×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

ندوات مركز الأبحاث العقائدية ج 9 / الصفحات: ٣٨١ - ٤٠٠

قتل الأسير، ولو كان عابد وثن أو عابد شمس أو كتابيّ، فالمواجهة بين نظامين سياسيين، وليست لأجل إنجاع آحاد الأفراد على عقيدة الإسلام.

طبعاً قد تستغربون من هذا التحليل الذي أبديه، لكن هذا شاهد مفعم قطعيّ في فقه أهل البيت(عليهم السلام) وعند كلّ فقهائهم، بأنّ الحرب بعد ما أفِلَت ووضعت أوزارها بين الجيشين العسكريين لنظامَينِ سياسيين فلا يجوز قتل الأسير وهدر دمه بحال من الأحوال، وعدم جواز القتل ليس لأنّه مسلم أو أنّه ـ مثلاً ـ أهل كتاب، بل لأهل الكتاب في الذمة امتياز خاصّ يتفَوّقون فيه على عبدة الأوثان أو الملاحدة وما شابه ذلك، لكنّه لكلّ أنسان ولكلّ نظام، بينما هذا لا يوجد في مذاهب المسلمين.

وهذا شاهد دامغ على أنّ دم الإنسان في مذهب أهل البيت (عليهم السلام) لا يُهدَر عبطاً إلاّ أنّ يكون الطرف الآخر معتدياً، ومنشأ هذا الخلاف بين مذهب أهل البيت(عليهم السلام) وسائر مذاهب المسلمين ما يوجد في تفسير آيتين، وهاتان الآيتان ليستا مختصّتين بالحرب وباب الجهاد، بل مرتبطتان بأصول نظام الإسلام والتعايش المدنيّ في هذا النظام، وبعبارة أخرى: الآيتان ليستا مرتبطتين بالحالة العسكرية والأمنية، بل بالحالة المدنية وفقاً لرؤية مذهب أهل البيت(عليهم السلام) .

الآية الأولى في سورة الأنفال، وهي التي نزلت في أسارى بدر، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ

٣٨١
لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً﴾(١).

أيّها الإخوة! راجعوا تفاسير المسلمين في سبب نزول هذه الآية، فهناك اختلاف بين مذاهب المسلمين، يقولون: إنّ فلاناً اعترض على رسول الله(صلى الله عليه وآله) لَمّا أبقى الأسارى أحياءً بعد وضع الحرب أوزارها في وقعة بدر، فالمفروض أن يُقتَل أولئك الأسارى(٢) !

وقيل: إنّها نزلت في تصديقه(صلى الله عليه وآله) ، فقوله تعالى: ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾، يعني: فدية الأسارى(٣)، هكذا فسّروها، وجرّ بهم الأمر إلى أنّ الأسير لا يحترم دمه حتى بعد أن وضعت الحرب أوزارها، وليس خاصّاً بالأسير عند الحرب، فلو دخل الكافر دار الإسلام أو بلاد ودولة الإسلام ولم يعتنق الإسلام فإنّ حكمه هو الحكم الذي يحكمون فيه على الأسير في الحرب، فيهدرون دمه كذلك، ويرونهما سواء.

بينما روايات أهل البيت(عليهم السلام) تشير إلى أنّ هذه الآية ليست بصدد تبيين حكم أسارى بدر بعد وضع الحرب أوزارها، بل أنّ جماعة من المسلمين استبقوا الأسارى أثناء اشتعال الحرب، وحيث أنّ الاحتفاظ بالأسارى أثناء الحرب ـ طمعاً في الفداء ـ يولِّد خطراً، وقد يكون كقنبلة موقوتة اختراقية تهدّد أمن الجبهة العسكرية للمسلمين منعتهم الآية من ذلك، والفرق بين المعنيين كبير.

١- سورة الأنفال:٦٧ـ ٦٩.

٢- راجع: الكشاف للزمخشري ٢ : ١٦٨ .

٣- راجع المصدر نفسه.

٣٨٢
فالآية لا تأمر بهدر دم الأسير الكافر بعد الحرب، كما أنّها ليست منسوخة عند أهل البيت(عليهم السلام) ، وإن كانت منسوخة عند غيرهم حيث هناك آية أخرى تُفَنِّد هدر دم الأسير.

