المسعود.

غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) والحكمة فيها

وأما الموضوع الثاني: غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) ، والحكمة فيها، ما هي حكمة الغيبة.

الغيبة في اللغة: لابدّ في البدء من الإشارة إلى معنى الغيبة حتّى ترتفع وتندفع بعض الشبهات; لأنّهُ بعض الشبهات على أساس عدم الالتفات إلى معنى الغيبة، أوردت مثلاً في بعض الكتب من المنحرفين رأيتُ أنّه يقول الشيعة أدعت غيبة المهدي، فما فائدة إمام غير حاضر؟

هذا إشكالهم الظاهر، هذا لو كان يراجع اللغة العربية في معنى الغيبة ما كان إشكاله إشكالاً; لأنّ معنى الغيبة ليس عدم الحضور، الغيبة باتفاق أهل العربية في الكتب المعتمدة القدامى والمتأخّرين من أهل اللغة الغيبة مأخوذّ

٥٣
من الغيبة، معنى الخفاء عدم الرؤية، لا عدم الحضور، الغيبة مقابل الظهور لا مقابل الحضور، غاب يعني لم يُر، يعني خفي عن الأعين، يعني لم نراه، الغائب يعني المخفي عن العيون، لا غير حاضر، هذا المعنى متفقٌ عليه في العربية في الكتب المعتمدة من أهل اللغة، ففي مجمع البحرين قال قوله تعالى: ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾(١)...

أي في قعره، سُمّي به لغيبوبته عن أعين الناظرين، وكلّ شيء غيب عنك فهو غيابة...

﴿وَمَا مِنْ غَائِبَة﴾(٢) أي ما من شيء شديد الغيبوبة والخفاء(٣).

جميع استعمال كلمات الغيبة في الخفاء في عدم الرؤية، وكذلك في لسان العرب، وقريب منه في النهاية لابن الأثير، وتاج العروس، قالوا: الغيب: ما غاب عن العيون، كلّ ما غاب وإن كان محصّلاً في القلوب.

ويقال: سمعتُ صوتاً وراء الغيب أي من موضع لا أراه. وقد تكرّر في الحديث ذكر الغيب، وهو كلّ ما غاب عن العيون(٤).

١- يوسف : ١٠.

٢- النمل : ٧٥.

٣- مجمع البحرين ٢ : ١٣٤ ـ ١٣٥ «غيب».

٤- لسان العرب ١ : ٦٥٤ «غيب» وتاج العروس ٢ : ٢٩٥ «غيب» وانظر : النهاية في غريب الحديث والأثر ٣ : ٣٩٩ «غيب».

٥٤
اذن الغيبة في اللغة العربية ليس عدم الحضور حتّى يُشكل ما فائدة إمام غير حاضر، الغيبة بمعنى عدم الرؤية، لم تره العيون، وإن كان حاضراً في المقام، هذا في اللغة.

الغيبة في الروايات

وكذلك في الأحاديث الشريفة التي بيّنت غيبة الإمام المهدي شرحت الغيبة، بيّنت معنى الغيبة، نصّت على معنى الغيبة، وهو عدم الرؤية، دليلُ ذلك في التوقيع الشريف إلى علي بن محمّد السمري في البحار: «فقد وقعت الغيبة التامة، فلا ظهور إلاّ بعد إذن الله تعالى ذكره...، لا فلا حضور، وصرّح عليه عدم الظهور، إلاّ فمن أدعى المشاهدة(١) جعل الغيبة في مقابل المشاهدة في مقابل الظهور، لا في مقابل الحضور حتّى يُقال إنّ الغيبة بمعنى عدم الحضور.

وكذلك في حديث عبيد بن زرارة عن الإمام الصادق (عليه السلام) ، قال: «يفقد الناس إمامهم، يشهد الموسم، فيراهم ولا يرونه»(٢). يراهم ولا يرونه، عدم الرؤية.

وكذلك حديث العمري، سمعتهُ يقول: «والله إنّ صاحب هذا الأمر ليحضر الموسم كلّ سنة، فيرى الناس ويعرفهم، ويرونهُ ولا يعرفونه»(٣).

١- بحار الأنوار ٥١ : ٣٦١ حديث ٧.

٢- الكافي ١ : ٣٣٧ حديث ٦.

٣- كمال الدين : ٤٤٠ حديث ٨.

٥٥
رؤية موجودة، معرفة الإمام للناس موجودة، إذن حاضرٌ، بل مرئيٌ، لكن لا يعرف.