فالآية بصدد أنّكم لا تستبقوا الأسارى والحرب قائمة مشتعلة، فهذا يزعزع أمن الجبهة العسكرية للمسلمين، كما أنّ الطمع في الغنائم ـ أثناء الحرب ـ يُفشِل الخطط العسكرية لجبهة المسلمين.

هذه الآية بهذا الصدد، فذاك الذي اعترض على النبي(صلى الله عليه وآله) هو ـ في الحقيقة ـ أراد قتل أسارى بني هاشم، وقتل العباس بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب بعد وضع الحرب أوزارها؛ لأنّ القتلى كانوا من كلِّ بطون قريش، وصار خزيٌ في بطونها حيث قُتِل منهم من المشركين في معركة بدر كيت وكيت، إلاّ من بني هاشم، فهذا أراد أن تصل المعرة إلى بني هاشم، فيقتل أساراهم بعد الحرب لتغطية هذا الموقف.

فالمعترِض على رسول الله(صلى الله عليه وآله) ادّعى أنّ الآية نزلت في تصديقه، لكنّها ليست بهذا الصدد أصلاً، بل بصدد عدم الطمع في الغنائم والبدائل والأعواض وفدية الأسارى عند اشتعال الحرب؛ إذ يتزلزل بذلك أمن الجبهة العسكرية للمسلمين.

فالآية بهذا الصدد وليست منسوخة؛ لذلك هم حاروا وباروا وحاصوا وباصوا مع الآية الأخرى في سورة محمد(صلى الله عليه وآله) ، وهي قوله تعالى: ﴿فإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ [يعني القتال] حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ [أي: سيطرتم عليهم] فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء [وليس فيها قتل الإنسان ولو كان

٣٨٣
كافراً أو عابد وثن] حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾(١)، ففي الآية تصريح بأنّ الأسير لا يُقتل، ولاحظوا أنتم كلمات مفسِّري مذاهب المسلمين وخطبائهم ومتكلِّميهم في الجمع بين هذه الآية وتلك، فقالوا: بأنّ هذه الآية باعتبارها متأخّرة فهي ناسخة للآية الأولى(٢)، طيب! إذا كانت ناسخة فَلِمَ تفتون بهدر دم الإنسان؟!

وعلى كلٍّ لا أريد أن آخذ من الوقت كثيراً، فهذا البحث فقهي من جهة وعقائدي من جهة أخرى، والشاهد أنّني أريد أن أقرِّب لكم ـ أيّها الإخوة الكرام! ـ أنّه ليس هناك فتك بفرد مدنيّ بعد الحرب في مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ولو كان ملحداً أو عابد وثن فضلاً عن كونه كتابياً، فالآية الكريمة تشير إلى أنّه ليس من شيمة دين الإسلام الفتك بفرد مدنيّ مهما كانت عقيدته، وإنّما يهدر الدم فيما إذا كان هناك حرب عدائية اقتتاليه، إلاّ أنّ الأمر ليس كذلك في مذاهب المسلمين الأخرى، فإذا لم يعتنق الإسلام فدمه ـ كالأسير بعد الحرب ـ هدر.

فأيّ مذهب من المذاهب يحتفظ بعدم هدر دم الفرد المدني أياً كان اعتقاده، إلّا أن يشترك في عدوان ـ كحرب عسكرية أو ما شابه ذلك ـ حيث يستحق به القتل؟!

من الذي يحتفظ بمثل هذا التراث السلمي النيِّر لعموم البشر، ويجعل بحث العقيدة بحثاً حرّاً في ظلّ جو أمنيّ، سلميّ، حواريّ، فطريّ وعقليّ

١- سورة محمد: ٤.

٢- راجع: تفسير ابن كثير ٤: ١٨٦.

٣٨٤
مفتوح؟!

لا أخص بذلك مذاهب المسلمين، فهذه ليست مؤاخذة عليهم فحسب، بل حتى على البروتستانت والكاثوليك، وما يحملونه من تشريعات في التلمود أو المدوّنات ومقطوعات القساوسة الأخرى، وغيرها.

البشرية وصلت للتوّ إلى أفق سطح مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ، هذا المستوى من الرشد العقلي والفكري والمنطقي والحواري..

مذهب أهل البيت(عليهم السلام) ليس بصدد الإلجاء والإرغام على العقيدة، أو أنّه: (إذا أنا حكمت أو نظرت إلى شخص أو فرقة أو تيار على أنّه ليس من أهل النجاة فمعنى ذلك أنّه مهدور الدم).

يقولون: لماذا لم يجيّش عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) الجيوش لفتح البلدان؟!

والجواب: أنّ كلّ تدابير فتح البلدان كانت بيد علي بن أبي طالب(عليهما السلام) ، لكنّه لا يروم الإلجاء، فسياسة الرسول(صلى الله عليه وآله) في التوسّع لم تكن سياسة عدوانية توسّعية، كانت القبائل التي تقطن تلك مناطق هي التي تعتدي وتهاجم، فيبدأ الصراع بين نظامين: نظام دولة الرسول(صلى الله عليه وآله) ونظام دولة تلك القبيلة، وإلّا فما داموا يعيشون في سلم وأمن مع النبي(صلى الله عليه وآله) فإنّ منطق الرسول(صلى الله عليه وآله) كان حواريّاً فكريّاً معهم، نعم كان يحاول أن يستنقذ ويستنجد المظلومين، وهذا أمر آخر، وهو منطق بشري، وموجود ـ حالياً ـ حتى في اللائحة الأساسية لمنظّمة الأمم المتّحدة والمواثيق والعهود الدولية، بأنّه إذا كانت هناك جماعة مضطهدة مظلومة فيمكن لأقطاب بشريّة أخرى أن يقوموا بنصرتهم والدفاع عنهم.

٣٨٥

رجوع لتقييم العائق الأوّل

إذن هذا هو العائق الأوّل الذي يُروَّج له ويُزايَد به!

أنت أيّها القائد المُزايد على الشيخ المفيد وغير الشيخ المفيد! إن كنت تفقه الفقه لدى المذاهب الإسلامية الأخرى، أو الفقه لدى البروتستانت أو الكاثوليك أو اليهود أو الرومان فإنّك لن تجد في فقه البشرية مثيلاً لفقه أهل البيت(عليهم السلام) في المحافظة على السلم البشري والمحبّة البشرية، رغم رؤية أهل البيت(عليهم السلام) المعيّنة للتيارات الأخرى حول النجاة في الآخرة، ولذلك فإنّ تاريخهم أبيض ناصع، فأتباع أهل البيت(عليهم السلام) لم يخوضوا في دم فرقة إسلامية، وذلك خلافاً للملل والنحل الأخرى.

الفرق بين دعوة أهل البيت (عليهم السلام) وبني أميّة:

كان لأئمة أهل البيت(عليهم السلام) العدّة والعدد، وحاول كثير من أنصارهم أن يحفِّز أئمة أهل البيت(عليهم السلام) للخوض في مواجهة ساخنة، وللإطاحة بالظالمين وزعزعة حكمهم ولو جرّ ذلك إلى بلبلة للنظام المدني وللأبرياء، إلاّ أنّ أهل البيت(عليهم السلام) لم يقبلوا بذلك أبداً، فلسانهم لسان حوار ولو أدّى ذلك إلى سفك دمائهم(عليهم السلام) .

الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام) ألم يستطع الخروج على السلطة؟

يقول محمّد بن إسماعيل لهارون العباسي: يا أمير المؤمنين! خليفتان في الأرض: موسى بن جعفر بالمدينة، يجبى له الخراج، وأنت بالعراق يجبى لك الخراج؟!

فقال: والله؟!

٣٨٦
فقال: والله!

فأمر له بمائة ألف(١).

نعم هذه هي الحقيقة.

لماذا لم يدخل الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام) في حرب ساخنة وليكن ما يكون؟ لأنّ ذلك ليس شعاراً لدعوة أهل البيت(عليهم السلام) .

دعوة بني أميّة كانت بالسيف والدم والقتل والخيانة والغدر والفتك، ودعوة أهل البيت(عليهم السلام) بالحكمة والأمانة والسلم والمحبّة وحسن الخلق وأداء الأمانة، هذه هي دعوة أهل البيت(عليهم السلام) ، فأياديهم مبسوطة للسلام ولو سفكت دماؤهم.