وكذلك حديث سدير عن الإمام الصادق (عليه السلام) ، قال: «فما تنكر ـ كأنّه ذاك الوقت كان بعضهم منكرين للغيبة ـ هذه الأُمّة أن يكون الله عزّ وجلّ يفعل بحجّتهِ ما فعل بيوسف أن يكون يسير فيما بينهم، ويمشي في أسواقهم، ويطأ بسطهم، وهم لا يعرفونه»(١).

حاضرٌ ناظرٌ لكن لا يعرفونه.

بل صريح الكلام العلوي الشريف (روحي فداه) لحذيفة بن اليمان: «إذا غاب المتغيّب من ولدي عن عيون الناس... فوربِّ عليّ إنّ حجّتها عليها قائمة ماشية في طرقها، داخلة في دورها وقصورها، جوّالة في شرق الأرض وغربها،.. تَرى ولا تُرى إلى الوقت والوعد...»(٢).

إذن الغيبة على ضوء الروايات الشريفة، بل تؤيّدهُ الكلمات اللغوية بمعنى: عدم النظر إليه أو عدم معرفته، لا عدم حضوره، غائبٌ يعني لم يُر، مع هذا المعنى يفسّر أنّ الإمام المهدي غائبٌ، يعني غائبٌ عن العيون، غائبٌ عن معرفة الناس إلاّ أنّهُ حاضرٌ بينهم، يراهم يعرفهم يسمعهم، بلا أي شكّ ولا ترديد.

١- كمال الدين : ١٤٥ حديث ١١.

٢- الغيبة للنعماني : ١٤٦ حديث ٣.

٥٦
السؤال المطروح في المقام: لماذا غاب الإمام (عليه السلام) هذه القرون الطويلة؟ وهو سؤال المؤالف والمخالف، الشاب وغير الشاب.

حكمة غيبة الإمام المهدي (عليه السلام)

وجه الغيبة ودليل الغيبة وما هي حكمة الغيبة؟ هذا السؤال المفروض ومطروح.

فنقول بعون الله تعالى، غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) لها خمسة حِكَم، وجميع الحِكَم الخمسة مأخوذة من الروايات، وتؤيدها الأدلة العقلية.

مقدمة مختصرة: من الأصول المُسَلمة بين جميع الفرق وجميع المذاهب بل بين جميع الناس حتّى المشركين لا شكّ أنّ الله تعالى الخالق حكيمٌ، لهُ الحكمة في أفعاله، لا يفعلُ عبثاً، ولا يصنع شططاً، جميع افعاله موافق للحكمة، فإذن إنّ الله حكيم، وحكمتهُ من الأصول المُسلّمة بين جميع الناس، ومن المعلوم أنّ الحكيم لا يفعل في جميع أموره إلاّ ما هو يطابق الحكمة، وإلاّ تخالف أفعالهُ حكمته، من المسلمات الضرورية أن الحكيم لا يصدر منه إلاّ الأفعال الحكيمة إلاّ الأفعال ذوات المصلحة، مصلحة عائدة إلى نفس المكلفين، لا لهُ، ينتفعُ به الناس، لا الله تعالى; فإنّ الله غنىٌ عن الناس، الله الحكيم على الأصل المعتقد المُسلم الضروري لا يفعلُ ما هو بطبق الحكمة جميع أفعاله في الكون والمكان في جميع الموارد في الوجوديات والعدميات على طبق الحكمة والمصلحة الحقيقية،

٥٧
هذا يدركهُ العقل، ويحكمُ به الشرع ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأعْلَى فِي السَّماوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾(١).

هو ينصُّ على نفسه، والعقل يستقل ينظر إلى جميع عوالم الملك والملكوت يراها كلّها متناسقة متناسبة على طبق الحكمة، فيحكم بأنّ جميع أفعاله على طبق الحكمة.

إذا توصّل إلى أنّه حكيم، يحكم مستقلا بأنّه لا يفعل إلاّ ما هو مستحكم.

إذن الشرع والعقل متوافقان على أنّ الله تعالى حكيمٌ، ولا يصنع إلاّ ما فيه حكمة، كأنّهُ تُستفاد قاعدة كليّة أنّ كلّ ما صنعهُ الله تعالى وكلّ فعل قدّرهُ الله تعالى هو على وفق المصلحة والحكمة، هذا شيء لا شكّ فيه، هذه مقدمة يعرف العاقل أنّ جميع الأفعال الإلَهية أفعالٌ على طبق الحكمة من مسألة غيبة الإمام المهدي من شؤون خليفة الله، على طبق الحكمة، فكيف في نصب خليفته وشؤون خليفته ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾(٢).