ثمّ أنت أيّها السائل المزايد! تأتي فتقول في بعض العبائر: (كيف يحكم الشيخ المفيد على أناس أنّهم من أهل النار؟)، والجواب: أنّ هذه الرؤية رؤية مستقبلية هدفها إشعار الخطر والنصح للبشريّة، لا أنّ الشيخ المفيد يتبني هدر دماء فئة من البشر، هو الشيخ المفيد في مقنعته والشيخ الطوسي والسيد المرتضى وكلّ أعلام الإمامية ـ إلى يومنا هذا ـ يقولون: بأنّ الأسير ـ ولو كان

١- اختيار معرفة الرجال للطوسي (رجال الكشي) ٢: ٥٤١.
وفي رواية أخرى أنّه قال لهارون: ما ظننت أن في الأرض خليفتين حتى رأيت عمّي موسى بن جعفر يُسلّم عليه بالخلافة. راجع: الكافي ١: ٤٨٦.
وفي المناقب لابن شهر آشوب ٣: ٤٣٩، ما نصّه: .. فلمّا ورد الرشيد الحجاز سعى بعمّه إلى الرشيد، فقال: أما علمت أنّ في الأرض خليفتين يجبى إليهما الخراج؟
فقال الرشيد: ويلك أنا ومن؟
قال: موسى بن جعفر، وأظهر أسراره. الحديث.

٣٨٧
عابد وثن ولم يكن من أهل الكتاب ـ إذا وضعت المواجهة العسكرية والأزمة بين النظامين أوزارها فلا يجوز هدر دمه، فالفرد المدني لا مسؤوليّة له كي يهدر دمه(١).

إذن! المزايدة على ماذا؟!

هل هناك من الشيخ المفيد دعوة لتفجير وتلغيم التعايش البشري؟! كلا، إلاّ أنّه جاء عن أصحابك في مدوّناتهم وشعاراتهم، أمّا الشيخ المفيد فبريء، فلا تزايد على كلمة تقتطعها وتلعب بها، وانظر إلى المصادر التي ذكرتها لك، فهذه سيرة أهل البيت(عليهم السلام) .

إذن! التفتيش عن التاريخ الماضي أو بيان مصير التاريخ المستقبلي

لا يؤزِّم ولا يفجّر ولا يلغم التعايش السلمي البشري أبداً في مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) ، نعم يكون ذلك عند الآخرين؛ حيث لم تُضبَط لديهم الموازين، وهذه هي الكارثة على البشر عند تركهم لأهل البيت(عليهم السلام) ، فلو اتّبعوهم(عليهم السلام) لكُتِب للبشر أمن سلميّ وحضارة رائدة، وقد أخذ الوعي البشري في هضم البنود وفق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) شيئاً فشيئاً، وإن لم يكن عارفاً بأنّ هذه البنود منتسبة لهم، لكنّها بنود لا تنطبق ـ في الواقع ـ إلاّ على مذهب أهل البيت(عليهم السلام) .

وبهذا انتهينا إلى نتيجة مهمة في هذه الليلة في البحث عن التاريخ،

١- راجع: الخلاف للشيخ الطوسي ٤ : ١٩٠، فقد ذكر فيه فتاوى جمع من فقهاء العامّة في أنّ القتل من الأمور التي يُتخيَّر فيها بالنسبة للأسير بعد وضع الحرب أوزارها، باستثناء الإمامية حيث لم يجعلوا القتل للأسير من الأحكام السائغة بعد انتهاء الحرب.

٣٨٨
وهي: أنّ هذا العائق يُثمِّن مدى أهميّة وخطورة التاريخ في وعي البشر الراهن.

وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين.

٣٨٩

الأسئلة والأجوبة

السؤال الأوّل: تفضّلتم بأنّ مذهب أهل البيت(عليهم السلام) هو المذهب الوحيد المتناغم مع السلم البشري، وأنّ ما يكون في هذا المذهب هو الدفاعيّة والسلميّة، فكيف ينسجم هذا مع منهجيّة الرسول(صلى الله عليه وآله) في نشر الإسلام من خلال حروبه الهجوميّة؟ وكيف ينسجم مع منهجيّة الإمام المهدي (عليه السلام) في بسط العدل الإلهي؟

الجواب: هناك أبحاث كثيرة أجراها الكثير من الباحثين والكُتَّاب الجدد في هذا المجال، وإنّنا إذا أمعنّا النظر في حروب الرسول(صلى الله عليه وآله) من خلال المنطق القانونيّ فإنّ كلّها دفاعية، وقد ذكرت هذا البحث بشكل مخصوص في كتابي المنشور >عدالة الصحابة<.

فمثلاً: إذا تأمّلنا في >غزوة بدر< أولى حروب الرسول(صلى الله عليه وآله) ، فإنّ لها غطاءً حقوقيّاً دفاعيّاً محضاً؛ لأنّ أموال المسلمين صودرت عنوةً وعدواناً من قِبَل قريش وأهل مكّة، بل بدأوا هم بالغارات على أطراف المدينة، وأبرزوا كثيراً من المظاهر العدوانية، ولكي يسترجع المسلمون أموالهم ويدرأوا عنهم مثل هذه الغارات العدوانيّة ماذا عليهم أن يفعلوا؟ جاء الأمر الإلهي: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾(١)، فانبرى رسول الله(صلى الله عليه وآله) لكي يقتصّ من أموال قافلة قريش التي كان على رأسها أبو سفيان

١- سورة الحج: ٣٩.

٣٩٠
لاسترجاع أموال المسلمين المغتصبة، لا لبدء حرب، لكن لمّا دخل جيش المسلمين قافلة قريش انبرت قريش بجيشها، وهم الذين بدأوا الرسول(صلى الله عليه وآله) بالحرب، حتى قال قائلهم: بأنّ الرسول لا يريد الحرب وإنّما أراد أن يقتصّ لأمواله.

وبعبارة أخرى: لم تكن هذه الحرب ـ ميدانياً ـ مبتدأةً من الرسول(صلى الله عليه وآله) ، نعم بالاصطلاح الفقهي قد تسمّى جهاداً ابتدائيّاً، إلا أنّها حسب الاصطلاح الحقوقي والقانوني حرب دفاعية.

لذلك أقول ـ وللأسف ـ : بأنّ هناك خلطاً بين الجهاد الابتدائي والعدوان الابتدائي، وأنا لم أكن أتناغم مع هذا المصطلح لعدم وجوده في نصوص الكتاب والسنّة الشريفة، لكن جرى الفقهاء على ذلك، لا سيما وأنّه معنون أكثر في فقه مذاهب المسلمين الأخرى، وإلاّ ليس معنى الجهاد الابتدائي أنّه عدوان، وإنّما هي تغطية.

أمّا في >غزوة أحد< فالأمر فيها واضح، فإنّ قريش هي التي أتت وحاربت الرسول(صلى الله عليه وآله) .

وأمّا >الأحزاب< فالأمر فيها واضح أيضاً، فقريش هي التي جيّشت اليهود وغيرهم من القبائل ضدّ الرسول(صلى الله عليه وآله) .

كذلك الأمر في >حُنين<، فلا تجد غزوة من غزوات الرسول الثمانية ـ وإن سمّيت غزوة بمعنى الردع العسكري ـ ابتُدِئت من قِبَله(صلى الله عليه وآله) ، بل لأجل عدوان مُبيَّت أو مُبطَّن، أو أقدم عليها مضطراً، وهذا أمر رائع وبديع.

كثير من الكُتَّاب المصريين وقفوا على هذه الحقائق ـ ربما ـ قبل

٣٩١
ندوات مركز الأبحاث العقائدية ج ٩ » مركز الأبحاث العقائدية » (ص ٣٩١ - ص ٤٢٠)خمسين سنة، الحقائق التي تقول بأنّ حروب الرسول(صلى الله عليه وآله) لم تكن عدواناً ابتدائيّاً، نعم قد تكون ابتداءً بالردع العسكري، الذي يسمّى حالياً في المنطق الحقوقي بـ >عملية الردع العسكري<، حيث يبتدئ بها الرسول(صلى الله عليه وآله) ، لكن لا لكونه عدواناً ابتدائياً.