خلفائهُ الأنبياء والأئمة الأطهار، خاتمهم الإمام المهدي (عليه السلام) ، غيبة الإمام المهدي من شأن خليفة الله، هل يمكن أن تبنى على غير حكمة؟ ! لابدّ أن تكون حكيمة من الضروريات المحكومة بحكم العقل، لأنّها شأن خليفة الله، لا شيءٌ عاديٌ في الوجود، إذن غيبة الإمام المهدي يتوصّل

١- الروم : ٢٧.

٢- البقرة : ٣٠.

٥٨
العقل إلى أنّها يلزم أن تكون حكيمة وعلى طبق الحكمة، لكن ما هي الحكمة؟

الحكم في غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) ـ على ما تُستفاد من الأدلة المعتبرة من الروايات ـ حكمٌ خمسة، والعقل يوافقها ويقبلها، والوجدان يقبلها أيضاً.

الحكمة الأولى: إنّ حياة الإمام المهدي (عليه السلام) كانت ولا زالت مهدّدة بالقتل، فلابدّ من التحذّر وحفظ نفسه بالغيبة، لابدّ أنّ الإمام المهدي مقابل الأخطار المتوجّهة إليه يلزم أن يحفظ نفسه، يتحذّر من القتل ممّا يصيبهُ الظالمون من جهة العِداء له، وخصوصاً بعد معرفة الظالمين.

إنّ الإمام المهدي هو الذي يقيّض عروشهم، هو الذي يهدم بنيانهم، هو الذي يزيل ملكهم، لابدّ أن يعادوه، ويكونوا في صدد إبادتهِ وقتلهِ، فما يلزم مقابل هذا إلاّ التحذّر إلاّ التحفّظ.

من الوجدانيات الملحوظة سابقاً بالنسبة إلى فرعون وموسى (عليه السلام) ، فرعون بمجرد أن أخبرهُ الكهنة أنّ الذي يقيّض عرشك موسى، كيف صنع؟ أباد جميع النساء والأطفال، قتل، صنع ما صنع، حتّى لا يباد عرشهُ، حتّى لا يولد أحدٌ يبيد عرشهُ.

تلاحظون أنّ هذه من الأمور الواضحة أنّه إذا التفت الظالم إلى أنّ شخصاً يريدُ أن يزيله، حتماً سيقتلهُ، حتماً سيبيدهُ، جميع الظالمين يعرفون أنّ الإمام المهدي (عليه السلام) له هذا الأمر يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، أخبرَ بهِ

٥٩
التوراة، أخبرَ به الإنجيل، أخبرَ بهِ الزبور، أخبرَ به رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، يعرفون أنّه صادق وإن جحدوا بها، لكن استيقنتها أنفسهم، مع معرفة الظالمين بأنّ الإمام المهدي هو الذي يقيّض عرشهم، لابدّ أنّهم سيحاولون قتلهُ، فماذا هو الحزم في مقابل محاولة القتل إلاّ التحذّر، هل يكون غير التحذّر في مقابل هذه الإرادة المعارضة الموجبة لقتل الإمام المهدي (عليه السلام) ، لابدّ من التحذّر، تحذّرٌ في مقابل الخوف والخطر القطعي، وهذا التحذّر من الأمور التي تكون موافقة للعقل، يحكم بهِ العقلاء، لابدّ لكلّ شخص يحسّ بالخطر يعقل الخطر لابدّ أن يتحذّر وإلاّ يقال إنّهُ سفيهٌ، والعياذ بالله.

مسألة التحذّر في مقابل الخطر أمر عقلي عرفي شرعيٌ، يفرضهُ الشرع في مقابل الخطر القطعي، لذلك الإمام المهدي في مقام التحذّر يغيب، وتكون غيبتهُ للتحذّر، عبرّت بهذه الحكمة، وأفادت هذه الحكمة الروايات الشريفة، وإن عبّرت بعض الروايات بالخوف لكن الخوف تحذّر، خوف حزم، لا خوف جبن وضعف، حاشا الإمام المهدي عن الضعف وعن الجبن أبداً، هو أشجع الناس; فإنّه ثبت في علم الإمامة أنّ الإمام (عليه السلام) ، يلزم أن يكون أشجع الناس، هذا ثابت على طبق قاعدة الإمامة المستفاد من الأدلّة البرهانية، الإمام المهدي بما أنّه إمام هو أشجع الناس، حاشاهُ عن الخوف والضعف، الخوف الناشئ من الضعف الناشئ من الجبن، حاشاهُ ذلك إضافة على ذلك القواعد، لا تجوّز هذا المعنى، هو سُلالة الشجعان بن الشجعان، سلالة الطيّبين والأبطال، لا يمكن أن ينكر، أنجبتهُ الفحولة

٦٠