وأمّا قضية ظهور الحجة(عجل الله تعالى فرجه الشريف) فالأمر واضح أيضاً، فعندما يعدّ العدّة من مكّة المكرمة ويسير فهو لا يريد أن ينابذ أحداً، لكنّه إذا نوبذ من الطرف الآخر فإنّه يدافع عن نفسه، وبعبارة أخرى فإنّ توسّع أهل البيت(عليهم السلام) دائماً يكون بالحوار والمنطق، نعم إن اعتُدي عليهم يصدّون العدوان.

انظر إلى حركة سيد الشهداء(عليه السلام) منذ خروجه من المدينة إلى مكّة، ومن مكة إلى كربلاء، فإنّه لم يبتدئ القتال أبداً، وكان منطقه(عليه السلام) أنّه يكره ابتدائهم بالقتال(١)، فباب الحوار ما دام مفتوحاً لماذا الجانب العسكري؟

السؤال الثاني: بناءً على الأدلّة على توجيه خبر الواحد في السيرة

١- جاء في الإشاد للشيخ المفيد ٢ : ٩٦ حول وقعه عاشوراء: .. وأقبل القوم يجولون حول بيوت الحسين(عليه السلام) فيرون الخندق في ظهورهم والنار تضطرم في الحطب والقصب الذي كان ألقي فيه، فنادى شمر بن ذي الجوشن (عليه اللعنة) بأعلى صوته: يا حسين أتعجلت النار قبل يوم القيامة؟
فقال الحسين(عليه السلام): >من هذا؟ كأنه شمر بن ذي الجوشن<.
فقالوا له: نعم.
فقال له: >يا ابن راعية المعزى! أنت أولى بها صليا<.
ورام مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم فمنعه الحسين من ذلك، فقال له: دعني حتى أرميه فإنّ الفاسق من عظماء الجبارين، وقد أمكن الله منه.
فقال له الحسين(عليه السلام): >لا ترمه، فإني أكره أن أبدأهم<.

٣٩٢
العقائدية، فحينئذ لا يمكن أن نطبّق بين الأحكام الفقهية والقضايا التاريخية وغيرها، والحال أنّ أكثر القضايا التاريخية ضعيفة الإسناد، فكيف يمكننا الاعتماد على التاريخ؟

الجواب: للأسف هذه الرؤية موجودة حالياً عند الأخ وكثيرين في الأوساط العلمية، وكأنّ المصدر الوحيد لإثبات الأحكام الشرعية هو خبر الواحد، نعم خبر الواحد أحد المصادر، إلاّ أنّ المستند لا ينحصر به أبداً، لدينا التواتر والاستفاضة، لدينا تراكم القرائن والوثوق بالصدور وغير ذلك، فكتب أصول الفقه القديمة المطوّلة ـ التي وللأسف أبعدت عن الدراسة في الأوساط العلمية حالياً ـ حافلة بمصادر كثيرة كمنابع لبيان الشريعة، حتى في القضاء، كما في كثير من أقضية أمير المؤمنين(عليه السلام) ، أو التحرير الجنائي المتداول في العصر الراهن، فليس مصدره ونافذته محصورة بخبر الواحد.

فخبر الواحد أحد الظنون ولا يرقى إلى ما هو أعلى منه، كالاستفاضة أو التواتر الإجمالي أو المعنوي أو اللفظي، أو الاستفاضة المعنوية أو الإجمالية، أو الوثوق بالصدور والاطمئنان ومصادر عديدة، فلا يظنّ الأخ أنّ مصادر ومنابع المأخذ الشرعي محصورة بخبر الواحد، إذا ظننّا بأنّها حصريّة بخبر الواحد فهذه كارثة علميّة.

والحمد لله ربّ العالمين.

٣٩٣

(١٤٠) المنهج بين البحث التأريخي والعقائدي (القسم الثاني)

الشيخ محمّد السند

٣٩٤

٣٩٥

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين محمّد وآل بيته الطيبين الطاهرين.

السلام عليكم أيّها الحضور الكرام ورحمة الله وبركاته.

في استمرارنا عن الحديث في المنهج في التاريخ والعقيدة تطرّقنا إلى أنّ هناك دعوات إلى غلق باب الحديث عن البحث التاريخي تحت ذريعة أنّ البحث التاريخي والتفتيش والتنقيب عن التاريخ يؤجّج الصراع بين فئات البشر، أو بين المسلمين، وقد أجبنا على هذا الأمر إلى حدٍ ما في الليلة السابقة بحمد الله.

وربما يُتمسَّك بمستمسك ودليل آخر للحيلولة عن البحث التاريخي والتفتيش والتنقيب عن التاريخ، ونستطيع أن نصوغ هذا الدليل الآخر عبر عدّة صياغات:

الصياغة الأولى: النهي عن التنقيب

الصياغة الأولى لهذا الدليل هو: أنّ القرآن الكريم ـ كما يُزعم ـ نهى عن التنقيب والتفتيش في التاريخ في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وهذه الآية تكرّرت

٣٩٦
مرّتين في سورة البقرة(١).

فإنّ القرآن الكريم ـ بحسب هذا الزعم ـ ينسج معنى بهذه الصياغة والهيئة وهذا الطراز، فينهى عن التفتيش والتنقيب في التاريخ، وكأنّه يقول: (ما لك وللأمم السابقة؟! تلك أمّة قد خلت..).

يصوغون الاستدلال بهذه الكيفية، وقد عشعشت هذه الصياغة لهاتين الآيتين في أذهان المسلمين لقرون، وتسرّبت إلى عدّة من كتب التفسير وغير كتب التفسير في مصادرنا أيضاً، بحيث أنّ هذا المعنى الذي سبك وصيغ أصبح ـ والعياذ بالله ـ من مسلّمات معنى هذه الآية.

وحتى أنّ الطرف الآخر يُشكِل على كبار المشاهير في نقاشهم وحوارياتهم عن بحوث تاريخية في الصدر الأوّل، فيقول: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ إلى آخر الآية.

وعندما ينبري جملة من المشايخ في صدد الجواب يقول: نعم تنهانا الآية عن تعقيد ومتابعة وتفتيش ما قد ارتكبت الأمّم السابقة، كأنّها تقول: بماذا يعنيكم الحديث والتفتيش والتنقيب عمّا جرى في الصدر الأول بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) .

هكذا صيغ المعنى للآيتين بأنّهما تنهيان عن التفتيش والتنقيب في التاريخ، (﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾، فما يعنيك أنت بها، وبما ارتكبت أو أحدثت أو بدّلت؟! استقامت أو انحرفت، اهتدت أو ظلّت، لأنّها ﴿أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ﴾، أي: أنتم المسؤولون عن أعمالكم، لا عن أعمال

١- سورة البقرة: ١٣٤ و ١٤١.

٣٩٧
غيركم).

هكذا يُحبَك المعنى، بأنّكم: (إذا كنتم غير مسؤولين وغير معنييّن عمّا أرتكب الأوائل، فلماذا تبحثون عن التاريخ وأنّ هذا الصحابي ـ مثلاً ـ ماذا فعل؟ وما الذي شجر وحدث بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) بين الصحابة؟ لماذا التنقيب عن الصغيرة والكبيرة؟! فـ ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُم﴾،أي: لا يعنيكم ذلك، ولا صلة بينكم وبينهم، ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وقد تمسّك بنو أميّة بهذا الدليل وروّجوا له بشدّةٍ).

الصياغة الثانية: وضع الحصانة للصدر الأوّل

وربما يصاغ هذا الدليل بكيفية أخرى، وهي: (أنّ الآية بصدد وضع حصانة وقدسيّة للصدر الأوّل من جيل المسلمين، وهم الصحابة الذين كانوا مع الرسول(صلى الله عليه وآله) ، باعتبارهم حلقة الوصل بيننا وبين الوحي ورسول الله(صلى الله عليه وآله) ، فهم الذين نقلوا لنا القرآن وسنّة النبي(صلى الله عليه وآله) ، وفتح ملفات التاريخ عن أحداث ومجريات وسِيَر الجيل الأوّل من المسلمين يوجب خطورة وطامّة، وهي زعزعة التواتر أو زعزعة نقل الوحي إلينا.

ولذلك فلا تنقّبوا ولا تفتّشوا عن أحداث الصدر الأوّل، وأنّه ماذا جرى بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) من الاختلاف في الرأي والنظر، وكيف تقسّمت الآراء وتقابلت، وكيف حدثت بعد ذلك جملة من الأحداث أو الفتن، وكيف قتل بعض الرموز.. إلى أن آلت الأحداث إلى صفين والجمل والنهروان؛ لأنّ التنقيب عنها يوَرِّث تزعزعَ الإيمان والعقيدة في التراث الديني؛ وذلك لأنّ حلقة الوصل بيننا وبين الوحي (وهو رسول الله(صلى الله عليه وآله) ) هم الصدر الأوّل).

٣٩٨
فإذن يقال في صياغة هذا الدليل: (إنّ من آفات البحث التاريخي وأحد موجبات سدّ باب البحث والتنقيب والتفتيش التاريخي هو لزوم وضرورة المحافظة على المقدّسات)، وعادةً ما يستدلّ جملة من أئمة المذاهب الإسلامية الأخرى ـ عندما يُسألون عن أحداث الصدر الأول غالباً ـ بهذه الآية الكريمة.

يكفيك أن تبحث في الموسوعات الإسلامية الحديثية والتاريخية، وفي مختلف كتب العلوم الإسلامية عن لفظة أو جزء من هذه الآية كي ترى الاستدلالات الكثيرة في القرن الأوّل والثاني على سدّ الباب عن التفتيش والتنقيب عمّا جرى بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) من الأحداث تمسكاً بهذه الآية الكريمة.

فإذن؛ المعنى الذي استُحصِل لهذه الآية الكريمة ـ والذي روّجت له السلطات ولا سيّما السلطات الأمويّة والعباسيّة ـ هو: (ضرورة عدم الفحص والتفتيش والتنقيب عن التاريخ، لا سيما تاريخ الصدر والجيل الأوّل من المسلمين؛ لنهي الآية الكريمة عن ذلك، فهم أبرز مصاديق النهي في هذه الآية الكريمة، وهم حلقة الوصل بيننا وبين الوحي).

الصياغة الثالثة: عدم التبرّي والإدانة

المعنى الآخر أيضاً ـ والذي حاول الكثير أن يصوغه ويسبكه لمعنى الآية ـ هو: (أنّ الآية تدعو إلى عدم التبرّي وعدم القطيعة وعدم الإدانة وعدم إيجاد النفرة وأسلوب اللعن ـ وما شابه ذلك ـ مع الجيل الأوّل أو الأجيال السابقة من المسلمين).

٣٩٩
وكأنّ ما يستنتج من الآية هو أنّه: (لماذا تقولون: ماذا فعل يزيد؟! وماذا فعل عمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن وعبيد الله بن زياد؟! وكذلك معاوية والمتوكّل وهارون العباسي؟! وهلمّ جرّا؛ لأنّ ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ﴾، فممّا تنهى عنه الآية هو إحداث القطيعة والتبرّي والنفرة والفجوة والهوة بين الجيل الأوّل أو الثاني من المسلمين، وبيننا نحن الجيل الراهن).

الصياغة الرابعة: عدم المحاكمة

المعنى الآخر (وهو بالنسبة للمعنى السابق قريب يتلو بعضه البعض): عدم المحاكمة:

فكأنّ الآية تشير إلى أنّه: (من أنت حتى تحاكم الصحابة من الصدر الأوّل وهم رموز الإسلام؟! وأين موقعك من الإعراب كي تفتح سجّلات الصدر الأوّل، هؤلاء الذين قام الإسلام والدين على أيديهم، وشُيّدت هذه المعالم على أكتافهم، وهم جبال راسيات وقمم شامخات، فأنت من كي تضع نفسك فتحاكمهم وتقضي فيما بينهم، وأيّ موقعيّة لك؟ أنت لست حكماً أو قاضياً، وتفتيشك في التاريخ سيقودك إلى أن تكون حكماً وحاكماً)..

ويقولون إثر ذلك: (إذن؛ اقفل باب البحث التاريخي، ولا تقل: ماذا فعل يزيد أو معاوية؟! فأنت لست القاضي بين الخلائق، والقاضي هو ربّ العالمين، مالك يوم الدين، فلماذا تنصّب نفسك حكماً؟!).

ملخص ما ادّعوا استنتاجه من الآية

فإذا خضتَ في علم التاريخ فإنّه صار الآن ـ كعلم السحر ـ منبوذاً في

٤٠٠